" قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ " (المائدة:60)


هذهالآية القرآنية الكريمة جاءت في منتصف سورة‏(‏ المائدة‏),‏ وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها مائة وعشرون بعد البسملة‏,‏ وهي من طوال سور القرآن الكريم‏,‏ ومن أواخرها نزولا‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلي المائدة التي أنزلها الله ـ تعالي ـ من السماء كرامة لعبده ورسوله المسيح عيسي ابن مريم ـ عليه السلام‏ .‏ ويدور المحور الرئيسي لسورة‏(‏ المائدة‏)‏ حول التشريع الإسلامي الذي أنزله ربنا ـ تبارك وتعالي ـ من أجل إقامة الدولة الإسلامية‏,‏ وتنظيم مجتمعاتها علي أساس من الأخوة الإنسانية المؤمنة بوحدانية الخالق ـ سبحانه وتعالي ـ وبوحدة رسالة السماء التي أنزلها ربنا ـ تبارك وتعالي ـ علي مائة وعشرين ألف نبي‏,‏ اصطفي منهم ثلاثمائة وبضعة عشر رسولا‏,‏ ثم أكملها في القرآن الكريم‏,‏ وفي سنة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ وتعهد بحفظها تعهدا مطلقا‏,‏ فحفظت حفظا كاملا علي مدي القرون الأربعة عشر الماضية في نفس لغة وحيها ـ اللغة العربية ـ وسوف تبقي محفوظة بحفظ الله كلمة كلمة‏,‏ وحرفا حرفا‏,‏ إلي يوم الدين ‏.‏ وهذا الوحي الإلهي المنزل من السماء يؤكد حق الله ـ سبحانه وتعالي ـ وحده في التشريع لعباده‏;‏ لتفرده بالألوهية‏,‏ والربوبية‏,‏ والخالقية‏,‏ والوحدانية‏,‏ والحاكمية المطلقة فوق جميع خلقه ـ بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد ـ ومن هنا كان أول بنود هذا التشريع هو عقد الإيمان بالله ربا‏,‏ وبالإسلام دينا‏,‏ وبسيدنا محمد ـ صلي الله عليه وسلم ـ نبيا ورسولا ‏.‏ وهذا العقد هو القاعدة التي تقوم عليها سائر العقود في حياة المسلمين ـ أفرادا وجماعات ـ بين العبد وربه‏,‏ وبين العبد ونظيره من عباد الله‏,‏ وبينه وبين مجتمعه‏,‏ ثم بينه وبين الإنسانية جمعاء‏.‏ ومن هنا نصت السورة الكريمة علي الوفاء بالعقود بكل صورها‏,‏ وأشكالها‏,‏ وأحجامها‏;‏ لأن الوفاء بها يعتبر وفاء لله ـ تعالي ـ الذي أنزل أوامره بها‏,‏ فقال في مقدمة سورة المائدة:‏" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُود " (المائدة‏:1) .‏
ويتخلل آيات التشريع في سورة‏(‏ المائدة‏)‏ تأكيد سمو العقيدة الإسلامية القائمة علي التوحيد الخالص لله ـ تعالي ـ‏,‏ وتنزيهه عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ والإيمان بملائكته‏,‏ وكتبه‏,‏ ورسله‏,‏ بغير تمييز ولا تفريق‏,‏ واليقين بالأخوة الإنسانية التي لخصها المصطفي ـ صلي الله عليه وسلم ـ بقوله الشريف‏:‏ كلكم لآدم وآدم من تراب‏,‏ والإيمان بالآخرة وما فيها من البعث والحساب والجنة والنار‏,‏ وبالخلود في أي منهما‏,‏ كل حسب عمله وحسب عدل الله ـ تعالي ـ أو رحمته به‏,‏ وفضله عليه ‏.‏
