" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " (المائدة:90)


الآية القرآنية الكريمة جاءت في مطلع الربع الأخير من سورة المائدة‏,‏ وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها‏(120)‏ بعد البسملة‏,‏ وهي ثامن أطول سور القرآن الكريم‏,‏ ومن أواخرها نزولاً‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى المائدة التي أنزلها الله ـ تعالى ـ من السماء كرامة لعبده ورسوله المسيح عيسى ابن مريم ـ على نبينا وعليه من الله السلام ـ وشهادة له بالنبوة وبالرسالة‏.‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة المائدة حول قضية التشريع الإسلامي بعدد من الأحكام اللازمة لإقامة الدولة‏,‏ وتنظيم المجتمع الإنساني‏ على أساس من الفهم الدقيق لرسالة الإنسان في هذه الحياة‏:‏ عبداً لله الواحد الأحد‏,‏ الفرد الصمد‏,‏ الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كُفُوَاً أحد‏,‏ يعبده ـ تعالى ـ بما أمر‏,‏ ويجتهد في عمارة الأرض قدر طاقته‏,‏ ويقوم بواجبات الاستخلاف فيها بإقامة عدل الله وشرائعه‏,‏ ومراقبة هذا الخالق العظيم في السر والعلن‏,‏ والاستعداد لملاقاته بعد هذه الحياة الدنيا بصفحة مليئة بصالح الأعمال، عَلَّها تكون شفيعاً له عند رب العالمين‏,‏ ومسوغاً للفوز بالجنة والنجاة من النار‏.‏
ويتخلل آيات التشريع في سورة المائدة التأكيد على العقيدة الإسلامية، وفي مقدمتها التوحيد المطلق لله ـ تعالى ـ بغير شريك، ولا شبيه، ولا منازع، ولا صاحبة، ولا ولد‏,‏ وتنزيهه ـ جل شأنه ـ عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ والإيمان ببعثة كل أنبياء الله ورسله، وفي مقدمتهم النبي والرسول الخاتم ـ صلى الله عليه وسلم.‏
ويتخلل آيات التشريع كذلك استعراض عدد من قصص الأولين‏,‏ وتفنيد عقائد غير المؤمنين؛ تثبيتاً لإيمان المؤمنين‏,‏ ودرءاً لادعاءات المبطلين في كل مكان وفي كل حين إلى يوم الدين‏.‏
وتبدأ سورة المائدة بالتأكيد على وجوب الوفاء بالعقود‏,‏ سواءً أكانت تلك العقود بين العبد وربه‏,‏ أو بين العبد وعبد آخر من عباد الله‏,‏ وبين الناس عامة أفراداً ومجتمعات ودولا‏ًً؛‏ وذلك لأن الوفاء بالعقود يدخل فيه ما يتعاقد عليه الناس فيما بينهم‏,‏ وما تتعاقده الدول فيما بينها‏. والعقد ـ أصلاً ـ يكون بين طرفين‏,‏ وفيه معنى الاستيثاق والشد؛ لأن من معانيه‏‏ الجمع بين أطراف الشيء، كعقد الحبل وعقد البناء‏,‏ ثم استعير ذلك للعقد المعنوي، مثل عقود المعاملات كالبيع والشراء وغيرها فيقال‏: (‏عَاقَدْتُهُ‏)‏ و‏(‏عَقَدْتُهُ‏)‏ و‏(‏تَعَاقَدْنَا‏),‏ كما يقال‏:
" ... بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ ...‏ "‏، وقرئ‏  "‏ ... بِمَا عَقَدتُّمُ الأَيْمَانَ ‏ ... " (المائدة:89).
