" ِإنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً"(آل عمران:96-97).


هذان الآيتان الكريمتان جاءتا في نهاية النصف الأول من سورة آل عمران‏ ,‏ وهي سورة مدنية‏ ,‏ ومن طوال سور القرآن الكريم إذ يبلغ عدد آياتها مائتي آية بعد البسملة‏ ,‏ ولذا تأتي في المقام الثالث بعد كل من سورتي البقرة والأعراف من حيث عدد الآيات‏ .‏ والتسمية بـ‏ (آل عمران‏)‏ توقيفية من الله‏ (تعالى ‏)‏ ولكن يبدو أن سببها هو ورود الإشارة في هذه السورة المباركة إلى أسرة السيدة‏/‏ مريم ابنة عمران‏ ,‏ أم نبي الله عيسى‏ (على نبينا و عليه من الله السلام‏) ,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ (تبارك وتعالى ‏):‏" إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ ‏.‏ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏"(‏آل عمران‏:34,33)‏ .
وتروى هذه السورة الكريمة قصة امرأة عمران‏ ,‏ وابنتهما‏:‏ مريم البتول‏ ,‏ ومعجزة ميلادها لوليدها من غير أب‏ ,‏ كما تروي عددا من المعجزات التي أجراها الله‏ (تعالى‏)‏ على يدي هذا الوليد لكي تكون شاهدة له بالنبوة وبالرسالة‏ .‏كذلك جاءت الإشارة في هذه السورة المباركة إلى نبي الله زكريا‏ (على نبينا وعليه السلام‏)‏ الذي وهبه الله الوهاب ابنا على الكبر هو نبي الله يحيي‏ (عليه السلام‏)‏ كرامة له واستجابة لدعائه الصادق‏ .‏وجاء في سورة آل عمران أيضا أمور أخري‏ ,‏ منها ذكر لما حدث في معركة أحد‏ ,‏ وللدروس المستفادة منها‏ .‏ ويدور المحور الرئيسي لهذه السورة المباركة حول حوار أهل الكتاب ممثلا في وفد نصارى نجران‏ ,‏ وتحدد من خلال هذا الحوار عدد من ركائز العقيدة الإسلامية وتشريعاتها‏ ,‏ وقد سبق لنا استعراض هذه السورة المباركة بأهم ملامحها ومحاورها وركائز العقيدة التي أرستها‏ ,‏ والتشريعات التي حددتها‏ ,‏ ولذلك لا أري حاجة إلى تكرار ذلك هنا من أجل إفساح الساحة لاستعراض ما جاء في هاتين الآيتين الكريمتين من حقائق علمية تشهد للقرآن الكريم بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏ ,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏ (اللغة العربية‏) ,‏ وحفظه حفظا كاملا‏ (حرفا حرفا‏ ,‏ وكلمة كلمة‏ ,‏ وسورة سورة بنفس الترتيب الذي نراه في بلايين المصاحف الموجودة بين أيدينا وفي صدور مئات الملايين منها اليوم‏)‏ وحفظه على مدي الأربعة عشر قرنا الماضية‏ ,‏ وتعهد بحفظه إلى قيام الساعة ليكون شاهدا على الناس كافة إلى يوم الدين‏ ,‏ وشاهدا للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة رغم أنوف المنكرين من الكفار والمشركين‏ .‏

من الدلالات العلمية للآيتين الكريمتين :
أولا‏:‏ في قوله تعالى‏ :
" إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ "‏(آل عمران:96)‏
بعد مجاهدة طويلة استغرقت آلافا من العلماء‏ ,‏ عبر عشرات من العقود ثبت لنا في منتصف الستينيات من القرن العشرين أن أرضنا في مرحلة من مراحل خلقها كانت مغمورة بالماء غمرا كاملا‏ ,‏ ثم شاءت إرادة الله‏ (تعالى‏)‏ أن يفجر قاع هذا المحيط الغامر بثورة بركانية عنيفة ظلت تلقي بحممها التي تراكمت فوق بعضها البعض مكونة سلسلة جبلية في وسط هذا المحيط الغامر‏ ,‏ وظلت هذه السلسلة في النمو والارتفاع حتى ظهرت قمتها فوق سطح الماء مكونة أول جزء من اليابسة على هيئة جزيرة بركانية من مثل جزر اليابان‏ ,‏ الفلبين‏ ,‏ اندونيسيا‏ ,‏ هاواي‏ ,‏ وغيرها من الجزر البركانية المنتشرة في محيطات اليوم‏ .‏ وباستمرار عمليات النشاط البركاني نمت هذه الجزيرة الأولية بالتدريج بواسطة