وتستعرض سورة‏(‏ المائدة‏)‏ قصص عدد من الأمم السابقة والأنبياء السابقين من أجل استخلاص الدروس والعبر‏,‏ وتأمر المؤمنين بأن يكونوا " قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ ‏ "(‏ المائدة‏:8),‏ وتبشرهم بالمغفرة والأجر العظيم‏,‏ وتتهدد الكفار والمشركين الذين كذبوا بآيات الله وتنكروا لرسالته الخاتمة بأن مصيرهم إلي الجحيم‏,‏ وتعرض لعقائد الكفار والمشركين‏,‏ وترد عليها‏,‏ وقد نسبوا إلي الله ـ تعالي ـ من الأوصاف والنعوت ما لا يليق بجلاله‏,‏ ونقضوا العهود والمواثيق‏.‏ وتنادي الآيات عليهم بنداءات تتكرر أكثر من مرة‏,‏ وذلك من مثل قول الحق ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏ " يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " ‏(‏ المائدة‏:19) .‏


ثم تعرض السورة الكريمة لعدد من الأحكام المتعلقة بحماية النفس الإنسانية‏,‏ والمال الخاص والعام‏,‏ والملكيات الفردية والجماعية‏,‏ والمجتمعات الإنسانية‏,‏ وتأمر بصيانتها من كل انحراف‏,‏ وتؤكد قضية الولاء والبراء‏,‏ وتدعو إلي تعظيم كل من الكعبة المشرفة‏,‏ والأشهر الحرم‏,‏ وإلي إنكار ما بقي من تقاليد الجاهلية ـ وما أكثرها في زماننا الراهن ‏.‏ وتختتم سورة‏(‏ المائدة‏)‏ بالتذكير بيوم القيامة‏,‏ وبالإشارة إلي عدد من المعجزات التي أجراها ربنا ـ تبارك وتعالي ـ علي يدي عبده ورسوله المسيح عيسي ابن مريم‏,‏ ومنها إنزال المائدة التي سميت السورة باسمها‏,‏ وفي ذلك يقول رب العالمين ـ سبحانه وتعالي ـ‏:‏
" وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ . إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ . قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ . قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ "‏(‏المائدة‏:111‏ ـ‏115) .‏
وانتهت السورة الكريمة إلي تبرئة كل من السيد المسيح وأمه الصديقة‏(‏ مريم ابنة عمران‏)‏ من فرية ادعاء ألوهيتهما‏,‏ وكلاهما من عباد الله الصالحين‏,‏ والله واحد أحد‏,‏ لا شريك له في ملكه‏,‏ ولا منازع له في سلطانه‏,‏ ولا شبيه له من خلقه‏,‏ وهو ـ سبحانه وتعالي ـ منزه عن الصاحبة والولد‏ .‏

من التشريعات الإسلامية في سورة المائدة:
‏(1)‏ الأمر بالوفاء بالعقود أي العهود المؤكدة بين العباد وخالقهم‏,‏ وبينهم وبين بعضهم البعض‏,‏ ومن أولها ما ألزم الله ـ تعالي ـ به عباده‏,‏ وعقده عليهم من التكاليف من مثل شهادة أن لا إله إلا الله‏,‏ وأن محمدا عبد الله ورسوله‏,‏ وإقامة الصلاة‏,‏ وإيتاء الزكاة‏,‏ وصوم رمضان‏,‏ وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا وحسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض بعمارتها وإقامة عدل الله فيها ‏.‏
‏(2)‏ تأكيد ضرورة الحكم بما أنزل الله ـ تعالي ـ والالتزام بحدوده‏,‏ والأمر بالعدل في القضاء‏,‏ وبتقوي الله في السر والعلن وبالتوكل عليه ـ سبحانه وتعالي ـ حق التوكل وخشيته‏,‏ وطاعته‏,‏ وطاعة خاتم أنبيائه ورسله ـ صلي الله عليه وسلم ـ والحرص علي العمل الصالح والإحسان إلي خلق الله ‏.‏
‏(3)‏ المحافظة علي شعائر الإسلام وفرائضه ومنها الوفاء بالعقود‏,‏ ومن العقود ما يعقده الناس فيما بينهم من عقود المعاملات‏,‏ والأمانات وغيرها مما يجب شرعا الوفاء به أي الإتيان به وافيا غير منقوص ‏.‏
‏(4)‏ الأمر بالجهاد في سبيل الله طلبا لمرضاته‏.‏ ودفعا لظلم الظالمين وجور الجائرين المعتدين ‏.‏
