توظيف المعارف العلمية محـاولة ضرورية لفهم الآيات الكونية بدلالة قرآنية والقرآن لا تنتهي عجائبه


بعض الغربيين حرفوا كل شيء عن الإسـلام وأنكروا الغيب ، وسلاحنا الفعال معهم هو الإعجاز العلمي والقصص التاريخي
توظيف المعارف العلمية محـاولة ضرورية لفهم الآيات الكونية بدلالة قرآنية والقرآن لا تنتهي عجائبه
القرآن ليس كتاب هداية فحســب ولكنه أخلاق ومعاملات بل ومنهج حياة:
الذين هاجموني إما جاهلون بالعلم أو محتكرون للدعوة أو دهريون مناوئون للدين الإسلامي

أجرى الحوار/ رجب الدمنهوري
تأثر الكثير من رجالات الثقافة والفكر في الغرب بصور الاعجاز العلمي والآيات الكونية التي وردت في القرآن الكريم ، وقد تنبه لذلك مبكراً د/ زغلول النجار العالم البارع في هذا المجال ، فأجاد الحديث في هذا الشأن وكشف كنوزاً علمية ، جذبت الكثيرين إلى الإسلام من الخواص والعوام ، حتى غدا هذا الخطاب هو السلاح الفعال في إقناع غير المسلمين بالإسلام ، وهذا ما يؤكده د/ زغلول في حواره الموسع مع العالمية .
يبذل د. زغلول النجار الجيولوجي الكبير جهوداً عظيمة في مجال الدعوة إلى اللّه تعالى عبر التبشير بالآيات الكونية وصور الإعجاز العلمي في القرآن الكريم ، تأثر به الغربيون ، وأسلم على يديه العديد من المفكرين والقساوسة ، و 20 ألفاً من الجنود الغربيين (دفعة واحدة) إبان حرب الخليج الثانية .
هذه الجهود الكبيرة قوبلت بالتشكيك تارة ، وبالثناء تارة أخرى حتى لقبه البعض بشعراوي هذا الزمان نسبة إلى فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه اللّه ، وإبان زيارته الأخيرة للكويت بدعوة من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التقته «العالمية» وأجرت معه هذا الحوار وفيما يلي تفاصيله :

 

أهم وسيلة دعوية:

لديكم اهتمامات واسعة بقضايا الإعجاز العلمي في القرآن الكريم ، وبرزت جهودكم في مجال الدعوة إلى اللّه من خلال هذه القضية المهمة ... متى وكيف بدأت هذه الاهتمامات؟ ولماذا أخذتم هذا المجال؟
لقد قيض اللّه لي جيلاً من الأساتذة والمربين الذين تتلمذت على يديهم ، وكان لهم مواقف مؤثرة في حياتي ومنهم د. ابراهيم عبدالقادر محمد فرج وهو من أبرز علماء الجيولوجيا ، ورغم أنه تجاوز التسعين عاماً ، إلا أنه مازال يحتفظ بذاكرة قوية ، هذا العالم الجليل ومن حوله أساتذة آخرون حببوني في الإعجاز العلمي للقرآن الكريم فكانوا يكثرون من الاستشهاد بآيات القرآن الكريم ، إذ كان لهم فضل كبير في تجنيبي الافتتان بمعطيات العلوم الحديثة كما فعل آخرون ، لاسيما أن كلية العلوم كانت معقلاً للتيارات اليسارية وكانت جميعها تناوئ الإسلام بل وتعتمد على مرجعيات تصطدم بحقائق الدين وثوابته .

ولذلك لو اهتم علماء المسلمين بقضية الإعجاز العلمي وقدموها بالأدلة العلمية الصحيحة لأصبحت وسيلة من أهم الوسائل في مجال الدعوة إلى اللّه ، فنحن المسلمين نمتلك الوحي السماوي الوحيد المحفوظ بحفظ اللّه كلمة كلمة ، وحرفاً حرفاً قبل أربعة عشر قرناً من الزمان ؛ ومن ثم علينا تسخير العلم النافع بجميع إمكاناته ، والعالم المسلم هو أحق من يقوم بهذا الدور، فنحن نحيا في عصر العلم ، عصر وصل المرء فيه إلى قدر من المعرفة بالكون ، ومكوناته ، لم تتوافر في زمن من الأزمنة السابقة ، لأن العلم له طبيعة تراكمية ، واللّه سبحانه وتعالى أعطى الإنسان من وسائل الحس والعقل ما يعينه على النظر في الكون واستنتاج سنن اللّه سبحانه وتعالى .
  الطريقة المثلى:
شاركتم في حوارات ومناظرات عديدة مع قساوسة ومفكرين من غير المسلمين... في ضوء ذلك كيف يمكن أن تخاطب هؤلاء بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم؟
الإعجاز العلمي هو لغة العصر الآن ، ومن ثم فإن مخاطبة الآخرين بهذه اللغة لاسيما الغربيين هي الطريقة المثلى في الإقناع خاصة أنهم ينكرون الغيب ولا يؤمنون إلا بالمنظور ، ومن ثم يجب علينا أن نثبت لهم بأن القرآن معجزة ، فإذا كان الخطاب موجهاً إلى عالم فيجب أن أحدثه بالإعجاز العلمي ، وإذا كان موجهاً إلى رجل قانون فيجب أن أحدثه بالإعجاز التشريعي في القرآن ، وإذا كان صاحب دعوة أخلاقية أو إصلاحية فيجب أن تحدثه عن مكارم الأخلاق في القرآن ، فالقرآن حافل بأوجه الإعجاز المختلفة ، وليس هناك زاوية من الزوايا في كتاب اللّه ، ينظر فيها إنسان محايد ، إلا ويجد فيها جانباً من جوانب الإعجاز، فلابد من إبراز هذا للناس ، فقد سقط من أيدينا كل سلاح نستطيع أن ندافع به عن أنفسنا أو عن ديننا إلا سلاح الدعوة الى اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة وتبيان أسرار هذا الكتاب المعجز الذي لا يأتيه الباطل ولا يعدو عليه أي تحريف أو تغيير . 

 

ثمار الدعوة وإسلام المفكرين:
هل يمكن أن تذكروا جانباً من ثمار الدعوة بالإعجاز العلمي من واقع تجربتكم؟
في أوائل التسعينيات عقد مؤتمر للإعجاز العلمي في روسيا ، وخلال وقائع المؤتمر نوقشت قضية الإعجاز العلمي في القرآن وبعد انتهاء المؤتمر أعلن 37 عالماً من انحاء العالم اعتناقهم للإسلام ، وكان هناك عالم يدعى «كيت مور» ألف كتاباً في علم الأجنة ، وهذا الكتاب يدرس في أغلب كليات الطب بالعالم تحت عنوان «الإنسان النامي» وهو يتحدث عن مراحل تكوين الجنين ، وبعد المؤتمر أضاف «كيت مور» الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تتحدث عن مراحل خلق الإنسان ، ووصف هذه المراحل التي ذكرتها الآيات والأحاديث بأنها بالغة الدقة والإعجاز .

وأذكر أنه أثناء حرب الخليج الثانية لوحظ استعلاء الجنود الغربيين وتحديهم مشاعر الناس بشكل سافر ، وكنت وقتها أعمل بالمملكة العربية السعودية ، ففكرت في التصدي لهم ، ونصحت بدعوتهم للإسلام ، ونظمت بالتعاون مع البعض سلسلة من المحاضرات ، تناوب عليها عدد من الأساتذة ، وكانت ثمار هذه المحاضرات إسلام 20 ألف جندي ، وسجلنا أسماءهم وعناوينهم وأرسلناها إلى المراكز الإسلامية في دول الغرب ، وفي كل مرة أسافر إلى دول الغرب أتصل بالكثيرين منهم فأجدهم قد ازدادوا معرفة وارتباطاً بالإسلام .

 

دعوة الغرب:
أحداث 11 سبتمبر لعبت دوراً كبيراً في تشويه صورة الإسلام وإلصاق التهم به .... في ضوء ذلك كيف يمكن دعوة الغربيين للإسلام خاصة أن الحملة على الإسلام منذ هذه الأحداث لم تتوقف؟
الدعوة في هذا العصر لابد أن تسير في اتجاهين :
الأول : دعوة المسلمين أنفسهم وبعث الإسلام من جديد في نفوس الغافلين وإيقاظ الأمة الإسلامية من سباتها العميق .

الثاني : دعوة غير المسلمين والتأكيد على قيم التعايش وقبول الآخر وإعطاؤهم نماذج مشرفة ، متمسكة بالقيم الإسلامية والأوامر الربانية والسنة النبوية الشريفة ، وليس النماذج التي أدمنت الخمور والعري والسفور والاختلاط ، والسلوكيات التي لا تمت للإسلام بصلة ، وهذا مطلوب ومُلِحٌ , فاليهود ينفقون سنوياً مليارات الدولارات من أجل تشويه صورة الإسلام ، ورغم حملات التشويه التي أعقبت 11 سبتمبر، إلا أن المد الإسلامى في ازدياد وتنام .

فقد أقبل رجال الفكر الغربي على قراءة الإسلام وعلى سبيل المثال لقد نفدت جميع نسخ القرآن المترجمة للفرنسية ، وذلك لإقبال الفرنسيين على شراء نسخ كتاب اللّه عز وجل ، وقد أذاعت أجهزة الاستخبارات الغربية أن الإسلام هو أكثر الأديان انتشاراً في العالم الآن .

ولأن بعض الغربيين حرفوا كل شيء عن الإسلام تحريفاً شديداً ، فأصبحوا ينكرون الغيب والجنة والنار ، بل ويسخرون من معتقداتنا ، فإن سلاحنا الفعال هو الإعجاز العلمي في القرآن الكريم ويجب أن نؤمن بأن الغرب به رجال عقلاء كثيرون ، يدركون أهمية هذا الجانب ، ويبحثون عن الحقيقة ، وهناك أيضاً القصص التاريخي الذي يمكن أن نقدمه للأمم كوثيقة علمية وتاريخية وجغرافية ، فإن ذلك سيعطيه برهاناً على صحة الإسلام . 

منهج حياة:
البعض ينظر إلى القرآن الكريم على أنه كتاب هداية وليس كتاب علم ... فما رأيكم؟ وكيف لنا أن نفسر الكل من خلال الجزء؟ أو المطلق من خلال النسبي؟ ولماذا يخشى البعض هذه الاجتهادات؟
هذه كلمة حق يراد بها باطل ، فالقرآن كتاب هداية للبشر ، كما أنه أخلاق ومعاملات ومنهج حياة ، أنزل للناس لكي يهتدوا به ، ويحتكموا إليه ، أما الآيات الكونية فقد أشار القرآن في محكم تنزيله إلى الكون ومكوناته بنحو ألف آية صريحة بالإضافة إلى آيات أخرى تقترب دلالتها من الصراحة ، وردت هذه الآيات من قبيل الاستشهاد على بديع صنع اللّه عز وجل ، وبالتالي فإننا لا يمكن أن نفهمها في إطارها اللغوي فقط ، إنما لابد أن نفهمها في إطارها اللغوي والعلمي معاً ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا إذا وظفنا المعارف العلمية لذلك ، وهي محاولة لحسن فهم الآية الكونية بدلالة قرآنية ، فإذا أصاب الإنسان فله أجران وإن أخطأ فله أجر ، والذين فسروه أصابوا وأخطأوا ، ومن ثم فالخوف من تفسير القرآن خوف لا مبرر له لأن التفسير جهد بشري قد يتضمن نقصاً أو كمالاً ، وإن أصاب وأحسن فقد أدى خدمة عظيمة للإنسانية جمعاء وإن أخطأ ، فخطؤه لا يمس قدسية النص القرآني ، ومعاني القرآن الكريم ستظل تتسع باستمرار مع اتساع دائرة المعرفة الإنسانية تحقيقاً لنبوءة الرسول حينما وصف القرآن بقوله : « إن هذا القرآن لا تنتهي عجائبه » . 

ضوابط الإعجاز:
لكن لابد من ضوابط معينة في التعامل مع قضية الإعجاز العلمي؟
بالطبع ، ومن هذه الضوابط ألا توظف قضية الإعجاز العلمي إلا للثابت من الحقائق العلمية التي حسمها العلم والتي لا رجعة فيها ، ولا يجوز أن نوظف المتغير، ولابد من الإلمام التام باللغة العربية وضوابطها وأساليب التعبير منها ، فبدون هذا الإلمام ربما يخرج التفسير العلمي لآيات الإعجاز في القرآن الكريم عن جادة الصواب ، كما لابد من فهم أسباب النزول ومعرفة الناسخ والمنسوخ ، وفهم المأثور من أحاديث الرسول [، فموضوع الإعجاز العلمي تخصص لا يستطيع أن يخوض فيه أي خائض ، إذ يجب أن يكون المتصدر لهذا العمل متخصصاَ على أعلى مستوى حتى يستطيع أن يستكشف لمحة الإعجاز في الآية القرآنية ، ولابد أن يهتم كل متخصص بجزئية محددة من الإعجاز العلمي ولا يخوض فيما لا يعلم ، ونحن في ظل مناداتنا بأسلمة المعرفة ، لابد من تأصيل القواعد الإسلامية الصحيحة في كل علم من العلوم ، وكل تخصص من التخصصات ، ولابد من إبراز دور المسلمين الأوائل في النهضة العلمية والتقنية المعاصرة . 

 

وبماذا تفسرون هذه الحملة التي أثارها البعض من العلماء ضد هذا المنهج من التفسير؟ الذين يهاجمون منهجي ينقسمون إلى ثلاث مجموعات :

1- مجموعة علماء الدين الذين لم يدرسوا دراسة علمية على الإطلاق ، والتفسير العلمي عندهم أمر فارغ ، لأنهم يعتبرون العلم مجرد ظنون وخيالات ، ولا يمكن لهذه الظنون أن تقف أمام ثبات القرآن الكريم ، وهؤلاء معذورون حيث ليس لديهم خبرة بالعلم على الإطلاق ، وليس لديهم معرفة بالمعطيات الكلية عن العلوم في ظل التقدم المذهل للعلم في السنوات الأخيرة ، ومن هذه المجموعة من يتحدث بإخلاص وهؤلاء كما قلت معذورون لأنهم لا يستطيعون التفرقة بين النظرية والتطبيق ، بل لا يعرفون الكم الهائل من الحقائق التي توصل إليها العلم خلال السنوات الثلاثين الأخيرة .

2- مجموعة أخرى حاقدة وكارهة للنجاح وهي تريد أن تحتكر الدعوة لتخريج فقهاء في الشريعة فقط، رغم أن الإسلام ليس ديناً شرعياً فقط ، وأن العلم الكوني كما سبقت الإشارة لا يفهم في إطار اللغة وحدها ، بل لابد من توظيف المعارف العلمية العصرية .

3- أما هذه المجموعة فتضم فلول اليساريين والدهريين ، وهم كارهون للمد الإسلامي بشتى صوره ، ولا أعتقد أنهم علمانيون كما يسمون أنفسهم لأنهم لا ينتمون إلى العلم بصلة .
 
تخلف البحث العلمي:
لكن لماذا يتوصل المسلمون إلى الحقائق العلمية من القرآن أولاً ثم يطبقونها على أرض الواقع؟
هذه الحقيقة لو أدركها المسلمون في وقت مبكر لحققوا انطلاقة كبيرة وفتحاً عظيماً بل وسبقوا غيرهم من العلماء في كل مجالات وتخصصات العلم لكن مشاكل عدة اعترضت هذه الانطلاقة: 
 1- في زمن الحضارة الإسلامية كان كم المعارف العلمية مقارنة بالوقت الراهن محدوداً للغاية ، لأن العلم والكون له طبيعة تراكمية ، بمعنى أنه بتقدم الزمن ومرور الوقت تزداد ملاحظات الإنسان في الكون ، وتزداد تجاربه ومعارفه ، فنحن لدينا كم هائل من المعلومات ولكن لم يتم استخدامه في خدمة هذه القضية .
2- بعد سقوط الحضارة الإسلامية انقسمت الدولة الإسلامية إلى 55 دويلة ، حيث تمزقت وتشتت إمكاناتها ، وتخلف البحث العلمي بسبب ضعف الإمكانات ، والبحث العلمي عملية مكلفة ، والمفارقة أنه إذا توافرت الإمكانات غابت المعرفة ، وإذا توافرت المعرفة غابت الإمكانات .
3- تخلف أساليبنا التعليمية والسبب في ذلك أن المحتل الأجنبي هو الذي وضع هذه النظم التعليمية وفصل فيها العلم عن الدين ، والحياة عن الآخرة .

شعراوي جديد :
رغم الهجوم الذي شنه البعض ضدكم ، إلا أن آخرين تأثروا بمنهجكم ووصفكم بأنكم شعراوي جديد نسبة إلى فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه اللّه ، ما الفرق بينكما؟
القاسم المشترك أننا ظهرنا من خلال برنامج واحد هو «نور على نور» الذي يقدمه الإعلامي أحمد فراج ، لكن كلاً منا له شخصيته ومجاله ، فالشعراوي رحمه اللّه كان عالماً وأستاذاً مبجلاً في اللغة العربية ، فكان يمتلك مفاتيحها وأسرارها ، وبالتالي فقد استطاع أن يوظفها في خدمة التفسير بنجاح واقتدار لجميع المستويات ، فانبهر وتأثر به الجميع ، أما تخصص النظر في الآيات الكونية فهو يحتاج إلى الاجتهاد وإعمال العقل ، لأن عقل الإنسان لا يستوعب القضايا الكلية دفعة واحدة إذ لابد أن يجرب الإنسان ويتأمل ويخطئ ويصيب ، واللّه عز وجل خلق الكون وترك للإنسان أن يجتهد بعد أن سخر له ما يعينه على ذلك ، والآيات الكونية جاءت كلها على الاستشهاد على طلاقة القدرة الإلهية .

 

د. زغلول النجارمن النشأة إلى العالمية :
حصل على درجة البكالوريوس في العــلوم بمرتبة الشرف ولم يعـين بالجامعة بسبب توجهه الفكري:
ولد د/ زغلول النجار في 17 نوفمبر 1933م بقرية مشاري إحدى قرى مدينة بسيون التابعة لمحافظة الغربية (إحدى محافظات الدلتا بمصر) ونشأ في أحضان أسرة متدينة ، حفظ القرآن الكريم في الصغر على يد والده الذي كان يعمل بمهنة التدريس ، واستطاع والده أن يغرس في جميع أبنائه ومنهم د. زغلول القيم الإسلامية والأخلاق الحميدة وحب العلم والقراءة ، فكان يفرد درساً للأسرة في أحد العلوم الشرعية على كل وجبة طعام ، فضلاً عن أنهم كانوا يقرأون عليه القرآن ، ويصحح لهم أخطاءهم ، وكان من عادة قريته أن تقوم الأسر الكبيرة بدعوة بعض القراء بعد صلاة التراويح وحتى وقت السحور لقراءة القرآن ، وكان يجتمع حولهم بعض المثقفين ، للوقوف عند بعض الآيات ومناقشة تفسيرها وظلالها ، وغير ذلك من مواد الفقه والسيرة والحديث .
  الأول على الدفعة:
تخرج د. زغلول في كلية العلوم جامعة القاهرة عام 1965م قسم الجيولوجيا وحصل على مرتبة الشرف وكان ترتيبه الأول على الدفعة ، وبسبب تفوقه منحته الجامعة جائزة بركة للجيولوجيا ، وكان أول الحاصلين عليها . 

لم يستقر في وظيفة!!
هذه النشأة الدينية - كما يقول د. زغلول- ربطته بالدعوة إلى اللّه ، وبالكتاب الإسلامي ، فتأثر في شبابه بالطرح الإسلامي الذي نادى به الشهيد حسن البنا ، وبسبب انتمائه إلى الحركة الإسلامية لم يعين معيداً بالجامعة رغم تفوقه وانفراده بالمركز الأول على مستوى دفعته!! فتقلب في عدد من الوظائف في بعض الشركات من بينها : شركة صحاري البترول ، المركز القومي للبحوث ، مناجم الفوسفات في وادي النيل ، إلا أنه ما لبث أن فصل من عمله لأسباب فكرية في الوقت الذي كان متميزاً في وظيفته! ثم عين معيداً بجامعة عين شمس - قسم الجيولوجيا بعد أن تعهد للإدارة بعدم ممارسة أي نشاط فكري ، إلا أنه فصل من الجامعة على أثر زيارة لرئيس الحكومة ، والسبب يعود إلى أنه لم يكن ضمن مستقبليه ، وإنما كان يباشر عمله في قاعة المحاضرات ولم يكن يعلم بهذه الزيارة ، فانتقل للعمل بمشروع للفحم بشبه جزيرة سيناء .
 بداية الانطلاقة:
وكانت بداية الانطلاقة عام 1959م حينما دعته جامعة آل سعود بالرياض للمشاركة في تأسيس قسم الجيولوجيا ، ومن السعودية سافر إلى إنجلترا، وحصل على الدكتوراه من جامعة ويلز عام 1963م ، خلال 18 شهراً وهي مدة تعتبر قصيرة جداً لنيل الدكتوراه ، بسبب صعوبة علم الجيولوجيا ، ثم أعطته الجامعة البريطانية منحة علمية لاستكمال أبحاث ما بعد الدكتوراه إلا أن إدارة البعثات المصرية في ذلك الوقت رفضت ، فوجه أستاذه الإنجليزي خطاباً شديد اللهجة إلى إدارة البعثات ، بعدم قبول أي طالب مصري إذا لم تتم الموافقة على ترشيح د. زغلول باعتباره كفاءة علمية ، وجدير بهذه المنحة ، فوافقت البعثات مضطرة .

 

ممنوع من السفر ولكن:
ويحكي د. زغلول قصة طريفة قائلاً في عام 1961م كنت استعد للسفر إلى إنجلترا عبر الباخرة من ميناء بورسعيد ، وكانت المفاجأة الكبرى أنني ممنوع من السفر!! وأن مدير جوازات بورسعيد هو الشخص الوحيد الذي يملك إلغاء هذا القرار ، ومن أقدار اللّه أنه لم يكن بمكتبه في هذا اليوم ، فذهبت إلى بيته بعد أن عرفت عنوانه من بعض العاملين ، فلم أجده أيضاً . وعلمت أنه بصحبة زوجته التي داهمتها آلام الولادة فجأة ، فتوجهت إلى المستشفى ، وهناك أحسن استقبالي فحكيت له مشكلتي فقال : « إن زوجتي كتبت لها حياة جديدة ولذلك سوف أسمح لك بالسفر مهما كانت الأسباب والنتائج » . وأصدر الضابط الذي وصفه د. زغلول بالشهم أوامره إلى قيادة السفينة بأن تتوقف في عرض البحر ، واستقل قارباً في جنح الظلام حتى يلحق بالسفينة .

عدد تذكاري لأبحاثه:
وخلال بعثته العلمية في إنجلترا قدم د. زغلول 14 بحثاً في الجيولوجيا ومنحته الجامعة درجة الزمالة لأبحاث ما بعد الدكتوراه (1963-1967م) وأوصت لجنة الممتحنين بنشر أبحاثه كاملة وتبادلها مع جامعات العالم ، وقام متحف التاريخ الطبيعي أو ما يعرف بالمتحف البريطاني الملكي بنشر عدد تذكاري لأبحاث د. زغلول ويتألف من 600 صفحة ، وطبع هذا العدد حوالي 17 مرة ، وترجم إلى لغات عدة .

رحلة د/ النجار في الكويت:
في عام 1967م جاء د. زغلول النجار إلى الكويت بدعوة من د. عبدالحليم منتصر رحمه اللّه ، وشارك في تأسيس قسم الجيولوجيا وعمل بالكويت لمدة 11 عاماً حصل خلالها على الأستاذية عام 1972م ، واختير رئيساً للقسم في العام نفسه ، وقام بنشاطات متعددة من خلال الصحافة والتلفزيون والمحاضرات العامة ، وكان خلال الإجازة الصيفية يسافر إلى بريطانيا ، وقدم العديد من البحوث إذ وفرت له الجامعة الإنجليزية إمكانات هائلة بما فيها السكرتارية والمساعدين الفنيين ، بل وتحملت نفقة زياراته إلى السويد والنرويج والدانمارك وفرنسا ، وفي عام 1977م عمل أستاذاً زائراً بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس لمدة عام ، ثم انتقل إلى قطر وعمل أستاذاً في علم الجيولوجيا لمدة عام .

مؤلفاته وأبحاثه:
أعد د. زغلول حوالي 85 بحثاً علمياً ، معظمها في مجالات جيولوجيا الأراضي المصرية والكويتية والسعودية ، ومنها تحليل طبقات الأرض المختلفة في مصر ، البترول في الطبيعة ، المياه الجوفية في السعودية ، الكويت منذ 600 مليون عام مضت ، ومن أبحاثه أيضاً مجهودات البشر في تقدير عمر الأرض ، علم التنجيم أسطورة الكون الممتد ، كما ألف ما يزيد على 40 بحثاً إسلامياً منها : التطور من منظور إسلامي ، ضرورة كتابة العلوم من منظور إسلامي ، العلوم والتكنولوجيا في المجتمع الإسلامي ، قصة الحجر الأسود في الكعبة ، وله كتب أخرى منها الجبال في القرآن ، إسهام المسلمين الأوائل في علوم الأرض ، صور من حياة ما قبل التاريخ ، وبلغت تقاريره الاستشارية وأبحاثه غير المنشورة نحو 40 بحثاً ، وأشرف على أكثر من 30 رسالة ماجستير ودكتوراة في جيولوجية مصر والخليج العربي .

شعراوي العصر:
يعمل د/ النجار مديراً لمعهد الدراسات العليا بإنجلترا (Markfield (Institute of Higher Education وهو معهد تحت التأسيس يمنح درجة الماجستير أو الدكتوراه في مجالات إسلامية كثيرة مثل الاقتصاد ، المال والبنوك ، التاريخ الإسلامي ، الفكر الإسلامي المعاصر ، الحركات المعاصرة ، المرأة وحركات تحررها ، إلى جانب ذلك فهو عضو في العديد من الجمعيات العلمية المحلية والدولية منها لجنة تحكيم جائزة اليابان الدولية للعلوم وهي أرفع قدراً من جائزة نوبل للعلوم ، ويعمل مستشاراً لعدد من الشركات والمؤسسات العلمية ، وشارك في تأسيس عدد من البنوك ، انتخب مؤخراً عضواً بمجلس إدارة الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية بالكويت .
يكتب الآن صفحة أسبوعية كاملة حول الإعجاز العلمي في القرآن الكريم بصحيفة الأهرام القاهرية ذات الطبعتين المحلية والدولية ، ويشارك في برامج تلفزيونية عديدة أشهرها برنامج نور على نور الذي كان فارسه وضيفه الدائم فضيلة الشيخ متولي الشعراوي ، وقد حدا ذلك بالبعض لأن يشبه د. النجار بأنه شعراوي العصر حيث يفسر القرآن بأسلوب الإعجاز العلمي وليس اللغوي كما كان الشعراوي .