الثورات البركانية المتلاحقة التي أضافت إلى ها مساحات جديدة من اليابسة محولة إياها إلى قارة كبيرة تعرف باسم القارة الأم أو بانجيا‏(Pangaea) ,وهذا النمو بالإضافة على مراحل هو‏ (الدحو‏)‏ الذي يعرف لغة‏:‏ بالمد والبسط والإلقاء وهو تعريف دقيق لعمليات مد اليابسة بواسطة الثورات البركانية‏ .‏وبعد اكتمال تكون القارة الأم شاءت إرادة الله‏ (تعالى ‏)‏ أن يمزقها بواسطة شبكة هائلة من الصدوع العميقة التي شكلت خسوفا أرضية غائرة‏ ,‏ قسمت تلك القارة الأم إلى القارات السبع المشاهدة حاليا على سطح الأرض‏ ,‏ والتي كانت في القديم أشد تقاربا إلى بعضها البعض ثم بدأت في الزحف والتباعد حتى وصلت إلى مواقعها الحالية على سطح الأرض‏ ,‏ والألواح الصخرية المكونة لتلك القارات لا تزال في حركة دائبة إلى اليوم‏ .‏ هذه الظاهرة التي يتحول فيها جزء من المحيط إلى أرض يابسة‏ ,‏ أو تنشق الأرض اليابسة لتحتوي محيطا فيما بينها تعرف باسم دورة المحيط واليابسة‏ .‏ ويتم تحول المحيط إلى أرض يابسة بواسطة الثورات البركانية المتكررة من تحت قاع المحيط والتي ترتفع بجزء من ذلك القاع إلى ما فوق سطح الماء على هيئة جزر بركانية تظل تنمو بالتدريج متحولة إلى قارة‏ ,‏ ثم بواسطة تصدع وخسف أجزاء من تلك القارة تنفصل إلى كتلتين متوازيتين يفصلهما بحر طولي شبيه بالبحر الأحمر‏ ,‏ يظل يتسع باستمرار حتى يتحول إلى محيط‏ .‏
ومن قبل ألف وأربعمائة سنة روي عن رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ قوله الشريف‏: "‏ كانت الكعبة خشعة على الماء فدحيت منها الأرض ‏"والحديث ذكره الهروي في غريب الحديث‏(3/362) ,‏ وذكره الزمخشري في الفائق في غريب الحديث‏1/371‏ لأن دلالته العلمية كانت سابقة لعصره بألف وأربعمائة من السنين و‏(‏الخشعة‏)‏ أكمة لاطئة بالأرض‏ ,‏ والجمع‏ (خشع‏) .‏
وهذا الحديث النبوي الشريف يدعمه حديث آخر أخرجه كل من الطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن عمر‏ (رضي الله عنهما‏)‏ موقوفا عليه‏ : "‏ إنه‏ (أي بيت الله الحرام‏)‏ كان أول ما ظهر على وجه الماء عند خلق السماوات والأرض زبدة‏ (بفتح الزاي‏ ,‏ أي كتلة من الزبد‏)‏ بيضاء فدحيت الأرض من تحته‏ " .‏ وهذان الحديثان الشريفان يعتبران سبقا علميا معجزا لرسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ يشهد له بالنبوة وبالرسالة‏ ,‏ وبأنه كان موصولا بالوحي‏ ,‏ ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض‏ ,‏ لأنه لم يكن لأحد من الخلق قبل منتصف الستينيات من القرن العشرين إدراك لشيء من هذا العلم‏ .‏ ويؤكد ذلك حقيقة توسط مكة المكرمة لليابسة‏ ,‏ كما يحمل معني أن اليابسة تحت الكعبة المشرفة تعتبر أقدم جزء من الغلاف الصخري للأرض على الإطلاق‏ ,‏ وهو ما لم يحاول أحد إثباته بعد‏ ,‏ وعلى علماء المسلمين أن يتحققوا من ذلك بتحديد العمر المطلق للصخور القائمة حول الكعبة المشرفة بواسطة العناصر المشعة الموجودة فيها حتى يمكن تقديم هذا الدليل إلى الناس جميعا ـ مسلمين وغير مسلمين ـ مما يعتبر وثيقة مادية ملموسة‏ ,‏ وحجة منطقية على صدق نبوة هذا النبي الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏) .‏ولعل في هذين الحديثين الشريفين ما يدعم قول السدي‏ (رحمه الله‏)‏ في تفسير قوله‏ (تعالى ‏) : " إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ "(آل عمران:96) :‏ أنه أول بيت وضع على وجه الأرض مطلقا‏ . . . .‏

ثانيا‏:‏ في قوله تعالى ‏:
" فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ " (آل عمران:97) ذكر ابن كثير‏ (رحمه الله‏)‏ أن المقصود بتعبير‏ (مقام إبراهيم‏)‏ هو تلك الصخرة التي استعان بها سيدنا إبراهيم‏ (على نبينا وعليه السلام‏)‏ للارتفاع بالوقوف عليها وهو يرفع القواعد من البيت العتيق‏ ,‏ وولده إسماعيل‏ (عليه السلام‏)‏ يناوله الحجارة حتى تم البناء‏ .‏ وانطلاقا من ذلك قال مجاهد‏ (رحمه الله‏)‏ إن الآيات البينات التي جاء ذكرها في هاتين الآيتين الكريمتين هي أثر قدمي سيدنا إبراهيم‏ (عليه السلام‏)‏ في تلك الصخرة المعروفة باسم‏ (مقام إبراهيم‏) .‏ ولكن ابن عباس‏ (رضي الله عنهما‏)‏ ذكر أن المقصود بقول الحق‏ (تبارك وتعالى ‏) (مقام إبراهيم‏)‏ هو الحرم على اتساعه‏ ,‏ وأن الآيات البينات التي فيه منهن مقام إبراهيم والمشاعر‏ ,‏ وأيد ذلك عطاء‏ (رحمه الله‏)‏ كما رواه ابن أبي حاتم فقال‏:‏ الحرم كله مقام إبراهيم‏ ,‏ ويؤيد ذلك قوله‏ (تعالى ‏):‏ من دخله كان آمنا‏ ,‏ أي من دخل إلى الحرم المكي‏ .‏ وتقدر مساحة هذا الحرم المكي بنحو‏558‏ إلى ‏600‏ كيلو متر مربع على هيئة سلسلة من الأودية والمنخفضات تمتد من مكة المكرمة غربا إلى ساحة عرفات
شرقا‏ ,‏ مرورا بكل من وادي مني ووادي المزدلفة‏ .
