" ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ " (‏ غافر‏:62)‏


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في مطلع الربع الأخير من سورة غافر‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها‏(85)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم الجليل‏(‏غافر‏)‏ الذي هو صفة من صفات الله ـ تعالي ـ والذي جاء في مطلع السورة‏,‏ ثم جاء في ثناياها بصيغة‏(‏ الغفار‏)‏ وهو من أسماء الله الحسني‏.‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة غافر حول قضيتي الإيمان والكفر‏,‏ وصراع أهليهما عبر التاريخ‏,‏ وتدخل الإرادة الإلهية دوما لحسم هذا الصراع لصالح أهل الإيمان‏,‏ وأخذ المتجبرين في الأرض أخذ عزيز مقتدر‏,‏ ولذلك تشير السورة الكريمة الي مصارع عدد من الأمم الغابرة التي طغت في الأرض وبغت علي أهلها بغير الحق‏,‏ فكان جزاؤها الإفناء بالكامل‏ .‏
وتبدأ سورة غافر بالحرفين المقطعين‏(‏ حم‏)‏ واللذين تستهل بهما سبع من سور القرآن الكريم تعرف باسم‏(‏ الحواميم‏),‏ وقد سبق لنا مناقشة هذه المقطعات ولاحاجة الي تكرار ذلك هنا‏.‏
ويلي هذا الاستفتاح قرار من الله ـ تعالي ـ بأن القرآن الكريم هو تنزيل من الله العزيز العليم الذي وصف ذاته العلية بقوله‏:‏
" غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ المَصِيرُ  "‏(‏غافر‏:3).‏
ثم تتوجه الآيات بالخطاب الي خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ بحقيقة أنه لايجادل في آيات الله بغير علم إلا الذين كفروا‏,‏ وأنه لا يجب أن يحزنه تقلب الكافرين في البلاد بشيء من السلطان والبطش فإن ذلك استدراج لهم‏,‏ حتي إذا ما بالغوا في اجرامهم أخذهم الله بذنوبهم أخذ من سبقوهم من الأمم الكافرة والمشركة الذين أفسدوا في الأرض إفسادا كبيرا فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر‏,‏ وتؤكد السورة الكريمة أن مصيرهم جميعا الي جهنم وبئس المصير‏.‏
وتحدثت سورة غافر عن حملة العرش وعمن حولهم من الملائكة الذين يسبحون بحمد الله ويؤمنون به‏,‏ ويستغفرون للمؤمنين من أهل الأرض‏,‏ ويدعون للذين تابوا منهم بالنجاة من عذاب الجحيم‏,‏ ويسألون الله ـ تعالي ـ لهم‏,‏ ولمن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم جنات النعيم‏,‏ وأن يجنبهم السيئات‏.‏
كذلك تعرض هذه السورة الكريمة لشيء من أحوال الكافرين والمشركين في يوم القيامة وهم يتذللون بين يدي الله ـ تعالي ـ معترفين بذنوبهم في انكسار واضح قائلين‏:‏
" رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ  "(‏ غافر‏:11)‏
وتستشهد سورة غافر بعدد من آيات الله في الكون علي حقيقة الألوهية والربوبية والخالقية والوحدانية المطلقة فوق جميع الخلق‏,‏ وتوصي المؤمنين بالثبات علي التوحيد الخالص لله ـ تعالي ـ ولو كره الكافرون‏,‏ وتؤكد حقيقة الوحي وحتمية البعث والحساب والجزاء بقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ واصفا ذاته العلية‏:‏
" رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ  "(‏ غافر‏:15).‏
" الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ اليَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ "‏  (‏ غافر‏:17).‏
وتحذر الآيات في سورة غافر الظالمين من أهوال يوم القيامة فتقول‏:‏
"...وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ القُلُوبُ لَدَى الحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ . يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ . وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ "(‏ غافر‏:18‏ ـ‏20).‏
وتعتب الآيات علي الذين لم يعتبروا بمصارع الظالمين من الأمم البائدة فتقول‏:‏
" أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ  "(‏غافر‏:21).‏
وتعرض السورة الكريمة لقصة نبي الله موسي مع كل من فرعون وهامان وقارون‏,‏ وتشير الي مؤمن آل فرعون الذي كان يخفي إيمانه ليدعو قومه بشيء من اللطف والحذر الشديد‏,‏ وبطرق غير مباشرة من مثل تحذيرهم من مصائر الغابرين‏,‏ ومن أهوال يوم القيامة‏,‏ ومن إهمال أسلافهم دعوة يوسف ـ علي نبينا وعليه من الله السلام ـ ومن اغترارهم بالدنيا وبمتاعها الزائل ونسيانهم للآخرة وهي دار القرار‏.‏
وتتحدث الآيات عن ضلال فرعون وآله‏,‏ وعما حاق بهم من سوء العذاب حين غرق هو وجنده في اليم‏,‏ وحين حوسبوا بعد الموت‏,‏ وما ينتظرهم من عذاب يوم القيامة وهو أشد العذاب‏,‏ وفي ذلك تقول‏:‏
" فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذَابِ . النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُواًّ وَعَشِياًّ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ " (‏ غافر‏:46,45) .‏
ثم تعرض الآيات للحوار بين الذين اتبعوا والذين اتبعوا وهم محجورون في نار جهنم‏,‏ ورجاؤهم من خزنتها في مذلة بادية أن يدعوا الله لهم كي يخفف عنهم يوما من العذاب‏..!!‏
وعقب ذلك تؤكد الآيات أن الله ـ تعالي ـ ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد‏.‏
وتذكر الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين ـ بنبي الله موسي وقومه‏,‏ آمرة إياه بالصبر والاستغفار‏,‏ وبالتسبيح بحمد الله بالعشي والابكار‏,‏ وبالاستعاذة بالله من الكبر الكاذب الذي يختفي وراءه المجادلون في آيات الله بغير سلطان آتاهم‏,‏ مقررة عددا من حقائق الوجود فتقول‏:‏" وَمَا
يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلاَ المُسِيءُ قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ . إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ . وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ " (‏ غافر‏:58‏-‏60).‏
وتعاود الآيات إلي استعراض عدد من آيات الله في الكون مؤكدة حقيقة الألوهية والربوبية والخالقية والوحدانية المطلقة فوق جميع الخلق‏,‏ آمرة بالإسلام‏,‏ وناهية عن الشرك بالله ــ تعالي ــ علي لسان خاتم الأنبياء والمرسلين ــ صلي الله عليه وسلم ــ فتقول‏:‏ "
هُوَ الحَيُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ . قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ البَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العَالَمِينَ "(‏ غافر‏:66,65).‏
ثم تصف الآيات شيئا من أحوال الكفار والمشركين المكذبين بكتب الله ورسله‏,‏ وتوصي خاتم الأنبياء والمرسلين ــ صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ــ بالثبات علي التوحيد الخالص لله‏,‏ وبالصبر علي ما يلقي من عناد المعاندين‏,‏ مؤكدة أن وعد الله حق‏,‏ وأن الله ــ تعالي ــ قد أرسل رسلا من قبل‏,‏ وقص شيئا من أخبار بعض هؤلاء الرسل عليه ــ صلي الله عليه وسلم ــ ولم يقصص عن البعض الآخر‏,‏ وتقرر الآيات أنه ما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله‏,‏ فإذا جاءت الآية وجحد بها المكذبون‏,‏ استحقوا عقاب رب العالمين في الدنيا والآخرة وخسروا بذلك خسرانا مبينا‏.‏
وتختتم سور غافر بتكرار العتاب من الله ــ تعالي ــ علي الذين لايعتبرون بمصارع الظالمين من الأمم البائدة من قبلهم‏,‏ وقد كانوا أكثر منهم عددا‏,‏ وأشد منهم قوة وآثارا في الأرض‏"...‏ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ "‏ لأنهم كذبوا رسل الله إليهم‏,‏ واستهزأوا بهم‏,‏ واستعلوا عليهم بما كان لدي هؤلاء الكافرين من أسباب الغلبة المادية‏,‏ فحاق بهم ماكانوا به يستهزئون‏,‏ فلما رأوا عقاب الله محيطا بهم قالوا‏:‏ آمنا بالله وحده‏,‏ وكفرنا بما كنا به مشركين‏,‏ ولكن هذا الايمان الاضطراري ـ بعد أن رأوا العذاب واقعا بهم ــ ماكان لينفعهم بشئ‏,‏ وتلك هي سنة الله التي خلت في عباده‏.‏