‏(5)‏ أحل الله ـ تعالي ـ أكل لحوم بهيمة الأنعام وشرب ألبانها‏,‏ والبهيمة اسم لذوات الأربع من الدواب‏,‏ ولفظة الأنعام يطلقها العرب علي كل من الإبل‏,‏ والبقر‏,‏ والغنم‏,‏ والماعز‏,‏ وإن كان أكثر ما يقع هذا الاسم علي الإبل‏,‏ وألحق بها في حل الأكل ما يماثلها من الثدييات اللبونة المجترة المقتصرة علي أكل الأعشاب كالظباء‏,‏ والغزلان‏,‏ والزراف‏,‏ وبقر الوحش‏,‏ وأشباهها‏ .‏
‏(6)‏ تحريم الصيد علي المحرم أو حتي مجرد الانتفاع به سواء كان المحرم في الحل أو في الحرم‏,‏ وفي حكم المحرم من كان مقيما في الحرم وليس محرما‏,‏ وتحديد كفارة ذلك ‏.‏
‏(7)‏ احترام حرمة الدين وشعائره من مثل حرمة الكعبة المشرفة وحرمها‏,‏ والحج ومناسكه‏,‏ والأشهر الحرم الأربعة والأمر بالامتناع عن الاقتتال فيها‏,‏ وحرمة ما يهدي إلي البيت الحرام‏,‏ وما يقلد به الهدي‏,‏ وحرمة الحجاج القاصدين البيت الحرام‏,‏ وحرمة أمنهم وسلامتهم وأموالهم وأعراضهم‏.‏
‏(8)‏ الأمر بالتعاون علي البر والتقوي‏(‏ أي علي فعل الطاعات‏,‏ واجتناب المنكرات‏)‏ والنهي عن التعاون علي الإثم والعدوان أي عن مجاوزة حدود الله تعالي‏ .‏
‏(9)‏ تحريم كل من الميتة‏,‏ والدم‏,‏ ولحم الخنزير‏,‏ وما أهل لغير الله به‏,‏ والمنخنقة والموقوذة‏,‏ والمتردية‏,‏ والنطيحة‏,‏ وما أكل السبع‏(‏ إلا ما أدرك ذكاؤه أي تم ذبحه قبل موته‏),‏ وتحريم كل ما ذبح علي النصب‏,(‏ وهي أحجار كانت تعظم في الجاهلية‏,‏ ويذبح عليها وهي غير الأصنام‏),‏ إلا من اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم‏.‏
‏(10)‏ تحريم الاستقسام بالأزلام أي محاولة استشراف المستقبل بواسطة القداح‏,‏ وهي سهام كانت في الجاهلية‏(‏ ولا تختلف عن غيرها من وسائل الدجل المعاصرة من مثل قراءة الطالع‏,‏ أو الفنجان‏,‏ أو فتح أوراق اللعب وغيرها‏),‏ لأن ذلك كله خروج عن طاعة الله وعن الاستسلام لقدره‏ .‏
‏(11)‏ الأمر للمسلم بعدم خشية غير الله أبدا‏,‏ خاصة أهل الكفر والشرك لأنهم أضعف من الضعف لأن الله ـ تعالي ـ لا يرضي عنهم أبدا‏,‏ ويرضي عن المسلمين الذين أكمل لهم دينهم‏,‏ وأتم عليهم نعمه‏,‏ ورضي لهم الإسلام دينا‏,‏ ومن كان في جوار الله كان الله في جواره‏ .‏
‏(12)‏ أحل الله ـ تعالي ـ للمسلمين كل الطيبات‏,‏ وهو ما أذن في أكله بما في ذلك صيد البحر وطعامه‏,‏ وصيد البر غير المحرم بعد ذكر اسم الله علي وسيلة الصيد من الجوارح قبل إطلاقها‏.‏ ومما أحل الله ـ تعالي ـ لعباده المسلمين ذبائح أهل الكتاب وطعامهم إذا ذكروا عليها اسم الله في أثناء الذبح‏.‏
‏(13)‏ أحل الله ـ تعالي ـ للمسلمين زواج المحصنات من المؤمنات‏,‏ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبل‏,‏ أي العفيفات المترفعات عن الرذائل‏,‏ وذلك بالطرق الإسلامية المشروعة ‏.‏
‏(14)‏ فصلت الآيات في سورة المائدة أحكام الطهارة في جميع الحالات ‏.‏
‏(15)‏ تحريم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق تحريما قاطعا وتحديد عقوبة القاتل في الأرض‏,‏ وإنزال حكم القصاص‏,‏ فمن تصدق به فهو كفارة له ‏.‏
‏(16)‏ تحريم قطع الطريق وتحديد عقوبته‏,‏ وعقوبة غير ذلك من صور الاعتداء علي الخلق‏.‏
‏(17)‏ تحريم السرقة وتحديد عقوبتها‏,‏ والنهي عن أكل السحت بأشكاله المختلفة ومنه الربا والرشوة‏,‏ والغش في التجارة والصنعة‏,‏ وتطفيف كل من المكاييل والموازين ‏.‏