ولهذا الحرم حدود حددها ربنا‏ (تبارك وتعالى ‏)‏ لأبينا آدم‏ (عليه السلام‏) ,‏ وحملها جبريل‏ (عليه السلام‏)‏ إلى أبي الأنبياء إبراهيم‏ (على نبينا وعليه من الله السلام‏)‏ ثم إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏) .‏ وقد نصبت على هذه الحدود إعلام في جهات خمس تعتبر المداخل الرئيسية للحرم المكي‏ ,‏ وهذه الأعلام على هيئة أحجار مرتفعة قدر متر واحد‏ ,‏ منصوبة على جانبي كل طريق من الطرق المؤدية إلى منطقة الحرم المكي‏ .‏ 

 وهنا يتبادر السؤال ما هي الآيات البينات التي أشارت إلى ها الآية الكريمة التي نحن بصددها في هذه المساحة الكبيرة التي تشكل الحرم المكي؟ وما هي دلالاتها على شرف المكان وعظمته وبركاته؟ وللإجابة على ذلك نورد ما يلي ‏:‏
(1)‏ توسطة مكة المكرمة لليابسة‏ :‏
وقد قام بإثبات ذلك الأستاذ الدكتور حسين كمال الدين‏ (رحمه الله رحمة واسعة‏)‏ في أثناء تحديده لاتجاهات القبلة من المدن الرئيسية في العالم فلاحظ تمركز
مكة المكرمة في قلب دائرة تمر بأطراف جميع القارات السبع التي تكون اليابسة‏ .‏ فإذا كانت الأرض هي مركز السماوات السبع بنص الآية الكريمة التي يقول فيها ربنا‏ (تبارك وتعالى ‏) : "‏ يَا مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ ‏" (‏الرحمن‏:33) .‏ فلابد أن تكون الكعبة المشرفة في مركز الكون‏ .‏ويدعم هذا الاستنتاج ورود الإشارة بذكر السماوات والأرض وما بينهما في عشرين آية قرآنية صريحة‏ ,‏ ومقابلة السماوات بالأرض في عشرات الآيات القرآنية الأخرى‏ ,‏ على ضخامة أبعاد السماوات والضآلة النسبية لأبعاد الأرض‏ .‏ ويدعم هذا الاستنتاج كذلك ما روي عن المصطفي‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ من أقوال منها‏ : ‏"‏ كانت الكعبة خشعة على الماء فدحيت منها الأرض ‏" .‏ ‏"‏ إن الحرم حرم مناء من السماوات السبع والأرضين السبع ‏" . ‏" البيت المعمور منا مكة‏ ,‏ ووصفه‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ للبيت المعمور بأنه بيت في السماء السابعة على حيال الكعبة تماما حتى لو خر لخر فوقها "‏ .‏كل هذه النصوص تؤكد مركزية مكة المكرمة لليابسة أي الأرض الأولي‏ ,‏ التي من دونها ست أراضين‏ ,‏ ومركزية الأرض للسماوات السبع‏ ,‏ فالحرم المكي مركز بين السماوات السبع والأرضين السبع كما وصفه المصطفي‏ (صلى الله عليه وسلم‏) .