من ركائز العقيدة في سورة غافر:-
‏(1)‏ الايمان بالله ــ تعالي ــ ربا واحدا أحدا‏,‏ فردا صمدا‏,‏ لايشبهه أحد من خلقه‏,‏ ولا ينازعه أحد في سلطانه‏,‏ ولايشاركه أحد في ملكه‏,‏ وهو غني عن الصاحبة والولد لأن هذه من صفات المخلوقين‏,‏ وهو ــ تعالي ــ خالق كل شئ‏,‏ والخالق منزه عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لايليق بجلاله‏,‏ والإيمان بما أثبت الله ــ تعالي ــ لذاته العلية من الأسماء والصفات‏.‏
‏(2)‏ التصديق بوحي السماء الذي أنزله ربنا ــ تبارك وتعالي ــ علي فترة من الرسل‏,‏ وأتمه في القرآن الكريم الذي يطالب بالإيمان بجميع أنبياء الله وملائكته وكتبه ورسله دون أدني تفريق‏,‏ وقد أرسلهم الله بالحق‏,‏ وروي لنا القرآن الكريم قصص بعضهم‏.‏
‏(3)‏ اليقين بأن الملائكة خلق من نور‏,‏ وهم في غاية البراءة والطهر والعصمة‏,‏ مفطورون علي عبادة الله ــ تعالي ــ وطاعته‏,‏ وتسبيحه وتقديسه وحمده‏,‏ وعلي الاستغفار للمؤمنين والدعاء لهم بالرحمة‏.‏
‏(4)‏ التسليم بحتمية الآخرة‏,‏ وبحقيقة ما ذكر الكتاب والسنة عن أحداثها ومنها البعث والحشر والحساب والجزاء وخلود المؤمنين في الجنة وخلود الكافرين والمشركين في النار‏.‏
‏(5)‏ الإيمان بأن لكل منا موتتين وحياتين‏,‏ فالموتتان إحداهما العدم قبل الخلق‏,‏ والثانية الموت بعد الحياة الدنيا‏,‏ والحياتان هما‏:‏ هذه الحياة الدنيا والحياة الآخرة‏.‏
‏(6)‏ التصديق بكل ماجاء بالقرآن الكريم‏,‏ واليقين بأن أخذ الله ــ تعالي ــ للظالمين من الأمم السابقة كان أخذا بذنوبهم‏,‏ وعقابا لهم علي كفرهم أوشركهم‏,‏ وجدالهم بالباطل ليدحضوا به الحق‏,‏ وما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا‏,‏ الذين لن ينفعهم تقلبهم في البلاد شيئا‏.‏
‏(7)‏ التصديق بأن الشرك بالله هو كفر به‏,‏ وبأن الله ــ تعالي ــ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور‏,‏ فلا يخفي عليه شئ في الأرض ولا في السماء وهو السميع البصير‏,‏ اللطيف الخبير‏,‏ غافر الذنب‏,‏ وقابل التوب‏,‏ شديد العقاب‏,‏ ذي الطول‏,‏ الذي أمره إذا أراد شيئا أن يقول له‏:‏ كن فيكون‏.‏

من الإشارات الكونية في سورة غافر:-
‏(1)‏ الإشارة إلي إنزال الرزق من السماء‏.‏
‏(2)‏ التأكيد علي تضاؤل خلق الناس ــ علي عظمته ــ بجوار خلق السماوات والأرض‏.‏
‏(3)‏ إثبات حتمية الآخرة وضرورتها‏.‏
‏(4)‏ الإشارة إلي تخصيص الليل للراحة والسكون واستجماع القوي‏,‏ وجعل النهار للجري علي المعايش وللكدح من أجل عمارة الأرض وإقامة عدل الله فيها‏.‏
‏(5)‏ التأكيد علي حقيقة الخلق‏,‏ وعلي وحدانية الخالق‏,‏ وعلي أن الله ــ تعالي ــ هو خالق كل شئ‏,‏ وأنه هو الذي يحيي ويميت‏.‏
‏(6)‏ الإشارة إلي أن الله ــ تعالي ــ هو الذي جعل لنا الأرض قرارا‏,‏ والسماء بناء
‏(7)‏ التأكيد علي أن الله ــ تعالي ــ قد صور بني الإنسان فأحسن صورهم‏,‏ ورزقهم من الطيبات‏.‏
‏(8)‏ وصف خلق الإنسان من تراب‏,‏ ثم من نطفة‏,‏ ثم من علقة حتي يخرج الجنين طفلا‏,‏ ثم ليبلغوا أشدهم‏,‏ ثم ليكونوا شيوخا حتي يبلغوا أجلا مسمي فيتوفاهم الله‏,‏ ومنهم من يتوفي من قبل ذلك‏,‏ ومنهم من يرد إلي أرذل العمر‏.‏
‏(9)‏ الإشارة إلي الحكمة من خلق الأنعام فمنها مايركب ومنها ما يؤكل لحمه‏.‏
‏(10)‏ التأكيد علي أن الله ــ تعالي ــ هو الذي مكن بقدرته مياه البحار علي حمل الفلك بقوانين الطفو‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلي معالجة خاصة بها‏,‏ ولذلك فسوف أقصر الحديث علي النقطة الخامسة من القائمة السابقة .
