"فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظاًّ مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ .." ( المائدة : 13 )


هذا النص القرآني الكريم جاء في بدايات سورة المائدة‏,‏ وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها120‏ بعد البسملة‏,‏ وهي من طوال سور القرآن الكريم‏,‏ ومن أواخرها نزولا‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلي المائدة التي طلبها الحواريون فأنزلها الله‏- تعالي‏-‏ من السماء كرامة لعبده ورسوله المسيح عيسي بن مريم‏.
ويدور المحور الرئيسي لسورة المائدة حول التشريع بعدد من الأحكام اللازمة لإقامة الدولة الإسلامية‏,‏ وتنظيم مجتمعاتها علي أساس من الإيمان بالخالق-‏ سبحانه وتعالى‏-,‏ وبألوهيته‏,‏ وربوبيته‏.‏
ويتخلل آيات التشريع في سورة المائدة تأكيد سمو العقيدة الإسلامية‏,‏ واستعراض قصص عدد من السابقين لاستخلاص العظة والعبرة‏,‏ ومنها قصة ولدي آدم قابيل وهابيل وقتل الأول منهما أخاه رمزا للصراع بين الحق والباطل في هذه الحياة‏.‏
وتعرض السورة الكريمة لأحكام الإسلام العظيم‏,‏ وتكل المسلم في ذلك إلي تقوي الله وخشيته والحرص علي حسن عبادته‏,‏ وتأمر المؤمنين أن يكونوا قوامين لله شهداء بالقسط وتبشرهم بالمغفرة والأجر العظيم‏,‏ وتتهدد الذين كفروا وكذبوا بآيات الله أو أشركوا به أن مصيرهم إلي الجحيم‏.‏
وتعرض سورة المائدة للعقائد الفاسدة لكل من الكفار والمشركين وترد عليها‏,‏ وقد نسبوا الي الله‏- تعالى‏-‏ من الأوصاف والنعوت مالا يليق بجلاله‏,‏ ونقضوا جميع العهود والمواثيق‏,‏ وتنادي السورة الكريمة علي أهل الكتاب بنداء يتكرر عدة مرات وذلك من مثل قول الحق-‏ ‏ تبارك وتعالي‏-:‏ "يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" ‏(‏ المائدة‏:19).‏
ثم تعرض السورة الكريمة لعدد من الأحكام المتعلقة بحماية النفس والمال والملكيات الفردية والعامة‏,‏ وحماية المجتمعات الإنسانية كلها‏,‏ وصيانتها من كل انحراف‏,‏ كما تعرض للسلطة وحقوقها‏,‏ وإلي ضرورة الحكم بما أنزل الله‏,‏ وتجرم الخروج علي ذلك‏,‏ لأن حق التشريع بالحل والحرمة هو لله-‏ تعالى- وحده‏,‏ وتؤكد تأييد الله ـ تعالي ـ لخاتم أنبيائه ورسله ـ صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ـ في مواجهته لكفر الكافرين‏,‏ وغطرستهم‏,‏ وكذبهم‏.‏
وتفصل سورة المائدة قضية الولاء والبراء مؤكدة دورها في ضبط سلوك الأفراد والجماعات في الدولة المسلمة‏,‏ وتعرج إلي إقرار عدد من الأحكام الشرعية‏.‏
وتختتم سورة المائدة بالتذكير بيوم القيامة الذي سوف تبعث فيه الخلائق للحساب والجزاء‏,‏ وفي مقدمتهم الأنبياء والمرسلون‏,‏ وبالإشارة إلي عدد من المعجزات التي أيد الله‏-‏ تعالي-‏ بها عبده ورسوله المسيح عيسي ابن مريم‏.‏

 

من التشريعات الإسلامية في سورة المائدة‏:‏
(1)‏ الوفاء بالعقود أي العهود المؤكدة بين العباد وخالقهم‏,‏ وبينهم وبين بعضهم البعض‏.‏
‏(2)‏ الحكم بما أنزل الله ـ تعالي ـ والالتزام بحدوده‏.‏
(3)‏ الأمر بالمحافظة علي شعائر الإسلام كلها وفرائضه واحترام حرمة الدين وشعائره من مثل الكعبة المشرفة‏,‏ وحرمها والحج ومناسكه‏,‏ والأشهر الحرم الأربعة والامتناع عن الاقتتال فيها‏,‏ وحرمة مايهدي الي البيت الحرام‏,‏ ومايقلد به الهدي‏,‏ وحرمة الحجاج القاصدين البيت الحرام‏,‏ وحرمة أمنهم وسلامتهم‏.‏
‏(4)‏ الأمر بالجهاد في سبيل الله دفعا لظلم الظالمين وجور الجائرين الصائلين المعتدين‏.‏
‏(5)‏ تحليل أكل لحوم الأنعام وشرب ألبانها إلا ما حرم الله‏- تعالى-‏ منها‏.‏وتحريم كل من الميتة‏,‏ والدم‏,‏ ولحم الخنزير‏,‏ وما أهل لغير الله به‏,‏والمنخنقة والموقوذة والمتردية‏,‏ والنطحية‏,‏ وما أكل السبع‏(‏ إلا ما أدرك ذكاؤه أي إتمام ذبحه قبل أن يموت‏),‏ وتحريم كل ماذبح علي النصب‏(‏ وهي أحجار كانت تعظم في الجاهلية‏,‏ ويذبح عليها وهي غير الأصنام‏),‏ إلا من اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم‏.‏
(6)‏ تحريم الصيد أو الانتفاع به علي المحرم سواء كان في الحل أو في الحرم‏,‏ وفي حكم المحرم من كان مقيما في الحرم وليس محرما‏,‏ وتحديد كفارة ذلك‏.
(7)‏ الأمر بالتعاون علي البر والتقوى‏: أي علي فعل الطاعات‏,‏ واجتناب المنكرات والنهي عن التعاون علي الإثم والعدوان أي عن مجاوزة حدود الله تعالي‏.‏
‏(8)‏ تحريم الاستقسام بالأزلام أي محاولة استشراف المستقبل بواسطة القداح‏,‏ وهي سهام كانت لديهم في الجاهلية‏,‏ ولا تختلف عن غيرها من وسائل الدجل المعاصرة من مثل قراءة الطالع‏,‏ أو الفنجان‏,‏ أو فتح أوراق اللعب وغيرها‏.‏
‏(9)‏ الأمر بطاعة الله ورسوله‏,‏ وبعمل الصالحات‏,‏ وتحريم خشية غير الله‏,‏ خاصة أهل الكفر والشرك‏.‏
(10)‏ أحل الله‏-‏ تعالى‏- للمسلمين كل الطيبات‏,‏ وهو ما أذن في أكله بما في ذلك صيد البحر وطعامه‏,‏ وصيد البر غير المحرم بعد ذكر اسم الله علي وسيلة الصيد من الجوارح قبل اطلاقها‏,‏ ومما أحل الله-‏ تعالي‏-‏ لعباده المسلمين ذبائح أهل الكتاب وطعامهم إذا ذكروا عليها اسم الله أثناء الذبح‏.‏
‏(11)‏أحل الله‏- تعالي-‏ للمسلمين زواج المحصنات من المؤمنات‏,‏ والمحصنات: أي العفيفات المترفعات عن الرذائل من الذين أوتوا الكتاب من قبل‏,‏ وذلك بالطرق الإسلامية المشروعة بعد دفع مهورهن‏,‏ وعدم الاختلاء بهن قبل الزواج بدعوي الصداقة أو حسن التعرف كما يجري في هذه الأيام‏.‏
(12)‏ تفصيل أحكام الطهارة في جميع الحالات‏.‏
‏(13)‏ التشريع بالعدل في كل أمر وبتقوي الله‏- تعالى-‏ في السر والعلن‏,‏ وبالتوكل عليه حق التوكل‏,‏ وابتغاء الوسيلة إليه‏.‏
(14)‏ تحريم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق تحريما قاطعا وتحديد عقوبة القاتل‏,‏ وإنزال حكم القصاص‏,‏ فمن تصدق به فهو كفارة له‏.‏
‏(15)‏ تحريم قطع الطريق وتحديد عقوبته‏,‏ وعقوبة غير ذلك من صور الاعتداء علي الخلق‏.‏
(16)‏ تحريم السرقة وتحديد عقوبتها‏,‏ والنهي عن أكل السحت بأشكاله المختلفة ومنه الربا والرشوة‏,‏ والغش في التجارة والصنعة‏,‏ وتطفيف كل من المكاييل والموازين‏.‏
‏(17)‏ إنزال حكم الولاء والبراء‏,‏ وحكم الردة‏,‏ وحكم الحنث في اليمين‏.‏
(18)‏ تحريم الشرك بالله تحريما قاطعا‏,‏ ومساواته بالكفر بالله‏,‏ وإنزال حكم الله فيه: "...إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ"  ‏(‏المائدة‏72)‏.
(19)‏ تحريم كل من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام واعتبارها رجسا من عمل الشيطان يجب علي المسلم اجتنابه كل الإجتناب‏.‏
‏(20)‏ تفصيل حكم الوصية‏.‏

من ركائز العقيدة في سورة المائدة‏:‏
‏(1)‏ الإيمان بالله‏,‏ وملائكته‏,‏ وكتبه‏,‏ ورسله‏,‏ واليوم الآخر‏,‏ وبالقدر خيره وشره‏,‏ وتوحيد الله ـ تعالي ـ والاتباع في الدين وعدم الابتداع فيه‏,‏ واليقين بأن الرسالة الخاتمة جاءت لتبين لأهل الكتاب كثيرا مما اختلفوا فيه‏,‏ واليقين بأن الشرك يساوي الكفر بالله وكلاهما من أكبر الكبائر‏.‏
‏(2)‏ التصديق ببعثة النبي والرسول الخاتم‏- صلي الله عليه وسلم-‏ الذي أكمل الله‏-‏ سبحانه وتعالى‏-‏ برسالته الدين وأتم النعمة‏.‏
(3)‏ الإيمان بأن لله مافي السموات‏,‏ ومافي الأرض ومابينهما‏,‏ وأنه-‏ تعالى‏-‏ علي كل شئ قدير وإليه المصير‏,‏ وأنه رب هذا الكون ومليكه ـ بغير شريك‏,‏ ولاشبيه‏,‏ ولامنازع‏,‏ ولاصاحبة ولا ولد ـ لأن هذه كلها من صفات المخلوقين‏,‏ والله-‏ سبحانه وتعالى‏- منزه عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لايليق بجلاله‏.‏
‏(4)‏ الإيمان بوحدة رسالة السماء‏,‏ وبالأخوة بين الأنبياء الذين بعثوا جميعا برسالة واحدة هي الإسلام الذي تكامل في بعثة النبي والرسول الخاتم‏,‏ في القرآن الكريم وفي سنة هذا النبي الأمين-‏ صلي الله عليه وسلم‏-.‏
(5)‏ اليقين بنبوة المسيح عيسي ابن مريم وبعبوديته لله ـ تعالي ـ وبالمعجزات التي أجراها الله ـ تعالي ـ علي يديه‏,‏ كما رواها القرآن الكريم‏,‏ وأنه رسول قد خلت من قبله الرسل وقد بشر بمقدم خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ـ وأن أمه صديقة‏,‏ وأنهما كانا يأكلان الطعام‏.‏
‏(6)‏ الإيمان بأنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا‏,‏ وبأن‏..‏ الذين كفروا لو أن لهم مافي الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم‏,‏ وأن حزب الله هم الغالبون‏.‏

من الإشارات العلمية والإنبائية في سورة المائدة‏:‏
(1)‏ تحريم أكل كل من الميتة‏,‏ ولحم الخنزير‏,‏ وما أهل لغير الله به‏,‏ والمنخنقة‏,‏ والموقوذة‏,‏ والمتردية‏,‏ والنطحية‏,‏ وما أكل السبع إلا ماذكي‏.‏ والعلم يؤكد أخطار تناول مثل هذه اللحوم‏.‏
‏(2)‏ التأكيد علي البينية الفاصلة بين الأرض والسماوات‏,‏ والعلم يؤكد حقيقة ذلك‏.‏
(3)‏ الإشارة إلي تحريف اليهود‏,‏ لكتبهم‏,‏ وأنهم سماعون للكذب أكالون للسحت‏,‏ يسارعون في الإثم‏,‏ والعدوان‏,‏ وأنهم أشد الناس عداوة للذين آمنوا‏,‏ والأحداث الراهنة تؤكد حقيقة ذلك وتدعمه‏.‏
‏(4)‏ تحريم كل من الخمر‏,‏ والميسر‏,‏ والأنصاب‏,‏ والأزلام‏,‏ والععلم يؤكد ضرورة ذلك التحريم‏.‏
‏(5)‏ تأكيد كرامة الكعبة المشرفة بجعلها قياما للناس‏,‏ والعلم يثبت تميز موقعها‏.‏
(6)‏ الإشارة الي أن كثيرا من الناس لفاسقون وتسابق الإدارات في الحضارة المادية المعاصرة علي إباحة زواج الشاذين والسماح لهم بالتبني في هذه الأيام إثبات مادي لذلك‏.‏
‏(7)‏ إختيار الغراب بالذات ودون غيره من الطيور لتعليم قابيل كيف يواري سوءة أخيه‏.‏ والعلم أثبت أنه أذكي الطيور علي الإطلاق‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج الي معالجة مستقلة‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي علي النقطة الثالثة من القائمة السابقة التي فصلتها الآية رقم‏(13)‏ من سورة المائدة‏,‏ ولكن قبل الوصول إلى مناقشة دلالتها العلمية لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين في شرح هذه الآية الكريمة‏.‏

 

من أقوال المفسرين‏:‏
في تفسير قوله ـ تعالي ـ‏:‏ "فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظاًّ مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً ..." (‏المائدة‏:13).‏
‏ ذكر صاحب الظلال ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ مانصه‏:‏ وصدق الله فهذه سمات اليهود التي لاتفارقهم‏....‏ لعنة تبدو علي سيماهم‏,‏ إذ تنضح بها حياتهم الملعونة المطرودة من الهداية‏.‏ وقسوة تبدو في ملامحهم الناضبة من بشاشة الرحمة‏,‏ وفي تصرفاتهم الخالية من المشاعر الإنسانية‏,‏ ومهما حاولوا ـ مكرا ـ إبداء اللين في القول عند الخوف وعند المصلحة‏,‏ والنعومة في الملمس عند الكيد والوقيعة‏,‏ فإن جفاف الملامح والسمات ينضح ويشي بجفاف القلوب والأفئدة‏...‏ وطابعهم الأصيل هو تحريف الكلم عن مواضعه‏.‏ تحريف كتابهم أولا عن صورته التي أنزلها الله علي موسي ـ عليه السلام ـ إما بإضافة الكثير مما يتضمن أهدافهم الملتوية ويبررها بنصوص من الكتاب مزورة علي الله‏!!‏ وإما بتفسير النصوص الأصلية الباقية وفق الهوي والمصلحة والهدف الخبيث‏!!‏ ونسيان وإهمال لأوامر دينهم وشريعتهم‏,‏ وعدم تنفيذها في حياتهم ومجتمعهم‏,‏ لأن تنفيذها يكلفهم الاستقامة علي منهج الله الطاهر اللطيف القويم‏.‏

"وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً ...",‏ وهو خطاب للرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ يصور حال يهود في المجتمع المسلم في المدينة‏.‏ فهم لايكفون عن محاولة خيانة رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ وقد كانت لهم مواقف خيانة متواترة‏.‏ بل كانت هذه هي حالهم طوال إقامتهم معه في المدينة ـ ثم في الجزيرة كلها ـ ولاتزال هذه حالهم في المجتمع الإسلامي وهو المجتمع الوحيد الذي آواهم‏.‏ ورفع عنهم الاضطهاد‏,‏ وعاملهم بالحسني‏,‏ ومكن لهم من الحياة الرغيدة فيه ولكنهم كانوا دائما كما كانوا علي عهد الرسول ـ عقارب وحيات وثعالب وذئابا تضمر المكر والخيانة‏,‏ ولا تني تمكر وتغدر‏.‏ إن أعوزتهم القدرة علي التنكيل الظاهر بالمسلمين نصبوا لهم الشباك وأقاموا لهم المصائد‏,‏ وتآمروا مع كل عدو لهم‏,‏ حتي تحين الفرصة‏,‏ فينقضوا عليهم‏,‏ قساة حفاة لايرحمونهم‏,‏ ولايرعون فيهم إلا ولا ذمة‏.‏ أكثرهم كذلك‏..‏ كما وصفهم الله سبحانه في كتابه‏,‏ وكما أنبأنا عن جبلتهم التي أورثها إياهم‏,‏ نقضهم لميثاق الله من قديم‏.‏

والتعبير القرآني الخاص عن واقع حال اليهود مع رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ في المدينة تعبير طريف‏: "وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً ..." ‏ الفعلة الخائنة‏,‏ والنية الخائنة‏,‏ والكلمة الخائنة‏,‏ والنظرة الخائنة‏..‏ يجملها النص بحذف الموصوف‏,‏ وإثبات الصفة‏.. "خَائِنَةٍ"...‏ لتبقي الخيانة وحدها مجردة‏,‏ تملأ الجو‏,‏ وتلقي بظلالها وحدها علي القوم‏...‏ فهذا هو جوهر موقفهم مع الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ ومع الجماعة المسلمة‏....‏ ويختتم صاحب الظلال ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ هذا التفسير الرائع بقوله هذا القرآن هو معلم هذه الأمة ومرشدها ورائدها وحادي طريقها علي طول الطريق‏,‏ وهو يكشف لها عن حال أعدائها معها‏,‏ وعن جبلتهم وعن تاريخهم مع هدي الله كله‏.‏ ولو ظلت هذه الأمة تستشير قرآنها‏,‏ وتسمع توجيهاته‏,‏ وتقيم قواعده وتشريعاته في حياتها‏,‏ ما استطاع أعداؤها أن ينالوا منها في يوم من الأيام‏...‏ ولكنها حين نقضت ميثاقها مع ربها‏,‏ وحين اتخذت القرآن مهجورا ـ وإن كانت لاتزال تتخذ منه ترانيم مطربة‏,‏ وتعاويذ ورقي وأدعية؟ ـ أصابها ما أصابها‏.‏ ولقد كان الله ـ سبحانه وتعالي ـ يقص عليها ما وقع لبني إسرائيل من اللعن والطرد وقسوة القلب وتحريف الكلم عن مواضعه‏,‏ حين نقضوا ميثاقهم مع الله‏,‏ لتحذر أن تنقض هي ميثاقها مع الله‏,‏ فيصيبها مايصيب كل ناكث للعهد‏,‏ ناقض للعقد‏..‏ فلما غفلت عن هذا التحذير‏,‏ وسارت في طريق غير الطريق‏,‏ نزع الله منها قيادة البشرية‏..‏ وتركها هكذا ذيلا في القافلة‏,‏ حتي تثوب الي ربها‏,‏ وحتي تتمسك بعهدها‏,‏ وحتي توفي بعقدها‏,‏ فيفي لها الله بوعده من التمكين في الأرض ومن القيادة للبشر والشهادة علي الناس‏..‏ وإلا بقيت هكذا ذيلا للقافلة "وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ"  (الروم:6).‏

 



من الدلالات الإنبائية للنص الكريم:
أولا‏:‏ في قوله ـ تعالي ـ‏:‏
"فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ...." :
لقد كفر اليهود ـ في غالبيتهم ـ على زمن نبي الله موسي ـ عليه السلام ـ فعبدوا العجل‏,‏ وعاودوا الكفر بتحريف التوراة وبيعها قراطيس للناس‏,‏ وتركز الكفر من قلوبهم في أزمنة أنبيائهم العديدين‏,‏ فقاتلوهم وقتلوهم عدوا بغير علم‏.‏ وحرفوا كتبهم‏,‏ وازداد الكفر تمكنا من قلوبهم زمن نبي الله المسيح عيسى بن مريم‏,‏ فأنكروا نبوته‏,‏ وشوهوا سمعته وسمعة والدته ـ شرفها الله ـ وأعلنوا عليه حروب الشياطين وحاولوا صلبه ولكن الله ـ تعالي ـ رفعه إليه‏,‏ واندسوا بين تابعيه في محاولة لصرفهم عن دين الله‏,‏ وإصرار علي تزويره وتشويهه‏.‏
قاوم اليهود خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ ورفضوا بعثته الشريفة‏,‏ ونقضوا جميع عهودهم ومواثيقهم معه‏,‏ وتآمروا عليه مع الكفار والمشركين‏,‏ وألبوا عليه القبائل العربية‏,‏ وحاولوا سمه وقتله‏,‏ وأغرقوا في الدس عليه بالإسرائيليات لولا أن الله ـ تعالي ـ قد تعهد بحفظ رسالته الخاتمة تعهدا مطلقا فحفظت‏.‏ من أجل ذلك كله لعن اليهود بأمر رب العالمين‏,‏ كما لعنوا على لسان داود وعيسى بن مريم‏,‏ ولذلك قال ـ تعالي ـ‏:‏
"فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ...." أي فلسبب نقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم لعناهم أي طردناهم من رحمتنا لبعدهم عن الهدي ودين الحق‏.‏ وتاريخ عصاة اليهود على الأرض يؤكد حقيقة طردهم من رحمة الله عقوبة لهم علي نقض مواثيقهم مع الله ـ تعالي ـ ومع غيرهم من خلق الله‏.‏
ثانيا‏:‏ في قوله ـ تعالي ـ‏: "... وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً..." :
تربى غلاة اليهود ـ ولايزالون يتربون ـ على فرية كبيرة مؤداها أنهم شعب الله المختار‏,‏ وأبناؤه وأحباؤه‏,‏ وأن من هم غير اليهود‏(‏ الأميين أو الأمميين أو الأغيار أو الجويم‏)‏ هم بزعمهم الباطل حيوانات خلقت في هيئة البشر حتي يكونوا لائقين بخدمة اليهود‏,‏ ومن هنا فهم عبيد لليهود‏,‏ لايجوز التعامل معهم بأي قدر من الإنسانية أو الرحمة‏,‏ فحب الأغيار عند اليهود بغض لله ـ تعالي ـ‏,‏ والمحسن إليهم يميته الرب‏,‏ وخيانتهم والتآمر عليهم وقتلهم يعتبر من القربات إلى الله كما يدعون‏,‏ ولذلك وصفهم الحق ـ تبارك وتعالي ـ بقوله العزيز‏:"... وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً..." ‏ وتاريخ اليهود علي الأرض بصفة عامة ـ وفي منطقتنا العربية ـ بصفة خاصة ـ هو تجسيد لهذه الحقيقة القرآنية‏.‏
ثالثا‏:‏ في قوله ـ تعالي ـ‏:‏ "... يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ..." ‏:‏
لتوراة موسي ـ عليه السلام ـ في الإسلام منزلة سامية‏,‏ ولكن اليهود أشبعوها تحريفا وتزويرا ودسا علي الله ـ تعالي ـ‏,‏ وهم اليوم يعتبرون التوراة متجسدة في الأسفار الخمسة الأولي مما يعرف باسم العهد القديم‏,‏وهذه الأسفار الخمسة لم تدون إلا في عهد عزرا بعد وفاة موسي ـ عليه السلام ـ بأكثر من ثمانية قرون‏,‏ ثم أضافوا إليها عدة أسفار مختلفة مما جعلها محل جدل في أوساطهم الدينية حتي اليوم‏.‏
ويجمع دارسو العهد القديم على أن سفر حزقيال وضع أولا‏,‏ ثم ركبت حوله بقية الأسفار الموضوعة‏,‏ ولذلك كان لليهود أكثر من توراة من مثل التوراة البابلية‏,‏ توراة القدس‏,‏ والتوراة البيضاء‏,‏ و التوراة السامرية والسبعينية و العبرية و اليونانية وغيرها‏,‏ وبينها اختلافات جوهرية عديدة تشير إلى عبث الأصابع اليهودية بها‏.‏
والشك في أسفار العهد القديم أثارته مؤسسات ومجامع دينية عديدة كانت منها الكنيسة البروتستانتية التي حذفت أكثر من سبعة من أسفار هي‏:‏ أسفار باروخ‏,‏ و طوبيا‏,‏ ويهوديت‏,‏ وسفرا المكابيين الأول والثاني‏,‏ وأجزاء من سفري إستير و دانيال‏.‏
وقد استمر اليهود في تحريف كتبهم علي مدى يزيد علي‏(2500)‏ سنة‏,‏ وخدعوا العالم بأنهم هم أصحاب العهود لاغيرهم‏,‏ بدعوي أنهم لايزالون عرقا صافيا من الساميين والإسرائيليين‏,‏ وأنهم يهود توراة موسي‏.‏ وهذا محض افتراء لأن اليهودية كأحد الأديان السماوية قبلتها أعراق متعددة‏,‏ ومن هنا فإن الادعاء بنقاء العرق اليهودي هو ادعاء كاذب ينكره علم الأجناس‏,‏ وينكره دخول الكثير من اليهود في الديانة النصرانية ثم في الإسلام كما ينكره وجود أعراق متعددة بين اليهود والمتهودين المعاصرين‏.‏
ويكفي لإثبات ذلك أن يهود الخزر‏(‏ وهم يهود روسيا وأوروبا الشرقية‏)‏ يشكلون أكثر من‏92%‏ من مجموع يهود اليوم‏,‏ والخزر شعب وثني قديم‏,‏ تركي ـ مغولي ـ تتري الأصل عاش في المنطقة بين وادي الفولجا ووادي الدانوب‏,‏ وبين البحرين الأسود وقزوين‏,‏ ولا علاقة له بالمنطقة العربية ولا بالأصول السامية‏.‏ وقد أقام هذا الشعب في الفترة مابين القرنين الثاني والعاشر الميلاديين مملكة وثنية حول بحر قزوين عرفت باسم مملكة الخزر‏.‏ شقت طريقها إلي أوروبا الشرقية عبر سلسلة من الحروب الدموية استمرت لعدة قرون‏.‏
وفي منتصف القرن الثامن الميلادي‏(‏ سنة‏740‏ م‏)‏ وصل إلى مملكة الخزر عدد من حاخامات اليهود الذين ساوموا الملك بولان‏
(Bulan)‏ ملك الخزر على قبول اليهودية دينا فتهود‏,‏ وأجبر أهل مملكته علي التهود بإعلان اليهودية دينا رسميا للبلاد‏.‏
وفي القرن العاشر الميلادي تمكنت الإمبراطورية الروسية من غزو مملكة الخزر وتدميرها‏,‏ فهاجر معظم سكانها إلى دول أوروبا الشرقية‏,‏ ومنها رحلوا إلى أوروبا الغربية ثم إلى الأمريكتين‏,‏ ومن بقى منهم مثلوا يهود الإمبراطورية القيصرية الروسية وهؤلاء يعرفون باسم الإشكنازيم‏(‏ أو السكناج‏)‏ أو يهود أوروبا الشرقية‏.‏
أما غير الخزر من اليهود فيشكلون أقل من‏8%‏ من مجموع يهود اليوم وهم يهود آسيا وأفريقيا وبلاد الأندلس ويعرفون باسم الإسفارديم‏(‏أو السفاراديم‏).‏ وهذا يبطل الادعاء الكاذب بنقاء العرق اليهودي من الاختلاط بأية أعراق أخري‏.‏
من هنا فإن التعبير القرآني بنو إسرائيل ليس تعبيرا عرقيا لأن القرآن الكريم يؤكد وحدة الجنس البشري ورده إلى أب واحد‏,‏ وأم واحدة‏,‏ ولكنه وصف لجماعة من الناس لها من الأنانية ما شجعها على الاعتقاد الخاطئ بأنهم وحدهم هم شعب الله المختار‏,‏ وأبناؤه وأحباؤه‏,‏ وأن غيرهم من الخلق عبارة عن حيوانات في هيئة البشر حتي يكونوا في خدمة اليهود‏,‏ وأن الرب هو رب إسرائيل والإسرائيليين فقط‏,‏ وأن الأغيار‏(‏ الأمميين‏)‏ لا رب لهم‏,‏ ومن هنا فإن استباحة دمائهم وأعراضهم وأموالهم وأراضيهم هي حلال عندهم‏,‏ وهي قربة إلي الله ـ تعالي الله عن ذلك علوا كبيراـ‏.‏
وانطلاقا من ذلك برع اليهود في التعصب ضد كل من هو غير يهودي‏,‏ وقد أفاض القرآن الكريم في وصف ملامح الشخصية اليهودية وخصائصها الذاتية والمقومات النفسية التي صاغت تلك الشخصية المتغطرسة المتجبرة المتكبرة‏,‏ القاسية القلب‏,‏ المستعلية علي الخلق‏,‏ إلى حد الوحشية والهمجية‏,‏ والتفنن في الغدر بالآخرين‏,‏ ونقض العهود والمواثيق‏,‏ والحقد على البشر أجمعين‏,‏ والحسد لكل نجاح‏,‏ والإصرار علي الإفساد في الأرض‏,‏ وعلى إشاعة الفواحش بين الناس‏,‏ وعلى هدم كل قيمة أخلاقية وكل فضيلة‏.‏ ولذلك قتلوا أنبياء الله وقتلوا بعضهم وأوقدوا نيران الحروب والفتن على سطح الأرض‏,‏ واستباحوا كل حرمات الآخرين بدعوى أنهم شعب الله المختار وأبناء الله وأحباؤه وهي دعوى باطلة ولا أساس لها من الصحة‏.‏
رابعا‏:‏ في قوله ـ تعالي ـ‏:‏ "... وَنَسُوا حَظاًّ مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ..." :‏
يعترف العهد القديم بأن توراة موسى قد فقدت‏,‏ ولذلك أخذ اليهود يكتبون عنها من الذاكرة ماتناقله كل من الأجداد والآباء للأحفاد والأبناء عبر أكثر من ثمانية قرون كاملة‏,‏ وذلك في زمن عزرا وقد استغرقت كتابتها قرابة قرن من الزمان وبذلك اكتملت كتابتها عبر تسعمائة سنة‏,‏ ولذلك قال ـ سبحانه ـ في اليهود‏:"...‏ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا‏..."‏ ‏(‏المائدة‏:41)‏
وقال ـ عز من قائل‏:
" إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ..." ‏(‏المائدة‏:44)‏.
ثم فقدت كتابات عزرا أيام اجتياح كل من أنطيوخس الثالث والرابع لأرض فلسطين في الفترة من‏198‏ ق‏.‏م الي‏164‏ ق‏.‏م‏,‏ ثم في استباحة هيرودوس الروماني ـ الأدومي في الفترة من‏38‏ ق‏.‏م إلي‏4‏ ق‏.‏م‏.‏
وعند بعثة المسيح قام اليهود بحرق مابقي بأيديهم من التوراة لإخفاء البشارة بكل من نبوته ونبوة محمد صلي الله عليه وسلم ـ وكرروا ذلك بعد بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ـ لإخفاء البشارة ببعثته الشريفة كذلك‏,‏ وصاغوا كتبا جديدة في القرن السابع الميلادي بأوامر من محفل الشوري اليهودي‏.‏ وقد استمر التحريف فيها لأكثر من ثمانمائة سنة ولم تطبع إلا في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي تحت مسمي العهد القديم وهو مسمي من وضع البشر لأن الله ـ تعالي ـ لم ينزل كتابا بهذا الإسم‏.‏ وحتي هذا المؤلف ظل يتعرض للتحريف بعد التحريف وللتعديل تلو التعديل‏,‏ وللإضافة والحذف إلي يومنا الراهن‏,‏ ولذلك قال ربنا ـ تبارك اسمه ـ في اليهود‏:
"... وَنَسُوا حَظاًّ مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ..." ‏(‏المائدة‏:13).‏
خامسا‏:‏ في قوله ـ تعالي ـ‏:‏ "وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ " :
 الخطاب هنا من الله ـ تعالي ـ إلى خاتم أنبيائه ورسله ـ صلي الله عليه وسلم ـ يقول له فيه‏:‏ إنه بسبب نقض اليهود لعهودهم استحقوا الطرد من رحمة الله ـ تعالى ـ وقست قلوبهم فأصبحت كالحجارة أو أشد قسوة‏,‏ وأخذوا يحرفون كلام الله ويصرفونه عن معانيه إلي مايوافق أهواءهم المريضة‏,‏ فتركوا نصيبا وافيا مما أمرهم الله ـ سبحانه وتعالي ـ به‏,‏ وستظل أيها الرسول الخاتم‏,‏ وستظل أمتك من بعدك ترى منهم ألوانا من الغدر والخيانة‏,‏ والمكر والوقيعة ونقض العهود والمواثيق تفوق كل وصف‏,‏ إلا نفرا قليلا منهم آمنوا بك فلم يخونوا ولم يغدروا‏.‏
وظل هذا هو حال غالبية اليهود في المجتمع الإسلامي وهو المجتمع الوحيد الذي آواهم‏,‏ ورفع عنهم اضطهاد المضطهدين‏,‏ وعاملهم بالحسني‏,‏ ولكنهم كانوا دائما يضمرون المكر والخيانة‏.‏
ووحشيتهم الفائقة علي أرض كل من فلسطين ولبنان وفي جميع الأراضي العربية المحيطة بكيانهم الغريب علي مدى أكثر من نصف قرن هي أبشع شاهد علي ذلك‏,‏ ولذلك قال ـ تعالى ـ‏:
"وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ " لتبقى خياناتهم علامة عليهم‏,‏ إلا قليلا ممن آمن منهم ببعثة الرسول الخاتم‏.‏
وهذا النص القرآني الكريم صورة من صور الإعجاز الإنبائي في كتاب الله لأنه لم يكن ممكنا لأحد من الخلق أن يتخيل إمكانية وجود هذا الكم من الحق في كتاب أنزل قبل ألف وأربعمائة سنة علي نبي أمي وفي أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين إلا أن يكون وحيا من الله ـ تعالى ـ محفوظا بحفظه الذي لايزول ولا يحول أبدا‏.‏
 فالحمد لله على نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله على بعثة خير الأنام ـ صلى الله عليه وسلم ـ وآخر دعوانا أن الحمد له رب العالمين‏.‏