(2)‏ انتفاء الانحراف المغناطيسي عند خط طول مكة المكرمة‏ :‏
كذلك ذكر الأستاذ الدكتور حسين كمال الدين‏ (رحمه الله رحمة واسعة‏)‏ في بحثه
القيم المعنون إسقاط الكرة الأرضية بالنسبة لمكة المكرمة والمنشور في العدد الثاني من المجلد الأول لمجلة البحوث الإسلامية الصادرة بالرياض سنة ‏1396/1395‏ هـ‏ (الموافق ‏1976/1975)‏ أن الأماكن التي تشترك مع مكة المكرمة في نفس خط الطول ينطبق فيها الشمال المغناطيسي الذي تحدده الإبرة الممغنطة في البوصلة مع الشمال الحقيقي الذي يحدده النجم القطبي‏ ,‏ ومعني ذلك أنه لا يوجد أي قدر من الانحراف المغناطيسي على خط طول مكة المكرمة‏ ,‏ بينما يوجد عند جميع خطوط الطول الأخرى‏ .‏ ولذلك اقترح الأستاذ الدكتور اتخاذ خط طول مكة المكرمة كخط طول أساسي بدلا من خط طول جرينتش الذي يبلغ الانحراف المغناطيسي عنده‏(8 .5)‏ درجة إلى الغرب من الشمال‏ ,‏ وقد فرض على العالم بالقوة أثناء الهيمنة الاستعمارية البريطانية التي زال ظلها إلى الأبد بحمد الله‏ ‏.‏

(3)‏ ضبط اتجاه زوايا الكالمشرفة‏ :
عبة الكعبة المشرفة مبنية بزواياها الأربع في الاتجاهات الأربعة الأصلية تماما‏ ,‏ فالحجر الأسود في اتجاه الشرق الحقيقي تماما‏ ,‏ والركن المصري في اتجاه الغرب الحقيقي تماما‏ ,‏ والركن اليماني في اتجاه الجنوب تماما‏ ,‏ ويقابله الركن الشامي في اتجاه الشمال الحقيقي‏ ,‏ تماما‏ .‏ وتحديد تلك الاتجاهات بهذه الدقة في زمن موغل في التاريخ كالذي بنيت فيه الكعبة المشرفة ينفي إمكانية كونه عملا بشريا‏ ,‏ ويؤكد على كرامة المكان‏ ,‏ ويضيف إلى ما فيه من الآيات‏ .

(4)‏ الحجر الأسعد من أحجار السماء‏ :‏
روي أبي بن كعب عن النبي‏ (صلى الله على وسلم‏)‏ انه قال‏:‏ " الحجر الأسود نزل به ملك من " نزل الحجر الأسود من الجنة‏ ,‏ وهو أشد بياضا من اللبن‏ ,‏ فسودته خطايا بني آدم "‏ .‏
وروي عنه أيضا قوله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ لأم المؤمنين السيدة عائشة‏ (رضي الله عنها‏)‏ وهي تطوف معه بالكعبة المشرفة حين استلم الركن‏:
" لولا ما طبع على هذا الحجر يا عائشة من أرجاس الجاهلية وأنجاسها إذن لاستشفي به من كل عاهة‏ ,‏ ولألفي اليوم كهيئته يوم أنزله الله‏ (عز وجل‏) ,‏ وليعيدنه إلى ما خلقه أول مرة‏ ,‏ وإنه لياقوتة بيضاء من يواقيت الجنة‏ ,‏ ولكن الله‏ (سبحانه وتعالى ‏)‏ غيره بمعصية العاصين‏ ,‏ وستر زينته عن الظلمة والأثمة‏ ,‏ لأنه لا ينبغي لهم أن ينظروا إلى شيء كان بدؤه من الجنة ‏" (رواه الأزرقي عن وهب بن منبه‏) .‏
كذلك أخرج كل من الترمذي‏ ,‏ وأحمد‏ ,‏ والحاكم‏ ,‏ وابن حبان قول رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) :
" إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة "‏ .‏
وجاء في رواية للبيهقي أن رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ أضاف ‏:‏ " ولولا ما مسهما من خطايا بني آدم لأضاءا ما بين المشرق والمغرب‏ ,‏ وما مسهما من ذي عاهة ولا سقم إلا شفي "‏ .‏
وحينما قرأ المستشرقون هذه الأحاديث النبوية الشريفة ظنوا الحجر الأسعد قطعة من البازلت الذي جرفته السيول من الحرات المجاورة وألقت به إلى منخفض مكة المكرمة‏ .‏ ومن أجل إثبات ذلك استأجرت الجمعية الملكية الجغرافية البريطانية ضابطا بريطانيا باسم ريتشارد فرانسيس بيرتون(‏Richard Francis Burton)‏
جاء إلى الحجاز في هيئة حاج أفغاني‏ ,‏ وذلك في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي‏(1269‏ هـ‏/1853‏ م‏)‏ بهدف سرقة جزء من الحجر الأسود والفرار به إلى بريطانيا‏ ,‏ وبالفعل تم له ذلك‏ ,‏ وبدراسة العينة المسروقة ثبت أنها من أحجار السماء‏ ,‏ لأنها تشبه أحجار النيازك‏ ,‏ وإن تميزت بتركيب كيميائي ومعدني خاص‏ ,‏ وكان هذا الاكتشاف سببا في إسلامه‏ ,‏ وقد سجل قصته في كتاب من جزءين بعنوان رحلة إلى مكة ‏(A Journey To Mecca) ,‏ وتوفي بيرتون في سنة‏1890‏ م‏/1308‏ هـ‏ .‏



(5)‏ مقام إبراهيم‏ (عليه السلام‏)‏ يحمل طبعة قدميه‏ :
كلمة‏ (المقام بفتح الميم الأولي وضمها تأتي بمعني الإقامة‏ ,‏ من الفعل‏ (أقام‏) , (يقيم‏) , (إقامة‏)‏ و‏(‏مقاما‏) ,‏ ومن هنا أخذ التعبير القرآني‏ (مقام إبراهيم‏)‏ على أنه الحرم المكي بكامل حدوده‏ ,‏ ولكن من مدلول الكلمة أيضا (موضع القيام‏)‏ من الفعل‏ (قام‏) (يقوم‏) (مقاما‏) ,‏ ولذلك فهم تعبير‏ (مقام إبراهيم‏)‏ بالصخرة التي‏ (قام‏)‏ عليها وهو يرفع القواعد من البيت‏ ,‏ وبهذا المفهوم فإن هذه الصخرة تحمل آية بينة وهي أنه على الرغم من صلادتها‏ (صلابتها‏)‏ الشديدة فإنها تحمل طبعة غائرة لقدمي أبي الأنبياء إبراهيم‏ (عليه السلام‏) ,‏ ولين هذه الصخرة الصلدة إلى الحد الذي يمكنها من حمل طبعة قدمي هذا النبي الكريم معجزة بكل المقاييس العلمية يقف العلم عاجزا أمام إمكانية تفسيرها‏ ,‏ لأن المعجزات خوارق للسنن والقوانين‏ ,‏ ولذلك لا يمكن للعلم الكسبي أن يفسرها‏ ,‏ وهي آية محسوسة لكل ذي بصيرة‏ .‏ وفي الأثر أن هذا المقام كان يرتفع بإبراهيم‏ (عليه السلام‏)‏ حتى يضع الحجر في مكانه المحدد من البناية‏ ,‏ ثم يهبط به ليتناول حجرا آخر من ولده إسماعيل‏ (عليه من الله السلام‏) .‏وفيما يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله‏:‏ الركن والمقام من الجنة‏ ,‏ وقوله‏:
" الحجر والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة ‏" .