 

 



من الدلالات العلمية للآية الكريمة :-
أولاً في قوله-تعالى-:
" ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ..."
:
جاء هذا النص الكريم بعد قول ربنا –تبارك وتعالى-: " اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ "(‏غافر‏:61)‏ والدراسات العلمية تؤكد على حاجة الإنسان للنوم كحاجة جميع الأحياء إليه, وإن احتار العلماء فى تحديد دور النوم فى حياة الإنسان, هل هو لتجديد حيوية الجسم ونشاطه؟ وهو أمر لم يستطع الباحثون في دراسات النوم تحديده، وذلك لأن عضلات الجسم لا تحتاج إلى النوم ، وإن احتاجت إلى فترات متقطعة من الاسترخاء لراحتها ولاستعادة نشاطها .
هل النوم لازم لتجديد نشاط المخ؟ وهل يستفيد مخ الإنسان أثناء فترة النوم بإعادة ترتيب وتخزين المعلومات التى تلقاها فى ساعات اليقظة ليصبح قادرا على تلقي غيرها؟ أم أن فترة النوم هى فترة تجديد للروابط العصبية بين خلايا المخ, وتقوية ما قد ضعف منها ؟ هذه الأسئلة وأمثالها تصعب الإجابة عليها مع تطور علم دراسة النوم (Science of Sleep) وتطور أجهزة قياساته فى السنوات الأخيرة تطوراً مذهلاً خاصة بعد استبدال أجهزة قياسه في السنوات الأخيرة تطوراً مذهلاً خاصة بعد استبدال أجهزة قياس النشاط الكهربي في داخل الدماغ والمعروفة باسم مخططات كهربائية الدماغ (Electroence Phalograms or EEGS ) بعدد من الأجهزة القادرة على تصوير ورسم الخرائط العصبية للمخ بالتفصيل فى أثناء كل من المنام واليقظة, وتصوير ما يحدث بداخله من تغيرات دقيقة فى الحالين تصل إلى مستوى الخلية العصبية الواحدة (العصبون) .

ويخلص الدارسون فى مجال "علم النوم" إلى أنه ضرورة لازمة لاستمرار حياة الإنسان, لأن الحرمان من النوم يؤدي إلى تدمير القدرات العصبية للإنسان , والخلايا العصبية إذا تم تدميرها يستحيل تجديدها, وبتدمير الجهاز العصبى للإنسان يتم تدميره بالكامل إلى حد الوفاة . فقد لوحظ انخفاض قدرة خلايا المخ على مستخدم سكر الجلوكوز انخفاضا شديداً مع وفرته إذا زادات فترة اليقظة المتصلة عن (18) ساعة, ويؤدي ذلك إلى انخفاض ملحوظ فى نشاط المخ الذي يصل إلى أدنى مستوياته بعد (24) ساعة متصلة من اليقظة . ومن هنا تم الاستنتاج بأن النوم ضرورة من ضرورات استمرار حياة الإنسان , يتم فى أثنائه إعادة تغذية خلايا المخ وتطهيرها مما تجمع فيها من النفايات والسموم الناتجة عن نشاطها طوال فترة اليقظة وذلك من مثل الجذور الحرة (Free Radicals) التى تنتج عن تهدم بعض الخلايا العصبية . وعلى ذلك فإن الإنسان محتاج إلى السكون بالليل يخلد فيه إلى شيء من الاسترخاء والراحة والعبادة والتأمل والتفكير, ثم النوم لتجديد نشاطه الذهني والبدني والنفسي والروحي حتى يتمكن من استجماع قواه لمواجهة مسئولياته في النهار التالي وما يتطلبه من كدح وعمل وفاءً بواجبات الاستخلاف فى الأرض من عمارتها وإقامة عدل الله –تعالى- فيها إلى عبادة رب العالمين بما أمر . لذلك جعل الله – سبحانه وتعالى – الليل سكنا, وجعل النهار مبصراً وأتبع الإشارة إلى تلك الحكمة البالغة بقوله العزيز : " ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ " (‏غافر‏:62)‏

ثانيا: فى قوله تعالى -: " خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ " :
جاء الفعل (خلق) بمشتقاته (252) مرة في القرآن الكريم ليؤكد على حقيقة أن الله –تعالى – "... خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ..." . لكن الحضارة المادية المعاصرة زعمت بأزلية الكون – فى محاولة يائسة لنفي الخلق والتنكر للخالق العظيم – وجاءت كشوفها العملية بعكس ذلك , فقد أثبتت أن كوننا مخلوق له بداية, تحاول العلوم المكتسبة تحديدها , وكل ما له بداية فلابد أن ستكون له فى يوم من الأيام نهاية, وبذلك سقطت دعوى أزلية العالم وثبت أن الكون مخلوق يفسر خلقه بنظرية الانفجار العظيم, وتفسر نهايته بنظرية الانسحاق الشديد ولكل مخلوق خالق يسمو على جميع خلقة بصفات الألوهية والربوبية والخالقية والوحدانية المطلقة .
