" وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ " (الشوري‏:29)‏


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في أوائل النصف الثاني من سورة الشورى‏,‏ وهي سورة مكية وآياتها‏ (53)‏ بعد البسملة‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم لتأكيدها مبدأ الشورى ‏,‏ وذلك بقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏ :‏ " وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ " (الشورى‏:38) .‏

ويدور المحور الرئيسي لهذه السورة المباركة حول قضية العقيدة الإسلامية شأنها في ذلك شأن كل السور المكية ‏.‏

وتبدأ سورة الشورى بالحروف المقطعة الخمسة‏
"‏ حم * عـسق "‏ وهي الحالة الوحيدة التي جاءت فيها المقطعات بخمسة حروف في آيتين استهلت بهما سورة من سور القرآن الكريم‏.‏ و‏(‏الحواميم‏)‏ أي السور القرآنية التي تستهل بالحرفين المقطعين ‏(‏حم‏)‏ عددها سبعة وهي ‏: (غافر‏) ,‏ و ‏(‏فصلت‏) ,‏ و ‏(‏الشورى‏) , ‏و ‏(الزخرف‏),‏ و‏ (‏الدخان‏) ,‏ و ‏(‏الجاثية‏) ,‏ و‏ (‏الأحقاف‏),‏ وتميزت سورة‏(‏ الشورى‏)‏ من بينها بالصبغة الخماسية‏ (‏ حم‏*‏ عسق‏) ,‏ وإن كانت سورة ‏(مريم‏)‏ قد استهلت بخمسة أحرف من المقطعات هي ‏(كهيعص‏)‏ جاءت في آية واحدة ‏.‏
وقد سبق لنا مناقشة قضية هذه الفواتح الهجائية في القرآن الكريم ولا أرى ضرورة لإعادة ذلك هنا‏ .‏
ويلي هذا الاستهلال تأكيد حقيقة الوحي الإلهي لهداية العباد في القضايا التي يعلم ربنا ـ تبارك وتعالى ـ بعلمه المحيط عجز الإنسان عجزا كاملا عن الوصول فيها إلى أية تصورات صحيحة وذلك من مثل قضايا العقيدة‏,‏ والعبادة‏,‏ والأخلاق‏,‏ والمعاملات‏,‏ وهي تمثل ركائز الدين ‏.‏ وفي ذلك يقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ موجها الخطاب إلي خاتم أنبيائه ورسله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏
" كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ ‏*‏ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ ‏*‏ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأَرْضِ أَلاَ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ " ‏(‏الشورى‏:3‏ ـ‏5) .‏
وتنعي السورة الكريمة على المشركين شركهم‏,‏ وقد جهلوا حقيقة الإلوهية فنسبوا إلى الله ـ تعالى ـ ما لا يليق بجلاله من النعوت والصفات‏,‏ وتؤكد الآيات أن الله رقيب عليهم‏,‏ يحصي جميع أقوالهم وأفعالهم فردا فردا‏,‏ ويجازيهم بها‏,‏ وتأمر رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ ألا يأبه بهم لأن ما عليه إلا البلاغ‏,‏ والله ـ تعالى ـ عليه الحساب والجزاء فتقول‏ :‏
" وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ " (الشورى‏:6) .‏
وتعاود الآيات توجيه الخطاب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مؤكدة كلا من حقيقة الوحي بالقرآن الكريم‏,‏ وعالمية الرسالة الخاتمة ومركزية مكة المكرمة من اليابسة وحتمية البعث والحساب والجزاء وأن الله ـ تعالى ـ على كل شيء قدير‏,‏ ومستنكرة مرة أخرى الشرك بالله‏,‏ فتقول‏ :‏
" وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِياًّ لِّتُنذِرُ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ * وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ * أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " (‏الشورى‏:7‏ـ‏9) .‏
وبعد ذلك تؤكد الآيات أن الحاكمية لله ـ تعالى ـ وحده‏,‏ العليم بكل شيء‏,‏ والذي بيده مقاليد كل شيء لأنه هو رب كل شيء ومليكه‏,‏ وخالق كل شيء ومبدعه على غير مثال سابق‏,‏ من السماوات والأرض إلى جميع ما فيهما من خلق‏,‏ والخالق منزه عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ فهو ـ سبحانه وتعالى ـ متفرد بالوحدانية المطلقة فوق جميع الخلق الذين خلقهم في زوجية كاملة ليتكاثروا بالتزاوج‏,‏ وهو ـ سبحانه ـ منزه عن الصاحبة والولد‏,‏ وعن الشريك والشبيه والمنازع‏,‏ فليس كمثله شيء من خلقه‏,‏ وفي ذلك يقول على لسان خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ :‏

" وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ * فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " (‏الشورى‏:10‏ـ‏12) .‏

ثم تؤكد الآيات وحدة رسالة السماء والأخوة بين الأنبياء فتوجه الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ـ وإلى جميع المسلمين فتقول ‏:‏
" شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى المُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوَهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ "  (‏الشورى‏:13) .‏
وتنتقل الآيات بعد ذلك إلي التأكيد لخاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن أتباع الرسل السابقين لم يختلفوا في الدين من بعد رسلهم إلا ظلما وعدوانا‏,‏ وتجاوزا للحد‏,‏ وحسدا فيما بينهم‏.‏ وفي ذلك يقول ربنا تبارك وتعالى ‏:‏ ـ
"
وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ " (‏الشورى‏:14) .‏
ثم تأمر الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ بالثبات على الدين الحق والدعوة إليه كما أمره الله ـ تعالى ـ وألا يتبع أهواء الكفار والمشركين وأن يقول لهم‏:‏ آمنت بجميع الكتب التي أنزلها الله‏,‏ وأمرت بأن أقيم العدل بينكم‏,‏ فالله ربنا وربكم‏,‏ ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم‏,‏ ولا خصومة ولا احتجاج بيننا وبينكم لوضوح الحق الذي لا ينكره إلا مكابر‏,‏ والله سوف يجمع بيننا في يوم القيامة للفصل بالعدل بين الخلائق وإليه المرجع والمآل‏,‏ وفي ذلك يقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ‏ :‏
" فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ المَصِيرُ " (‏الشورى‏:15) .‏
وتؤكد الآية السادسة من سورة الشورى أنه من بعد ما استجاب قطاع كبير من الناس لدين الله وآمنوا به‏,‏ وأدركوا معنى الألوهية والربوبية والوحدانية والخالقية وغير ذلك من صفات الله ـ تعالى ـ فإن الذين يجادلون في حقيقة الذات الإلهية ـ والله فوق جميع مداركهم ـ فإن حجتهم باطلة عند ربهم‏,‏ وعليهم غضب من الله ـ سبحانه وتعالى ـ ولهم عذاب شديد ينتظرهم يوم القيامة ‏.‏
وتتابع الآيات‏(17‏ ـ‏20)‏ في التأكيد أن الله ـ تعالى ـ هو الذي أنزل القرآن الكريم ـ كما أنزل سابق كتبه كلها ـ بالحق والعدل‏,‏ وأن الساعة غيب مطلق لا يعلمه إلا الله ـ سبحانه وتعالى ـ وأن المنكرين لها يستعجلون بها إنكارا لها واستهزاء بشأنها‏,‏ لأنهم في ضلال بعيد‏,‏ وأن المؤمنين بها مشفقون من أهوالها ويعلمون أنها الحق‏,‏ وأنها آتية لا ريب فيها‏.‏ والله ـ تعالى ـ عظيم البر بعباده‏,‏ يرزق من يشاء كما يشاء‏,‏ وهو القوي الذي لا يقهر أبدا‏,‏ العزيز الذي لا يضام ولا يرام أبدا‏,‏ ولذلك يؤكد أن الذي يريد بعمله ثواب الآخرة يضاعف له أجره‏,‏ ومن كان يريد به متاع الدنيا فقط ـ ولا يؤمن بالآخرة ولا يعمل لها ـ فإن الله ـ تعالى ـ يعطه ما قسمه له فيها‏,‏ ولا نصيب له في الآخرة من ثواب‏ .‏
وتعاود الآيات ‏(21‏ ـ‏23)‏ من سورة الشورى استنكار شرك المشركين بالله‏,‏ مؤكدة مرة أخرى أنه لولا أن الله ـ تعالى ـ قد أجل الفصل بين العباد إلى الآخرة لقضي بينهم في الدنيا‏,‏ وتوعدت الآيات الظالمين بالعذاب الأليم‏,‏ وتصف موقف كل من الضالين‏,‏ والمهتدين في يوم القيامة‏,‏ وشتان ما بين الموقفين ‏!!!‏
وتدافع الآيات عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ضد افتراءات الكفار والمشركين بأنه هو الذي كتب القرآن الكريم ونسبه إلي الله ـ تعالى ـ مؤكدة أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ يربط على قلبه بالصبر على أذاهم والله يذل الشرك ويبطله ويعز الإسلام وينصره فتقول‏ :‏
" أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ البَاطِلَ وَيُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ " ‏(‏الشورى‏:24‏ـ‏26) .‏
وتؤكد الآيات ‏(27‏ـ‏34)‏ أن الله ـ تعالى ـ هو الرزاق الذي يرزق كل مخلوق حسبما اقتضت حكمته‏,‏ لأنه محيط إحاطة كاملة بجميع أمور عباده‏,‏ ويعلم أنه لو أعطى لكل عبد منهم ما يشتهي من سعة الرزق لتجبروا في الأرض وطغوا وبغوا‏,‏ ولذلك فإنه ـ تعالى ـ‏ (‏ينزل بقدر ما يشاء‏)‏ بالقدر الذي يصلح كل عبد من عباده‏.‏ وتستشهد الآيات بعدد من الآيات الكونية الدالة على طلاقة القدرة الإلهية ومنها إنزال الغيث بعد القحط‏,‏ وخلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة‏,‏ وهو القادر على بعثهم بعد موتهم وجمعهم ليوم الحساب‏,‏ ومنها السفن الجارية في البحار والمحيطات كالجبال الشاهقة‏,‏ ولو أسكن الله ـ تعالى ـ الريح لظلت راكدة على سطح الماء أو لأهلكها الله ـ سبحانه وتعالى ـ بذنوب ركابها‏,‏ وتخاطب الآيات الناس بأنه ما أصاب أحدا منهم من مصيبة فبسبب معاصيه‏,‏ وأن الله ـ تعالى ـ يعفو عن كثير من ذنوب عباده‏,‏ وهم لا يستطيعون الهرب من وقوع عقابه بهم‏,‏ فليس لهم من دون الله من ولي ولا نصير ‏.‏
وتضيف الآيات‏ (35‏ـ‏43)‏ أن الذين يجادلون في آيات الله منكرين أنها من وحيه ليس لهم مهرب من عذابه‏,‏ وأن ما عند الله لعباده المؤمنين به المتوكلين عليه خير وأبقى من كل متع الدنيا التي لا يجوز أن يغتر بها عاقل‏.‏ وتستعرض الآيات بعض صفات هؤلاء المؤمنين بالله المتوكلين عليه مؤكدة أنه لا تجوز المبالغة في الرد علي سيئات الآخرين
, "‏ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ "‏ لأن الله ـ تعالى ـ لا يحب الظالمين‏,‏ ولا يؤاخذ الذين ينتصرون لأنفسهم من ظالميهم‏,‏ إنما المؤاخذة ‏" عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " أما من صبر على ظلم الظالمين وتجاوز عنهم وغفر لهم فإن ذلك لما يندب إليه من عظائم الأفعال ‏.
وتستعرض
الآيات ‏(44‏ـ‏46)‏ بعض مواقف الظالمين في يوم القيامة وما يتعرضون له من عذاب لا يستطيع أحد حمايتهم أو إنقاذهم منه‏,‏ غير الله ـ تعالى ـ لأن من ضل طريق الحق باختياره فليس له ما ينجيه من سوء المصير ‏.‏
وتطالب الآيتان‏ (48,47)‏ الناس جميعا أن يسارعوا إلى إجابة أوامر ربهم المنزلة على خاتم أنبيائه ورسله من قبل مجيء اليوم الآخر الذي
‏" لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ‏"‏ أي الذي لا يرده الله ـ تعالى ـ بعد أن قضى به‏,‏ ولا ملجأ فيه من الله إلا إليه‏,‏ ولا منكر لما ينزل بالظالمين من العذاب لاستحقاقهم له عدلا‏,‏ وتنادي الأخيرة من الآيتين على خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ مؤكدة له أن ما عليه إلا البلاغ وتصف شيئا من طبائع النفس البشرية وذلك بقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ ‏:‏
" فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البَلاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُورٌ "  (‏الشورى‏:48) .‏
وتستمر الآيات في التأكيد أن لله ـ وحده ـ ملك السماوات والأرض‏,‏ وأنه ـ تعالى ـ يخلق ما يشاء‏,‏ ومن الشواهد على ذلك أنه يهب لمن يشاء الإناث ويهب لمن يشاء الذكور من ذرياتهم‏,‏ ويتفضل على من يشاء من عباده بالجمع بين الذكور والإناث‏,‏ ويجعل من يشاء عقيما أي غير منجب للولد لحكمة يعلمها الله ـ تعالى ـ فإن علمه محيط بكل شيء‏,‏ وهو قادر على تحقيق ما يريد ‏.‏
وتختتم سورة الشورى بالتأكيد على أن الله ـ تعالى ـ لا يكلم أحدا من عباده المصطفين إلا وحيا‏ (أي بالإلهام‏)‏ أو مسمعا من وراء حجاب‏,‏ أو مرسلا إليه رسولا من الملائكة الكرام‏.‏ ويمتدح الله ـ سبحانه وتعالى ـ كلا من رسالته الخاتمة ورسوله الخاتم الذي تلقاها فيقول ـ عز من قائل ـ ‏:‏
" وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ * وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ " (‏الشورى‏:51‏ـ‏53) .‏

من ركائز العقيدة في سورة الشورى ‏:‏
‏1‏ ـ الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ‏.‏
‏2‏ ـ التصديق بحقيقة الوحي‏,‏ وحتمية البعث وبأن الحاكمية لله ـ تعالى ـ وحده‏ .‏
‏3‏ ـ اليقين بوحدة رسالة السماء وبالأخوة بين الأنبياء وبضرورة إقامة الدين والاستقامة على منهجه‏ .‏
‏4‏ ـ التسليم بأن الدنيا الفانية هي مزرعة للآخرة الباقية‏ .‏
من ركائز السلوك في سورة الشورى ‏:‏
‏1‏ ـ ضرورة التوكل على الله ـ تعالى ـ حق التوكل والاستجابة لأوامره ‏.‏
‏2‏ ـ الأمر باجتناب كبائر الإثم والفواحش ‏.‏
‏3‏ ـ الوصية بالعفو عند الغضب‏,‏ وبالانتصار للنفس دون تجاوز عند تعرضها للبغي‏,‏ والمجازاة بالمثل دون مغالاة‏,‏ والعفو عند المقدرة  ‏.‏
‏4‏ ـ الأمر بإقامة الصلاة‏,‏ وجعل الشورى نظاما للحياة على مختلف المستويات ‏.‏
‏5‏ ـ الدعوة إلى الإنفاق في سبيل الله ـ تعالى ـ مما رزق من فضله ‏.‏
وفي المقال القادم سوف نعرض لومضة الإعجاز العلمي في الآية الكريمة التي اخترناها عنوانا لهذا المقال‏ ..‏



من الإشارات الكونية في سورة الشوري‏:‏
‏(1)‏ الإشارة إلي مركزية مكة المكرمة من اليابسة‏.‏
‏(2)‏ التأكيد علي حقيقة خلق السماوات والأرض مما ينفي كلا من العشوائية والصدفة‏,‏ ويجزم بنسبة خلقهما إلي الله سبحانه وتعالي‏.‏
‏(3)‏ تقرير الزوجية في الخلق‏,‏ وجعلها من سنن الحياة الدنيا‏,‏ ومن وسائل إعمارها حتي يبقي ربنا ـ تبارك وتعالي ـ متفردا بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏.‏
‏(4)‏ إثبات كل صفات الكمال لله الخالق‏,‏ وإفراده بها لتميزه عن جميع صفات خلقه‏,‏ والمنطق السوي يمايز بين صفات الخالق وصفات المخلوقين‏(...‏
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ‏).‏
‏(5)‏ تأكيد أن الله تعالي هو الذي ينزل ما يشاء من الرزق بقدر علي من يشاء من عباده بعلمه وحكمته وقدرته وهو العليم الخبير البصير‏,‏ ومن الرزق الماء الذي ينزله ربنا ـ تبارك وتعالي ـ غيثا بعد طول جفاف‏.‏
‏(6)‏ الإشارة إلي بث الحياة في السماوات والأرض‏.‏
‏(7)‏ التأكيد علي دور الهواء في حركة السفن الجارية في البحر كالجبال الشاهقة في ارتفاعها‏.‏
‏(8)‏ وصف جانب من طبائع النفس الإنسانية في حالات كل من السعة والضيق‏.‏
‏(9)‏ التأكيد علي أن الله ـ تعالى ـ هو خالق كل شيء‏,‏ وأنه يخلق ما يشاء‏,‏ وهو الذي يهب لمن يشاء الإناث‏,‏ ويهب لمن يشاء الذكور‏,‏ ويزاوج بينهما لمن يشاء ويحرم من يشاء الذرية انطلاقا من شمول علمه وطلاقة قدرته‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلي معالجة خاصة بها‏,‏ لذلك فسوف أقصر الحديث هنا على النقطة السادسة من القائمة السابقة التي جاءت في الآية التاسعة والعشرين من سورة الشوري‏,‏ وأري لزاما علي قبل ذلك عرض أقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة هذه الآية المباركة‏.‏

من أقوال المفسرين
في تفسير قوله ـ تعالى ـ‏:‏
" وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ " (الشوري‏:29) 
‏ ذكر ابن كثير ـ رحمه الله ـ ما مختصره‏:‏ يقول تعالي‏:(‏ ومن آياته‏)‏ الدالة على عظمته وقدرته وسلطانه القاهر‏(‏
خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا ‏),‏ أي‏:‏ ذرأ فيهما‏,‏ أي‏:‏ في السماوات والأرض‏(‏ من دابة‏),‏ وهذا يشمل الملائكة والإنس والجن وسائر الحيوانات‏,‏ على اختلاف أشكالهم وألوانهم ولغاتهم وطبائعهم وأجناسهم وأنواعهم‏,‏ وقد فرقهم في أرجاء أقطار السماوات والأرض‏,(‏ وهو‏)‏ مع هذ كله‏(‏ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ ‏),‏ أي‏:‏ يوم القيامة يجمع الأولين والآخرين وسائر الخلائق في صعيد واحد‏,‏ يسمعهم الداعي وينفذهم البصر‏,‏ فيحكم فيهم بحكمه العدل الحق‏....‏

‏ وجاء في تفسير الظلال ـ رحم الله كاتبه برحمته الواسعة ـ ما مختصره‏:‏
‏...‏ وهذه الآية الكونية معروضة على الأنظار‏,‏ قائمة تشهد بذاتها على ما جاء الوحي ليشهد به‏,‏ فارتابوا فيه واختلفوا في تأويله‏,‏ وآية السماوات والأرض لا تحتمل جدلا ولا ريبة‏,‏ فهي قاطعة في دلالتها‏,‏ تخاطب الفطرة بلغتها‏,‏ وما يجادل فيها مجادل وهو جاد‏....‏
وتنطوي آية السماوات والأرض على آية أخري في ثناياها‏:
"‏ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ ‏"..‏ والحياة في هذه الأرض وحدها ـ دع عنك ما في السماوات من حيوات أخري لا ندركها ـ آية أخري‏,‏ وهي سر لم ينفذ إلي طبيعته أحد‏,‏ فضلا عن التطلع إلي إنشائه‏....‏
وليس بين بثها في السماوات والأرض وجمعها إلا كلمة تصدر‏,‏ والتعبير يقابل بين مشهد البث ومشهد الجمع في لمحة على طريقة القرآن‏,‏ فيشهد القلب هذين المشهدين الهائلين قبل أن ينتهي اللسان من آية واحدة قصيرة من القرآن‏.‏
وجاء في بقية التفاسير المتاحة كلام مشابه لا حاجة إلي تكرار ذكره‏.‏

من الدلالات العلمية للآية الكريمة
أولا‏:‏ في قوله ـ تعالى ـ‏(‏
وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ‏...):‏
في هذا النص القرآني الكريم إشارة إلي ما في كل من السماوات والأرض من الدلالات الحسية على عظمة شأنهما‏:‏ ضخامة في الأبعاد‏,‏ وانتظاما في الحركة‏,‏ ودقة ووحدة في البناء‏,‏ وكل ذلك يشهد لمبدعهما بالألوهية والربوبية والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ فلا يمكن لمثل هذا الكون الشاسع الاتساع‏,‏ الدقيق البناء‏,‏ المحكم الحركة‏,‏ المنضبط في كل جزئية من جزئياته‏,‏ أن يكون نتاج الصدفة أو العشوائية‏,‏ ولا يمكن له أن يكون قد أوجد ذاته بذاته‏,‏ بل لابد له من موجد عليم حكيم‏,‏ قادر مقدر‏,‏ له من صفات الكمال والجمال والجلال‏,‏ ومن طلاقة القدرة‏,‏ وإحكام الصنعة‏,‏ وإحاطة العلم ما مكنه من إبداع كل ما خلق من السماوات والأرض وما فيهما ومن فيهما من خلق وسنن كونية وظواهر أرضية وسماوية‏.‏

وتكفي في ذلك الإشارة إلي انضباط حركات الأرض مع حركات كل أجرام السماء في تناسق عجيب لا يتوقف ولا يتخلف إلي ما شاء الله‏,‏ كما تكفي في ذلك الإشارة إلي تناسق الكتل والأحجام والأبعاد والمسافات والسرعات وتحديد المدارات‏,‏ وكل ذلك يتم في دقة وإحكام بالغين‏,‏ فتتناسق الظواهر الأرضية والسماوية في دورات متتابعة متلاحقة من مثل تتابع الليل والنهار‏,‏ وتتابع الفصول المناخية‏,‏ وظواهر الكسوف والخسوف‏,‏ والرعد والبرق‏,‏ ودورات الجفاف والمطر‏,‏ ودورة كل من الماء والصخور‏,‏ ودورات الحياة والموت في كل صور الخلق‏,‏ والزوجية في كل شيء من اللبنات الأولية للمادة إلي الإنسان وهي شاهد لا ينكر على الوحدانية المطلقة للخالق العظيم فوق جميع خلقه‏,‏ وعلى أنه ـ تعالى ـ هو الأول بلا بداية‏,‏ والآخر بلا نهاية‏,‏ الحي الباقي‏,‏ بغير شريك ولا شبيه ولا منازع ولا صاحبة ولا ولد‏,‏ لأن هذه كلها من صفات المخلوقين‏,‏ والخالق منزه عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏.‏

وفي هذا النص القرآني الكريم كذلك تأكيد على حقيقة الخلق بجانب تأكيده على أولوهية الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ وربانيته‏,‏ ووحدانيته وعظمته‏.‏ وكانت كل الحضارات المادية ـ وعلى رأسها حضارة العصر ـ تزعم أن الكون الذي نحيا فيه كون أزلي أبدي‏,‏ كان منذ الأزل‏,‏ وسيبقي إلي الأبد‏,‏ لذلك أشاعوا نظرية ثبات الكون‏(
The Steady State Theory)‏ إنكارا للخلق‏,‏ وتنكرا للخالق ـ سبحانه وتعالى ـ‏,‏ كما كتبوا في مقدمات كتب علوم كل من الأرض والسماء‏(‏ الفلك‏)‏ شعارا للكفر البواح ينطق بالقول الزائف‏:‏ لا أثر لبداية ولا إشارة إلي نهاية‏.‏

وجاءت المعطيات الكلية للعلوم لتكذب هذا الزعم الخاطئ فتثبت أن الكون له بداية تقدرها المعارف المكتسبة بما يتراوح بين عشرة مليارات وأربعة عشر مليارا من السنين‏,‏ وكل ما له بداية مخلوق ولابد له من خالق أعظم‏,‏ وكل ما له بداية لابد أن ستكون له في يوم من الأيام نهاية لا يعلمها إلا الخالق العظيم‏,‏ ومن علامات هذه النهاية أن الشمس تفقد من كتلتها في كل ثانية علي هيئة طاقة ما يساوي حوالي خمسة ملايين‏(4.6‏ مليون‏)‏ طن من المادة‏,‏ والمنطق السوي يقول إنها حتما إلي فناء‏.‏ فجاءت العلوم المكتسبة مؤكدة حقيقة الخلق التي نادى بها القرآن الكريم وأكدها من قبل ألف وأربعمائة سنة‏,‏ كما نادت بها كل صور الهداية الربانية من لدن أبينا آدم ـ عليه السلام ـ إلي تنزل القرآن الكريم على خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏.‏

ثانيا‏:‏ في قوله ـ تعالي ـ:(...‏ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ ‏...):‏
والضمير في قوله ـ تعالى ـ‏(‏ فيهما‏)‏ يعود على كل من السماوات والأرض‏,‏ والجدل حول وجود حياة في السماوات‏(‏ أي حياة خارج كوكب الأرض‏)‏ جدل قديم‏,‏ ونحن معشر المسلمين نؤمن بوجود الملائكة‏,‏ وهم خلق من نور لهم أجنحة يطيرون بها‏,‏ وعلى ذلك فهم ليسوا من الدواب‏,‏ ومن هنا فإن النص القرآني الكريم الذي نحن بصدده يشير إلي حياة دابة في السماوات لم يشأ الله ـ تعالى ـ أن يعني أهل الأرض بها لبعدها الشاسع عنا‏,‏ ولاستحالة وصولنا إليها أو وصولها إلينا‏,‏ ولكن تأتي الإشارة إليها في كتاب الله ـ تعالى ـ من الدلالات على كماله وربانيته وحفظه‏.‏
أما الهوس الغربي الحالي بالحياة خارج الأرض أو ما يعرف باسم‏(
The Extraterrestrial Life)‏ فلا يزال في دائرة الافتراضات النظرية التي لم يقم عليها دليل مادي ملموس‏,‏ برغم كثرة الروايات والأساطير التي ملأت وسائل الإعلام المقروءة‏,‏ والمسموعة والمرئية‏,‏ خاصة أن العديد من العلماء الغربيين يؤمنون بالأصل الخارجي للحياة الأرضية فيما ينادون به تحت مسمي وحدة أصل الحياة في الكون‏(Panspermia)‏ أو الحياة الغربية عن الأرض‏(Xenobiology)‏ أو الحياة في النجوم‏(Astrobiology).‏

وربما كان منطلق ذلك كله ما وجد في كل الحضارات القديمة من إيمان بوجود حياة خارج الأرض‏,‏ وذلك من مثل ما وجد في الحضارات المصرية‏,‏ واليونانية‏,‏ والبابلية‏,‏ والسومرية‏,‏ والهندية‏,‏ والصينية‏...‏ وغيرها‏,‏ وربما كان ذلك من بقايا وحي السماء في تلك الحضارات الموغلة في التاريخ ومن بقايا ما علم الله ـ تعالى ـ أبانا آدم ـ عليه السلام ـ وما علمه آدم لبنيه وأحفاده‏,‏ ثم تجدد في رسالات السماء وفي الوحي للأنبياء من بعد حتي تكامل ذلك في الرسالة الخاتمة التي بعث بها النبي الخاتم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ والإشارة في النص الذي نحن بصدده‏(‏ وما بث فيهما من دابة‏)‏ وتأكيد على وحدة رسالة السماء‏,‏ وعلى الإخوة بين الأنبياء‏,‏ وعلى كمال القرآن الكريم‏,‏ وعلى الوحي به من رب العالمين‏,‏ وعلى دقة حفظه على مر السنين وإلي أن يرث الله ـ تعالى ـ الأرض ومن عليها‏.‏

ثالثا‏:‏ في قوله ـ تعالي ـ:(...‏ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ ‏):‏
في هذا النص الكريم تأكيد على حتمية البعث‏,‏ وهو من حقائق الوجود التي شكك فيها الكفار والمشركون‏,‏ والمترددون والمرجفون‏,‏ لأن من المشكلات الكبري التي يواجهها الإنسان إذا فقد الصلة بالهداية الربانية فإنه لا يعرف حقيقة الألوهية‏,‏ فيقيس على الله ـ تعالى ـ بمعايير البشر‏,‏ وهو منزلق يدفع به إليه شياطين الإنس والجن فيهوي به إلي دياجير الضلال‏,‏ ولذلك كان إنكار البعث من مسوغات الكفار والمشركين عبر التاريخ لأن من قواعد الإيمان بالله ـ خالق السماوات والأرض وخالق كل شيء ـ تنزيهه عن جميع صفات خلقه وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ واليقين الجازم بطلاقة قدرته كما وصفها جل وعلا بقوله ـ وقوله الحق ـ‏:‏ "إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ"  ‏(‏يس‏:82).‏

وقد شبه القرآن الكريم البعث بإنبات الأرض بمجرد نزول الماء عليها‏,‏ وجاء حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن‏(‏ عجب الذنب‏)‏ مؤكدا حتمية البعث فيقول‏:‏
‏(1)‏
كل ابن آدم تأكل الأرض إلا عجب الذنب‏,‏ منه خلق‏,‏ وفيه يركب‏.‏
‏(2
)‏ يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه‏,‏ قيل‏:‏ وما هو يارسول الله؟ قال‏:‏ مثل حبة خردل منه تنشأون‏.‏
‏(3)‏
كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب‏,‏ منه خلق ومنه يركب‏.‏
‏(4)‏ ما بين النفختين أربعون‏..‏ ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون‏,‏ كما ينبت البقل‏,‏ قال‏:‏ وليس من الإنسان شيء إلا يبلي‏,‏ إلا عظما واحدا‏,‏ وهو عجب الذنب‏,‏ ومنه يركب الخلق يوم القيامة‏.‏
وجاءت بحوث علم الأجنة لتثبت صحة هذا الحديث ودقته العلمية‏,‏ ولتؤكد حتمية البعث الذي أشارت إليه هذه الآية القرآنية الكريمة‏.‏
فالحمد لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير الأنام صلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏.‏