و‏(‏العقد‏)‏ مصدر استعمل اسماً، وجمع على ‏(‏عقود‏)،‏ وذلك من مثل قول الحق ـ تبارك وتعالى ـ في مطلع سورة المائدة‏:
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ..." (المائدة:1).‏
و‏(‏العَقُدُ)‏ بخلاف‏(‏ العَهْد‏)‏ الذي يكون من طرف واحد، ويدخل فيه الالتزام بإرادة من أعطى العهد منفرداً‏,‏ وهذا النص ومضة من ومضات الإعجاز اللغوي والتشريعي للقرآن الكريم‏,‏ سبق بها كل القوانين الوضعية في التفريق بين كلٍ من العقد والعهد‏،‏ وهو دعوة جامعة إلى ضرورة الالتزام بجميع العقود، والحرص على الوفاء بها؛ لأن العقد في الإسلام شريعة المتعاقدين‏، ولا يمكن لأي مشرع أن يأتي بهذا الأمر بمثل ما أتى به هذا النص في شموله ووضوحه ودقته‏.‏
وبعد ذلك تطرقت الآيات الكريمة إلى تحديد ما أُحِلَّ للمسلمين من بهيمة الأنعام‏,‏ ومن الطعام‏,‏ وما حرم عليهم وإلى تحريم الصيد وهم حرم‏,‏ وتحريم استباحة حرمة شعائر الله وأحكامه‏,‏ وإلى الدعوة للتعاون على الحق وعلى الخير‏,‏ وعدم التعاون على مجاوزة الحدود بارتكاب المعاصي؛ وذلك خشية عقاب الله وبطشه وهو ـ تعالى ـ شديد العقاب‏.‏
ومن خلال هذا التشريع يأتي تثبيت المؤمنين على إيمانهم، وذلك بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏:‏‏
"...‏ اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ "‏ (‏المائدة‏:3)‏.
وتستمر الآيات في تحديد ما أحل وما حرم من الطعام ومن الزوجات‏,‏ وفي سياق ذلك أيضاً يأتي التثبيت على الإيمان بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏:‏‏
" ...‏ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ " ‏(‏المائدة‏:5)‏.
وتستمر الآيات في تحديد التطهر للصلاة بالوضوء أو التيمم، مؤكدة فائدة ذلك للمؤمنين‏,‏ وذلك بقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ‏:‏‏
 
" ...‏ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ .‏ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ . وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ  " (‏المائدة‏:6‏ ـ‏9).‏
وتتوالى الآيات بذكر شيء من نعم الله على عباده المؤمنين‏,‏ وباستعراض تقاعس أهل الكتاب عن القيام بواجبات الدين‏,‏ وعن الإيمان بخاتم الأنبياء والمرسلين، وذلك في ثلاثة وعشرين آية منها قول ربنا ـ سبحانه ـ‏:‏
 " يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ .‏ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ " ‏(‏المائدة‏:16,15)‏.
ومنها قوله ـ تعالى ـ‏:‏
" يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " (‏المائدة‏:19)‏.
ثم يأتي التثبيت للمؤمنين مرة أخرى والتحذير للكافرين بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏:‏
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ القِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏ . يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ " ‏(‏المائدة‏:35‏ ـ‏37).‏
وتنتقل الآيات إلى التشريع بحد السرقة‏,‏ وبالتوجه بالخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ مؤكدة أن الله ـ تعالى ـ  :
" ... لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏" (‏المائدة‏:40).
وتستمر الآيات مهونة عليه كفر الكافرين‏,‏ ونفاق المنافقين‏,‏ وانحراف غير المؤمنين عما أنزل إليهم من ربهم، ولذلك تكرر في هذه السورة الكريمة بأن من لم يحكم بما أنزل الله‏ " ...‏ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ " (المائدة:44),‏ و" ... هُمُ الظَّالِمُونَ " (المائدة:45),‏ و" ... ‏ هُمُ الفَاسِقُونَ‏ " (المائدة:47).‏
وتعاود الآيات توجيه الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ فتقول‏:‏
" وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ‏.‏ وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ .‏ أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ " ‏‏ ‏(‏المائدة‏:48‏ ـ‏50).‏
وبعد ذلك تتوجه الآيات بالخطاب إلى المؤمنين‏,‏ موضحة لهم حقيقة علاقتهم بغير المؤمنين، مشرعة لقضية الولاء والبراء، وذلك في أربعة عشرة آية منها قول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏:‏
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ . إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ . وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغَالِبُونَ "(‏المائدة‏:54‏ ـ‏56).‏
وتعاود الآيات في سورة المائدة توجيه الخطاب إلى المؤمنين مؤكدة التشديد على الأكل مما أحل الله‏,‏ وتحريم ما حرم‏,‏ وآمرة بالمحافظة على الإيمان‏,‏ ومشرعة لكفاراتها‏,‏ وناهية نهياً قاطعاً عن معاقرة الخمر والميسر أو الأنصاب‏ ـ وهي أحجار كان المشركون قد نصبوها حول الكعبة‏,‏ وكانوا يعظمونها‏ ويذبحون عليها‏,‏ ويلطخونها بالدماء‏ ـ‏ أو الأزلام‏ ـ‏ أي القداح الثلاثة، أي السهام التي كانت لديهم في الجاهلية يطلبون بواسطتها علم ما قسم لهم من سفر، أو غزو، أو غير ذلك من الأمور‏,‏ مكتوب على أحدها‏ (‏أمرني ربي‏),‏ وعلى الآخر‏ (‏نهاني ربي‏),‏ والثالث غفل من الكتابة‏,‏ فإن خرج الآمر أقدموا على الأمر‏,‏ وإن خرج الناهي أمسكوا عنه‏,‏ وإن خرج الغفل أجالوها حتى يخرج الآمر أو الناهي ـ ومشرعة كذلك لكفارة صيد البر أثناء الإحرام‏,‏ ولحل صيد البحر‏,‏ ومعظمة شأن كلٍ من الكعبة البيت الحرام‏,‏ والشهر الحرام‏,‏ والهدي والقلائد ـ‏ أي ما يهدي إلى الكعبة من الأنعام‏,‏ وما يوضع في أعناقها من القلائد لإشعار كل من يراها بأنها مهداة إلى البيت الحرام‏,‏ ومؤكدة عدم تساوي ما أباحه الله من الطيبات‏,‏ وما حرمه من الخبائث‏,‏ ولو كثرت الخبائث وزينتها الشياطين في أعين الناس.