كذلك زعمت الحضارة المادية المعاصرة بعشوائية الخلق الأول للحياة, وبعشوائية تدرجها لعمارة الأرض, وبربط الإنسان بسلسة الحيوانات المخلوقة قبله, وجاءت دراسة تركيب الخلية وقراءة الشيفرة الوراثية مؤكدة الخلق والتدبير فى كل من إيجاد الحياة الباكرة, وفى تدرجها مع الزمن وعمارتها للأرض, وفى خلق الإنسان خلقا خاصا لا علاقة له بسلسة الحياة السابقة على وجوده.

ثالثا: فى قوله تعالى -: " لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ " (‏غافر‏:62)‏
بعد استعراض عدد من الآيات الكونية الدالة على الخالق –سبحانه وتعالى- فى سورة "غافر", جاءت الشهادة لهذا الخالق العظيم بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه, ولذلك ختمت الآية الكريمة بقول الحق –تبارك وتعالى-: " لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ " (‏غافر‏:62) ‏. أي ذلكم أيها الناس ربكم, مالك أمركم خالقكم وخالق كل شيء في هذا الوجود, المنعم المتفضل الذى لا معبود بحق سواه, والذى لا شريك له فى ملكه ولا منازع له فى سلطانه, ولا شبيه له من خلقه, والمنزه عن الصاحبة والولد, وعن جميع صفات خلقه, وعن كل وصف لا يليق بجلاله, فكيف تُصرف غالبية الناس عن عبادته, ويخرجون من دائرة الإيمان به إلى الشرك أو الكفر به, مع قيام البراهين العديدة على صحة الإيمان والتوحيد الخالص وبطلان كل من الشريك أو الكفر بالله . فمنذ العقود الأولى من القرن العشرين والاكتشافات العلمية المؤيدة بالتجارب القابلة للتكرار والإعادة, وبالحسابات الرياضية الدقيقة, تؤكد على حقيقة الزوجية فى كل شيء من اللبنات الأولية للمادة إلى الإنسان, من مختلف صور المادة والطاقة إلى كل من النبات والحيوان والإنسان. فالضوء يتحرك أحيانا على شكل موجات, وأحيانا أخرى على شكل جسيمات (تعرف باسم الفوتونات) وهذه الزوجية تتحقق أيضا في المادة والجزء منها ليس نقطه هندسية, ولكنه كيان ينتشر فى الفضاء على هيئة موجية كذلك. وقد أدت هذه الملاحظات إلى اكتشاف نقيض للإلكترون (أو قرينه), وأن هذين النقيضين إذا التقيا فإنهما يفنيان لأن – أحدهما يفني الآخر وينهي وجوده إلى العدم . ومعنى ذلك أن أية كمية محدودة من الطاقة يمكن أن تتجسد فى جسمين, أحدهما نقيض لصاحبه, بمعنى أنه صورة طبق الأصل له, ولكنه معكوس الصفات. وقد تم اكتشاف المادة وأضدادها فى صفحة السماء على مختلف مستوياتها من اللبنات الأولية إلى المادة ذاتها, ومن هنا جاء التقرير بالوحدانية المطلقة لله -تعالى- فوق جميع خلقه ولذلك قال-عز من قائل-: " ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ " (‏غافر‏:62)‏. هذا وقد أصبح علماء الفلك والفيزياء الفلكية اليوم يعتقدون بأن الكون قد بدأ بتركيز من المادة وأضدادها, وبمعنى آخر أن الكون قد بدأ من العدم وهى من الحقائق الإسلامية الثابتة بالكتاب والسنة .