‏(18)‏ إنزال حكم الولاء والبراء‏,‏ وحكم الردة‏,‏ وحكم الحنث في اليمين‏.‏
‏(19)‏ تحريم الشرك بالله تحريما قاطعا‏,‏ ومساواته بالكفر بالله‏,‏ وإنزال حكم الله فيه‏.‏
‏(20)‏ تحريم كل من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام واعتبارها رجسا من عمل الشيطان يجب علي المسلم اجتنابه كل الاجتناب ‏.‏
‏(21)‏ تفصيل حكم الوصية ساعة الاحتضار أو قبل ذلك ‏.‏


من ركائز العقيدة في سورة المائدة:
‏(1)‏ الإيمان بالله‏,‏ وملائكته‏,‏ وكتبه‏,‏ ورسله‏,‏ واليوم الآخر‏,‏ وبالقدر خيره وشره‏,‏ وببعثة الرسول الخاتم ـ صلي الله عليه وسلم ـ الذي أكمل الله ـ سبحانه وتعالي ـ برسالته الدين‏,‏ وأتم النعمة‏,‏ ورضي لعباده الإسلام دينا ‏.‏
‏(2)‏ التسليم لله ـ تعالي ـ بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ والالتزام بحسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض‏,‏ وإلي الاتباع في الدين‏,‏ وعدم الابتداع فيه‏ .‏
‏(3)‏ اليقين بأن لله ما في السماوات‏,‏ وما في الأرض‏,‏ وما بينهما‏,‏ وأنه ـ تعالي ـ علي كل شيء قدير وإليه المصير‏,‏ وأنه رب هذا الكون ومليكه‏,‏ بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة ولا ولد لأن هذه كلها من صفات المخلوقين‏,‏ والله ـ سبحانه وتعالي ـ منزه عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله ‏.‏
‏(4)‏ الإيمان بوحدة رسالة السماء‏,‏ وبالأخوة بين الأنبياء الذين بعثوا جميعا برسالة واحدة هي الإسلام العظيم‏,‏ وبأن حزب الله هم الغالبون ‏.‏
‏(5)‏ اليقين بنبوة المسيح عيسي ابن مريم‏,‏ وبعبوديته لله ـ تعالي ـ وبالمعجزات التي أجراها الله له وعلي يديه‏,‏ كما رواها القرآن الكريم‏,‏ وأنه قد خلت من قبله الرسل‏,‏ وأن أمه صديقة‏,‏ وأنهما كانا يأكلان الطعام‏,‏ وأنه بشر بمقدم خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ـ‏.‏
‏(6)‏ الإيمان بأنه‏...‏
"... مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً " (المائدة: 32 ) ‏,‏ وبأن‏...‏ " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " (المائدة: 36) ‏.‏
‏(7)‏ التسليم بالحقيقة القرآنية التي مؤداها أن اليهود قد زيفوا رسالة الله إليهم‏,‏ وأنهم سماعون للكذب أكالون للسحت‏,‏ مسارعون في الإثم والعدوان ‏.‏


من الإشارات العلمية في سورة المائدة:
‏(1)‏ تحريم أكل كل من الميتة‏,‏ والدم‏,‏ ولحم الخنزير‏,‏ وما أهل لغير الله به‏,‏ والمنخنقة‏,‏ والموقوذة‏,‏ والمتردية‏,‏ والنطيحة‏,‏ وما أكل السبع إلا ما ذكي‏.‏ والعلم يؤكد أخطار تناول مثل هذه اللحوم ‏.‏
‏(2)‏ تأكيد البينية الفاصلة بين الأرض والسماوات ‏.‏
‏(3)‏ تحريم كل من الخمر‏,‏ والميسر‏,‏ والأنصاب والأزلام‏,‏ والعلم يؤكد أضرار كل ذلك‏.‏
‏(4)‏ تأكيد كرامة الكعبة المشرفة بجعلها قياما للناس‏,‏ والعلم يثبت تميز موقعها ‏.‏
‏(5)‏ الإشارة إلي أن كثيرا من الناس لفاسقون وتسابق الإدارات الغربية علي إباحة الشذوذ الجنسي وإقرار زواج الشاذين‏,‏ والسماح لهم بالتبني في هذه الأيام إحدي صور الإثبات المادي الملموس لذلك الفسق‏ .‏
