الإعجاز العلمي في السنة -2


يوضح فضيلة الدكتور زغلول النجار بعض الضوابط الهام التي يجب أن يراعيها المشتغل بقضية الإعجاز العلمي في السنة وبينها فضيلته في العديد من النقاط وهي: (1)اختيار الأحاديث المحتوية على إشارات إلى الكون ومكوناته وظواهره وعمليات خلقه وإفنائه واستبداله وإلى الإنسان وخلقه الأول ومراحله الجنينية وإفنائه وبعثه وإلى ضوابط سلوكه، وإلى ما أحل الله – تعالى – له وحرم عليه من المطعومات والمشروبات وما أباح له من وسائل الوقاية من الأمراض والمتداوى والعلاج. (2)معرفة درجة الحديث عند أهل العلم واستبعاد كل الأحاديث التي ثبت بالدراسة المتأنية أنها موضوعة. (3)جمع الأحاديث الواردة في الموضوع الواحد والروايات المتعددة للحديث الواحد حتى يتضح المعنى المراد منها دون ترجيح حديث على آخر أو رواية أخرى لأن الجمع والتوفيق بين الأحاديث والروايات الصحيحة هو أولى من ترجيح أحدهما على الأخر. (4)فهم النص أو النصوص النبوية الشريفة وفق دلالات الألفاظ في اللغة العربية ووفق قواعدها وأساليب التعبير فيها. (5)فهم النص النبوي الشريف في ضوء سياقه وأسبابه وملابساته ومقاصده وتحديد ارتباطه أم لا بعلة معينة منصوص عليها في الحديث أو مستنبطه منه أو مفهومه من سياقه والتمسك بروح السنة ومقاصدها قبل التمسك بحرفيتها. (6)فهم النص النبوي الشريف في نور القرآن الكريم لأن أحاديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – شارحه لكتاب الله ومبينة لدلالات آياته ومن هنا فلا يمكن أن يكون بينهما شئ من التعارض فإن بدا شئ من ذلك فإما أن يكون اللبس في فهم قارئ الحديث أو شارحه أو أن يكون الحديث غير صحيح، وهنا لابد من مراجعة سند الحديث. (7)لا يجوز للمسلم رد حديث صحيح لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – أبدا فإن فهمه عمل به، وإن لم يفهمه توقف عن الخوض خشية انغلاق معنى الحديث على قارئه انغلاقا مؤقتا أو دائما. كذلك رفق الحديث النبوي الشريف الذي يشير إلى حقيقة علمية ثابتة لمجرد وجود ضعف في سنده لأن الحق العلمي يمكن أن يجبر ضعف السند. (8)ضرورة التفريق بين الحقيقة والمجاز في فهم نص الحديث النبوي الشريف، على ألا يخرج دارس الحديث باللفظ النبوي من الحقيقة إلى المجاز إلا بقرينة كافية وعند الضرورة القصوى. ومن هنا فإنه لا يمكن إثبات الإعجاز العلمي للحديث النبوي الشريف بتأويل النص، وذلك لأن التأويل بصفة عامة وخاصة إلا كان بغير يسوغ بقبول أو بشيء من التعسف هو من الأمور المرفوضة تماما في التعامل مع أحاديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كذلك فإن حمل المجاز على الحقيقة مع وجود المانع العقلي أو الشرعي أو العلمي هو من الأمور المرفوضة كذلك علماً بأنه لا يمكن أن يكون هناك تعارض بين صحيح المنقول وصريح المعقول. (9)عدم التكلف أولى أعناق الأحاديث من أجل موافقتها للحقيقة العلمية لأن أحاديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أعز علينا وأكرم من كل المعارف المكتسبة. (10)عدم الدخول في التفاصيل العلمية الدقيقة التي لا تخدم قضية الإعجاز العلمي للحديث النبوي الشريف والاكتفاء من ذلك بالقدر اللازم لإثبات وجه الإعجاز العلمي. (11)عدم الخوض في القضايا الغيبية غيبية مطلقة من مثل الذات الإلهية ، الروح، الملائكة، الجن، العرش، الكرسي، اللوح، القلم ، حياة البرزخ، البعث، الحشر، أهوال يوم القيامة، الحساب، الميزان، الصراط، الجنة ونعيمها، والنهار وعذابها وذلك لأن عالم الغيب له من السنن والقوانين ما يغاير سنن وقوانين عالم الشهادة ، وعلى ذلك فإن القياس بين العالمين قياس باطل، ومغالطة كبيرة ومن هنا وجب التسليم بما جاء عن عالم الغيب في كتاب الله وفي سنة خاتم أنبيائه ورسله – صلى الله عليه وسلم – دون محاولة تفسير ذلك في حدود المعارف العلمية المكتسبة. الاقتصار على توظيف الحقائق العلمية الثابتة في الاستشهاد على الإعجاز العلمي للحديث النبوي الشريف وذلك في جميع الإشارات العلمية الواردة في أحاديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فيما عدا قضايا الخلق والإفناء والبعث لكل من الكون أو الحياة والإنسان وهي من القضايا التي لا يمكن للعلوم المكتسبة أن تتجاوز فيها حدود وضع نظرية من نظريات . ضرورة التمييز بين محقق الدلالة العلمية للحديث النبوي الشريف والناقل لتلك الدلالة مع مراعاة التخصص الدقيق في جميع مراحل إثبات وجه الإعجاز العلمي أو ما يعرف باسم "التحقيق العلمي للنص النبوي الشريف. (12)التأكيد على أن ما يتوصل إليه محقق العلمي في فهم الدلالة لأية إشارة علمية في حديث نبوي شريف ليس منتهي الفهم له لأن الرسول الخاتم – صلى الله عليه وسلم – قد أوتى جوامع الكلم. (13)التسليم بأن النص النبوي الشريف وإن جاء في مقام التشبيه أو المجاز أو ضرب المثل فإنه يبقى صحيحا من الناحية العلمية في لفظه ومعناه صحة مطلقة وإن لم تكن الحقيقة العلمية مقصودة لذاتها لأنه – صلوات الله وسلامه عليه – كان موصولا بالوحي ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض:- ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ﴾(النجم: 3-5) (14)ضرورة التفريق بين قضيتي التفسير والإعجاز العلمي للنص النبوي الشريف. وذلك لأن التفسير هو محاولة بشرية لحسن فهم دلالة الحديث، إن أصاب فيه المفسر فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد. والمعول عليه في ذلك هو قصده ونيته والخطأ في تفسير الحديث النبوي الشريف يعود على المفسر ولا ينسحب على جلال النص النبوي الصحيح. وهنا لابد من التأكيد على أنه لا يمكن وقوع تعارض بين النصوص الموحى بها في كتاب الله أو على لسان خاتم أنبيائه ورسله وبين الحقيقة العلمية الثابتة فإن بدا للقارئ شئ من التعارض فعليه بسؤال أهل العلم، فقد تكون هناك حكمة خفيت على قارئ النص لأول وهلة أو أن يكون هناك خلل في الفهم تجب معالجته قبل إصدار أحكام متعجلة على حديث من أحاديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كما يحدث كثيرا في زمن الفتن الذي نعيشه.