وهنا يتضح دور تقوى الله ـ تعالى ـ في الوقاية من عقابه‏,‏ وللفوز بثوابه في الدنيا والآخرة‏.‏
ثم ترجع الآيات إلى خطاب الذين آمنوا مرة أخرى، ناهية إياهم عن سؤال خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ عن أمور أخفاها الله ـ تعالى ـ عنهم لحكمة يعلمها ـ سبحانه وتعالى ـ إما إخفاءً مطلقاً، أو مرحلياً سوف يبينها لهم القرآن الكريم، إذ يتنزل منجماً إليهم‏,‏ وقد سألها قوم من قبلهم ثم بعد تكليفهم بها عجزوا عن أدائها، وكانوا بها كافرين، ولها منكرين‏.‏
وتؤكد الآيات أن التشريع من حق الله ـ تعالى ـ وحده، وقد يأذن في بعض ذلك لأنبيائه‏.‏
وتشرع الآيات للوصية‏,‏ وتذكر بيوم الحساب‏,‏ وتروي جانباً من نعم الله ـ تعالى ـ على عبده ورسوله عيسى ابن مريم ـ على نبينا وعليه من الله السلام ـ ومنها إنزال الله ـ تعالى ـ له مائدة من السماء‏،‏ ثم تستعرض حواراً سوف يقع في يوم الحساب بين الله ـ تعالى ـ وعبده ونبيه عيسى ابن مريم، وتختتم السورة الكريمة بقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ‏:‏‏
"...‏ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ . لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " ‏(‏المائدة‏:120,119).
وقد سبق لنا استعراض كلٍ من التشريعات وركائز العقيدة الإسلامية التي جاءت في سورة المائدة، ولا أرى حاجة إلى إعادة ذلك هنا‏،‏ كذلك سبق تلخيص الإشارات العلمية التي وظفتها هذه السورة المباركة في التأكيد على حقيقة ألوهية الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ وربوبيته ووحدانيته المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ وعلى إبداع صنعته في الخلق، وشهادة ذلك في التأكيد على حتمية البعث وحقيقته‏ وضرورته‏,‏ ويسره على الخالق البارئ المصور.
ومن قضايا التشريع الإسلامي التي جاءت في سورة المائدة تحريم كلٍ من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام‏,‏ وسوف أحاول إبراز ومضة الإعجاز في هذا التشريع بعد استعراض أقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة الآية الكريمة التي نحن بصددها‏.‏
من أقوال المفسرين‏:‏
في تفسير قوله ـ تعالى ـ‏:‏
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " ‏(‏المائدة‏:90).‏
‏‏ ذكر ابن كثير‏ ـ‏ رحمه الله‏ ـ‏ ما مختصره‏:‏ يقول ـ تعالى ـ ناهياً عباده المؤمنين عن تعاطي الخمر والميسر وهو القمار، وأما الأنصاب فقال ابن عباس ومجاهد‏:‏ هي حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها‏.‏ وأما الأزلام فقالوا أيضا‏ًً:‏ هي قداح كانوا يستقسمون بها‏,‏ وفي قوله ـ تعالى ـ‏:
" ... رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ... ‏". قال ابن عباس‏:‏ أي سخط من عمل الشيطان‏,‏ وقال سعيد بن جبير‏:‏ إثم‏,‏ وقال زيد بن أسلم‏:‏ أي شرٌ من عمل الشيطان‏. " فَاجْتَنِبُوهُ "‏ الضمير عائد على الرجس، أي اتركوه‏. "‏ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏ " وهذا ترغيب‏, تبعه في الآية التالية تهديد وترهيب‏.‏ (انتهى قول المفسر)
‏‏ وجاء في الظلال ـ رحم الله صاحبها برحمته الواسعة ـ ما مختصره‏:‏ إنه يبدأ بالنداء المألوف في هذا القطاع
"‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... "‏ لاستجاشة قلوب المؤمنين من جهة‏،‏ ولتذكيرهم بمقتضى هذا الإيمان بالالتزام والطاعة من جهة أخرى،‏ ثم يلي هذا النداء الموحي تقرير حاسم على سبيل القصر والحصر‏: " ...‏ ِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ‏ ... " فهي دنسة لا ينطبق عليها وصف ‏(‏الطيبات‏)‏ التي أحلها الله،‏ وهي من عمل الشيطان‏.‏
والشيطان عدو الإنسان من القدم،‏ ويكفي أن يعلم المؤمن أن شيئاً ما من عمل الشيطان لينفر منه حسه‏,‏ وتشمئز منه نفسه‏,‏ ويجفل منه كيانه‏,‏ ويبعد عنه من خوف ويتقيه‏.‏ وفي هذه اللحظة يصدر النهي مصحوباً كذلك بالإطماع في الفلاح، وهي لمسة أخرى من لمسات الإيحاء النفسي العميق‏:
"‏ ... فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ".‏ (انتهى قول المفسر)
‏‏ وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن ـ رحم الله صاحبه ـ ما مختصره‏:...
"‏ رِجْسٌ "‏ أي خبث مستقذر‏،‏ أو إثم، أو شر‏.‏ وعن الزجاج‏:‏ الرجس اسم لكل ما استقذر من عمل قبيح‏.‏ يقال‏:‏ رَجَسَ ـ كفرح وكرم ـ عمل عملا قبيحا‏ًً،‏ وأصله من الرجس‏، وهو شدة صوت الرعد وهدير البعير‏،‏ فسمي العمل الشديد في القبح رجسا‏ًً. " ...‏ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ "، فكونوا جانباً من هذا الرجس بعيدين عنه‏;‏ لكي تفلحوا بالاجتناب عنه‏,‏ والأمر للوجوب‏.‏ (انتهى قول المفسر)
‏‏ وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم ـ جزاهم الله خيراً ـ ما نصه‏:‏ يا أيها المصدقون بالله وكتبه ورسله‏,‏ المذعنون للحق‏,‏ ليس شرب المسكرات‏,‏ ولا لعب القمار‏,‏ ونصب الأحجار للذبح عندها تقرباً إلى الأصنام التي تعبدونها‏,‏ واتخاذ السهام والحصى والورق للتعرف بها على مغيبات القدر،‏ ليس كل ذلك إلا خبثاً نفسياً باطلا‏ًً,‏ هو من تزيين الشيطان لفاعليه‏،‏ فاتركوه لكي تفوزوا في الدنيا بحياة فاضلة‏,‏ وفي الآخرة بنعيم الجنة‏.‏
(انتهى قول المفسر)
من
الدلالات اللغوية لألفاظ الآية الكريمة
أولاً‏: " الخَمْرُ "‏:
أصل ‏(‏الخَمْر‏)‏ ستر الشيء يقال‏: (‏خَمَّرْتُ‏)‏ الإناء أي غطيته‏,‏ و‏(‏التَخْمِير‏):‏ التغطية ولذلك يقال لما يستر به‏ (‏خِمَار‏),‏ وصار‏ (‏الخِمَار‏)‏ اسما لما تغطي به المرأة رأسها‏,‏ وجمعه ‏(‏خُمُر‏). و‏(‏اخْتَمَرَت‏)‏ المرأة‏ (‏وتَخَمَّرَت‏)‏ أي غطَّت رأسها‏.‏
ويقال‏: (‏أَخْمَرْتُ‏)‏ العجين أي جعلت فيه‏ (‏الخَمِيرَة‏)‏ أو‏ (‏الخَمِير‏).‏ وسميت‏ (‏الخَمِيرَة‏)‏ باسمها لكونها ‏(‏مَخْمُورَة‏)‏ من قبل‏.‏
و الخَمْرَة و‏(‏الخَمْرُ‏)‏ لغةً: هي كل ما‏ (‏خَامَرَ‏)‏ العقل وغلبه‏,‏
ولذلك قال المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ " كل مسكر خمر، وكل خمر حرام‏ " (‏صحيح مسلم‏).‏
وجمع كلٍ من‏ (‏الخَمْر‏)‏ و‏(‏الخَمْرَة‏): (‏الخُمُور‏).‏
كذلك قيل‏:‏ سميت‏ (‏الخَمْرُ‏)‏ خَمْرَاً لأنها تُرِكَت‏ (‏فَاخْتَمَرَت‏),‏ واختمارها تغير ريحها‏,‏ و‏(‏الخُمَارُ‏)‏ هو الداء العارض من الخمر‏,‏ وجعل بناؤه بناء الأدواء، كالزكام، والسعال وغيرها‏.
ثانيا‏ًً
: " المَيْسِرُ ":‏
هو القمار‏، مصدر ميمي من ‏(‏يَسَرَ‏)،‏ مشتق من اليُسْر؛ لأنه قد يعني كسب المال أو خسارته بسهولة ويسر‏،‏ وفي حكمه كل شيء فيه خطر‏,‏ أي رهان‏.
ثالثاً‏
:‏ " الأَنصَابُ "‏:
جمع‏ (‏النِّصَاب‏),‏ وهي‏ (‏النُّصُب‏).‏
و‏(‏النَّصْبُ‏)‏ على وزن الضرب ما نُصِبَ من الأحجار غير المصورة، فعبد من دون الله ـ تعالى ـ وعظم وذبحت عليه القرابين‏.‏ و‏(‏النَّصُبُ‏)‏ أيضاً الشر والبلاء‏.
رابعا‏
ًً: " الأَزْلامُ "‏:
جمع ‏(‏الزَّلَم‏)‏ أو‏(‏الزُّلَم‏)‏ بفتح الزاي وضمها هي القداح أو السهام التي كان أهل الجاهلية يستقسمون بها‏‏ ليطلبوا علم ما قسم لهم في سفر أو غزو ونحو ذلك‏,‏ كان مكتوباً على أحدها‏: (‏أمرني ربي‏)،‏ وعلى الآخر‏ (‏نهاني ربي‏)،‏ والثالث غفل من الكتابة‏;‏ فإذا أرادوا شيئاً من ذلك أتوا إلى بيت الأصنام واستقسموها‏، فإن خرج الآمر أقدموا على الأمر‏,‏ وإن خرج الناهي أمسكوا عنه‏,‏ وإن خرج الغفل أجالوها ثانياً حتى يخرج الأمر أو النهي‏.
خامسا‏
:‏ " رِجْسٌ‏ ":‏
هو النتن أو كل خبث مستقذر‏,‏ أو كل إثم أو شر‏,‏ أو عذاب وعقاب وغضب من الله ـ تعالى ـ حسياً كان أو معنوياً‏.‏
يقال‏: (‏رَجُِسَ‏)‏ بكسر الجيم أو ضمها أي عمل عملاً قبيحاً‏,‏ وأصله من‏ (‏الرَّجْس‏)‏ وهو شدة صوت الرعد أو شدة هدير البعير‏;‏ وانطلاقاً من ذلك سمي العمل الشديد في القبح‏ (‏رِجْسَاً‏).‏
يقال‏:‏ بعير‏ (‏رَجَّاس‏)‏ أي شديد الهدير‏,‏ و غمام ‏(‏رَاجِس‏)‏ و‏(‏رَجَّاس‏)‏ أي شديد الرعد‏,‏ ورجل ‏(‏رَجِس‏),‏ ورجال‏ (‏أَرْجَاس‏)‏ أي شديد وشديدو القبح‏.‏
و‏(‏ الرِّجْس‏)‏ مساو لـ‏(‏الرِّجْز‏)‏، ولعلهما لغتان أبدلت فيهما السين بـ‏(‏الزاي‏).
سادسا‏ًً
:‏ " فَاجْتَنِبُوهُ ":
أي فكونوا جانباً من هذا الرجس‏,‏ بعيدين عنه بعداً مطلقا‏ًً,‏ والأمر هنا للوجوب؛ لأن ‏(‏الاجتناب‏)‏ أبلغ في البعد من مجرد الترك لما فيه من الابتعاد الكامل‏.‏
سابعا‏ً: " لَعَلَّكُم تُفْلِحُون‏ ":‏ أي راجين ‏(‏الفَلاحَ‏)،‏ وهو الظفر بالنجاح وإدراك البغية‏,‏ وهو الفوز والبقاء والنجاة‏. و‏(‏الفَلاحُ‏)‏ اسم‏,‏ والمصدر هو‏ (‏الإِفْلاحُ‏).‏



من الدلالات العلمية للآية الكريمة
أولا‏ًً:‏ التأكيد على أخطار الخمر‏:‏

وقد أثبتت الدراسات العلمية منها ما يلي‏:‏
‏(1)‏ الذهاب بكلٍ من العقل والإرادة‏:‏ وهما من أعظم نعم الله ـ تعالى ـ على الإنسان‏,‏ وبذهابهما يأتي الإنسان بالكثير من التصرفات غير المسئولة، فيفقد كرامته وإنسانيته لفقده القدرة على التمييز بين الحق والباطل‏,‏ وبين الخير والشر‏,‏ وبين الصواب والخطأ‏,‏ وبين اللائق وغير اللائق من الأفعال والأقوال والتصرفات، مما يفقده احترام الآخرين‏.‏
فالخمر تشل الحواس‏,‏ وتجعل المخمور يترنح في مشيته‏,‏ ويتقيأ بغير إرادته‏,‏ وتضطرب حركاته‏,‏ ويفقد انضباطه‏,‏ يهيج في عنف شديد فيبدو وكأنه أشد اندفاعا‏ًً,‏ وأقل حياءً من طبيعته‏,‏ لا يدري ما يقول‏,‏ ولا يبالي بما يفعل‏,‏ يكثر الثرثرة بما لا يفيد‏,‏ أو يخمد خمود الموتى بعد أن كان كالبركان الثائر‏,‏ وهذا مما يحط من قدر الإنسان، ويضيع مهابته وكرامته‏.‏‏
(2)‏ الذهاب بالعافية والصحة البدنية‏:‏ نشرت إحدى المجلات الطبية البريطانية (‏
Lancet,1987‏) أن أكثر من مائتي ألف شخص يموتون في بريطانيا سنوياً بسبب الخمور؛‏ وذلك لما للخمور من أضرار بالغة على جسم الإنسان منها تسمم خلايا وأنسجة الجسد‏,‏ وإعاقتها عن أداء وظائفها‏,‏ وبالتالي إعاقة العديد من أجهزة الجسم وأعضائه عن القيام بوظائفها بالكفاءة المطلوبة‏,‏ أو تعطيلها بالكامل عن أداء تلك الوظائف ابتداءً من الفم والمريء إلى المعدة والأمعاء، حيث تنتقل المسكرات إلى الدم ومنه إلى جميع أجزاء الجسم خاصة المخ، فيعطله تأثيرها المسكر تعطيلاً جزئياً أو كلياً‏.‏
فالجهاز العصبي في جسم الإنسان هو أكثر الأجهزة تأثراً بالخمور التي تقطع الشعيرات العصبية الواصلة بين خلاياه، وقد تؤدي إلى قتلها‏,‏ وهي الخلايا الوحيدة في جسم الإنسان التي لم يثبت بعد إمكان تجددها‏.‏
والتهاب الأعصاب من أشد الأمراض إيلاماً للإنسان‏,‏ وقد يؤدي إلى التهيج العصبي‏,‏ والصرع‏,‏ وفقد بعض الحواس كالسمع والبصر والذاكرة التي يدمرها تدميراً كاملا‏ًً,‏ وقد يؤدي كذلك إلى الارتعاش‏,‏ والهذيان والأوهام‏,‏ والقلق‏,‏ والهوس، والهواجس‏,‏ كما قد يؤدي إلى الشيخوخة المبكرة‏,‏ أو الشلل‏,‏ أو الجنون‏,‏ وقد يقود المدمن إلى القتل، أو الانتحار، أو إلى الموت‏.‏
وبالنسبة إلى الجهاز الهضمي فإن الخمور تلهب كلاً من الفم، واللسان، والمريء، والمعدة، والأمعاء بما تحمل من الكحوليات والمواد المضافة، وأغلبها من السموم القاتلة‏,‏ وتؤدي التهابات الجهاز الهضمي إلى تشققات اللثة والفم واللسان، مما قد ينتج عنه تدمير حاسة التذوق بضمور الحليمات التذوقية في اللسان‏,‏ وإلى تغطيته بطلاوة بيضاء قد تكون مقدمة لإصابته بالسرطان‏,‏ أو لإصابة الغدد النكفية بالالتهابات المؤلمة‏.‏
كذلك يؤدي إدمان الخمر إلى توسيع الأوعية الدموية بالغشاء المخاطي لكلٍ من المريء، والمعدة، والأمعاء، مما يعين على انتشار التقرحات بها‏,‏ وإلى النزف، وإلى الإصابة بالسرطان‏.‏
وإدمان الخمر قد يؤدي كذلك إلى تلف الكلى، وإلى التهاب الكبد، وتدمير خلاياهما وأنسجتهما‏,‏ وقد ينتهي به الأمر إلى التشمع أو التشحم أو التليف، مما يتسبب في توقف الكبد عن أداء وظائفه، وما يصاحب ذلك من اضطرابات وأمراض وآلام مبرحة‏.‏
وأخطر من ذلك كله ما ينتج عن إدمان الخمور من اضطرابات في القلب‏,‏ واعتلال في عضلته وصماماته‏,‏ وإلى تصلب الشرايين وضيقها، وإلى فقر الدم واضطراب ضغوطه، مما قد يقعد المدمن عن العمل، ويفضي به إلى الموت‏.‏
وفوق ذلك كله فإن الخمر تضعف أجهزة المناعة في الجسم،‏ ومن ثم تضعف مقاومته للأمراض‏.‏
‏(3)‏ تدمير النسل‏:‏ للكحوليات والمواد الملونة والحافظة للخمور أضرار بليغة على الغدد التناسلية في كلٍ من الرجال والنساء، مما يؤدي إلى اضطرابات غير محمودة العواقب فيها‏,‏ منها الضعف الشديد، أو الهياج الجنسي الشديد، وما لذلك من مخاطره الأسرية والاجتماعية والسلوكية، وإشاعة الطلاق والفواحش والجرائم في المجتمعات‏،‏ ومنها العجز والبرود الجنسي‏,‏ ووصول المرأة إلى سن اليأس مبكراً بعد سلسلة من الاضطرابات الحيضية‏.‏
وللكحوليات المكونة للخمور آثار مدمرة على الشفرة الوراثية وعلى الصبغيات الحاملة لها في الخلايا التناسلية بصفة خاصة، مما يؤدي إلى إنتاج نِطَاف مشوهة تؤدي إلى أجنة مشوهة‏,‏ فيورث كلٌ من المدمن والمدمنة نسله شفرة وراثية مدمرة بما تحمله من تشوهات قد تؤدي إلى التخلف العقلي، أو القصور الجسدي، أو الأمراض والعلل التي قد تفضي إلى الموت قبل الميلاد أو بعده‏، وإذا نجا الجنين من الموت، فإن الأعطاب في شفرته الوراثية قد تستمر في نسله إلى العديد من الأجيال
‏(
Forrest,A,1985:Alcoholismand
Substance Abuse;New York).‏
كذلك فإن الأم المدمنة للخمور تنقل مرض الإدمان إلى جنينها‏‏ وهي حامل به عبر المشيمة‏,‏ وأثناء إرضاعه بعد الميلاد عبر لبنها‏,‏ وقد أشاع تجار الخمور أن تناولها بواسطة الأم المرضع يساعد على إدرار لبنها‏,‏ ولكن ثبت بالتجربة بطلان هذا الزعم وأخطاره الصحية على كلٍ من الأم ورضيعها‏،‏ فالرضيع الذي يتلقى كحوليات الخمور مع لبن أمه المدمنة يضطرب نومه‏,‏ وتعنف حركاته‏,‏ ومع تركز كميات من هذه الكحوليات في جسده قد يصاب بالإدمان قبل أن يفطم‏.‏
‏-
Julie Mennella,1999 in Hanningan and otherseds
,:
AlcoholandAlcoholism
:
BrainandDevelopment
New Jersey :Lawrence Earlbaum Associates, Inc.‏‏-Julie Mennella: Alcool`
sEffectonLactation).‏
‏(4)‏ إهدار الأموال‏:‏ ينفق على تصنيع وتسويق الخمر والدعاية لترويجه آلاف الملايين من الدولارات سنوياً في مختلف دول العالم‏,‏ كما تنفق مئات الملايين من الدولارات على علاج المدمنين‏,‏ والخسائر الاقتصادية الناجمة عن الإدمان من إهمال وتغيب عن العمل تقدر بمئات البلايين من الدولارات سنوياً‏,‏ في الوقت الذي يتضور فيه من الجوع أكثر من نصف سكان الأرض‏,‏ ولو وجهت هذه المليارات من الدولارات إلى إعمار الأرض ما بقي بها جائع‏.‏
‏(5)‏ ازدياد معدلات الجرائم وحوادث الطرق‏:‏ يتضاعف أعداد معاقري الخمور في العالم بصورة مطردة‏,‏ ومع هذا التضاعف تتفاقم معدلات الجريمة وعدد القتلى و العجزة من المصابين في حوادث الطرق‏,‏ وجرائم الاغتصاب والسرقة بالإكراه‏,‏ والطلاق‏,‏ والعنف‏,‏ والانتحار وغيرها‏.‏
وفي دراسة عن الولايات المتحدة الأمريكية ذكر أن نصف جرائم الانتحار، و‏34%‏ من جرائم الاغتصاب‏,‏ و‏64%‏ من حوادث السير المؤدية إلى الوفاة سببها إدمان الخمور‏،‏ كما جاء بها أن ‏93%‏ من الأمريكيين يشربون الخمر، وأن أكثر من ‏10%‏ منهم مدمنون إدماناً مرضياً كاملاً
Harrisons PrincipesInternal
Medicine,1991,Mc Graw Hill New York.
ثانيا‏
:‏ التأكيد على أخطار الميسر‏:‏
الميسر هو القمار بمعنى كسب المال أو خسارته بسهولة ويسر‏,‏ وفي الميسر فساد للمال، وفساد للقلب، وإهدار للوقت، وضياع للعديد من الأخلاق والقيم‏.‏ والمال وسيلة تقويم جهود وممتلكات الآخرين‏,‏ فلا يجوز أن يكتسب إلا بإنتاجية حقيقية‏,‏ ولا أن يضيع إلا بحق مشروع‏.‏ والميسر هو أحد وسائل انتشار العداوة والبغضاء بين الناس‏,‏ فالميسر عادة ما ينتهي إلى نزاع أو إلى انتشار الأحقاد والضغائن بين الناس أو إلى خراب البيوت‏,‏ وإلى حسرة وندامة‏,‏ وقد أغوى الشيطان الإنسان بالقمار منذ القدم‏,‏ فوجدت آثار تدل عليه في كل الحضارات القديمة‏,‏ وثبت أنه لا ينتهي إلا بالمعارك والسباب واللعان‏,‏ وأنه يدفع بالناس إلى إهدار الوقت والتكاسل عن العمل والإنتاج‏,‏ كما يشجع على الخداع والمناورة‏,‏ وعلى السرقة‏,‏ وعلى غيرها من الجرائم‏,‏ وكان القمار محرماً في دولة مثل انجلترا حتى سنة‏1960‏ م‏,‏ وإن كان شياطين الإنس قد بدأوا في التشريع له منذ أوائل الخمسينيات حتى عمَّ شره مختلف أرجاء العالم، وأصبح مرضاًَ يصيب مقترفه بالإدمان،‏ وأدى إلى خراب كثير من البيوت والمؤسسات، وإلى انتشار الجرائم بمختلف صورها‏.‏
ثالثا‏ًً:‏ التأكيد على خطر الشرك بالله‏:‏
تشير كل الدراسات الكونية إلى وحدة البناء في الكون مما يؤكد وحدة الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ‏ وهذه الوحدة في البناء قائمة على الزوجية الكاملة في كل شيء ـ من اللبنات الأولية للمادة إلى الإنسان‏ ـ مما يشير إلى تفرد الخالق الواحد الأحد‏,‏ الفرد الصمد بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏.‏
من هنا كان الشرك بالله من أشنع الجرائم التي يمكن أن يقترفها الإنسان‏,‏ ولذلك وصفت الآية الكريمة التي نحن بصددها كلاً من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام على أنها رجس من عمل الشيطان، وأمرت باجتنابه إذا أراد الإنسان الفلاح في الدنيا والآخرة‏.‏
وما أمر ربنا ـ تبارك وتعالى ـ إلا بخير‏,‏ وما نهى إلا عن شر‏,‏ وهنا تتضح نعمة القرآن الكريم كما يتضح فضل البعثة المحمدية المباركة.
فالحمد لله على نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله على نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله على بعثة سيد الأنام سيدنا محمد بن عبد الله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