‏(6)‏ اختيار الغراب بالذات ـ دون غيره من الطيور والحيوانات ـ لتعليم قابيل كيف يواري سوءة أخيه‏.‏ والعلم أثبت أنه أذكي الطيور علي الإطلاق ‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلي معالجة خاصة بها‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا علي الذي جاء من دلالات علمية في الآية رقم‏(60)‏ من هذه السورة المباركة‏,‏ وقبل الوصول إلي ذلك أري لزاما علي استعراض أقوال عدد من المفسرين في شرح دلالتها‏:‏


من أقوال المفسرين:
في تفسير قوله ـ تعالي ـ‏:‏ " قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ " (المائدة:60) .
 ذكر ابن كثير ـ رحمه الله ـ ما مختصره‏:‏ يقول ـ تعالي‏:‏ قل يا محمد لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا ‏" هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ‏..." (‏ المائدة‏:59)‏ أي هل لكم علينا مطعن أو عيب في هذا؟‏,‏ وهذا ليس بعيب ولا مذمة‏,‏ فيكون الاستثناء منقطعا‏,‏ ثم قال‏: " قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ... "‏ أي هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا؟‏,‏ وهم المتصفون بهذه الصفات المفسرة بقوله‏:(‏ من لعنه الله‏)‏ أي أبعده من رحمته‏,(‏ وغضب عليه‏)‏ أي غضبا لا يرضي بعده أبدا‏,(‏ وجعل منهم القردة والخنازير‏),‏ وقد قال سفيان الثوري عن ابن مسعود قال‏:‏ سئل رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ عن القردة والخنازير أهي مما مسخ الله؟‏,‏ فقال‏: " إن الله لم يهلك قوما ـ أو قال لم يمسخ قوما ـ فيجعل لهم نسلا ولا عقبا‏,‏ وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك‏ "(‏ رواه الإمام مسلم في صحيحه‏),‏ وقال أبو داود الطيالسي عن ابن مسعود قال‏:‏ سألنا رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ عن القردة والخنازير أهي من نسل اليهود؟ فقال‏:(‏ لا‏..‏ إن الله ـ عز وجل ـ لم يلعن قوما قط فيمسخهم فكان لهم نسل‏,‏ ولكن هذا خلق كان‏,‏ فلما غضب الله ـ عز وجل ـ علي اليهود مسخهم فجعلهم مثلهم‏)(‏ أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن ابن مسعود‏).‏ وقوله ـ تعالي‏:(‏ وعبدالطاغوت‏)‏ وقرئ‏(‏ وعبدالطاغوت‏)‏ بالإضافة‏,‏ علي أن المعني‏:‏ وجعل منهم خدم الطاغوت ـ أي خدامه وعبيده ـ والمعني هو توحيد الله وإفراده بالعبادات دون ما سواه‏,‏ كيف يصدر منكم هذا وأنتم قد وجد منكم جميع ما ذكر؟‏,‏ ولهذا قال‏: " أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً " (المائدة: 60‏)‏ أي مما يظنون بنا‏."‏ وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ ‏" (المائدة: 60‏)‏ وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر مشاركة‏ .‏



من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
أولا‏:‏ في قوله ـ تعالى" وَجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ ‏"‏:
جاءت الإشارة الي مسخ العصاة من بني إسرائيل إلي قردة في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم يقول فيها الحق ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏
" وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ‏"(‏ البقرة‏:65).‏
"...‏ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ .."(‏ المائدة‏:60)‏
" فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ "(‏ الأعراف‏:166).‏
والقردة من الثدييات المشيمية التي تنسب
إلي رتبة الرئيسيات‏(OrderPrimates),‏ وتعيش متسلقة علي الأشجار‏,‏ وإن كان بعضها يحيا علي اليابسة‏,‏ وتتميز بكبر نسبي لحجم الجمجمة‏,‏ وتسطح الوجه‏,‏ وبأقدامها ذات الأصابع الطويلة‏,‏ وبالقدرة علي التسلق بالتشبث بالأطراف‏,‏ كما تمتاز بزوج من الأعين قوية الإبصار والموجودة في مقدمة الرأس‏.‏ وأبسط الرئيسيات تركيبا وجدت بقاياها في صخور عهد الباليوسين أو الفجر القديم للحياة الحديثة ـ منذ نحو ستين مليون سنة مضت ـ وتعرف باسم البروسيمات(‏(Porsimii,‏ وهي حيوانات صغيرة الحجم تشبه القردة إلا في استطالة وجهها‏,‏ وتبعتها الكوبلديات‏(Tarsiers)في عهد الإيوسين أو فجر الحياة الحديثة ـ منذ نحو خمسين مليون سنة مضت ـ ثم فصيلة الليموريات‏(Lemurs),‏ ثم فصيلة زبابات الشجر‏TreeShrews))‏ ثم فصيلة السعادين‏(OldWorldMonkerys)‏ وفصيلة القردة مسترخية الذنب((TheNewworldMonkeys‏ وفصيلة القردة الكبيرة الحجم‏(Apes),‏ ومنها الجبون‏(Gibbon),‏ والشمبانزي‏(Chimpanzee),‏ والغوريللا‏(Gorilla)‏ والأورانج أوتان‏(Orangutan).‏
والقردة تسير عادة علي أربعة أرجل‏,‏ ولكن البعض منها يستطيع أحيانا السير بشكل شبه معتدل علي رجلين فقط‏,‏ مما يعطي الطرفين الأماميين شيئا من الحرية في الحركة في أثناء التسلق علي الأشجار‏,‏ وفي التقاط الطعام وتناوله وهي من الرئيسيات آكلة الأعشاب واللحـــــــوم‏
(OmnivorousPrimates),‏ وتحيا غالبا فوق الأشجار في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية‏,‏ وهي حيوانات تتمتع بقدر من الذكاء‏,‏ وبقدرة على التعلم ولكن القرد حيوان حاد المزاج‏,‏ يتسم بالأنانية الشديدة‏,‏ وبالخيانة والغدر‏,‏ والميل إلى الاستغلال‏,‏ وحب التملق‏,‏ وعدم الوفاء‏,‏ وحب الرشوة واستمرائها‏.‏
 
ولذلك كان المسخ من مرحلة الإنسانية إلى مرحلة القردة يعتبر امتهانا وإذلالا للعصاة من بني إسرائيل وعقابا من الله ـ تعالي_ لهم‏,‏ ولكنهم لم يطيلوا العيش ولم ينسلوا ، فقد روي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما أنه قال‏:‏ لم يعش مسخ من الخلق فوق ثلاثة أيام أبدا‏,‏ ولم يأكل‏,‏ ولم يشرب‏,‏ ولم ينسل‏.‏
ويروي الإمام أحمد عن أبي دواد الطيالسي عن ابن مسعود ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ أنه قال‏:‏ سألنا رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ عن القردة والخنازير أهي من نسل اليهود؟ قال‏:
‏" لا‏,‏ فإن
الله ـ عز وجل ـ لم يلعن قوما قط فيمسخهم فكان لهم نسل‏,‏ ولكن هذا خلق كان‏,‏ فلما غضب الله ـ عزو وجل ـ علي اليهود مسخهم فجعلهم مثلهم"‏
.‏          
ويروي الإمام مسلم عن سفيان الثوري عن ابن مسعود‏(‏ رضي الله عنهم أجمعين‏)‏ قال‏:‏ سئل رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ عن القردة والخنازير أهي مما مسخ الله؟ فقال‏:‏ "إن الله لم يهلك قوما" ـ أو قال‏:‏ "لم يمسخ قوما ـ فيجعل لهم نسلا ولاعقبا‏,‏ وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك"‏.

ثانيا‏:‏ في قوله ـ تعالى ـ‏ "وَجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ" :‏
وصف القرآن الكريم حيوان الخنزير بأنه رجس‏,‏ وحرم أكله في أكثر من مقام‏(‏ البقرة‏:173;‏ المائدة‏3,‏ الأنعام‏:145,‏ النحل‏:115),‏ كما جاءت الإشارة إلى مسخ عصاة اليهود إلى كل من القردة والخنازير في آية واحدة‏(‏ المائدة‏:60)‏.

ولفظة‏(‏ رجس‏)‏ هي لفظة جامعة لكل معاني القذارة والقبح‏,‏ والنجاسة والإثم‏;‏ وذلك لأن الخنزير
حيوان ضخم الجثة‏,‏ كتلي الشكل‏,‏ كريه المنظر‏,‏ مكتنز اللحم والشحم‏,‏ قصير الأرجل‏,‏ طويل البوز‏,‏ قوي الأنياب‏,‏ له جلد سميك مغطي بشعر خشن قذر‏,‏ وهو حيوان جشع‏,‏ كسول‏,‏ رمام‏,‏ يأكل النبات والحيوان والقمامة والجيف‏,‏ كما يأكل فضلاته وفضلات غيره من الحيوانات‏,‏ وهذا من أسباب قيامه بدور كبير في نقل العديد من الأمراض الخطيرة للإنسان الذي يربيه أو الذي يأكل لحمه وشحمه لأن كليهما من آكلي الخضراوات واللحوم‏
(Omnivorous)‏ وذلك يسهل انتقال مسببات الأمراض من أحدهما للآخر‏.‏
والخــــنزير من الحيـــــوانات الثديية السرية‏
(PlacentalMammals)‏ التي تلد وترضع صغارها‏,‏ ولها حافر مشقوق يحمل عددا زوجيا من الأصابع‏(‏ أربعة أصابع‏),‏ ولذلك يضم في مجموعة من الثدييات المشيمية تعرف باسم‏(‏ الحافريات زوجية الأصابع‏),‏ وقد عمرت الأرض خلال الخمسين مليون سنة الماضية‏(‏ من بدايات عهد الإيوسين أو فجر الحياة الحديثة إلي اليوم‏),‏ ولكن الخنازير تنفصل عن هذه المجموعة من الحيوانات بكونها رمامة‏,‏ وغير مجترة‏,‏ وقذرة‏,‏ وناقلة للعديد من الأمراض‏.‏
وتضم الخنازير عددا من الأنواع البرية والمستأنسة‏,‏ والتي تجمع كلها في فصيلة واحدة تعرف باسم فصيلة الخنازير‏
(FamilySuidae),‏ ويسمي الذكر منها باسم العفر‏(Boar),‏ وتسمي الأنثى باسم الخنزيرة‏(Sow),‏ وهي من النوع الولود‏,‏ والخنزير المخصي يعرف باسم الحلوف‏(Hog),‏ ويستعار اللفظ في اللغة الإنجليزية لوصف كل قذر‏,‏ شره‏,‏ أناني من البشر‏.‏ وتستخدم لفظة‏(swine)‏ الانجليزية للتعبير عن الخنزير بصفة عامة ـ سواء كان ذكرا أو أنثي‏,‏ مخصيا أو غير مخصي‏,‏ مستأنسا أو غير مستأنس ـ وتستعار هذه الكلمة كذلك لوصف كل فرد من بني البشر حقير النفس‏,‏ بخيل اليد‏,‏ قذر المظهر والملبس‏,‏ متصف بالخيانة والجبن والغدر وبغير ذلك من أحقر الصفات‏,‏ فإذا أطلقت علي الأنثي كان لها من هذه الحقارة حظ وافر‏,‏بالإضافة إلي وصفها بالمرأة الساقطة المجردة من كل فضيلة‏,‏ لذلك مسخ العصاة من بني إسرائيل من مستوي الآدمية المكرمة إلي مستوي الخنازير القذرة المهانة‏;‏ عقابا من الله ـ تعالي ـ لهم علي فجرهم وانغماسهم في ماديات الحياة وفي المعاصي إلي آذانهم‏,‏ وحربهم المعلنة علي كل ما هو غير يهودي ـ‏(‏ الأغيار‏,‏ أو الأمميين‏,‏ أو الأميين أو الجويم‏)‏ بالمؤامرات‏,‏ والخيانة والغدر‏,‏ والظلم والقهر والمذابح عبر التاريخ الذي يشهد لهم بذلك‏.‏
ومن المعجزات العلمية في أقوال رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ أحاديث المسخ لأنه لم يكن ممكنا لأحد من الخلق في زمن الوحي‏,‏ ولا لقرون متطاولة من بعده أن يعلم بأن خلق كل من القردة والخنازير كان سابقا لخلق الانسان‏,‏ ثم بدأت دراسات بقايا الحياة في صخور القشرة الأرضية تثبت ذلك بالتدريج وهي من أحدث الدراسات المكتسبة في التاريخ الإنساني‏.‏ ومما يشهد للقرآن الكريم بأنه لايمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام رب العالمين‏;‏ وشاهد للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة‏.‏

ثالثا‏:‏ في قوله ـ تعالى "وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ" ‏:
والمقصود بالتعبير القرآني‏(‏ وعبد الطاغوت‏)‏ أي عبيده وخدامه‏,‏ والطاغوت لغة هو كل مجاوز للحد ومبالغ في العصيان لله ـ تعالي ـ وذلك من مثل من يقوم بعبادة الشيطان‏,‏ أو الكاهن‏,‏ أو عبادة كل رأس في الضلال ـ مفردا كان أو جمعا ـ‏,‏ والكلمة تجمع على طواغيت وكل حكم لايبني علي أساس من شريعة الله هو طاغوت‏,‏ أي كفر‏,‏ سواء كان هذا الكفر في حق الله ـ تعالي ـ بإنكار ألوهيته‏,‏ أو حاكميته‏,‏ أووحدانيته المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ أو في حق العباد بالتآمر عليهم‏,‏ أو الغدر بهم‏,‏ أو خيانة أماناتهم أو الاعتداء علي حرياتهم وحقوقهم أو علي دمائهم أو أعراضهم‏,‏ أو أموالهم‏,‏ أو ممتلكاتهم‏,‏ أومقد ساتهم أو أراضيهم كما يفعل شياطين الحركة الصهيونية على أرض فلسطين المباركة‏,‏ وعلى أراضي الدول العربية المجاورة ـ طوال أكثر من نصف قرن‏;‏ لأن هؤلاء من شياطين الإنس الذين يمثلون ركازة الكفر عبر التاريخ‏,‏ ويجسدون عبادة الطاغوت في أقبح صورها‏;‏ فاليهود ماكانوا يتبعون أحد أنبيائهم لفترة من الفترات حتي يكفروا به‏,‏ ويعودوا إلى الشرك بالله‏,‏ وإلى عبادة الطاغوت‏,‏ ولذلك حاربوا كل نبي بعث إليهم‏,‏ وحرفوا كل رسالة أنزلت عليهم‏,‏ ولذلك لعنهم القرآن الكريم‏,‏ كما لعنهم من قبل كل من أنبياء الله موسي‏,‏ وداود وعيسي بن مريم ـ عليهم السلام‏.‏ وركازة الكفر هذه من غلاة الكفار من اليهود والمتهودين إتخذت من محاربة قضية الإيمـــان بالله ـ تعالي ـ غاية لها في الحياة الدنيا‏,‏ وجعلت من تحريف الدين وسيلة من وسائل الاستعلاء في الأرض‏,‏ ومن كل من الجربمة والرذيلة وسوء الاستغلال حرفا احترفوها عبر التاريخ‏,‏ فكرهتهم كل المجتمعات الإنسانية وأبغضتهم‏,‏ ونبذتهم‏,‏ واضطهدتهم‏,‏ واعتبرتهم جنودا للشيطان وعبدة للطاغوت في الأرض‏.‏
ولو لم ينزل في القرآن من حقائق الكون غير هذه الآية الكريمة لكانت كافية للشهادة له بأنه كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه علي ذاته العلية في نفس لغة وحيه ـ اللغة العربية ـ وحفظه حفظا كاملا علي مدي أربعة عشر قرنا أو يزيد‏,‏ وتعهد بهذا الحفظ تعهدا مطلقا‏;‏ حتي يبقي القرآن شاهدا علي الخلق أجمعين إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها‏.‏