(6)‏ بئر زمزم آية من آيات الحرم المكي:
إن تدفق الماء من بئر زمزم على مدى أكثر من ثلاثة آلاف سنة‏ ,‏ من قلب صخور نارية ومتحولة شديدة التبلور هو أمر لافت للنظر‏ ..‏ على الرغم من طمرها وحفرها لعدة مرات‏ ,‏ ولم يعرف مصدر هذا الماء المتدفق إلى البئر إلا بعد حفر الأنفاق حول مكة المكرمة‏ ,‏ حين أدرك العاملون في حفر تلك الأنفاق أن الماء يتدفق من تشققات شعرية دقيقة في الصخور المتبلورة تمتد لمسافات بعيدة خارج حدود مكة المكرمة وفي جميع الاتجاهات من حولها‏ ,‏ وهذه الملاحظة تؤكد وصف المصطفي‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ لهذه البئر المباركة بأنها نتجت عن طرقة شديدة وصفها بقوله الشريف‏ :‏ هي هزمة جبريل وسقيا الله لإسماعيل لأن الهزمة في اللغة هي الطرقة الشديدة‏ .‏ وبئر زمزم هي إحدى الآيات المادية الملموسة الدالة على كرامة المكان ويصف رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ ماءها بقوله‏ :‏ " خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم‏ ,‏ فيه طعام طعم وشفاء سقم‏ ,‏ وقوله‏:‏ ماء زمزم لما شرب له‏ " .

(7)‏ إن أعدادا كبيرة من الأنبياء والصالحين مدفونون في الحرم المكي‏ :‏
فعلى سبيل المثال يذكر أن سيدنا إسماعيل‏ (عليه السلام‏) ,‏ وأمه السيدة هاجر‏ (رضي الله عنها‏)‏ مدفونان في حجر إسماعيل‏ ,‏ ويروي عن رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ أنه قال‏ : "‏ في مسجد الخيف قبر سبعين نبيا‏ ",‏ ويروى عن سعد بن أبي وقاص‏ (رضي الله عنه‏)‏ قوله عن الحرم الشريف ‏:‏ لو كنت من أهل مكة ما أخطأتني جمعة لا أصلى فيه‏ ,‏ ولو يعلم الناس ما فيه لضربوا إلى ه أكباد الإبل‏ . . ,‏ وقال مجاهد‏:‏ حج خمسة وسبعون نبيا كلهم قد طاف بهذا البيت وصلى في مسجد مني‏ .‏

ثالثا‏:‏ في قوله تعالى‏: " وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ‏" (آل عمران:97)
رأي المفسرون في هذا النص القرآني الشريف التأكيد على أمن من دخل إلى الحرم المكي على اتساع مساحته‏ ,‏ فكل من دخل في هذا الحرم صار آمنا على نفسه‏ ,‏ مطمئنا على ماله‏ ,‏ ولو كان مطلوبا للثأر ولاذ به‏ ,‏ كان ذلك في الجاهلية‏ ,‏ من بقايا إجلال الناس لهذا المكان‏ ,‏ الذي كرمه ربنا‏ (تبارك وتعالى ‏) ,‏ وفضله على جميع الأرض‏ ,‏ وجعله أشرف بقاعها على الإطلاق‏ ,‏ أما اليوم فمن اقترف جرما فيه من جرائم الحدود أقيم عليه الحد‏ .‏وفي أثناء الفتح الإسلامي لمكة المكرمة أمر رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بمناد ينادي‏"‏ من دخل المسجد فهو آمن‏ ,‏ ومن دخل داره فهو آمن‏ ,‏ ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن "‏ .‏ وأشار بعض المفسرين إلى أن الأمن في الحرم المكي ليس للإنسان فقط‏ ,‏ بل هو أيضا للحيوان والنبات‏ ,‏ فقد حرم رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)
" أن يعضد شوكه‏ ,‏ أو يقلع حشيشه‏ ,‏ أو يقطع شجره‏ ,‏ أو ينفر صيده‏ ,‏ أو أن تلتقط لقطته إلا من عرفها "‏ .‏
وقد لاحظ المراقبون أن الحيوانات الضارية لا تصطرع في الحرم المكي‏ ,‏ ولا يؤذي بعضها بعضا‏ ,‏ بل تخالط من الحيوانات ما تعودت على افتراسه خارج الحرم المكي‏ ,‏ ولا تتعرض له فيه أبداً‏ .‏ ويروي لنا التاريخ أن كل جبار قصد الحرم المكي بسوء أهلكه الله‏ ,‏ ولم يمكنه من ذلك‏ ,‏ كما حدث مع أصحاب الفيل‏ ,‏ وربنا‏ (تبارك وتعالى ‏)‏ يقرر حمايته لبيته العتيق بقوله‏ (عز من قائل‏) : "‏ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أليمٍ "‏ (الحج‏:25) ,‏ وتحقيقا لهذا الوعد الإلهي تعجل العقوبة لمن انتهك حرمة في الحرم المكي‏ .‏ لذلك قال المصطفي‏ (صلى الله عليه وسلم‏) : "‏ الدجال يطوي الأرض كلها إلا مكة والمدينة "‏ .‏ وقال‏ (صلى الله عليه وسلم‏) : "‏ يوم فتح مكة‏ :‏" لا تغزي مكة بعد هذا اليوم أبدا "‏ .‏

ومن الشواهد العلمية على أمن الحرم المكي ما يلي‏ :‏
(1)‏ حماية مكة المكرمة من الهزات الأرضية والثورات البركانية‏ :‏ على الرغم من انفتاح قاع البحر الأحمر بخسوف أرضية عميقة‏ ,‏ واتساع هذا القاع بمعدل 1‏ـ‏3‏ سنتيمترات في كل سنة‏ (تقاس عند باب المندب‏) ,‏ وعلى الرغم من تحرك الجزيرة العربية ككل في الاتجاه الشمالي الشرقي‏ (أي في عكس اتجاه عقرب الساعة‏)‏ متباعدة عن القارة الإفريقية‏ ,‏ وعلى الرغم من السجلات الزلزالية المدونة‏ ,‏ والثورات البركانية العنيفة التي تركت طفوحا هائلة من الحمم والرماد البركاني في المنطقة والتي تقدر بنحو‏2586‏ حدثا زلزاليا تقدر قوتها بقدر يتراوح من‏3 .1‏ إلى ‏6 .7‏ درجة على مقياس ريختر خلال الفترة من سنة‏627‏ م إلى ‏1989‏ م‏ ,‏ وما تلي ذلك من زلازل حتى سنة‏1996‏ م بلغ قدر أعلاها‏6‏ درجات على مقياس ريختر‏ (أو فوق ذلك قليلا‏) ,‏ وامتدت من إلى من جنوبا‏ (مثل زلزال ذمار الذي حدث في‏1982/12/13‏ م‏)‏ إلى العقبة شمالا‏ ,‏ فلم تسجل هزة أرضية واحدة في الحرم المكي كله الممتد من وادي الشميسي غربا‏ (على بعد‏15‏ كم من مكة المكرمة‏)‏ إلى الجعرانة شرقا‏ (على بعد‏16‏ كم‏) ,‏ ومن أضاه جنوبا‏ (على بعد‏12‏ كم‏)‏ إلى التنعيم شمالا‏0‏ على بعد‏6‏ كم‏) ,‏ وإلى وادي نخلة في الشمال الشرقي من مكة المكرمة‏ (على بعد‏14‏ كم‏) ,‏ وذلك على الرغم من وقوع زلزال في المدينة المنورة سنة‏1256‏ م‏ ,‏ صاحبته ثورة بركانية عنيفة وعلى الرغم من وجود أكثر من تسعين ألف كيلو متر مربع من الطفوح البركانية وآلاف الفوهات البركانية على أرض الحجاز‏ .‏
(2)‏ توسط مكة المكرمة لليابسة‏ ,‏ وإثبات وجود الأرضين السبع كلها في أرضنا‏: انطلاقا من حديث سيد المرسلين‏ (عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم‏)‏ الذي قال فيه‏:‏ من أخذ شيئا من الأرض بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين‏ ,‏ ومن دراسات التركيب الداخلي للأرض ثبت أن أرضنا مكونة من سبع أرضين متطابقة حول مركز واحد يغلف الخارج منها الداخل‏ , مما ينطبق وقول رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) : "‏ إن الحرم حرم مناء من السماوات السبع والأرضين السبع " ,‏ وقوله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) :" يا معشر قريش‏ ,‏ يا معشر أهل مكة‏ ,‏ إنكم بحذاء وسط السماء‏ ,‏ وأقل الأرض ثيابا‏ ,‏ فلا تتخذوا المواشي ‏" .‏
وقوله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) :‏ " البيت المعمور منا مكة‏ .‏ ووصفه البيت المعمور بأنه بيت في السماء السابعة على حيال الكعبة تماما حتى لو خر لخر فوقها "‏ .‏
كل ذلك يؤكد لنا أن الأرض في مركز الكون‏ ,‏ وأن الكعبة المشرفة في مركز الأرض الأولي‏ ,‏ ودونها ست أرضين‏ ,‏ وحولها سبع سماوات‏ ,‏ والكعبة تحت البيت المعمور مباشرة‏ ,‏ والبيت المعمور تحت العرش‏ .‏ هذا الموقع المتميز للحرم المكي أعطاه من الشرف والكرامة‏ ,‏ والبركة والعناية الإلهية ما جعل من هذا الوصف القرآني‏: . . .‏ ومن دخله كان آمنا حقيقة مدركة ملموسة لأنه دخل في أمان الله وظل عرشه‏ ,‏ وهل يمكن أن يضام من نال شرف الوجود في هذا المكان؟من هنا كان اختيار الحرم المكي ليكون أول بيت عبد الله‏ (تعالى ‏)‏ فيه على الأرض‏ ,‏ وليكون قبلة للمسلمين‏ ,‏ ومقصدا لحجهم واعتمارهم‏ ,‏ وجعلت الصلاة فيه بمائة ألف صلاة‏ ,‏ والحسنة فيه بمائة ألف حسنة‏ ,‏ لذلك قال رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ في حق مكة المكرمة عشرات الأحاديث النبوية الشريفة التي تؤكد خصوصية المكان‏ ,‏ ومكانته عند الله‏ (سبحانه وتعالى ‏)‏ ومنها قوله‏ (عليه أفضل الصلاة وازكي التسليم‏) :‏ " هذا البيت دعامة الإسلام‏ ,‏ من خرج يؤم هذا البيت من حاج أو معتمر كان مضمونا على الله إن قبضه أن يدخله الجنة‏ ,‏ وإن رده أن يرده بأجر وغنيمة "‏ (رواه ابن جريج عن جابر رضي الله عنه‏) .‏
فسبحان الذي اختار مكة المكرمة موقعا لأول بيت عبد فيه في الأرض‏ ,‏ واختاره بهذه المركزية من الكون‏ ,‏ وغمره بالكرامات والبركات‏ ,‏ وقرر أن من دخله كان آمنا‏ ,‏ وهذه حقائق ما كان للإنسان أن يدركها لولا نزول القرآن الكريم‏ ,‏ وحفظه بلغة وحيه بحفظ الرحمن الرحيم‏ ,‏ فالحمد لله على نعمة الإسلام‏ ,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏ ,‏ والحمد لله على نعمة مكة المكرمة‏ ,‏ والحمد لله على بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏) .‏

رابعا‏:‏ في قوله تعالى ‏: "‏ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إليهِ سَبِيلاً ‏" (آل عمران:97) :‏ هذا النص الكريم يفيد أن الحج فريضة افترضها الله‏ (تعالى ‏)‏ على المستطيع من عباده تعبدا لجلاله وتنسكا‏ ,‏ والمفهوم اللغوي لـ‏ (العبادة‏)‏ أنها قمة الخضوع لله‏ (تعالى ‏)‏ بالطاعة لأوامره‏ ,‏ ومفهوم‏ (التعبد‏)‏ هو التنسك لله‏ (تعالى ‏)‏ طلبا لمرضاته‏ .‏ والأصل في العبادات أنها لا تعلل‏ ,‏ لأنها من الأمور التوقيفية التي لا يملك المسلم حيالها إلا القبول والتسليم‏ ,‏ ومع ذلك فإن هذين الأمرين من القبول والتسليم لا يتنافيان مع محاولة التعرف على شيء من حكمة العبادات المفروضة كالحج مثلا‏ .‏ وللخوض في مثل هذه المحاولات نقول إن الله‏ (سبحانه وتعالى ‏)‏ خلق كلا من المكان والزمان‏ ,‏ وجعلهما أمرين متواصلين‏ ,‏ فلا يوجد مكان بلا زمان‏ ,‏ كما لا يوجد زمان بلا مكان‏ .‏ وقد فضل ربنا‏ (جل جلاله‏)‏ بعض الأماكن على بعض‏ ,‏ كما خص بعض الأزمنة بزيادة فضل بعضها على بعض‏ ,‏ فإذا اجتمع فضل المكان وفضل الزمان تضاعفت بركات الفضلين أضعافا كثيرة بإذن الله‏ ,‏ ولعل تعريض المسلم ـ ولو لمرة واحدة في العمر ـ لمثل هذه الأضعاف المضاعفة من فضل الله على الزمان والمكان معا هي الحكمة من وراء عبادة الحج‏ ,‏ وذلك لتوافق وجوده في أشرف الأماكن مع أشرف الأيام عند الله‏ .‏ لذلك جعل الله‏ (سبحانه وتعالى ‏)‏ الحج أحد أركان الإسلام‏ ,‏ وفرض من الفرائض التعبدية التي علمت من الدين بالضرورة‏ ,‏ والتي تجب على كل مسلم‏ ,‏ بالغ‏ ,‏ عاقل‏ ,‏ حر‏ ,‏ مستطيع مرة واحدة في العمر‏ ,‏ وما زاد فهو تطوع إلا أن ينذره فيجب الوفاء بالنذر‏ .‏ والحج واجب على التراخي‏ ,‏ أي يؤدي في أي وقت من العمر‏ (من البلوغ إلى ما قبل الوفاة‏) ,‏ وإن رأي بعض الفقهاء أنه واجب على الفور خوفا من المرض أو الموت‏ .‏ ومن تفضيل الله‏ (تعالى ‏)‏ لبعض الأماكن على بعض كان فضل مكة المكرمة وحرمها الشريف على جميع البقاع يوم خلق الله السماوات والأرض‏ ,‏ ومن بعدها تفضيل مدينة رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وجوارها المبارك‏ ,‏ ثم فضل بيت المقدس وأكنافه‏ (التي ندعو الله تعالى أن يحررها من دنس الصهاينة الغاصبين‏) .‏ ومن تفضيل بعض الأزمنة على بعض كان فضل يوم الجمعة على باقي أيام الأسبوع‏ ,‏ وفضل شهر رمضان المبارك على باقي شهور السنة‏ ,‏ وفضل العشر الأواخر من لياليه على باقي ليالي السنة‏ ,‏ وفضل ليلة القدر من هذه الليالي العشر‏ ,‏ وجعلها خيرا من ألف شهر‏ ,‏ وأفضل ليالي السنة على الإطلاق وبالمقابل خص ربنا‏ (تبارك وتعالى ‏)‏ الأيام العشرة الأوائل من ذي الحجة بزيادة فضل على باقي أيام السنة كلها‏ ,‏ وجعل أشرف أيام السنة على الإطلاق هو يوم عرفة‏ (التاسع من ذي الحجة‏) . من هنا يتضح جانب من جوانب الحكمة من فريضة الحج وهو تعرض المسلم البالغ‏ ,‏ العاقل‏ ,‏ الحر‏ ,‏ المستطيع ـ ولو لمرة واحدة في عمره ـ لبركة المكان المقدس في الحرم المكي الشريف ـ وهو أشرف البقاع ـ في الأيام العشرة الأولي من ذي الحجة ـ وهي أشرف أيام السنة على الإطلاق ـ فينال العبد المسلم الحاج بركات كل من الزمان والمكان مضاعفة أضعافا كثيرة من فضل الله الكريم المنان‏ .‏ هذا بالإضافة إلى الدروس التربوية والروحية والنفسية العديدة‏ ,‏ والفوائد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الجمة التي يمكن أن تجتني من رحلة الحج إذا أحسن استثمارها‏ ,‏ وتجردت النوايا فيها بالإخلاص لله الذي فرض هذه الفريضة على عباده المؤمنين ولا يناله إلا التقوى منهم‏ .‏

خامسا‏:‏ في قوله تعالى ‏:" وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ " (آل عمران:97) . ومن معاني هذا النص الكريم أن من جحد فريضة الحج فقد كفر بالله‏ (تعالى ‏)‏ ربه‏ ,‏ وخالقه‏ ,‏ ورازقه‏ ,‏ وراعيه‏ ,‏ والله الذي هذه من صفاته‏ ,‏ غني عن العالمين لأنه رب هذا الكون ومليكه‏ ,‏ وحاكمه ومدبر أمره‏ ,‏ هدي الناس إلى ما فيه خير دنياهم وأخراهم‏ ,‏ فمن أبي الخير فهو في الخسران المبين‏ ,‏ ولن يضر الله شيئا‏ ,‏ وذلك لأن الحج هو من أفضل العبادات‏ ,‏ وأفضل الجهاد‏ ,‏ يمحق الفقر والذنوب‏ ,‏ وجزاؤه الجنة‏ ,‏ ولذلك روي عن رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ أقوال كثيرة في فضل الحج منها قوله الشريف‏ :"‏ تابعوا بين الحج والعمرة‏ ,‏ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب‏ ,‏ كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة‏ ,‏ وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة "‏. (أخرجه كل من النسائي والترمذي عن ابن مسعود‏)‏ وقوله‏ (عليه الصلاة والسلام‏) :‏ " الحجاج والعمار وفد الله‏ ,‏ إن دعوه أجابهم‏ ,‏ وان استغفروه غفر لهم "‏ . (أخرجه كل من النسائي وابن ماجه عن أبي هريرة‏) .‏
هذه الحقائق عن كرامة بيت الله بقيت في أزمنة الإيمان بالله واضحة جلية في قلوب وعقول المؤمنين‏ ,‏ ولم تمح من قلوب وعقول الكفار والمشركين في أزمنة الانتكاس عن دين الله وإن أصابها كثير من الغبش‏ ,‏ وتجليتها في الآيتين الكريمتين اللتين نحن بصددهما مما يجزم بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحية‏ (اللغة العربية‏)‏ على مدي الأربعة عشر قرنا الماضية وتعهد‏ (سبحانه‏)‏ بحفظه إلى يوم الدين‏ ,‏ فالحمد لله على نعمة الإسلام‏ ,‏ والحمد لله على نعمة القرآن والصلاة والسلام على الرسول الخاتم الذي تلقاه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ ,‏ اللهم آمين آمين آمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .