"‏ وَاسْتَوَتْ عَلَى الجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ " (هود‏:44)‏.


هذا النص القرآني الكريم جاء في بداية الثلث الثاني من سورة هود‏ ,‏ وهي سورة مكية ‏,‏ وآياتها مائة وثلاثة وعشرون‏(123)‏ بعد البسملة ‏,‏ وقد سميت باسم نبي الله هود عليه السلام الذي بعثه الله تعالى إلى قومه ‏(‏قبيلة عاد‏) ,‏ وكانوا عربا أشداء‏ ,‏ غلاظا ‏,‏ جفاة ,‏ متكبرين ‏,‏ متمردين ‏,‏ عتاة ,‏ سكنوا منطقة الأحقاف‏ ,‏ في الركن الجنوبي الشرقي من شبه الجزيرة العربية‏ ,‏ وعلوا فيها علوا كبيرا ‏,‏ عبدوا الأصنام والأوثان وأشركوا بالله تعالى بدلا من شكره على ما وهبهم من بسطة في الجسم‏ ,‏ ووفرة في الرزق ‏,‏ فكانوا أول من عبد الأصنام وأفسد في الأرض من بعد نوح على نبينا وعليه من الله السلام فأرسل الله تعالى إليهم نبيه هودا عليه السلام فدعاهم إلى عبادة الله وحده بما أمر ‏,‏ وإلى إقامة العدل في الأرض ‏.‏ وإلى حسن القيام بواجبات الاستخلاف فيها‏ ,‏ فكذبوه‏ ,‏ وخالفوه‏ ,‏ وحاربوه‏ ,‏ واضطهدوه والذين آمنوا معه‏ ,‏ سخر الله عليهم ريحا صرصرا عاتية أهلكتهم‏ ,‏ ونجى نبيه هودا والذين آمنوا معه‏ ,‏ فالتجئوا إلي مكة المكرمة يعبدون الله تعالى عند أول بيت وضع للناس في الأرض حتى توفاهم الله‏ .‏ ويدور المحور الرئيسي لسورة هود حول قضية العقيدة الإسلامية‏ ,‏ ومن ركائزها التوحيد الخالص لله تعالى ‏,‏ والخضوع لجلاله بالعبادة والطاعة ‏,‏ وكان ذلك هو لب كل وحي سماوي ووصية كل نبي من أنبياء الله لقومه‏ ,‏ والتي لخصتها سورة هود في الآية الثانية فتقول ‏: ‏" أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ‏" (هود‏:2)‏ .

وتكررت هذه الوصية في الآيات رقم‏ (26) , (50) , (61) , (84)‏ من نفس السورة الكريمة‏ .‏ كذلك أكدت سورة هود على ضرورة اليقين بحتمية الموت ‏,‏ والبعث‏ ,‏ والحساب والجزاء وبالخلود في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏ ,‏ وعلى ضرورة التصديق بوحي السماء ‏,‏ وبجميع الرسل والكتب والأنبياء ‏,‏ وعلي رأس ذلك كله الإيمان ببعثة الرسول الخاتم وبالقرآن الكريم الذي أوحاه الله تعالى إليه ‏,‏ وحفظ فيه الدين بكماله وتمامه ‏,‏ بنفس لغة وحيه‏ (‏ اللغة العربية‏)‏ وتعهد بذلك الحفظ إلى ما شاء الله‏ .‏ وقد استهل الله تعالى سورة هود بالحروف الهجائية المقطعة الثلاثة ‏(‏الر‏) ,‏ وسبق لنا مناقشة آراء المفسرين في هذه المقطعات الهجائية‏ ,‏ ولا أرى ضرورة لإعادة ذلك هنا‏ .‏ وعقب هذا الاستهلال مباشرة جاء التأكيد الإلهي على فضل القرآن الكريم ‏,‏ ثم تتابعت التوجيهات الإيمانية لأهل مكة خاصة‏ ,‏ وللناس كافة في أربع وعشرين آية قرآنية كريمة منها قوله تعالى ‏: " الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ  . أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ  . وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ  . إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " (هود:‏1‏-‏4).‏
ثم تتحدث الآيات عن شيء من طبائع النفس الإنسانية لتقول ‏:
" وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ  . وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ  . إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ " (‏هود‏:9‏-‏11) . وتعاود الآيات في سورة هود إلى التأكيد على حجية القرآن الكريم ‏,‏ وإلى التحدي بعجز الخلق أجمعين عن الإتيان بشيء من مثله ‏,‏ وإلى السخرية من الذين قالوا إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد افتراه ‏,‏ فترد عليهم بقول الحق تبارك وتعالى ‏:" أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ  . فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ " (هود‏:13-14)‏ .

وتستمر الآيات في التأكيد على أنه من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها‏ ,‏ وعمل لذلك مجتهدا فإن الله تعالى يؤته ثمار أعماله كاملة غير منقوصة في الدنيا قبل الآخرة‏ ,‏ ولكن الذين يقصرون اهتماماتهم على الدنيا فقط ‏,‏ ناسين أو متناسين الآخرة‏ ,‏ فهؤلاء ليس لهم إلا الخزي والندم والعذاب والشقاء في الدنيا قبل الآخرة .‏ وتقارن الآيات في سورة هود بين مصائر كل من الضالين والمهتدين من أهل الأرض‏ ,‏ وبين الذين يعيشون حياتهم الدنيا كالسائمة بلا هدف ولا غاية ‏,‏ والذين يدركون حقيقة رسالتهم في هذه الحياة فيجتهدون في سبيل تحقيقها على الوجه الذي يرضي ربهم ‏,‏ ولديهم البرهان الجلي من القرآن الكريم ‏,‏ والذي يشهد بحجيته ما نزل من قبل في كتاب نبي الله موسى وهو التوراة الأصلية التي أنزلت باللغة القديمة ‏(‏ الهيروغليفية‏)‏ قبل تعرضها للترجمة والتحريف بأيدي حاخامات اليهود ‏.‏ وفي سبيل التأكيد علي حقيقة الوحي بالقرآن الكريم تخاطب الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين والخطاب من بعده لجميع المؤمنين ‏,‏ وذلك بقول ربنا تبارك وتعالى ‏: ‏"‏ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ "(‏هود‏:17)‏.
وبعد ذلك بين الله تعالى أحوال كل من المؤمنين والكافرين‏ ,‏ وأورد من أوصاف التعساء المارقين من الكفار والمشركين أربعة عشر وصفا أولها افتراء الكذب علي رب العالمين‏ ,‏ وآخرها الخسران المبين في الدنيا قبل الآخرة ‏.‏ والكذب علي الله سبحانه وتعالى من أبشع صور الظلم للنفس وللغير وللمجتمع بأسره ‏,‏ وذلك لأنه يصرف الناس عن الحق ‏,‏ ويلهيهم عنه بالأباطيل ‏,‏ ويستوجب غضب الله في الدنيا ‏,‏ وشديد عقابه في الآخرة‏ .‏ وهؤلاء ليسوا بمعجزين في الأرض‏ ,‏ وليس لهم من دون الله أولياء يعصمونهم من عذابه ‏,‏ والله تعالى قادر علي مضاعفة العذاب لهم في الدنيا قبل الآخرة وعذاب الله واقع بهم لا محالة ‏,‏ وفي وصفهم تقول سورة هود ‏:
" أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ  . لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ " (‏هود‏:22-21)‏.
وفي المقابل تعرض السورة الكريمة لموقف المؤمنين‏ ,‏ وتقارن بين الفريقين فتقول ‏:
‏" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  . مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ "
(‏هود‏:24-23)‏ .

وبعد الترغيب في خيري الدنيا والآخرة‏ ,‏ والترهيب من خسران ذلك ينتقل السياق في سورة هود إلى الاستعراض السريع لقصص سبعة من أنبياء الله تعالى ولتفاعل أممهم معهم بهدف التأكيد على موقف الخلائق من قضيتي الإيمان والكفر عبر التاريخ‏ ,‏ وعلى حتمية هلاك الكافرين المكذبين بالدين ‏,‏ وحتمية نجاة المؤمنين الصالحين‏ .‏ والأنبياء الذين استعرضت سورة هود جانبا من قصصهم هم ‏:‏ نوح ‏(‏الآيات‏:25‏-‏49) ,‏ هود ‏(‏الآيات‏:50‏-‏60) ,‏ صالح ‏(الآيات‏:61‏-‏68) ,‏ إبراهيم ‏(‏الآيات‏:69‏-‏76) ,‏ لوط ‏(الآيات‏:77‏-‏83) ,‏ شعيب‏ (الآيات‏:84‏-‏95) ,‏ وموسى ‏(الآيات‏:96‏-‏110,99) .‏ وهذا الاستعراض المعجز لقصص سبعة من أنبياء الله ورسله ‏,‏ ولحركة الإيمان والكفر عبر حقبة طويلة من تاريخ البشرية‏,‏ لم يكن مدونا عنها شيء في جزيرة العرب‏ ,‏ وقد كانت غالبية سكانها في زمن البعثة المحمدية من الأميين ‏,‏ وكانت المعلومات المتوافرة في بعض جيوبها التي سكنها نفر من أهل الكتاب قد تعرضت للتحريف أثناء النقل من لغات الوحي إلي لغات غيرها‏,‏ وللنقل شفاهة قبل التدوين بأيدي أناس ليسوا بالأنبياء ولا بالمرسلين ‏,‏ ووسط هذا الجو من الجاهلية المطبقة أو الحدس والتخمين نزل القرآن الكريم مخاطبا خاتم الأنبياء والمرسلين بهذا القصص الحق الذي يقول ربنا تبارك وتعالى عنه ‏: ‏" ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ القُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ  . وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوَهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ  . وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ" ‏(‏هود‏:100-‏102)‏ .
وتنتقل الآيات بعد ذلك إلى الحديث عن اختلاف اليهود من بعد موسى‏ (‏عليه السلام‏)‏ حول التوراة ‏,‏ وإلى تعرضها للتحريف حسب أهواء أحبارهم‏ ,‏ وانطلاقا من مطامعهم الدنيوية وشهواتهم‏ ,‏ مما أدى إلي تفرقهم شيعا كثيرة‏ ,‏ وإلى انحرافهم عن الحق الذي أنزل علي نبيهم ‏,‏ وإلى ضلالهم وكفرهم بالله ‏,‏ وإلى خياناتهم للعهود والمواثيق‏ ,‏ وإلى عدائهم لجميع الخلق ‏,‏ وتآمرهم عليهم ‏,‏ وغدرهم بهم ‏,‏ واعتبار ذلك جزءا من عقيدتهم الفاسدة ‏.‏ ولقد أنكر القرآن الكريم ذلك عليهم ‏,‏ ولولا وعد سبق من الله تعالى بتأجيل عقابهم إلى يوم القيامة لحل بهم وعد الله في الدنيا قبل الآخرة ‏.‏وقبل ختام سورة هود تعاود الآيات توجيه الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين والخطاب إليه خطاب إلى كل مؤمن برسالته إلى يوم الدين‏ ,‏ وفي ذلك يأتي أمر الله سبحانه وتعالى إليه بقول ربنا جل شأنه‏ :
‏" فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  . وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ  . وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ  . وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ " (‏هود‏:112‏-‏115) ‏.
وكما بدأت سورة هود بخطاب من الله تعالى إلى خاتم أنبيائه ورسله صلى الله عليه وسلم تختتم بخطاب مماثل يقول له فيه‏ :
" وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ  . وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ  . وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ  . وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ " (هود‏:120‏-‏123) ‏.

من ركائز العقيدة في سورة هود :
(1)‏ اليقين بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق ‏,‏ الذي أنزله بعلمه‏ ,‏ علي خاتم أنبيائه ورسله ‏,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه علي ذاته العلية ولم يقطعه لرسالة أخرى أبدا وحفظه كاملا في نفس لغة وحيه‏(‏اللغة العربية‏) ,‏ ولم تحفظ رسالة سابقة في لغة وحيها إلي يومنا هذا أبدا ‏,‏ وأن هذا الكتاب المجيد قد أحكمت آياته ثم فصلت من لدن الحكيم الخبير‏ ,‏ الذي يتحدى به الخلائق أجمعين أن يأتوا بشيء من مثله ‏,‏ ولن يستطيعوا ذلك أبدا‏ .
‏(2)‏ الإيمان بالله تعالى ربا واحدا أحدا‏ (‏بغير شريك ‏,‏ ولا شبيه‏ ,‏ ولا منازع ‏,‏ ولا صاحبة ولا ولد‏) ,‏ وتنزيهه عن جميع صفات خلقه‏ ,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله ‏,‏ واليقين بأنه تعالى عليم بذات الصدور ‏,‏ وأنه هو الرزاق ذو القوة المتين ‏,‏ وأنه على كل شيء حفيظ‏ ,‏ وأنه هو الرحيم الودود ‏,‏ والعزيز الجبار المتكبر‏ ,‏ وأنه هو المستحق بالخضوع لجلاله بالطاعة والعبادة‏ ,‏ والتوكل عليه والإنابة إليه‏,‏ وطلب مرضاته قبل كل شيء وأنه تعالى يوفي الناس أجر أعمالهم في الدنيا والآخرة ‏,‏ ولا يبخس لأي منهم حقا من حقوق الدنيا‏ ,‏ أيا كانت عقائدهم ‏,‏ فإن كانت عقائدهم فاسدة فليس لهم في الآخرة إلا النار ‏.‏ ‏
(3)‏ التسليم بحتمية الموت‏ ,‏ والبعث‏ ,‏ والحشر ‏,‏ والحساب ‏,‏ والجزاء‏ ,‏ وبالخلود في الحياة الآخرة إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏ ,‏ والاستعداد لذلك جهد الطاقة ‏.‏ ‏
(4)‏ الإيمان بجميع أنبياء الله وكتبه ورسله ‏,‏ وفي قمة ذلك الإيمان بالرسالة الخاتمة التي اكتمل بها الدين‏ ,‏ وتمت النعمة‏ ,‏ والتصديق ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ,‏ وأن دوره كدورهم هو الإنذار والتبشير ‏,‏ دون إكراه أو إجبار‏ ,‏ وبأن الحسنات يذهبن السيئات ‏,‏ وبأن الله تعالى لا يضيع أجر المحسنين ‏,‏ وبأن من الإحسان إحقاق الحق وإزهاق الباطل ‏,‏ وإقامة عدل الله ودينه في الأرض ‏,‏ والوفاء بكل من الوزن والكيل بالقسط ‏,‏ والعمل على الإصلاح في الأرض والنهي عن الإفساد فيها‏ .
(5)‏ اليقين بأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم أصحاب الجنة فيها يخلدون ‏,‏ وأن الذين كفروا بالله تعالى أو أشركوا به ‏,‏ أو كذبوا بأي من أنبيائه ورسله وعلى رأسهم خاتمهم أجمعين‏ ,‏ أو بأي من كتبه خاصة بالقرآن الكريم ‏,‏ أو كذبوا على الله تعالى وحرفوا دينه ‏,‏ أو أنكروا معلوما من الدين بالضرورة فأولئك هم أصحاب النار فيها يخلدون‏ .‏

من الإشارات الكونية في سورة هود :
(1)‏ الإشارة إلى حقيقة أن الله تعالى هو الذي يرزق كل دابة في الأرض وذلك بتقدير الرزق وإنزاله من السماء‏,‏ وأنه سبحانه يعلم مستقرها ‏(أي مكان وجودها علي الأرض‏ ,‏ أو موضعها في سلاسل حاملات الوراثة في أصلاب آبائها قبل أن تخلق‏) ,‏ ومستودعها ‏(‏أي مصيرها بعد حياتها‏ ,‏ أو ما استودع الله تعالى ‏(‏صلب كل واحدة منها من ذريات في شيفرتها الوراثية‏)‏ وأنه آخذ بناصية كل حي ‏(‏أي يحفظه ويملكه ويقهره‏) ,‏ وأن ذلك كله مدون عنده في كتاب مبين ‏.‏ ‏
(2)‏ التأكيد على خلق السماوات والأرض في ستة أيام ‏(أي علي ست مراحل متتالية ‏,‏ والله تعالى قادر على أن يقول للشيء كن فيكون‏) ,‏ وعلى حتمية فناء ذلك كله ثم بعثه‏ .‏ ‏
(3)‏ وصف جانب من طبائع النفس البشرية حين تصاب باليأس والقنوط في حالات الضيق والبأساء ‏,‏ وبشيء من الفخر والزهو في حالات السعة والنعماء ‏.
(4)‏ الإشارة إلي تنوع صفات الناس مع توحد أصولهم التي تنتهي إلى أب واحد وأم واحدة‏ (‏هود‏:118) .‏ ‏
(5)‏ التأكيد علي غيوب السماوات والأرض ‏,‏ وإلى وجود مرجعية للكون في خارجه ‏,‏ وأن هذه المرجعية العليا هي الله الخالق الذي إليه يرجع الأمر كله ‏.‏ والعلوم المكتسبة بدأت في التوصل إلى شيء من ذلك‏ .‏ ‏
(6)‏ سرد قصص سبعة من أنبياء الله ورسله ‏,‏ ووصف تفاعل أممهم معهم ‏,‏ وتسجيل ما أصاب تلك الأمم من جزاء بدقة بالغة ‏,‏ وذلك في تغطية رائعة لأغلب تاريخ الإنسان علي الأرض ‏,‏ وذلك كتاب أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة‏ ,‏ وفي أمة لم تكن أمة تدوين‏ ,‏ وأن ما كان قد بقي من أخبار أهل الكتاب عند بعض أبناء تلك الأمة كان منقولا شفاها لعدة قرون قبل أن يدون في لغات غير لغات الوحي ‏,‏ وكان قد تعرض لقدر هائل من التحريف ‏,‏ ولا يمكن لأخبار القرآن الكريم عن هؤلاء الأنبياء أن تكون منقولة عنهم كما يدعي كثير من المبطلين . وذلك للفارق الكبير بين إخبار الله تعالى وإخبار البشر‏,‏ وتكفي في ذلك الإشارة إلى أن اثنين من الأنبياء الذين جاء ذكرهم في سورة هود لم يرد لهما ذكر في أي من مدونات أهل الكتاب هما هود وصالح ‏(عليهما السلام‏) , ولقد أثبتت الكشوف الأثرية دقة ما جاء بالقرآن الكريم عن قصص السابقين من الأمم البائدة ‏.‏
‏(7)‏ وصف الموج الذي خاضته سفينة نبي الله نوح عليه السلام بأنه كان كالجبال‏ (‏هود‏:43) ,‏ والتأكيد على رُسُوِّ السفينة فوق جبل الجودي وعلى انتهاء الطوفان بغيض الماء ‏(هود‏:44)‏ وهذه كلها من الحقائق التي بدأت العلوم المكتسبة في التعرف علي طرف منها . ‏
(8)‏ وصف قوم ثمود بأن الله تعالى قد أنشأهم من الأرض واستعمرهم فيها والوصف ينطبق على جميع البشر كما أثبتت دراسات علوم الوراثة والتاريخ ‏.‏ ‏
(9)‏ إثبات تحريف اليهود للتوراة‏ ,‏ والدراسات العلمية الرصينة تؤكد ذلك وتدعمه ‏.‏ وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏ ,‏ ولذلك فسوف أقصر الحديث هنا على النقطة السابعة من القائمة السابقة والتي تؤكد علي رُسُوِّ سفينة نوح‏ (‏عليه السلام‏)‏ فوق جبل الجودي بينما تصر معلومات أهل الكتاب على أنها استوت فوق جبال أراراط‏ ,‏ وقد تم كشف بقايا تلك السفينة فعلا فوق جبل الجودي الذي يقع علي بعد ‏190‏ ميلا إلى الجنوب الغربي من جبال أراراط التي تقع في أقصى الجزء الشرقي من تركيا‏.‏



من أقوال المفسرين:
في تفسير قوله تعالى:
" وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ المَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ "‏ (‏هود‏:44)‏ . ذكر صاحب صفوة البيان لمعاني القرآن ‏(رحمه الله‏)‏ ما نصه ‏: "وَقِيلَ يَا أَرْضُ " القول في هذه الآية مجاز عن تعلق القدرة بزوال الماء وبهلاكهم ‏,‏ كما قيل في قوله تعالى ‏: " يقول له كن فيكون ‏" (يس:82) , " وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي ‏"أمسكي عن إرسال المطر ‏. "‏ وَغِيضَ المَاءُ ‏"‏ نقص ‏,‏ يقال ‏:‏ غاض الماء يغيض ‏,‏ قل ونضب ‏. (الجودي‏)‏ جبل بالموصل ‏(‏والصحيح أنه في أقصى الجزء الشرقي من الأراضي التركية‏ . " ‏بُعْدًا لِلْقَومِ الظَّالِمِينَ " هلاكا لهم‏ .‏ ‏ وجاء في الظلال‏ (رحم الله كاتبها برحمته الواسعة جزاء ما قدم‏)‏ ما مختصره‏ :‏ ويوجه الخطاب إلى الأرض وإلى السماء بصيغة العاقل‏,‏ فتستجيب كلتاهما للأمر الفاصل فتبلع الأرض‏ ,‏ وتكف السماء‏,‏ ابتلعته الأرض في جوفها وغار من سطحها‏ " وَقُضِيَ الأَمْرُ "‏ ونفذ القضاء " وَاسْتَوَتْ عَلَى الجُودِيِّ " ورست رسو استقرار على جبل الجودي‏ ., " وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ "‏‏ وهي جملة مختصرة حاسمة معبرة عن جوها أعمق تعبير‏.(‏ قيل‏)‏ علي صيغة المجهول فلا يذكر من قال‏,‏ من قبيل لف موضوعهم ومواراته‏, " وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ "‏‏ بعدا لهم من الحياة فقد ذهبوا ‏,‏ وبعدا لهم من رحمة الله فقد لعنوا‏ ,‏ وبعدا لهم من الذاكرة فقد انتهوا‏ . وما عادوا يستحقون ذكرا ولا ذكرى‏! .‏ وجاء ذكر نبي الله نوح عليه السلام في ثلاثة وأربعين موضعا من القرآن الكريم ‏,‏ وجاء ذكر قصته مع قومه في عشرات الآيات التي وردت في ثمان وعشرين سورة من سور هذا الكتاب العزيز ‏,‏ وقد سميت إحدى سوره باسم نوح‏ ,‏ وهي السورة الحادية والسبعون من بين سور كتاب الله المجيد‏ .‏ ونبي الله نوح عليه السلام هو النبي الثالث فيمن نعلم من أنبياء الله تعالى وأول رسله ‏,‏ وقد جاء بعد كل من أبينا آدم عليه السلام ونبي الله إدريس علي نبينا وعليه من الله السلام ‏.‏ وقد بعث الله تعالى نبيه نوحا إلى قومه الذين كانوا قد انحرفوا إلى عبادة لأصنام‏ ,‏ وبالغوا في انحرافهم مبالغة شديدة‏ ,‏ وجاهدهم نوح عليه السلام على مدى تسعمائة وخمسين سنة حتى بلغ حد اليأس من هدايتهم ‏,‏ وجاءه تأكيد بذلك من الله تعالى الذي أوحى إليه قوله العزيز‏ :‏" وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ‏" (‏هود‏:36) ‏. وفي سورة نوح نقرأ أنه قد توجه إلى ربه بالدعاء على الكافرين من قومه قائلا‏ :" وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً  . إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً " (نوح‏:27).
واستجابة لذلك أمر الله سبحانه وتعالى نوحا عليه السلام ببناء سفينة تكون أداة لنجاته ومن آمن معه حين إنزال العذاب بالكافرين من قومه‏ .‏ وعندما أتم نوح بناء السفينة ورأى الأمارة التي حددها له ربه ببدء نزول العذاب ركب السفينة هو وجميع من آمن معه وما حمل من أزواج الحيوان والنبات ‏,‏ وأهله‏ (‏إلا زوجه وواحدا من أبنائه‏)‏ فلما استووا على ظهر السفينة فتح الله تعالى أبواب السماء بماء منهمر ‏,‏ وفجر الأرض عيونا ‏,‏ فالتقى الماء على أمر قد قدر ‏,‏ وحملت المياه سفينة نوح ومن فيها بينما غرق الكافرون من قومه‏ ,‏ واستوت السفينة على جبل الجودي وذلك انطلاقا من قول ربنا تبارك وتعالى ‏:‏
" وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ المَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ‏" (‏هود‏:44)‏ .

من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
أولا‏ :‏ في قوله تعالى‏ :
" وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ "
(‏هود‏:44)‏ .في هذا النص القرآني الكريم نسب الماء إلى الأرض‏ ,‏ وأرضنا هي أغنى الكواكب المعروفة لنا بالماء الذي تقدر كميته عليها بحوالي‏1.400‏ مليون كيلو متر مكعب‏ ,‏ ولذلك سميت الأرض باسم الكوكب المائي أو الكوكب الأزرق‏ .
وقد احتار العلماء منذ القدم في تفسير مصدر هذه الكمية الهائلة من الماء‏ ,‏ والتي بدونها لم يكن ممكنا للحياة التي نعرفها أن توجد علي الأرض ‏,‏ ووضعت فروض ونظريات عديدة من أجل تفسير ذلك ‏,‏ ومنها فرضية اصطدام المذنبات بالأرض‏ ,‏ وانهارت كل هذه النظريات حتى بدأ علماء البراكين في دراسة ما يتصاعد من فوهاتها من غازات وأبخرة فثبت أن أكثر من‏70%‏ منها يتكون من بخار الماء‏ .‏ وبحسبة رياضية بسيطة لعدد فوهات البراكين على سطح الأرض‏ ,‏ ومعدل ثورة كل منها‏ ,‏ ومتوسط ما يتصاعد من بخار الماء في كل ثورة وصل العلماء إلي نفس كمية الماء المتجمعة علي سطح الأرض وفي صخور ورسوبيات قشرتها‏ ,‏ وفي الغلاف الغازي المحيط بها ‏(‏أي حوالي‏1.400‏ مليون كيلو متر مكعب‏) ‏، وبذلك ثبت أن كل ماء الأرض قد أخرجه ربنا تبارك وتعالى أصلا من داخل الأرض وفي ذلك قال عز من قائل: " وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا . أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا " (‏النازعات‏:31-30 ).
وتحدث القرآن الكريم عن دورة الماء حول الأرض في آيات أخرى عديدة‏ .‏ ولكن نسبة الماء إلى الأرض في الآية الرابعة والأربعين من سورة هود فيه تأكيد على حقيقة إخراج كل ماء الأرض من داخلها‏ ,‏ وهو سبق قرآني واضح حيث لم تتوصل العلوم المكتسبة إلى معرفة ذلك إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏ ,‏ وهو كذلك تأكيد على اشتراك عيون الأرض المتفجرة في إحداث طوفان نوح عليه السلام وهو ما يؤكده القرآن الكريم بقول ربنا تبارك وتعالى ‏:‏" كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ . فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ . فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ . وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى المَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ . وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ . تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ . وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ . فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ . وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ "‏(‏القمر‏:9‏-‏17).

ثانيا‏ :‏ في قوله تعالى ‏:
" وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي "(‏هود‏:44)‏ .
يؤكد هذا النص القرآني الكريم كما يؤكد المقطع السابق عليه من نفس الآية رقم‏ (44)‏ من سورة هود أن طوفان نوح عليه السلام كان بالماء العذب ‏,‏ تمييزا له عن العديد من صور الطغيان البحري الذي تعرضت له الأرض عبر تاريخها الطويل ‏.‏ وعلى الرغم من ذلك يأتي اثنان من علماء فيزياء الأرض الأمريكيين في سنة ‏1998‏ م وهما وليام ريان‏ ,‏ والتربتمان ليجزما بأن الطوفان كان بماء البحر ‏,‏ وذلك في كتابهما المعنون طوفان نوح‏ :‏ الاكتشافات العلمية الجديدة عن الحدث الذي غير مجري التاريخ ويؤكد هذان العالمان أن ما وصفاه من طوفان بحري فوق بحيرة من الماء العذب كان حدثا طبيعيا لا علاقة له بما جاء من أخبار قوم نوح عليه السلام
‏William Ryan , Walter Pitman (1998): Noahs Flood
The New Scientific Discoveries About Changed History the Event that Simon Schuster, NewYork, Ny10020, PP.1-.3197‏
وفي هذا المؤلف يذكر الكاتبان أن هذا الحدث قد تم قبل‏ 7600‏ سنة حين أدى ارتفاع منسوب الماء في البحار والمحيطات إلى اندفاع هذا الماء المالح من البحر الأبيض المتوسط عبر وادي البوسفور ليدمر كل شيء مر به ‏,‏ ويؤدي إلى عدد من الهجرات البشرية الكبيرة‏ .‏

ولكن الاكتشاف لسفينة نوح عليه السلام في أعلى قمة جبل الجودي مطمورة وسط سُمْكٍ هائل من رسوبيات الماء العذب التي تمتد من جنوب تركيا إلى رأس الخليج العربي ‏,‏ مرورا بالمساحة الهائلة من أرض ما بين النهرين ‏(‏دجلة والفرات‏) ,‏ ينفي مزاعم الكاتبين الأمريكيين نفيا قاطعا ‏,‏ ويؤكد حقيقة أن الطوفان كان بالماء العذب الذي هطلتبه الأمطار الشديدة‏ ,‏ وتفجرت به عيون الأرض كما وصفت آيات القرآن الكريم من قبل ألف وأربعمائة سنة‏.‏

ثالثا‏ :‏ في قوله تعالى‏:
" وَغِيضَ المَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ ‏" (‏هود‏:44)‏ .
في اللغة العربية ‏(‏غاض‏)‏ الماء أي ‏:‏ قل ونضب‏ ,‏ و‏(‏انغاض‏)‏ الماء مثله‏ ,‏ و "‏ وَغِيضَ المَاءُ ‏" أي‏:‏ فعل به ذلك بمعني ‏(‏ غاضه‏)‏ أو ‏(‏ أغاضه‏)‏ الله تعالى و ‏(‏الغيضة‏)‏ هي الأجمة بمعنى مفيض ماء يجتمع فينبت فيه الشجر ‏,‏ والجمع‏(‏ غياض‏)‏ و‏ (‏أغياض‏) .‏ وفي هذا النص القرآني إشارة واضحة إلي انحسار الماء عن اليابسة بابتلاع الأرض لجزء منه ولفيض الباقي إلي البحار والمحيطات وإلي غيرها من منخفضات الأرض‏ ,‏ بينما يذكر سفر التكوين ما نصه‏ :‏ وأجاز الله ريحا علي الأرض فهدأت المياه‏ ..‏ ولست أدري ما علاقة الريح بانحسار الماء عن الأرض‏!!‏ وهنا يثار سؤال هام مؤداه ‏:‏ هل عم طوفان نوح جميع الكرة الأرضية ‏,‏ أم كان محدودا بالمنطقة التي سكنها قوم نوح؟ وهذه المنطقة يجمع الأثريون والمؤرخون على كونها المنطقة الممتدة من جبال جنوب تركيا إلى ما بين نهري دجلة والفرات والسهول المنبسطة من حولهما‏ .‏ وهذا السؤال لم يحسم بعد وإن كان اليهود يؤمنون بعالمية الطوفان ‏(‏سفر التكوين‏:7:18‏ ‏24) ,‏ والمنطق ينادي بمحدوديته بأرض قوم نوح حيث كان استقرار جميع بني آدم‏ ,‏ ثم تفرق أبناء الناجين من الطوفان بعد ذلك إلي مختلف مناطق الأرض ‏.‏ وطوفان نوح من معجزات هذا النبي‏,‏ والأصل في المعجزات أنها لا تعلل لأنها خوارق للسنن‏ ,‏ والذي يخرق السنن لا تستطيع السنن تفسيره‏ .‏ ومن هنا كان التوقف عند حدود ما جاء في كتاب الله تعالى واجبا علي المؤمنين من العباد‏,‏ دون الخوض في التفاصيل التي لا طائل من ورائها‏,‏ وذلك من مثل ما جاء في سفر التكوين‏ (‏الإصحاح السادس إلى التاسع‏)‏ وفي السابع من هذا السفر جاء ما قراءته‏ :‏ وكان الطوفان أربعين يوما علي الأرض ‏,‏ وتكاثرت المياه ورفعت الفلك فارتفع عن الأرض‏.‏ وتعاظمت المياه وتكاثرت جدا علي الأرض‏.‏ فكان الفلك يسير على وجه المياه‏,‏ وتعاظمت المياه كثيرا جدا على الأرض ‏.‏ فتغطت جميع الجبال الشامخة التي تحت كل السماء‏ .‏ خمس عشرة ذراعا في الارتفاع تعاظمت المياه ،‏ فتغطت الجبال ‏. وأنا أعجب كيف أمكن لخمس عشرة ذراعا من الماء أن تغطي جميع الجبال الشامخة‏!!‏؟ أما ما جاء في النص القرآني الذي نحن بصدده فيوحي بابتلاع الأرض لجزء من مياه الطوفان ‏,‏ وتسرب الباقي إلى منخفضات الأرض بعد أن حقق الطوفان الغاية منه وهي القضاء على كفار ومشركي قوم نوح ولذلك قال تعالي ‏: " وَقُضِيَ الأَمْرُ " ‏(‏هود‏:44)‏ .

رابعا‏ :‏ في قوله تعالى‏:
"‏ وَاسْتَوَتْ عَلَى الجُودِيِّ " (‏هود‏:44)‏ .
في هذا النص القرآني الكريم تأكيد على أن سفينة نوح عليه السلام استقرت على جبل اسمه الجودي ‏,‏ وهذا الجبل يقع في جنوب شرقي تركيا إلى الشمال الشرقي من جزيرة ابن عمر ‏(‏على ضفاف نهر دجلة‏)‏ بالقرب من الحدود التركية العراقية السورية وإلى الشمال من مدينة الموصل‏ .‏ وقد أثبتت الدراسات الأثرية من مثل دراسات كل من مارتين روي (Martin Wroe)‏ في سنة ‏1994‏م ‏,‏ وتشارلس ويلليس‏ (Charles Willis)‏ في سنة‏ 1980‏م وجون مونتوجمري (John Warwick Montgomery)‏ في السبعينيات من القرن العشرين أن بقايا السفينة موجودة فعلا فوق جبل الجودي
(Mount Cudior Judi Dagh)‏
على بعد ‏250‏ ميلا إلى الجنوب الغربي من جبل أراراط‏ ,‏ وذلك بعد اكتشاف الموقع بواسطة أحد رعاة الغنم من الأكراد في منتصف شهر مايو من سنة ‏1948‏م‏ .‏ وجبل الجودي يمثل واحدة من أعلى القمم في سلسلة جبال جنوب تركيا إذ يزيد ارتفاعه على سبعة آلاف قدم ‏(‏ أي حوالي:‏2300‏م‏)‏ فوق مستوى سطح البحر‏ .‏ وفي منتصف شهر مايو من سنة ‏1948‏م اكتشف أحد رعاة الغنم من الأكراد واسمه رشيد سرحان ‏(Reshit Sarihan)‏ سفينة نوح عليه السلام وبقايا من أخشابها مطمورة في رسوبيات مياه عذبة‏ في قمة جبل الجودي‏ .‏ وتتابعت دراسات الموقع بعد ذلك في السنوات ‏1953‏م , ‏1959‏م ‏, 1980‏م ‏, 1987‏م ‏, 1994‏م وإلى يومنا هذا ‏.‏ كذلك وجد سُمْكٌ هائل من رسوبيات المياه العذبة في سهول ما بين النهرين‏ (‏ دجلة والفرات‏)‏ والتي كانت مهدا لعدد من الحضارات القديمة التي تم اكتشاف بعضها‏.‏ ومن المرجح أن تكون هذه الرسوبيات من بقايا الطوفان لانتشارها الأفقي على مساحات شاسعة من الأرض .‏ ولسُمْكِها الذي يزيد علي عشرة أقدام ‏,‏ ولعمرها الذي يمتد بين سبعة آلاف وثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد‏ .‏ ولطمرها للعديد من القرى القديمة التي استمر التنقيب عنها في الفترة من ‏1922‏م إلى‏ 1934م‏ , وتتابع متقطعا بعد ذلك إلى اليوم ‏.‏ وقد تأكدت هذه الاستنتاجات بدراسة الرسوبيات المتجمعة في أحد كهوف شمال العراق والمعروف باسم كهف شانيدار العظيم‏(The Great Shanidar Cave)‏ ويرجع عمر الرسوبيات فيه إلى حوالي مائة ألف سنة مضت ‏,‏ وتحوي رسوبياته عددا من البقايا الإنسية .

وقام بدراسته دكتور رالف سولسكي ‏(Ralph S.Solecki)‏ من معهد سمسثو نيان بالولايات المتحدة‏ .‏ وتأكدت هذه الاستنتاجات كذلك بتحديد العمر المطلق للأجزاء الخشبية المتبقية من السفينة بواسطة الكربون المشع في حدود‏ 4500‏ سنة قبل الميلاد كما أعلن مارتين روي‏(Martin Wroe)‏ بجريدة الأوبزرفر اللندنية بتاريخ ‏16‏ يناير سنة ‏1994‏م ‏.‏ هذا مع أن الإصحاح الثامن من سفر التكوين يذكر ما يلي ‏:‏ واستقر الفلك في الشهر السابع في اليوم السابع عشر من الشهر على جبل أراراط‏ وكانت المياه تنقص نقصا متواليا إلى الشهر العاشر‏ ، وفي العاشر في أول الشهر ظهرت رءوس الجبال ‏.‏ وهذا على الرغم من أن العديد من الروايات التاريخية القديمة التي تم اكتشافها مؤخرا تشير إلى رُسُوِّ سفينة نوح عليه السلام فوق جبل الجودي‏ ,‏ وذلك من مثل كتابات بيراسوس(Berasus)‏ من كهان الحضارة البابلية‏ .‏ وأبيدنوس (Abydenus)‏ من تلامذة سقراط ‏,‏ ومن رموز الحضارة اليونانية القديمة‏.‏ وعلى الرغم من ذلك ظلت محاولات الغربيين مستميتة في إثبات رُسُوِّ سفينة نوح على جبل أراراط دفاعا عما جاء في عهدهم القديم‏ .‏ وظل الحال كذلك حتى أعلنت مجموعة من العلماء الروس في يوم الجمعة الموافق 25/3/2005م في مؤتمر صحفي نقلته وكالة إنترفاكس للأنباء (The Interfax News Agency)‏ أنه لا توجد أية آثار لسفينة نوح على جبال أراراط‏ .‏ وأن جميع العينات التي درست تؤكد ذلك‏ .‏ كما أكدته دراسات فادين تشيرنوبورف (Vadin Chernoborv)‏ مدير مركز كوزمو بويسك للأبحاث العلمية ‏(Cosmopoisk Scientific Research Center)‏ الذي أوفد مجموعة العلماء هذه للقيام بتلك الدراسة‏ ,‏ وقاد المؤتمر الصحفي المشار إليه قائلا‏ :‏ بعد الثورة البركانية التي وقعت في جبل أراراط سنة ‏1840‏م فإن كل شيء في هذا الجبل قد تمزق بما في ذلك الكتل النباتية المتحجرة‏ (‏ والتي ظنها نفر من السابقين خطأ على أنها قد تكون من بقايا سفينة نوح ‏,‏ ومن هنا فلا يمكن القول بأية إمكانية لوجود بقايا محفوظة لتلك السفينة فوق جبال أراراط‏ .‏ وقد قامت هذه المجموعة العلمية بدراسة جبل أراراط في خريف سنة ‏2004‏م وعادت بالكثير من أشرطة الفيديو والعينات الصخرية ‏(‏من مثل النباتات المتحجرة‏ ,‏ وكتل الصخور التي شكلتها عوامل التعرية علي هيئة مصنعة أو شبه مصنعة‏)‏ وأثبتت دراسة ذلك أنها من فعل النشاط البركاني‏ ,‏ ولا علاقة لها بسفينة نبي الله نوح عليه السلام التي ثبت وجودها في جبل الجودي‏ .‏

خامسا‏ :‏ في قوله تعالى:
"‏ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ "‏ (‏هود‏:44)‏ .
هذا النص القرآني يوحي بأنه بالقضاء على كفار ومشركي قوم نوح فإن الله تعالى قد عافى البشرية من أشر شرار بني آدم الذين لو قدرت لهم النجاة لأفسدوا في الأرض إفسادا عظيما يفوق ما فيها اليوم من فساد أضعافا كثيرة‏ ,‏ وتبعتهم في هذا الإفساد ذراريهم‏ ,‏ ولذلك اجتث الله سبحانه وتعالي شأفتهم بالطوفان لعلمه بهم وبما يحملون في أصلابهم من ذراري‏ ,‏ ولذلك قال موجها الخطاب إليهم :‏ " وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ "‏ (‏هود‏:44)‏ ‏، وذلك لأن شطرا من مخزون الوراثة الذي كان في صلب أبينا آدم عليه السلام قد هلك في الطوفان وقوانين الوراثة تؤكد ذلك وتقف من ورائه ‏.‏ هذه الحقائق مجتمعة ومتفرقة لم تكن معروفة للناس في زمن الوحي‏ ,‏ ولا لقرون متطاولة من بعده ‏,‏ وورودها في كتاب أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة على نبي أمي‏ ,‏ وفي أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين لما يثبت لكل ذي بصيرة أن هذا الكتاب لا يمكن أن يكون صناعة بشرية ‏,‏ بل هو كلام الله الخالق‏ ,‏ الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏ (اللغة العربية‏)‏ على مدى أربعة عشر قرنا أو يزيد ‏,‏ حتى يبقى شاهدا على الناس جميعا إلى قيام الساعة ‏.‏
فالحمد لله على نعمة الإسلام العظيم ‏,‏ والحمد لله على نعمة القرآن الكريم ‏,‏ والحمد لله على بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ,‏ وسيد الخلق أجمعين ‏,‏ سيدنا محمد النبي الأمين ‏,‏ فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ‏,‏ ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ ,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .