يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً ‏ " (النساء:1)


هذا النص القرآني المعجز جاء في مطلع سورة النساء‏,‏ وهي سورة مدنية، وعدد آياتها مائة وست وسبعون‏(176)‏ بعد البسملة‏,‏ وهي ثاني أطول سور القرآن الكريم بعد سورة البقرة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لكثرة ما ورد فيها من الأحكام التي تتعلق بالنساء‏.‏
ويدور المحور الرئيسي للسورة حول قضايا التشريع لكلٍ من المرأة‏,‏ والأسرة‏,‏ والبيت‏,‏ والمجتمع‏,‏ والدولة بعلاقاتها الداخلية والخارجية‏،‏ ومن أبرز هذه القضايا أحكام الميراث التي فصلتها السورة الكريمة تفصيلاً لا يقبل الزيادة‏.‏ ويأمر ربنا ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ في سورة النساء بالإحسان في كل شيء‏,‏ وبالتراحم‏,‏ والتكافل‏,‏ والتسامح‏,‏ والتناصح‏,‏ وبالأمانة والعدل‏,‏ وبر الوالدين، والإحسان إلى ذوي القربى واليتامى والمساكين‏,‏ وبالجهاد في سبيل الله بالنفس والمال‏,‏ وبالتواصي على حماية المجتمعات الإنسانية من المظالم‏,‏ والفواحش‏,‏ والفتن‏,‏ وحماية كل ضعيف في المجتمع من مثل الإناث واليتامى‏.‏
ونبهت سورة النساء إلى انصراف أهل الكتاب عما أنزل عليهم‏,‏ وإلى تحريفهم لأديانهم وكتبهم ولتوجيهات أنبيائهم‏,‏ وحذرت من أخطار ذلك‏,‏ وأخطاء حلفائهم من المنافقين،‏ ودعت السورة الكريمة إلى تربية الفرد المسلم‏,‏ وإلى المجاهدة من اجل إقامة المجتمع الإسلامي الصحيح‏,‏ وإلى تطهير هذا المجتمع من رواسب الجاهلية القديمة والجديدة‏,‏ وإقامته على أساس من حقائق الدين الخاتم وضوابطه الأخلاقية والسلوكية وقيمه الربانية‏,‏ وموازينه المقيدة بالعدل والرحمة‏,‏ وتكاليفه الشرعية اللازمة للنهوض بهذه الأمانة في الأرض‏.‏
وتقرر سورة النساء وحدانية الخالق سبحانه وتعالى ‏(‏ بغير شريك، ولا شبيه، ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد‏),‏ كما تؤكد وحدة رسالة السماء‏,‏ والأخوة بين الأنبياء‏,‏ ووحدة الجنس البشري الذي ينتهي نسبه إلى أبوينا آدم وحواء ـ عليهما من الله السلام ـ‏ واللذين خُلِقَا خلقاً خاصاً بغير سابقة، ولذلك يرتبط كل الناس بوشيجة الرحم، وهي وشيجة مقدسة عند رب العالمين، لا يتجاوزها إلا معتد أثيم‏,‏ وعقابه على الله ـ تعالى ـ في الدنيا شديد، وفي الآخرة أشد‏,‏ ومن هنا تدعو سورة النساء إلى احترام هذه الوشيجة التي يقول فيها ربنا ـ تبارك وتعالى ـ في مطلع هذه السورة المباركة‏:‏
" يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً " (‏ النساء‏:1)‏.
وانطلاقاً من هذا الأمر الإلهي تؤكد السورة الكريمة ضرورة قيام المجتمع الإنساني على قاعدة الأسرة التي يحاول الغرب اليوم تدميرها‏,‏ وعلى إحياء الضمير الإنساني الذي قتلته السلوكيات الغربية الجائرة‏,‏ والهابطة إلى ما دون الحيوانية العجماء‏، وتدعو سورة النساء إلى ربط المخلوقين بخالقهم عن طريق الدين الصحيح الذي أنزله الله ـ تعالى‏ ـ على فترة من الرسل‏,‏ وأتمه‏,‏ وأكمله‏,‏ وحفظه في رسالته الخاتمة التي بعث بها الرسول الخاتم ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وربط كل الأنظمة والتشريعات التي تحكم حياة الناس‏ ـ‏ أفراداً وأسرا‏ًً,‏ ومجتمعاتٍ ـ بهذا الدين الخاتم الذي لا يرتضي ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ من عباده ديناً سواه‏.‏
ويأمر ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ في سورة النساء عباده المؤمنين بأن يخلصوا ولاءهم لقيادتهم المؤمنة الخاضعة بالطاعة التامة لله ولرسوله‏,‏ ويأمرهم بالجهاد في سبيل الله من أجل مقاومة الظلم والقهر والطغيان‏,‏ ومن اجل إقامة عدل الله في الأرض‏,‏ ووعد بأعظم الأجر على ذلك‏,‏ كما أمر بالهجرة في سبيل الله، وعدم الرضوخ لذل الجبابرة من الحكام الجائرين‏,‏ ووعد بالفتح في ذلك السبيل فتحاً مبينا‏ًً.‏
وتتحدث سورة النساء عن بعض مشاهد الآخرة تحذيراً للغافلين من أهوالها‏،‏ وتنادي على أهل الكتاب أن يؤمنوا بما أنزل الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ على خاتم أنبيائه ورسله مصدقاً لما معهم‏,‏ من قبل أن ينزل بهم سخطه وعذابه‏,‏ أو أن يطردهم من رحمته‏,‏ وتحذرهم من الشرك بالله فتقول‏:‏

‏*‏
" إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً " (‏ النساء‏48)‏.
‏*‏ " إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً ‏" (‏ النساء‏116).‏
وعرضت سورة النساء لجانب من طغيان اليهود‏,‏ وكفرهم بالله ـ تعالى ـ وتحديهم لخاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ فتقول موجهة الخطاب إليه‏:‏

" يَسْئَلُكَ أَهْلُ الكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُّبِينا . وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا البَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظا .‏ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً‏ . وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً .‏ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً‏ .‏ بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً .‏ وَإِن مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً‏ .‏ فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً‏ .‏ وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً " (‏ النساء‏153‏ ـ‏161)‏.
وتمتدح السورة القرآن الكريم بقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ:‏
" لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً " (‏ النساء‏:166).‏
وبقوله‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ:
" يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً " (‏ النساء‏174).‏
كما تمتدح خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ بقول ربنا ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ:

"‏ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً " ‏(‏النساء‏:170)‏.
وتدعو سورة النساء أهل الكتاب إلى عدم المغالاة في الدين فتقول‏:‏

" يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الحَقَّ إِنَّمَا المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً .‏ لَن يَسْتَنكِفَ المَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلَّهِ وَلاَ المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً‏ .‏ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِياًّ وَلاَ نَصِيراً " (‏ النساء‏:171‏ ـ‏173).‏
وتختتم سورة النساء‏,‏ باستكمال الضوابط الشرعية لقضية الميراث، والتي بدأت بالآيتين‏12,11‏ وختمت بالآية رقم‏(176).‏
من التشريعات الإسلامية في سورة النساء:
‏(1)‏ تقوى الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ وعبادته بما أمر‏,‏ ومداومة استغفاره، والتوبة إليه‏,‏ وطاعته ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ وطاعة خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وطاعة أولي الأمر من المسلمين الصالحين‏,‏ والرجوع إلى حكم الله‏ ـ تعالى ـ‏ وحكم الرسول الخاتم‏ ـ عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم ـ‏ عند الاختلاف في الرأي‏,‏ ومعاداة الشيطان وعدم اتخاذه ولياً؛ لأن في ذلك الخسران المبين‏.‏
‏(2)‏ الأمر بالمحافظة على المال العام والخاص، وعدم تسليمه للسفهاء، والمحافظة أكثر على مال اليتيم‏,‏ وعلى حقوق الضعفاء في المجتمع‏,‏ وعلى أموال الآخرين وحقوقهم، والتحذير من مغبة الاعتداء عليها‏.‏
‏(3)‏ تأكيد حقوق الزوجات‏,‏ والأمر بمعاشرتهن بالمعروف‏,‏ وإعطائهن كافة حقوقهن‏,‏ ومن حقوقهن المهر الذي هو عطية خالصة لهن‏,‏ وليس لأحد الحق في شيء منه إلا أن يطبن نفساً بالتنازل عنه أو عن شيء منه‏,‏ ومن حقوقهن أن لهن على الرجال حق الصون‏,‏ والرعاية‏,‏ والقيام بشئونهن بما أعطى الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ الرجال من صفات وقدرات‏.
‏(4)‏ تحديد المحرمات من النساء‏,‏ ووضع الضوابط الصحيحة لاستقامة حياة الأسرة‏,‏ والقوانين المنظمة لها‏,‏ والنهي عن تمني المسلم أو المسلمة أن يكون في غير جنسه‏؛ لأن لكلٍ دوراً ملائماً لفطرته‏,‏ ولاستعداداته‏,‏ وبالجنسين معاً يكتمل المجتمع وتستقيم أموره‏,‏ وتكون استمرارية الجنس البشري إلى ما شاء الله‏.‏
ولكل فرد نصيب مما اكتسب‏,‏ وعليه أن يسأل الله العلي القدير من فضله‏
" ...‏ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً " (النساء:32).‏
(5)‏ الأمر بالإحسان إلى الوالدين‏,‏ وإلى ذوي القربى واليتامى‏,‏ وإلى الجار ذي القربى‏,‏ والجار الجنب‏,‏ وإلى الصاحب بالجنب‏,‏ وابن السبيل‏,‏ وباحترام العهود والمواثيق‏,‏ وبأداء الأمانات إلى أهلها‏,‏ وبرد التحية‏,‏ والحكم بين الناس بالعدل، وبالهجرة في سبيل الله إذا لزم الأمر‏.‏
‏(6)‏ النهي عن الاختيال والفخر‏,‏ وعن التباهي والكبر‏,‏ وعن تزكية النفس‏,‏ وعن افتراء الكذب على الله‏,‏ وعن الجهر بالسوء في القول إلا من ظُلِم‏,‏ وعن البخل والدعوة إليه أو الأمر به‏,‏ وعن بذل المال رئاء الناس‏,‏ وعن النفاق أو موالاة المنافقين أو المشركين أو الكافرين‏,‏ وعن قبول الاستذلال أو الرضوخ له‏,‏ وعن تعاطي المسكرات، وعن اقتراب الفاحشة أو العمل على إشاعتها بين الناس‏.‏
‏(7)‏ التقيد بأوامر الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ في توزيع الميراث‏.‏
‏(8)‏ تفصيل شروط الطهارة‏.‏
‏(9)‏ الأمر بتدبر آيات القرآن الكريم‏.‏
‏(10)‏ التأكيد على الصلاة وعلى إقامتها في مواقيتها‏,‏ وتشريع صلاة المسافر‏,‏ وصلاة المقاتل ‏(‏ صلاة الحرب أو صلاة الخوف‏).‏
‏(11)‏ النهي عن قتل المؤمن إلا خطأ,‏ وأحكام القتل الخطأ‏,‏ والنهي كذلك عن الوجود في مجالس يُسْتِهْزَأ فيها بآيات الله‏.‏
‏(12)‏ الأمر بالقتال في سبيل الله دون خشية أولياء الشيطان؛ لأن ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ يقول‏ ـ‏ وقوله الحق‏ ـ:‏
‏" ..‏. فَقَاتِلُوا أُوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً " ‏(‏ النساء‏:76)، وتؤكد الآيات في سورة النساء فضل المجاهدين على القاعدين‏.‏
من ركائز العقيدة الإسلامية في سورة النساء:
‏(1)‏ الإيمان بالله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ رباً واحداً أحدا‏ًً، (‏ بغير شريك، ولا شبيه، ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد‏)‏، والإيمان بملائكته‏,‏ وكتبه‏,‏ ورسله‏,‏ واليوم الآخر‏,‏ واليقين بأنه‏ ـ‏ تعالى شأنه ـ‏ رقيب على عباده‏,‏ حسيب عليهم‏,‏ عادل بينهم‏,‏ لا يظلم مثقال ذرة‏,‏ وأنه‏ ـ‏ سبحانه ـ‏ محيط بكل شيء,‏ تواب رحيم‏,‏ عليم حكيم‏,‏ غفور ودود‏,‏ غني حميد‏,‏ قدير وكيل‏,‏ سميع بصير‏,‏ شاكر كريم إلى غير ذلك مما وصف به ذاته العلية‏.‏
‏(2)‏ اليقين بأن الجنة حق، وأن النار حق‏,‏ وأنها إما جنة أبدا‏ًً,‏ أو نار أبداً‏.‏
‏(3)‏ التسليم بأن الله ـ تعالى ـ لا يغفر أن يشرك به‏,‏ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء‏.‏
‏(4)‏ وجوب طاعة الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ وطاعة جميع أنبيائه ورسله‏,‏ وعلى رأسهم خاتمهم أجمعين سيدنا محمد بن عبد الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏.
‏(5)‏ اليقين بأن القرآن الكريم هو كتاب الله المنزل بالحق على خاتم أنبيائه ورسله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ والمحفوظ بحفظ الله‏ ـ تعالى ـ‏ في نفس لغته إلى قيام الساعة‏.
‏(6)‏ الإيمان بوحدة رسالة السماء لوحدانية مرسلها‏,‏ وبالأخوة بين الأنبياء لوحدة المصدر الذي تلقوا الوحي عنه‏,‏ واليقين بصدق بعثة الرسول الخاتم ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ الذي تكاملت في رسالته كل الرسالات السابقة‏,‏ ولذلك تعهد ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ بحفظها فحفظت؛ لأنه ليس من بعده‏ ـ صلوات الله وسلامه عليه‏ ـ من نبي ولا رسول‏,‏ وقد أوكل حفظ الرسالات السابقة لأصحابها فضيعوها‏.‏
‏(7)‏ التسليم بأن الموت حق على جميع العباد‏,‏ وبأن متاع الدنيا قليل‏,‏ وأن الآخرة خير لمن اتقى‏,‏ وأن الشيطان للإنسان عدو مبين‏,‏ وأن مخالفته ومعاداته طوق النجاة للصالحين من عباد الله‏,‏ وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين‏,‏ والإيمان الجازم بقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ:
" ..‏. وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً " ‏(‏النساء‏:141).‏
(8)‏ التصديق بأن أهل الكتاب قد حرَّفوا دينهم‏,‏ وأن المنافقين في الدرك الأسفل من النار‏,‏ وأن حكم الله في الكافرين أوضحته سورة النساء بقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ:‏
" إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً‏ .‏ أُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ حَقاًّ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً " ‏(‏النساء‏:151,150).‏
(9)‏ اليقين بأن الله ـ‏ تعالى ـ‏ قد خلق الناس جميعاً من نفس واحدة هي نفس أبينا آدم‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ وخلق منها زوجها‏ ـ‏ أمنا حواء عليها رضوان الله‏ ـ‏ وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً، ومحاولة إنكار ذلك أو التطاول عليه بادعاء خلقة سابقة من البشر أو من غيره إنكار لطلاقة القدرة الإلهية التي لا تحدها حدود‏,‏ وإنكار لمعلوم من الدين بالضرورة، وحكم ذلك معروف عند أهل العلم‏.‏



من الإشارات الكونية في سورة النساء:
(1)‏ الإشارة إلى خلق الناس جميعاً من نفس واحدة‏,‏ خلقها الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ من طين‏,‏ وخلق منها زوجها‏,‏ وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء‏ًً,‏ والمكتشفات الحديثة في علوم الوراثة تدعم ذلك وتؤيده‏.
‏(2)‏ الأمر بتقوى الله‏ ـ سبحانه وتعالى ـ‏ في الأرحام؛ لأنها مصانع الخلق‏,‏ وصونها‏,‏ وحمايتها‏,‏ وتكريمها صون للإنسانية جمعاء ضد العبث المستهتر الذي تحاول الفلسفات الغربية المتهالكة فرضه على العالم بالقوة‏,‏ وكلٌ من علم الأجنة‏,‏ وعلوم الأمراض تؤكد حكمة أمر الله في ذلك‏.‏
‏(3)‏ العلوم المكتسبة في قمة من قممها اليوم تؤكد الحكمة من تشريع المحرمات من النساء‏.‏
‏(4)‏ السبق بالإشارة إلى غواية الشيطان للإنسان بمحاولة تغيير خلق الله بما يعرف اليوم باسم الهندسة الوراثية أو الاستنساخ ‏(‏النساء‏:118‏ ـ‏120).‏
‏(5)‏ الإشارة إلى عدد كبير من أنبياء الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ ورسله‏.‏ والكشوف الأثرية تؤكد صدق القرآن الكريم في كل ما جاء به‏.‏
‏(6)‏ التأكيد على أن لله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ ما في السموات وما في الأرض‏.‏
‏(7)‏ ذكر جوانب من قصص اليهود‏ ـ‏ قاتلهم الله‏ ـ مثل طلبهم رؤية الله جهرة وما أصابهم على إثره من الصعق‏,‏ وعبادتهم العجل‏,‏ ونقضهم مواثيقهم‏,‏ وكفرهم بآيات الله‏,‏ وقتلهم الأنبياء بغير حق‏,‏ وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً، وادعائهم أنهم قتلوا المسيح عيسى ابن مريم
" ...‏ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً‏ " (النساء:157).‏ وكلٌ من التاريخ والكشوف الأثرية تؤكد صدق ما تم تحقيقه من هذه الوقائع‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة الأولى من القائمة السابقة والتي تشير إلى خلق الناس جميعاً من نفس واحدة هي نفس أبينا آدم ـ‏ عليه السلام ـ‏ وأن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ خلق منها زوجها ـ‏ أمنا حواء عليها السلام‏ ـ‏ وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً‏.‏

من الدلالات العلمية للنص الكريم:
أولا‏:‏ في قوله ـ تعالى ـ‏:‏ " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ‏... " (النساء:1)
أخرج كلٌ من ابن جرير وابن أبي حاتم أن رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ سأل رجلاً فقال له‏:‏ ما ولد لك؟ قال الرجل‏:‏ يا رسول الله، ما عسى أن يولد لي؟، إما غلام وإما جارية. قال‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ:‏ فمن يشبه؟، قال الرجل يا رسول، الله من عسى أن يشبه؟، إما أباه وإما أمه‏,‏ فقال رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ: ‏ مه.‏ لا تقولن هذا، إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله ـ تعالى ـ كل نسب بينها وبين آدم‏. أما قرأت هذه الآية في كتاب الله ـ تعالى ـ‏: "‏ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ‏ "‏ (الانفطار:8)، قال‏:‏ أي شكلك ‏".‏
هذه الحقيقة ـ حقيقة توارث الصفات إلى الأب الأول للإنسانية ـ لم تبدأ العلوم المكتسبة في إدراك شيء منها إلا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي حين وضع النمساوي جريجور مندل  ‏Gregor Mendel في سنة ‏1866‏ م تصوراً بدائياً لقوانين الوراثة التي استخلص منها أن انتقال الصفات الوراثية من جيل إلى آخر يتم عبر عدد من العوامل المتناهية في ضآلة الحجم عرفت فيما بعد باسم حاملات الوراثة، أو الناسلات، أو المورثات ‏Genes، وافترض مندل إن كل صفة تحدد بواسطة زوج من المورثات المتقابلة، أحدهما مستمد من الأب‏,‏ والآخر من الأم،‏ وقد يكون هذان المورثان متماثلين أو غير متماثلين‏.‏
وبقيت هذه المورثات إلى أوائل القرن العشرين مجرد رموز غامضة تستخدم في محاولات تفسير عمليات التنوع في الخلق حتى استطاع الأمريكي توماس هنت مورجان ‏
Thomas Hunt Morgan في سنة‏1912‏ م إثبات أن المورثات لها وجود فعلي على جسيمات خيطية دقيقة متناهية في ضآلة الحجم توجد بداخل نواة الخلية الحية، وتعرف باسم الجسيمات الصبغية أو الصبغيات‏Chromosomes لقدرتها الفائقة على اكتساب الصبغة التي تضاف إلى الخلية الحية والتلون بها‏.‏
ومن خلال دراسته للصبغيات في خلايا جسم الإنسان تعرف‏(‏ مورجان‏)‏ على الصبغي المختص بالتكاثر ‏
Reproduction Chromosome,‏ واقترح فكرة التخطيط الوراثي للكائنات الحية بمعنى رسم خرائط تفصيلية للصبغيات ولما تحمله من المورثات‏,‏ وقد ثبت بالدراسة أنه من الممكن لأزواج مختلفة من المورثات المتقابلة على الصبغي الواحد أن تحدد نفس الصفة، وبذلك تعطي أنماطاً وراثية وشكلية عديدة‏,‏ وقد تكون السيادة لأكثر من مورث واحد‏,‏ كما قد تتفاعل عدة مورثات لإنتاج أنماط شكلية متعددة تتدرج الصفات فيها تدرجاً كمياً لكل صفة‏.‏
وقد ثبت أيضا بدراسات الوراثة أن عدد الصبغيات محدد للنوع بمعنى أن لكل نوع من أنواع الحياة عدداً محدداً من هذه الصبغيات يميزه عن غيره من المخلوقات‏,‏ فالخلايا العادية بجسم الإنسان تمتاز بثلاثة وعشرين زوجاً من الصبغيات، ‏22‏ منها جسدية، وزوج واحد تكاثري‏،‏ والحيود عن هذا العدد المحدد للصبغيات يسبب اختلالات جسدية متفاوتة قد تصل إلى الموت أو إلى العديد من الأمراض والتشوهات الخلقية‏.‏
في سنة‏1955‏ م تمكن كلٌ من الأمريكي جيمس واطسون‏
James Watson والبريطاني فرانسيس كريك ‏Francis Crick‏ من التعرف على التركيب الجزيئي للحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين ‏Deoxyribonucleic Acid or DNA الذي تتكون منه الصبغيات‏,‏ والذي تكتب بمكوناته الشفرة الوراثية‏,‏و هو مركب كيميائي شديد التعقيد‏,‏ وقابل للتكسر كيميائياً ليعطي حمض الفوسفوريك‏,‏ وعدداً من السكريات والقواعد النيتروجينية‏.‏
ويتكون كل صبغي من شريط مزدوج الجدار بسلميات فاصلة على هيئة السلم الخشبي‏,‏ وهذا الشريط لاف على ذاته على هيئة الحلزون المزدوج‏,‏ والمركب من جزيء من الحمض النووي الريبي المنقوص الأكسجين ـ أي غير المؤكسد ـ ‏
Double Helix DNA Molecule والمرتبط بأعداد من البروتينات‏.‏ وتقاس أبعاد هذا الحلزون بالأجزاء من الميكرون، ‏(‏ والميكرون يساوي جزءا من ألف جزء من الملليمتر‏),‏ ولكن إذا تم فرده فإن طوله يصل إلى حوالي الأربعة سنتيمترات، بمعنى أنه إذا تم فرد أشرطة الحمض النووي في الستة والأربعين صبغياً الموجودة في نواة خلية واحدة من الخلايا البانية لجسم الإنسان‏,‏ وتم رصها بجوار بعضها البعض فإن طولها يبلغ حوالي المترين ‏(4‏ سم×46‏ صبغيا‏=1,84‏ م‏)،‏ وإذا تم ذلك لمجموع الصبغيات الموجودة في ألف مليون مليون خلية في المتوسط توجد في جسم الفرد الواحد من البشر فإن طولها يزيد على المسافة بين الأرض والشمس، والمقدرة بحوالي المائة والخمسين مليون كيلو متر‏.‏
ويقسم كل صبغي على طوله بعدد من العلامات المميزة إلى وحدات طولية يحمل كلٌ منها عدداً من المورثات‏، وتكتب هذه المورثات بعدد من الشفرات ‏
Codons‏ يتكون كلٌ منها من ثلاث نويدات ‏Nucleotides,‏ وتتكون كل نويدة من زوج من القواعد النيتروجينية‏
A pair of Nitrogenous Bases or Base Pairs‏ المرتبطة برباط وسطي دقيق، وتستند كل قاعدة نيتروجينية في جهتها الخارجية إلى جزيئين، أحدهما من السكر، والآخر من الفوسفات‏ في نظام محكم دقيق تكون فيه جزيئات السكر والفوسفات جدارين متقابلين تنتشر بينهما القواعد النيتروجينية على هيئة درجات السلم الخشبي في علاقات تبادلية منضبطة تحدد الصفات الوراثية للكائن الحي، وهذه القواعد النيتروجينية هي أربع قواعد فقط تكتب الشفرة الوراثية بتبادلاتها لجميع بني آدم من البلايين التي عاشت وماتت‏,‏ ومن البلايين التي تملأ جنبات الأرض اليوم‏,‏ وممن سوف يأتون من بعدنا إلى قيام الساعة‏,‏ ولكل فرد بصمته الوراثية المميزة‏,‏ وصفاته الشخصية المحددة التي لا تتكرر في غيره‏،‏ وعلى ذلك فكل إنسان في العالم فريد في صفاته الجسدية المنظورة وغير المنظورة، وفي صفاته الداخلية غير المنظورة من مثل صفاته الفيزيائية‏,‏ والكيميائية‏,‏ والعقلية‏,‏ والنفسية‏,‏ والصحية‏,‏ وغير ذلك من الصفات‏.‏
وتعتبر النويدات هي الحروف التي تكتب بها كلمات الشفيرة الوراثية‏(
DNA Codon),‏ وتعتبر الأخيرة هي الكلمات التي تكتب بها جمل الناسلات أو حاملات الوراثة‏Genes ‏، والتي أطلق عليها أخيراً اسم الوحدة الوظيفية الوراثية‏Cistron .‏
ومن طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ قد أعطى لجزيء الحمض النووي الريبي المنقوص الأكسجين‏,‏ واللاف على ذاته على هيئة الحلزون المزدوج الجدار القدرة على الانفلاق نصفين‏,‏ وتكملة كل شق إلى رقيقة حلزونية مزدوجة الجدار كاملة البناء والترتيب بنفس دقة الترتيب الأصلي الذي انشقت عنه‏,‏ وذلك قبل سويعات من انقسام الخلية، ويتم ذلك بدقة فائقة حسب البصمة الوراثية السائدة في الخلية‏ أثناء انقسام الخلايا الجسدية للنمو‏‏ بما يعرف باسم الانقسام الفتيلي (‏
Mitosis)،‏ أما الخلايا التكاثرية‏ ـ البييضة والحيمن‏ ـ والتي تتكون من الخلايا الجسدية بالانقسام الاختزالي‏Meiosis ‏، فتحتوي الخلية منها على نصف عدد الصبغيات فقط ـ أي على‏23‏ صبغياً بالاتحاد فقط حتى يتكاملا إلى ‏46‏ صبغياً في النطفة الأمشاج التي تتكون فيها بذرة الجنين بمجرد إتمام عملية الإخصاب‏ ـ‏ وفي هذه البذرة تتحدد كل الصفات الموروثة السائدة منها‏ ـ‏ أي الظاهرة‏ ـ والمتنحية ـ أي التي قد تظهر في الأجيال التالية ـ ولعل هذا هو المقصود بتعبير التقدير في قول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ:
" مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ‏ " (‏ عبس‏19).‏
وتشير دراسات علم الوراثة إلى أننا إذا عدنا بعملية الانقسام في الشفرة الوراثية إلى الوراء مع الزمن فإن الشفرات الوراثية في أجساد أكثر من ستة مليارات من البشر الذين يعمرون الأرض اليوم‏,‏ وبلايين الشفرات التي كانت في أجساد من عمروا الأرض من قبلنا‏,‏ والتي ستبني أجساد من سوف يأتون من بعدنا إلى قيام الساعة‏,‏ كل ذلك كان متجمعاً في شفرة وراثية واحدة كانت في صلب رجل واحد هو آدم ـ عليه السلام ـ الذي خلقت منه زوجه حواء ـ عليها رضوان الله ـ وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً، ولذلك قال ربنا‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ: "‏ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً ‏... " (‏ النساء‏:1).‏
أما هذه النفس الواحدة التي لم يشهد خلقها ـ أي من الناس ـ فيصف ربنا ـ تبارك وتعالى ـ لنا خلقها على مراحل من تراب‏ (‏آل عمران‏/59,‏ الكهف‏/37,‏ الحج‏5,‏ الروم‏/20,‏ فاطر‏/11,‏ وغافر‏/67),‏ ومن طين‏(‏الأنعام‏/2;‏ الأعراف‏/12;‏ السجدة‏/7;‏ ص‏/76,71)‏ الإسراء‏/61),‏ ومن سلالة من طين‏ (‏المؤمنون‏/12),‏ ومن طين لازب‏(‏ الصافات‏/11)،‏ ومن صلصال من حمأ مسنون ‏(‏الحجر‏/33,28,26);‏ ومن صلصال كالفخار ‏(‏الرحمن‏/14)،‏ ومن الأرض ‏(‏هود‏/61;‏ طه‏/55;‏ النجم‏/32;‏ نوح‏/18,17).
وفي شرح ذلك
قال خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ: إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض‏,‏ فجاء بنو آدم على قدر الأرض‏,‏ جاء منهم الأحمر، والأبيض، والأسود، وبين ذلك‏,‏ والخبيث، والطيب، وبين ذلك " ‏.‏
‏(‏حديث حسن صحيح أخرجه كلٌ من الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري‏,‏ والإمامان أبو داود والترمذي عن عوف الأعرابي‏).

وهذه النصوص من القرآن الكريم والسنة المطهرة نصوص قطعية الثبوت‏,‏ وقطعية الدلالة‏,‏ وإنكارها إنكار لمعلوم من الدين بالضرورة، وحكم ذلك معروف عند أهل الشرع‏.‏

ثانيا‏:‏ في قوله ـ تعالى‏ ـ:‏ " ... وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ... ":‏
كان لابد لهذين الزوجين الأولين اللذين أنجبا هذه البلايين من الأناسي أن يكون خلقهما خلقاً خاصا بمعجزة تشهد للخالق ـ سبحانه وتعالى ـ بطلاقة القدرة في إبداعه للخلق‏,‏ وكما كان خلق أبينا آدم من تراب أمراً معجزاً للغاية، فإن خلق أمنا حواء من ضلع أبينا آدم ـ عليهما السلام ـ لا يقل إعجازاً عن ذلك‏,فقد أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ قال‏:‏ " إن المرأة خلقت من ضِلَع أعوج‏,‏ وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه‏,‏ فإذا ذهبت تقيمه كسرته‏,‏ وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج "‏.
وفي التأكيد العلمي على حقيقة الأم الأولى والوحيدة للجنس البشري ذكر روي ليمون في كتابه المُعَنْوَن الأمم المندثرة ‏Lemon,RoyR.1993:Vanished Worldsأن الدراسات الحديثة في علم الأحياء الجزيئي قد أثبتت أنه يمكن تتبع السلالات الأحيائية بواسطة الحمض النووي الريبي المنقوص الأكسجين في بعض عضيات خلية البييضة المعروفة باسم المتقدرات ‏Mitochondria ، وهي عضيات غشائية التكوين‏,‏ شديدة الضآلة‏,‏ عظيمة الفائدة، تسبح في سائل الخلية‏,‏ وتقوم بتحويل غذاء الخلية إلى طاقة تحتاجها كل مكونات الخلية في نشاطاتها المختلفة‏,‏ ومحتوي المتقدرات من الحمض النووي والمعروف باسم‏ The Mitochondrial DNA‏، لا يورث إلا من الأم فقط‏,‏ وبطريقة مباشرة حيث لا يدخل في عملية اختلاط مورثات الأبوين أثناء تكون النطفة الأمشاج‏,‏ وبذلك يمكن تتبع نسب جميع الإناث ‏(‏ اللائي يملأن جنبات الأرض اليوم‏,‏ واللائي جئن من قبلنا‏,‏ واللائي سوف يأتين من بعدنا حتى قيام الساعة إلى أم واحدة هي أمنا حواء ـ عليها السلام ـ من خلال قطيرات الحمض النووي المتقدري الموجودة في خلاياهن‏.‏
وعلى الرغم من أن الله ـ تعالى ـ قد ترك لنا في صخور الأرض وفي صفحة السماء من الشواهد الحسية ما يمكن أن يعين الإنسان بحسه المحدود، وقدرات عقله المحدودة على الوصول إلى تصور ما عن عملية الخلق بأبعادها الثلاثة‏,‏ خلق الكون‏,‏ وخلق الحياة‏,‏ وخلق الإنسان‏,‏ إلا أن هذه التصورات إذا لم تأخذ ما جاء في كتاب الله الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ وفي سنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن قضايا الخلق مأخذ الجد‏,‏ ووظفته في تفسير الشواهد الحسية المتروكة لنا توظيفاً راشداً، فإن الإنسان يضع نفسه في نفق مظلم لا خروج له منه أبداً، وذلك لأن عملية الخلق لم يشهدها أي من البشر، وبالتالي لا يمكن للإنسان أن يصل فيها إلى تصور صحيح أبداً بدون الهداية الربانية المحفوظة في كتاب الله وفي سنة خاتم أنبيائه ورسله ـ صلى الله عليه وسلم‏.‏
وإرجاع الناس جميعاً إلى أب واحد هو آدم ـ‏ عليه السلام‏ ـ وأم واحدة هي حواء‏ ـ‏ عليها رضوان الله ـ من حقائق الخلق التي نادى بها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة من قبل أربعة عشر قرنا‏ًً,‏ وأثبتتها علوم الوراثة أخيرا بما لا يرقى إليه شك‏,‏ وعبر القرنين الماضيين حاولت جماعات من الكفار والمشركين‏,‏ والملاحدة الدهريين، ومن فتن بهم للأسف الشديد من بعض أبناء المسلمين الانتكاس بها إلى فرضية التطور العضوي عبر تصور خلق بين آدم وما قبله من حيوانات، وهي فرضية قد تجاوزها العلم تماما‏ًً.‏
ويبقى تأكيد كلٍ من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة لحقيقة خلق آدم ـ عليه السلام ـ من تراب‏,‏ وخلق زوجه منه‏,‏ والتأكيد على أن الله ـ تعالى ـ بث منهما رجالاً كثيراً ونساءً، وذلك من قبل ألف وأربعمائة سنة، يبقى سبقاً علمياً لم تتلمس العلوم المكتسبة طريقها إليه إلا في أواخر القرنين التاسع عشر والعشرين‏.‏
وهذا السبق العلمي يشهد للقرآن الكريم بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏ ـ‏ اللغة العربية‏ ـ‏ على مدى أربعة عشر قرناً أو يزيد، وإلى أن يرث الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ الأرض ومن عليها تحقيقاً لوعده‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ الذي قطعه على ذاته العلية فقال‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ:‏
" إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ " ‏(‏ الحجر‏:9).‏
وهذا السبق العلمي في كتاب الله يشهد للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة‏,‏ فصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