"وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ" (الحج 27)


هــذاالنص القرآني الكريم جاء في مطلع الثلث الثاني من سورة الحج‏,‏ وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها ثمانية وسبعون‏(78)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الإسم لورود الأمر الإلهي فيها إلي نبي الله إبراهيم بالآذان في الناس بالحج‏,‏ وهي السورة الوحيدة التي جمعت بين سجدتين من سجدات التلاوة‏.‏
ويدور المحور الرئيسي للسورة حول عدد من التشريعات والعقائد الإسلامية‏,‏ وتبدأ سورة الحج بدعوة الناس إلي تقوي الله ــ تعالي ـ محذرة من هول الساعة ومايصاحبها من أحداث جسام‏,‏ ومن اتباع الشيطان‏,‏ ومن الخوض في الذات الإلهية بغير علم‏,‏ مؤكدة حقيقة البعث وحتميته‏,‏ مستشهدة علي ذلك بخلق الإنسان من تراب‏,‏ ومشبهة بعثه من التراب بإنبات الأرض بعد إنزال الماء عليها‏.‏
وتعاود الآيات الحديث عمن يضلهم الشيطان فيدفعهم الي المجادلة في الذات الإلهية بغير علم ولا هدي ولا كتاب منير ليضلوا غيرهم عن سبيل الله‏,‏ مؤكدة أن هؤلاء المتجاوزين لهم في الدنيا خزي‏,‏ ولهم في الآخرة عذاب شديد‏.‏ وتشير الآيات إلي أن من الناس من يعبد الله ـ تعالي ـ علي حرف‏,‏ فإن أصابه خير اطمأن به‏,‏ وإن إبتلي بفتنة إنقلب علي عقبيه‏,‏ فخسر الدنيا والآخرة‏,‏ وذلك هو الخسران المبين‏.‏
وتحذر سورة الحج من الشرك بالله ـ تعالي ـ واصفة ذلك بالضلال المبين‏,‏ ومؤكدة عجز الشركاء المزعومين عن نفع أو ضر من أشركوهم في عبادة الله‏,‏ وفي المقابل تمتدح المؤمنين فتقول‏:‏
"‏إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ‏" ‏(‏الحج‏:14).‏
وتؤكد هذه السورة الكريمة تعهد الله ـ تعالي ـ بنصرة خاتم أنبيائه ورسله ـ صلي الله عليه وسلم ـ وبنصرة كل من آمن به إلي قيام الساعة‏,‏ كما تؤكد علي قيمة القرآن العظيم يقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏ " وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ "‏(‏ الحج‏:16)‏
وتفوض الآيات في سورة الحج الأمر الي الله ـ تعالي ـ في الفصل بين أصحاب الملل والنحل المختلفة يوم القيامة‏,‏ مؤكدة أن جميع ما في الوجود يسجد لله في عبودية وخضوع تامين‏,‏ إلا عصاة الإنس والجن‏,‏ موضحة أن هذه العبودية الكاملة لله والخضوع التام لجلاله يمثلان قمة التكريم للمخلوقات‏,‏ لأن من يعرض عن عبادة ربه فليس له من مكرم في الدنيا ولا في الآخرة‏,‏ ولذلك ميزت الآيات بين عذاب الكافرين‏,‏ ونعيم المؤمنين‏.‏
وأكدت السورة المباركة أن من ألوان الكفر بالله ـ تعالي ـ الصد عن سبيله وعن المسجد الحرام‏,‏ والظلم والإلحاد فيه‏,‏ وقد هدي الله ـ سبحانه وتعالي ـ نبيه إبراهيم ـ عليه السلام ـ إلي مكانه‏,‏ بعد أن كان قد نسيه الناس لتهدمه‏,‏ وأمره برفع قواعده‏,‏ وإعادة بنائه وعبادة اللـه ـ تعالي ـ فيه علي التوحيد الخالص‏,‏ والعمل علي تطهيره للطائفين والقائمين والركع السجود‏,‏ كما أمره أن يؤذن في الناس بالحج إليه فيأتوه رجالا وعلي كل ضامر يأتين من كل فج عميق‏.‏
وحذرت الآيات في سورة الحج من انتهاك حرمات الله‏,‏ وفصلت الحلال من الطعام‏,‏ وأمرت باجتناب كل من الرجس من الأوثان‏,‏ ومن قول الزور‏,‏ ودعت الي الحنيفية السمحة‏,‏ وأنذرت المشركين بالعذاب المهين‏,‏ وأكدت أن تعظيم شعائر الله هو من تقوي القلوب‏.‏
وتعاود سورة الحج إلي التأكيد علي وحدانية الله ـ سبحانه وتعالي ـ وعلي ضرورة الخضوع الكامل لجلاله بالإسلام له‏,‏ وتأمر خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ أن يبشر بخيري الدنيا والآخرة عباد الله المتواضعين لجلاله‏,‏ المطمئنين الي عدالة حكمه‏,‏ والذين تخشع قلوبهم بذكره‏,‏ والصابرين علي قضائه‏,‏ والمقيمين للصلاة في عبادة خالصة له‏,‏ والمنفقين في سبيله مما رزقهم سرا وعلانية‏,‏ وتشير الي أن من شعائر الحج تقديم الهدي لله ـ تعالي ـ إيمانا به‏,‏ وتقربا إليه‏,‏ وتقوي له‏,‏ فإذا ذبحت البدن بعد ذكر اسم الله تعالي عليها أكل منها مقدمها وأطعم السائل وغيره‏,‏ وذلك من قبيل شكره لله ـ تعالي ـ علي وهب تلك البدن لهم‏,‏ وعلي هدايته إياهم الي الدين الحق‏,‏ وقد بشرهم بقوله ـ عز من قائل ـ‏:‏
" لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ "‏(‏ الحج‏:37).‏
ويتكرر في سورة الحج الإذن بالقتال للذين ظلموا وأخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله‏,‏ كما حدث ـ ولايزال يحدث ـ في كثير من أراضي المسلمين المبتلاة بالمعتدين الظلمة من الكفار والمشركين كفلسطين والعراق وأفغانستان والصومال‏,‏ وتؤكد الآيات أن الله ـ تعالي ـ سوف ينصر من ينصره وهو القوي العزيز‏.‏
وتصف الآيات أخلاق المسلمين إن مكنوا في الأرض فتقول‏:‏
" الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ "‏(‏ الحج‏:41).‏
ثم توجه الآيات الخطاب الي خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ في مواساة رقيقة له من رب العالمين علي تكذيب الكفار والمشركين لبعثته الشريفة فتقول‏:"وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ "(‏ الحج‏:42‏ و‏44).‏
وتضيف الآيات‏:‏ "قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَحِيمِ" (‏ الحج‏:49‏ ـ‏51).‏
وتعاود الآيات في سورة الحج إلي التأكيد علي فضل القرآن الكريم وضرورة الإيمان به فتقول‏:‏
" وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أَنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ " ‏(‏الحج‏:55,54).‏
ثم تكرر سورة الحج التفريق بين جزاء كل من الذين آمنوا وعملوا الصالحات والذين كفروا وكذبوا بآيات الله أو أشركوا به‏,‏ وتؤكد ثواب المهاجرين في سبيل الله‏,‏ والمجاهدين من أجل إعلاء دينه وإقامة عدله في الأرض‏,‏ مؤكدة مرة أخري ما أخذه الله ـ تعالي ـ علي ذاته العلية من عهد بنصرة كل مظلوم‏,‏ والقصاص من كل ظالم مهما أملي له في الأرض‏.‏
وتستشهد السورة المباركة بعدد من آيات الله في الكون علي حقيقة الألوهية والربوبية والوحدانية المطلقة لله الخالق فوق جميع خلقه‏,‏ وعلي شئ من صفات هذا الخالق العظيم لتخلص الي القول القاطع‏:‏
" ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ" (‏ الحج‏:62).
وتشير الآيات إلي خروج كثير من الأمم عما جاءهم من الحق‏,‏ وإلي كراهية الكفار والمشركين لمجرد الإستماع إلي ما أنزل علي خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ من الحق فتقول‏:‏
" وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وَجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ المَصِيرُ " ‏(‏ الحج‏,72,71).‏
وتختتم سورة الحج بقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏ "اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ* يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ"(الحج 75،76)
ثم بأوامر إلي المؤمنين‏,‏ إن التزموا بها فازوا بخيري الدنيا والآخرة‏,‏ وذلك في الآيتين‏77, 78‏ من العبادات المفروضة في سورة الحج إقامة الصلاة‏,‏ إيتاء الزكاة‏,‏ حج بيت الله لمن استطاع إليه سبيلا‏,‏ وتعظيم شعائر الله فيه‏,‏ والجهاد في سبيل الله دفعا لظلم الظالمين‏,‏ وحفاظا علي حقوق الناس أجمعين‏,‏ وإقامة لعدل الله في الأرض‏.‏
من الأخلاق الإسلامية في سورة الحج‏:‏
‏1‏ ـ التواصي بالحق والتواصي بالصبر‏,‏ وبتقوي الله حق تقاته‏,‏ والاعتصام بحبله المتين‏.‏
‏2‏ ـ الإمتناع عن قول الزور أو العمل به‏.‏
‏3‏ ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل زمان ومكان‏.‏
من ركائز العقيدة الإسلامية في سورة الحج:
‏1‏ ـ الإيمان بالله ـ تعالي ـ ربا خالقا واحدا أحدا‏,‏ فردا صمدا ـ بغير شريك‏,‏ ولاشبيه‏,‏ ولامنازع‏,‏ ولاصاحبة‏,‏ ولا ولد‏,‏ والتسليم بالغيب المطلق دون الخوض فيه إلا ببيان من الله ـ تعالي ـ أو من خاتم رسله ـ صلي الله عليه وسلم‏.‏
‏2‏ ـ اليقين بأن من صفات الله ـ تعالي ـ أنه هو الحق‏,‏ وهو القوي العزيز‏,‏ السميع العليم البصير‏,‏ مالك الملك‏,‏ الذي يهدي من يشاء إلي صراط مستقيم‏,‏ والذي يفعل مايشاء‏,‏ وهو علي كل شئ شهيد‏,‏ وهو الذي يدافع عن الذين آمنوا‏,‏ وتعهد بنصرة كل من ينصر دينه‏,‏ ويجاهد من أجل إعلاء كلمته في الأرض‏,‏ وإقامة عدله فيها‏.‏
‏3‏ ـ التسليم بأن لله يسجد كل مافي السموات‏,‏ وما في الأرض‏,‏ ماعدا عصاة الجن والإنس‏,‏ وبأن من يهن الله فما له من مكرم‏,‏ وأن إلي الله ترجع الأمور‏,‏ ثم يفصل بين أصحاب الملل المختلفة يوم القيامة‏.‏
‏4‏ ـ الإيمان بأن الله ـ تعالي ـيصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس‏،‏ وأن من حقه علي عباده الإيمان به وبملائكته‏,‏ وكتبه‏,‏ ورسله، واليوم الآخر، وبخاتم الأنبياء والمرسلين وبالكتاب الخاتم الذي أنزل إليه ـ القرآن الكريم ـ لأنه هو المهيمن علي جميع الكتب السابقة‏,‏ والناسخ لها بلا استثناء‏.‏
‏5‏ ـ اليقين في حقيقة البعث وحتميته‏,‏ وحقيقة مايتبعه من حساب وجزاء وخلود في الجنة أبدا‏,‏ أو في النار أبدا‏.‏
من الإشارات الكونية في سورة الحج‏:‏
‏1‏ ـ التأكيد علي خلق الإنسان من تراب‏,‏ ثم وصف مراحل جنينه حتي يخرج إلي الحياة طفلا‏,‏ يحيا ماشاء الله ـ تعالي ـ له أن يحيا إلي نهاية أجله‏,‏ حين يتوفاه الله‏,‏ واذا امتد به الأجل إلي أرذل العمر ضعفت ذاكرته في أغلب الأحوال حتي لايعلم من بعد علم شيئا‏.‏
‏2‏ ـ الإشارة إلي اهتزاز التربة‏,‏ وارتفاعها وإنباتها من كل زوج بهيج بمجرد إنزال الماء عليها‏,‏ وتشبيه بعث الإنسان من قبره بعملية خروج النبات من الأرض‏.‏
‏3‏ ـ الإشارة الي تحقق الأمر الإلهي الي نبي الله إبراهيم ـ عليه السلام ـ بالاذان في الناس بالحج فيأتوه رجالا وعلي كل ضامر يأتين من كل فج عميق‏.‏
‏4‏ ـ إثبات نسبية كل من المكان والزمان في منظور الإنسان‏,‏ وما في ذلك من إشارة الي ضخامة الكون وقدمه انطلاقا من قول الحق ـ تبارك وتعالي ـ‏:
"وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ"(الحج :47)‏ (‏الحج‏:47).‏
‏5‏ ـ التعبير عن كروية الأرض‏,‏ وعن دورانها حول محورها أمام الشمس بتعبير ولوج كل من الليل والنهار في الآخر‏.‏
‏6‏ ـ الإشارة الي إخضرار الأرض بمجرد إنزال الماء عليها من السماء‏.‏
‏7‏ ـ تأكيد حقيقة أن الله ـ تعالي ـ يمسك السماء أن تقع علي الأرض إلا بإذنه‏,‏ وأن جميع من في السماوات والأرض يسجد لله ـ تعالي ـ طوعا أو كرها‏,‏ وأن كل مافي الأرض مسخر للإنسان‏,‏ وأن جري الفلك في البحر لايتم إلا بأمر الله‏.‏
‏8‏ ـ التأكيد علي أن كل المخلوقين وكل ماعبدوا من دون الله من الأصنام والأوثان يعجزون عجزا كاملا عن خلق ذبابة‏، فضلا عن عجزهم عن استنقاذ ما يسلبه الذباب منهم‏.‏


من أوجه الإعجاز في الآية الكريمة
أولا‏:‏ في قوله تعالي‏:" وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ":
الحج يعني قصد مكة المكرمة لأداء عبادة الطواف‏,‏ والسعي‏,‏ والوقوف بعرفة‏,‏ وما يتبع ذلك من مناسك يؤديها كل مسلم‏,‏ بالغ‏,‏ عاقل‏,‏ حر مستطيع‏,‏ ولو مرة واحدة في العمر‏,‏ وذلك استجابة لأمر الله‏,‏ وابتغاء مرضاته‏,‏ والحج هو أحد أركان الإسلام الخمسة‏,‏ وفرض من الفرائض المعلومة من الدين بالضرورة‏,‏ وحق لله ـ تعالي ـ علي المستطيعين من عباده ذكورا وإناثا لقوله تبارك وتعالي ـ‏:‏

" وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ "(‏ آل عمران‏:97).‏
والحج هو عبادة من أجل العبادات وأفضلها عند رب العالمين لما رواه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ سئل أي الأعمال أفضل؟ قال‏:(‏ إيمان بالله ورسوله‏,‏ قيل‏:‏ ثم ماذا ؟ قال‏:‏ ثم جهاد في سبيل الله‏,‏ قيل ثم ماذا؟ قال‏:‏ ثم حج مبرور ـ أي الذي لا يخالطه إثم‏.(‏ أخرجه الإمام أحمد‏).‏
وأصل‏(‏ العبادة‏)‏ الطاعة‏,‏ والتعبد هو التنسك‏.‏ والطاعة المبنية علي أساس من الطمأنينة العقلية والقلبية الكاملة لا تحتاج إلي تبرير‏,‏ ولكن إذا عرفت الحكمة من ورائها أداها العبد بإتقان أفضل‏,‏ وكان سلوكه في أدائها أنبل وأجمل‏,‏ ويظهر ذلك أكثر ما يظهر في أداء فريضة الحج‏,‏ وذلك لشدة الزحام‏,‏ ولمحدودية كل من الوقت والمكان‏,‏ ولكثرة التكاليف الشرعية في هذه الفترة المحدودة‏,‏ ولكن إذا فهمت الحكمة من أداء هذه الفريضة العظيمة أداها العبد أحسن الأداء وأكمله‏,‏ وأعان غيره من إخوانه علي أدائها‏,‏ وذلك بحسن الفهم‏,‏ والالتزام بالنظم‏,‏ والإيثار علي النفس‏,‏ تقربا إلي الله ـ تعالي ـ وتضرعا‏,‏ وحبا في عون عباد الله والمبادرة إلي نجدتهم‏,‏ واعتبار ذلك من تمام أداء هذه العبادة التي يساويها خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ بالجهاد‏,‏ وذلك بقوله الشريف‏:‏
"جهاد الكبير والضعيف والمرأة‏:‏ الحج" رواه‏(‏ النسائي‏).
ومن
مقاصد الحج ما يلي‏:‏
(‏أ‏)‏ تعريض كل من حج البيت ـ ولو لمرة واحدة في العمر ـ لكرامة أشرف بقاع الأرض في أشرف أيام السنة‏.‏
فالله ـ تعالي ـ خلق كلا من المكان والزمان‏,‏ وجعلهما أمرين متواصلين‏,‏ فلا يوجد مكان بلا زمان‏,‏ ولا زمان بلا مكان‏,‏ وكما فضل الله بعض الرسل علي بعض‏,‏ وبعض الأنبياء علي بعض‏,‏ وبعض أفراد البشر علي بعض‏,‏ فضل ـ سبحانه وتعالي ـ بعض الأزمنة علي بعض‏,‏ وبعض الأماكن علي بعض‏.‏ فمن تفضيل الأزمنة جعل ربنا ـ تبارك وتعالي ـ يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع‏,‏ وجعل شهر رمضان أفضل شهور السنة‏,‏ وجعل الليالي العشر الأخيرة من هذا الشهر الفضيل‏.‏ أشرف ليالي السنة‏,‏ وجعل أشرفها علي الإطلاق ليلة القدر التي جعلها الله ـ تعالي ـ خيرا من ألف شهر‏.‏ ومن بعد رمضان يأتي فضل أشهر الحج‏,‏ ومن بعدها تأتي بقية الأشهر الحرم‏.‏

ومن الأيام جعل ربنا ـ تبارك وتعالي ـ أشرفها الأيام العشرة الأولي من شهر ذي الحجة‏,‏ وجعل أشرفها علي الإطلاق يوم عرفة‏,‏ وفي ذلك يروي عن جابر ـ رضي الله عنه ـ أنه قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏:‏ ما من أيام عند الله أفضل من عشر ذي الحجة‏,‏ فقال رجل‏:‏ هذا أفضل أم عدتهن جهادا في سبيل الله؟ قال صلي الله عليه وسلم‏:‏ هن أفضل من عدتهن جهادا في سبيل الله‏,‏ وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة‏,‏ ينزل الله ـ تبارك وتعالي ـ إلي السماء الدنيا‏,‏ فيباهي بأهل الأرض أهل السماء فيقول‏:‏ انظروا إلي عبادي‏.‏ جاءوني شعثا غبرا ضاحين جاءوا من كل فج عميق يرجون رحمتي ولم يروا عذابي فلم ير يوم أكثر عتيقا من النار من يوم عرفة‏,‏ ولذلك كان الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم‏.‏
ومن تفضيل الأماكن‏,‏ فضل ربنا ـ تبارك وتعالي ـ مكة المكرمة وحرمها الشريف علي جميع بقاع الأرض‏,‏ ومن بعدها فضل مدينة رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ ومن بعدها فضل بيت المقدس‏,‏ كما جاء في العديد من أحاديث رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ فإذا اجتمع فضل المكان وفضل الزمان‏,‏ تضاعفت البركات والأجور إن شاء الله‏.‏
ومن هنا كان من حكم فريضة الحج ـ بالإضافة إلي كونها طاعة للأمر الإلهي ـ تعريض كل مسلم بالغ عاقل حر‏,‏ مستطيع ـ ذكرا كان أو أنثي‏,‏ ولو لمرة واحدة في العمر ـ لبركة أشرف بقاع الأرض ـ الحرم المكي الشريف ـ في بركة أشرف أيام السنة ـ الأيام العشرة الأولي من ذي الحجة ـ ولذلك قال ـ تعالي ـ
‏:‏ " وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ "(‏ آل عمران‏:97).‏
وقال المصطفي ـ صلي الله عليه وسلم‏:‏
"هذا البيت دعامة الإسلام‏,‏ فمن خرج يؤم هذا البيت من حاج أو معتمر‏,‏ كان مضمونا علي الله إن قبضه أن يدخله الجنة‏,‏ وإن رده رده بأجر وغنيمة"‏.
وروي
كل من الإمامين البخاري ومسلم عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏:‏ "العمرة إلي العمرة كفارة لما بينهما‏,‏ والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة‏".‏
وروي كل من الإمامين الترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أنه قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏:‏ "تابعوا بين الحج والعمرة‏,‏ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة‏,‏ وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة"‏.‏

(‏ب‏):‏ ـ تذكير الحاج بمرحلية الحياة‏,‏ وبحتمية الرجوع إلي الله ـ تعالي ـ‏:‏
علي الرغم من حقيقة الموت الذي كتبه الله ـ تعالي ـ علي جميع خلقه والذي يشهده أو يسمع به كل حي في كل لحظة‏,‏ وعلي الرغم من إيماننا ـ نحن معشر المسلمين ـ بحتمية البعث والحساب والجزاء‏,‏ ثم الخلود في الحياة القادمة‏,‏ إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏,‏ وهي من الأصول الإسلامية التي أكدها القرآن الكريم وروتها أحاديث خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ إلا أن دوامة الحياة ومشاغلها تكاد تنسي الناس هذه الحقائق التي هي من صلب الدين‏.‏

وعلي الرغم من أن الموت ليس انتهاء إلي العدم المحض والفناء التام‏,‏ لأن الروح لا تبلي‏,‏ بل تصعد إلي بارئها‏,‏ ويبلي الجسد ويتحلل‏,‏ وتبقي منه فضلة يعاد بعثه منها وهي عجب الذنب كما سماها رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ إلا أن الموت يبقي مصيبة ـ كما سماه القرآن الكريم ـ ويبقي الأخطر من مصيبة الموت غفلة الناس عنه‏,‏ وإعراضهم عن ذكره‏,‏ وقلة تفكيرهم فيه‏,‏ وانصرافهم عن العمل له‏,‏ وانشغالهم بالدنيا حتى أنستهم إياه أو كادت‏.‏
وهنا تأتي شعيرة الحج لتخرج الناس من دوامة الحياة ـ ولو لفترة قصيرة ـ وتذكرهم بحتمية العودة إلي الله ـ تعالي وذلك علي النحو التالي‏:‏
‏(1)‏ غسل الإحرام يذكر الحاج بغسله ميتا وهو لا يملك لنفسه شيئا بين أيدي مغسله‏,‏ وهو رمز للتطهر من الذنوب والآثام‏.‏
‏(2)‏ الإحرام يذكر الحاج بالخروج من الدنيا بلا أدني زينة أو ملك‏,‏ كما يذكره بالكفن الذي سوف يلف فيه جسده بعد تغسيله‏.‏
‏(3)‏ النية عهد بين العبد وربه بالاستقامة علي منهج الله‏.
‏(4)‏ الوق
وف عند الميقات يذكر الحاج بأجله الذي حدده الله ـ تعالي له‏,‏ والذي يقول فيه‏:
" وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ "(‏ آل عمران‏:145).‏
والانتقال من الحل إلي الحرم عبر الميقات يذكر بالانتقال من الدنيا إلي الآخرة عبر الموت والتلبية نداء إلي الله‏,‏ واستنجاد برحمته‏,‏ واحتماء بحماه‏.‏
‏(5)‏ والطواف حول الكعبة المشرفة يذكر بضرورة الانتظام مع حركة الكون في خضوعه لأوامر الله ـ تعالي ـ وانصياعه لقوانين هذا الخالق العظيم وسننه في عبادة وذكر دائمين‏,‏ كما أن بداية الطواف ونهايته تؤكدان بداية الأجل ونهايته‏,‏ وهي حقيقة يغفل عنها كثير من الناس‏.‏
‏(6)‏ والصلاة في مقام إبراهيم تذكر بجهاد الأنبياء والمرسلين‏,‏ وبمقام الصالحين عند رب العالمين‏.‏
‏(7)‏ والشرب من ماء زمزم يؤكد قدرة رب العالمين التي لا حدود لها‏,‏ ولا عائق يقف في سبيلها من أجل إكرام عباده الصالحين‏.‏
‏(8)‏ والسعي بين الصفا والمروة يذكر بأم إسماعيل ـ عليها وعليه السلام ـ وهي تركض بين هذين الجبلين‏;‏ بحثا عن الماء لصغيرها‏,‏ ونتيجة لإخلاصها‏.‏ ولثقتها في ربها أكرمها الله ـ تعالي ـ بجبريل يضرب الأرض بجناحه‏,‏ أو بعقبه فيفجر ماء زمزم من صخور مصمطة لا مسامية لها‏.‏
‏(9)‏ والنفرة إلي مني ثم إلي عرفات تذكر بيوم البعث في زحامه وشدته‏.‏
‏(10)‏ والوقوف بعرفات يذكر بالحشر وبالعرض الأكبر بين يدي الله ـ تعالي‏.‏
‏(11)‏ والمبيت بالمزدلفة يذكر بآلاف الأنبياء ومئات المرسلين الذين حجوا من قبل‏,‏ والذين نزلوا بهذا المنزل‏;‏ تأكيدا لوحدة الدين‏,‏ وللأخوة بين أنبياء رب العالمين‏,‏ وإحياء السنة خاتمهم ـ صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏.‏
‏(12)‏ والنحر يذكر بفداء الله لنبيه إسماعيل‏;‏ إكراما لطاعته وطاعة أبيه إبراهيم ـ عليهما السلام ـ لأوامر رب العالمين‏,‏ وإحياء لسنة خاتم الأنبياء والمرسلين‏.‏
‏(13)‏ والحلق أو التقصير يرمز للتطهر من الذنوب والآثام‏.‏
‏(14)‏ ورمي الجمار تأكيد حتمية انتصار العبد المؤمن علي الشيطان في هذا الصراع‏,‏ والرجم رمز لذلك الانتصار‏,‏ وعهد مع الله ـ تعالي ـ علي تحقيقه‏.‏
‏(15)‏ والتحلل من الإحرام وطواف كل من الإفاضة والوداع رمز لانتهاء هذه الشعيرة العظمي‏,‏ وعودة إلي دوامة الحياة من جديد بذنب مغفور‏,‏ وعمل صالح مقبول‏,‏ وتجارة مع الله ـ تعالي ـ لن تبور‏.‏
ومن هنا كان واجب كل عائد من أداء فريضة الحج أن يبدأ مع ربه صفحة جديدة‏,‏ إطارها الفهم الصحيح لرسالة الإنسان في هذه الحياة‏:‏ عبدا لله ـ تعالي ـ يعبده بما أمر‏,‏ ويجاهد بصدق من أجل حسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض بعمارتها‏,‏ وإقامة دين الله وعدله علي سطحها‏,‏ والدعوة إلي هذا الدين بالكلمة الطيبة والحجة الواضحة والمنطق السوي‏.‏
‏(16)‏ وفي تحرك جموع الحجاج من كل عرق ولون وجنس ولغة ـ في موكب واحد لأداء هذه الفريضة الكبري‏;‏ تأكيد وحدة الجنس البشري المنبثق من أب واحد وأم واحدة‏,‏ هما آدم وحواء ـ عليهما من الله السلام ـ وتأكيد كذلك علي وحدة رسالة السماء ـ وهي الإسلام العظيم ـ وعلي الأخوة بين الأنبياء‏,‏ وعلي وحدانية رب السموات والأرض‏.‏
‏(17)‏ والحج يمثل أول صورة من صور المؤتمرات الدولية قبل أن تعرفها المنظمات العالمية‏.‏
ثانيا‏:‏ في قوله تعالي‏:(...‏ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ...):‏
في هذا النص القرآني الكريم إعجاز إنبائي بغيب لم يكن متوقعا في زمن الوحي ولا لقرون متطاولة من بعده‏,‏ ويتمثل ذلك في فيض الحجاج والمعتمرين إلي بيت الله الحرام بالملايين في كل عام منذ بعثة المصطفي ـ صلي الله عليه وسلم ـ إلي اليوم وحتى قيام الساعة‏.‏
فلم يكن بمقدور أحد من الخلق أن يتخيل استجابة المؤمنين من عباد الله الصالحين لدعوة نبي الله إبراهيم ـ عليه السلام ـ والتي أمره الله ـ تعالي ـ بالأذان بها من قبل حوالي أربعة آلاف سنة‏,‏ ثم ينساها الناس في أزمنة الجهالة والانحطاط‏,‏ ثم تتجدد الدعوة علي ألسنة عدد من الأنبياء والمرسلين من بعد إبراهيم ـ عليه وعليهم السلام ـ ثم ينساها الناس‏,‏ ثم تتجدد الدعوة وتتجسد في بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ـ إلي اليوم‏,‏والذي أنبأ باستمرارها إلي ما شاء الله ـ تعالي ـ فيتقاطر الحجاج والمعتمرون بالملايين في كل عام من جميع أنحاء الأرض وقلوبهم تهفو إلي أداء هذه الفريضة المقدسة‏,‏ ومنهم الفقراء المعدمون الذين لا يجدون وسيلة إلي تحقيق ذلك إلا السير علي الأقدام الآلاف من الكيلومترات حتى يبلغوا بيت الله الحرام‏,‏ ومنهم الذين يركبون الدواب لهذه الآلاف من الكيلومترات حتى تجهد وتنهك قواها‏,‏ والنص القرآني فيه كناية عما يعانيه المسافر لأداء فريضة الحج من مشقة ومجاهدة مهما تطورت وسائل المواصلات‏,‏ واستبدل بالأقدام وظهور الأنعام‏,‏ القطارات والسيارات والسفن والطائرات‏,‏ ومهما تطورت وسائل الاتصال‏,‏ومهما انتشر العمران في مناطق الحج المباركة وما حولها‏.‏ وهنا يتساوي الفقراء والأغنياء وعوام الناس وأمراؤهم‏.‏
وهذا النص القرآني الكريم‏...‏ يأتوك رجالا وعلي كل ضامر‏...‏ يبقي من صور الإعجاز الإنبائي الغيبي في كتاب الله‏,‏ ظل يتحقق علي مدي الأربعة عشر قرنا الماضية في تزايد متواصل وسوف يبقي كذلك إلي ما شاء الله تعالي‏,‏ وفيه من الشهادة علي صدق القرآن الكريم وإعجازه ما لا ينكره إلا جاحد‏.‏
ثالثا‏:‏ في قوله تعالي‏:(...‏ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ):‏
(‏الفج‏)‏ في اللغة هو الشق بين جبلين‏,‏ ويستعمل في وصف الطريق الواسع‏,‏ لأن الأصل في الأرض أنها بدأت بتضاريس معقدة للغاية‏,‏ ثم سخر الله ـ تعالي ـ عوامل التعرية المختلفة للصخور في شق الفجاج والسبل‏,‏ كما ساعد علي ذلك العديد من العوامل الداخلية من مثل الطي والتصدع والخسف‏.‏ وجمع‏(‏ الفج‏)(‏ الفجاج‏),‏ ووصف الفج بالعميق كناية عن البعد‏,‏ وإشارة إلي كروية الأرض لأن الأصل في العمق هو البعد إلي أسفل كعمق البئر‏,‏ ومع بعد المسافة الأفقية علي سطح مكور كسطح الأرض فإن العمق يزداد بازدياد تلك المسافة الأفقية‏,‏
وفي ذلك إشارة إلي كل من كروية الأرض والمسافات البعيدة التي يفد حجاج بيت الله منها لأداء فريضة الحج لأن المسافات القصيرة علي سطح مكور تبدو للناظر كأنها مستوية‏.‏
وقدوم ملايين المسلمين لأداء فريضة الحج في كل عام من مختلف بقاع الأرض هو تحقيق عملي للوصف القرآني‏(‏ من كل فج عميق‏)‏ وشهادة للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق‏,‏ فالحمد لله الذي أنزل القرآن الكريم بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه علي ذاته العلية‏,‏ في نفس لغة وحيه‏(‏ اللغة العربية‏)‏ علي مدي أربعة عشر قرنا أو يزيد‏,‏ وتعهد ـ سبحانه ـ بهذا الحفظ تعهدا مطلقا حتى يبقي القرآن الكريم حجة الله علي عباده إلي قيام الساعة وشهادة للرسول الخاتم بالنبوة وبالرسالة فصلي الله وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