وإذا كان هذا التصور الفلكي صحيحاً فإن السؤال الذى يفرض نفسه هو : من الذى فصل الأضداد عن بعضها حتى تم خلق الكون ؟ ومن الذى يبقيها مفصولة عن بعضها البعض حتى لا يفنى الكون؟ والجواب : أنه الله الذى خلق كل شيء من العدم, لأنه لا يمكن لعاقل أن يتصور عملية الخلق بغير تقدير من الخلاق العليم , القدير الحكيم , رب كل شيء ومليكه الذي يقول للشيء : كن فيكون . يدعم هذا الاعتقاد ما يقرره علماء الفلك والفيزياء الفلكية اليوم من أن مراحل خلق الكون منذ لحظة الانفجار العظيم إلى اليوم وحتى قيام الساعة قد تم التخطيط لها بدقة فائقة فى كل أمر من الأمور من ضبط درجات الحرارة, ومعدلات تخلق الجسيمات الأولية للمادة وأضدادها والفصل بينهما, إلى ضبط سرعات تمدد الكون, وتسلسل تخلق مختلف أجرام الكون, إلى تخليق العناصر بداخل النجوم والذى نراه بأعيننا اليوم شاهداً حياً على حقيقة الخلق وحسن التدبير. وخلق هذه العناصر التى يفوق عددها مائة وخمسة عنصراً كلها من غاز الإيدروجين يشير إلى وحدة بناء الكون الدالة على واحدنية الخالق -سبحانه وتعالى- . كذلك يثبت علماء الأحياء الأرضية أن عدد المعروف لنا منها اليوم يتعدى مليون ونصف المليون نوعاً, وأن عدد الأنواع المندثرة والتى اكتشف لها بقايا في صخور الغلاف الصخري للأرض يتعدى ربع مليون نوعاً من الأنواع, وأن مجموع عدد الأنواع المتوقعة للحياة الأرضية فى ضوء الاكتشافات الحالية يصل بها إلى قرابة خمسة ملايين نوعاً . وأن متوسط المدَى الزمني لحياة النوع الواحد من هذه الملايين الخمسة يتراوح بين نصف مليون سنة وعشرة ملايين من السنين, يمثل خلالها ببلايين الأفراد, وأجساد هذه الأفراد جميعها مبنية بصفه عامة على نظام واحد هو الخلية الحية , من أبسطها بناءً إلى أكثرها تعقيدا , مما يشهد للخالق العظيم بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقة. وإذا علمنا أن جسم الإنسان يتكون من تريليونات الخلايا المتخصصة, وأن الخلية الواحدة لا يزيد قطرها عن 0.03 من المليمتر في المتوسط وقد أعطاها الله – تعالى- القدرة على إنتاج مائتي ألف نوع من البروتينات التى يوجد منها أكثر من مليون نوع أدركنا مدى تعقيد بناء الخلية الحية التى تفوق فى أدائها أكبر المصانع التى أنشأها الإنسان, بل التى فكر فى إنشائها ولم يتمكن بعد من تحقيق ذلك. وهذه الدقة فى البناء والإحكام فى الأداء يتنافيان مع العشوائية والصدفة , ويشهدان بالخلق والتقدير للخالق البارئ المصور الذى وصف ذاته العلية بقوله العزيز " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ " (الإخلاص:1-4) .

والتأكيد على حقيقة الخلق ، وعلى وحدانية الخالق – سبحانه وتعالى – بهذا الجزم القاطع فى زمن سيادة الكفر والشرك والوثنيات المتعددة ، والخرافات والأساطير لِما يثبت لكل ذي بصيرة أن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية, بل كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله ، وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية ، فى نفس لغة وحيه ( اللغة العربية ) ، وحفظه حفظاً كاملاً على مدى أربعة عشر قرناً أو يزيد ، وتعهد بهذا الحفظ تعهداً مطلقاً حتى يبقى القرآن الكريم شاهداً على جميع الخلق إلى قيام الساعة ، فالحمد لله على نعمة الإسلام ، والحمد لله على نعمة القرآن ، والحمد لله على بعثة خير الأنام – صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته الى يوم الدين – وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .