" فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ " ( الأنعام : 44)


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت فى أواخر الثلث الأول من سورة  " الأنعام" ‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ ومن طوال سور القرآن الكريم، إذ يبلغ عدد آياتها‏ (165 )‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود ذكر الأنعام فيها في أكثر من موضع ‏.‏ويدور المحور الرئيسي للسورة حول عدد من العقائد والتشريعات الإسلامية‏,‏والآيات الكونية الدالة على طلاقة القدرة الإلهية‏ .‏ ويمكن إيجاز ذلك في النقاط التالية ‏:‏
أولاً :‏ من العقائد الإسلامية‏ :‏
‏(1)‏ الإيمان بالله الخالق‏,‏ الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور‏,‏ الإله الواحد الأحد‏,‏ الفرد الصمد‏,‏ الذي لم يلد‏ ولم يولد‏,‏ ولم يكن له كفواً أحد،‏ الله الذي لا إله غيره‏,‏ ولا معبود سواه‏,‏ مالك الملك‏,‏ ومحصي أعمال الخلق‏,‏ فاطر السماوات والأرض و قيومهما‏,‏ خالق الإنسان من طين‏,‏ ومحدد الأجل والرزق له‏,‏ وجامع الناس ليوم لا ريب فيه‏,‏ السميع العليم‏,‏ كاشف الضر‏,‏ ومنزل الخير‏,‏ القاهر فوق عباده‏,‏ الذي يطعِم ولا يطعَم‏,‏ والذي لا يشبهه أحد من خلقه‏,‏ ولا ينازعه أحد في ملكه‏,‏ ولا يشاركه أحد في سلطانه‏,‏ الباعث الشهيد‏,‏ البر الودود‏,‏ الغفور الرحيم‏,‏ بديع السماوات و الأرض‏,‏ رب كل شيء ومليكه‏,‏ خالق كل شيء ومبدعه‏,‏ والعليم بكل شيء من السر والعلن‏,‏ والقادر على كل شيء مهما عظم‏،‏ عالم الغيب والشهادة‏ الحكيم الخبير‏،‏ فالق الإصباح‏,‏ وفالق كلٍ من الحب والنوى‏,‏ مخرِج الحي من الميت‏,‏ ومخرِج الميت من الحي‏، ‏أحكم الحاكمين‏,‏ وأعدل العادلين‏,‏ وخير الفاصلين، الذي لا يُردُّ بأسه عن القوم المجرمين‏,‏ الغني‏,‏ ذو الرحمة الواسعة التي لا تضيق بشيء‏،‏ منزل الكتاب‏،‏ومجرى السحاب ومرسل الأنبياء والمرسلين،‏ الذي يدرك الأبصار‏ ولا تدركه الأبصار‏‏ وهو اللطيف الخبير.
(2)
‏ التصديق بملائكة الله‏,‏ وكتبه‏,‏ ورسله‏,‏ وبخاتمهم أجمعين‏,‏ وبأنهم ما أرسلوا إلا مبشرين ومنذرين‏ .
(3)
التسليم بعوالم الغيب التي أخبرنا بها‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ دون الخوض في هذه العوالم الغيبية بغير علم ‏.‏
(4)
اليقين بأن الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ بجوده‏,‏ وكرمه‏,‏ وإحسانه يجازي الحسنة بعشر أمثالها‏ (‏ إلى سبعمائة ضعف‏)‏ ، ولايجازي السيئة إلا بمثلها .‏ ومن هنا كانت ضرورة التوبة وحسن الاستغفار‏ .
(5)
الإيمان بحتمية البعث‏,‏ وبحتمية الحساب والجزاء في الآخرة‏,‏ التي هي خلود بلا موت‏,‏ إما في الجنة أبداً أو في النار أبداً‏ .‏
ومن هنا كان وصف ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ للحياة الدنيا بقوله ‏العزيز :‏ " وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) "(‏الأنعام‏:32).
(6) اليقين بأن من عمل سوءاً بجهالة ممن يؤمنون بالله وبآياته ثم تاب من بعده وأصلح فإن الله غفور رحيم ‏.‏
(7)
التصديق بأن الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ قد أتم وحيه‏ في رسالته الخاتمة - القرآن الكريم‏-,‏ وأنه‏ ـ‏ سبحانه ـ‏ قد أكمل دينه الذي أنزله لعباده"‏ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ‏ "‏ في هذه الرسالة الخاتمة‏,‏ ولذلك تعهد‏ ـ سبحانه وتعالى ـ بحفظها من التبديل والتحريف الذي تعرضت له كل الرسالات السابقة ‏.‏
ثانياً ‏:‏ من التشريعات الإلهية في سورة الأنعام‏ :
‏(1)‏ تحريم الشرك بالله‏ .
(2)
تحريم قتل الأولاد من إملاق‏، أي من فقر‏ .
(3)
الأمر بالإحسان إلى الوالدين‏ .
(4)
تحريم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ‏.‏
(5)
تحريم أكل مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ‏.‏
(6)
الأمر بالتزام صراط الله المستقيم، وعدم اتباع السبل الملتوية فتتفرق بالناس عن سبيله‏,‏ فيضيعون في الدنيا‏,‏ ويذلون ويهلكون في الآخرة‏ .‏
(7)
الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة‏,‏ وبتقوى الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ في جميع الأحوال ‏.‏
(8)
‏ تحريم الاقتراب من الفواحش ما ظهر منها وما بطن ‏.‏
(9)
الأمر بوفاء الكيل والميزان بالقسط‏,‏ وتحريم كل إخلال بذلك‏ .‏
(10)
الأمر بالعدل في القول‏,‏ وبالإخلاص في العمل‏،‏ وبالوفاء بعهود الله‏ .‏
(11)
‏تحريم أكل كل ما لم يذكر اسم الله عليه وما أهل لغير الله به،‏ وكذلك تحريم أكل الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير إلا من اضطُّر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم‏ .
ثالثاً ‏:‏ من قصص الأمم البائدة ‏:
‏(1)‏ جاء ذكر عدد من أنبياء الله ورسله السابقين على بعثة النبي والرسول الخاتم ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ وهم‏:‏ نوح‏,‏ إبراهيم‏,‏ لوط‏,‏ إسماعيل‏,‏ إسحاق‏,‏ يعقوب‏,‏ داود‏,‏ سليمان‏,‏ أيوب‏,‏ يوسف‏,‏ ى,‏ هارون‏,‏ زكريا‏,‏ يحيى‏,‏ عيسى‏,‏ إلياس‏,‏ اليسع‏,‏ ويونس‏ ـ‏ على نبينا وعليهم جميعاً من الله أفضل الصلاة وأزكى التسليم .
(2)
وصف عناد الأمم الكافرة الباغية‏,‏ ورفضها لآيات ربها‏,‏ وإعراضها عنها‏,‏ على الرغم من وضوحها وثبات حجتها ، وعلى الرغم كذلك من إهلاك الكافرين والمشركين من أبناء الأمم السابقة,‏ وقد استمرت البشرية في تكرار أخطائها إلى زمن خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم ولا تزال مستمرة في ذلك إلى زماننا الراهن‏,‏ وحتى قيام الساعة دون استخلاص للعبر‏‏ واستفادة من الدروس ‏.‏
(3)
أكدت سورة " الأنعام " تحريف اليهود للتوراة‏,‏ وانحرافهم عن منهج الله‏,‏ كما أكدت تكامل كل رسالات السماء في القرآن الكريم الذي أنزله الله ـ‏ تعالى ـ‏ على خاتم أنبيائه ورسله لينذر به أهل مكة المكرمة ومن حولها أهل الأرض جميعا‏ًً .‏
(4)
استنكار افتراء الكذب على الله‏,‏ والادعاء الباطل من قبل بعض المشعوذين بتلقي شيء من الوحي‏,‏ أو بالقدرة على الإتيان بشيء من مثل القرآن الكريم‏,‏ وهي افتراءات وادعاءات صاحبت مسيرة الكفر والشرك وغيرهما من الانحرافات البشرية عبر التاريخ‏‏ إلى زماننا الراهن‏ وحتى قيام الساعة ‏.
الإشارات الكونية فى سورة الأنعام ‏:‏
‏(1)‏ خلق السماوات والأرض بالحق .
(2)
خلق الظلمات والنور والتأكيد على ظلمات كلٍ من البر والبحر‏,‏ بمعنى أن الظلمة هي الأصل في الكون‏,‏ وأن النور نعمة يمنُّ بها الخالق على خلقه ‏.‏
(3)
خلق الإنسان من طين‏,‏ وتحديد أجله‏(‏ زماناً ومكاناً‏) .‏
(4)
خلق كائنات تسكن بالليل وأخرى تسكن بالنهار‏ .‏
(5)
إثبات أن كل خلق من خلق الله يشكل أمة مثل أمة بني آدم ‏.‏
(6)
الإخبار من قبل ألف وأربعمائة سنة مضت بالتقدم العلمي والتقني المذهل الذي تحققه اليوم الأمم الكافرة‏,‏ وأن هذا التقدم دون التزام ديني‏ وأخلاقي وروحي سوف يكون وبالاً عليهم‏,‏ ومن أسباب إفنائهم والقضاء عليهم‏,‏ ونحن نرى بوادر ذلك الانهيار واضحة في مختلف أرجاء الأرض .‏
(7)
التأكيد على أن بالكون غيبياتً مطلقة لا يعلمها إلا الله‏ .‏
(8)
التأكيد على حقيقة أن النوم صورة من صور الوفاة‏,‏ وأن اليقظة من النوم صورة مصغرة عن البعث بعد الموت‏ .
(9)
الإشارة إلى توسط موقع مكة المكرمة بالنسبة إلى اليابسة ‏.‏
(10)
التلميح إلى معجزة فلق كلٍ من الحب والنوى لحظة الإنبات ‏.‏
(11)
استخدام تبادل الليل والنهار في الإشارة اللطيفة إلى دوران الأرض حول محورها أمام الشمس .
(12)
تشبيه طلوع الصبح من ظلمة الليل بفلق الحبة أو النواة لإخراج السويقة والجذير منها لحظةالإنبات ‏.‏
(13)
الإشارة إلى الحكمة الإلهية من جعل الليل للسكن‏,‏ وجعل النهارلعمارة الأرض وللجري وراءالمعايش .‏
(14)
‏ التأكيد على أن الشمس والقمر يجريان بنظام محكم دقيق يمكن الإنسان من حساب الزمن‏,‏ والتأريخ للأحداث‏,‏ وأداء العبادات والحقوق ‏.‏
(15)
خلق النجوم : ومن فوائدها الظاهرة للإنسان الاهتداء بها في ظلمات البر والبحر‏ .‏
(16)
الإشارة إلى خلق السلالة البشرية كلها من نفس واحدة هى نفس أبينا آدم – عليه السلام - ‏.‏
(17)
‏ إخراج الحَب المتراكب من الخضر( اليخضور أو الكلوروفيل ) الذي يخلقه الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ داخل كل نباتات الحبوب، وفى جميع النباتات الخضراء  ‏.‏
(18)
إخراج القنوان الدانية‏ ـ وهي العراجين المتدلية من النخل‏,‏ جمع قنو‏,‏ وهو العزق أو عنقود التمر‏ ـ من طلوع النخل، وهو أول ما يبدو من ثمر النخل، وهو يخرج كالكيزان ‏.‏
(19)
كذلك إخراج جنات من أعناب‏,‏ ومن الزيتون والرمان‏,‏ مشتبهاً وغير متشابه وذلك بإنزال الماء من السماء إلى الأرض‏,‏ واعتبار ثمره إذا أثمر وينعه من الآيات لقوم يؤمنون‏ .
(2
0) إثبات أن التصعد في السماء بغير وقاية حقيقية‏‏ يجعل صدر الصاعد ضيقاً حرجاً ‏.‏
(21)
إخراج جنات من المعروشات وغير المعروشات‏,‏ والنخل والزرع مختلفاً أكله‏,‏ والزيتون والرمان متشابهاً وغير متشابه مما يؤكد طلاقة القدرة الإلهية الخلاقة‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى مدارسة خاصة بها‏؛ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة السادسة من  القائمة السابقة ، ‏ وقبل الدخول إلى ذلك لابد من الرجوع إلى أقوال عدد من المفسرين القدامى والمعاصرين‏,‏ في تفسير هذه الآية الكريمة‏ .‏

من أقوال المفسرين:
في تفسير قوله - تعالى -: " فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ " [الأنعام: 44].

·      ذكر ابن كثير – رحمه الله – ما مختصره: " فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ "؛ أي أعرضوا عنه وتناسوه وجعلوه وراء ظهورهم، {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} أي فتحنا عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون، وهذا استدراج منه - تعالى - وإملاء لهم؛ ولهذا قال: {حتى إذا فرحوا بما أوتوا}؛ أي من الأموال والأولاد والأرزاق {أخذناهم بغتة}؛ أي على غفلة {فإذا هم مبلسون}؛ أي آيسون من كل خير...]. وأضاف: [وقال مالك عبد الزهري: {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} قال: رخاء الدنيا ويسرها. وقد قال الإمام أحمد عن عقبة بن عامر عن النبي – صلى الله عليه وسلم -، قال: «إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج»، ثم تلا رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون}، وعن عبادة بن الصامت أ، رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان يقول: ( إذا أراد الله بقوم بقاءً أو نماءً رزقهم القصد والعفاف، وإذا أراد الله بقوم اقتطاعًا فتح لهم – أو فتح عليهم – باب خيانة {حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون}، كما قال: {فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين}).

·      وجاء في تفسير الجلالين – رحم الله كاتبيه) ما نصه: [{فلما نسوا} تركوا {ما ذكروا} وعظوا وخوفوا {به} من البأساء والضراء فلم يتعظوا {فتحنا} بالتخفيف والتشديد {عليهم أبواب كل شيء} من النعم استدراجًا لهم {حتى إذا فرحوا بما أوتوا} فرح بطر {أخذناهم} بالعذاب {بغتة} فجأة {فإذا هم مبلسون} آيسون من كل خير. {فقطع دابر القوم الذين ظلموا} أي: آخرهم بأن استؤصلوا {والحمد لله رب العالمين} على نصر الرسل وإهلاك الكافرين}].

·      وذكر صاحب الظلال – رحمه الله رحمة واسعة – ما مختصره: [... فأما هذه الأمم التي كذبت بالرسل، والتي يقص الله من أنبائها هنا، فإنهم لما نسوا ما ذكروا به، وعلم الله – سبحانه – أنهم مهلكون، وابتلاهم بالبأساء والضرء فلم يتضرعوا... فأما هؤلاء فقد فتح عليهم أبواب كل شيء للاستدراج بعد الابتلاء]. وأضاف: [لقد أخذ الله قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط، كما أخذ الفراعنة والإغريق والرومان وغيرهم بهذه السنة، ووراء ازدهار حضارتهم ثم تدميرها؛ ذلك السر المغيب من قدَر الله؛ وهذا القَدْر الظاهر من سنته؛ وهذا التفسير الرباني لهذا الواقع التاريخي المعروف". ويضيف: [ولقد كان لهذه الأمم من الحضارة؛ وكان لها من التمكين في الأرض؛ وكان لها من الرخاء والمتاع؛ مخدوعة بما هي فيه؛ خادعة لغيرها ممن لا يعرفون سنة الله في الشدة والرخاء... هذه الأمم لا تدرك أن هناك سنَّة، ولا تشعر أن الله يستدرجها وفق هذه السنة. والذين يدورون في فلكها يبهرهم اللألاء الخاطف، ويتعاظمهم الرخاء والسلطان، ويخدعهم إملاء الله لهذه الأمم، وهي لا تعبد الله أو لا تعرفه، وهي تتمرد على سلطانه، وهي تدعي لأنفسها خصائص ألوهيته، وهي تعيث في الأرض فسادًا، وهي تظلم الناس بعد اعتدائها على سلطان الله] وأضاف: [غير أنه ينبغي، مع ذلك، التنبيه إلى أن سنة الله في تدمير (الباطل) أن يقوم في الأرض (حق) يتمثل في (أمة)... ثم يقذف الله بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق........ فلا يقعدن أهل الحق كسالى يرتقبون أن تجري سنة الله بلا عمل منهم ولا كد فإنهم حينئذ لا يمثلون الحق، ولا يكونون أهله... وهم كسالى قاعدون... والحق لا يتمثل إلا في أمة تقوم لتقر حاكمية الله في الأرض، وتدفع المغتصبين لها، من الذين يدعون خصائص الألوهية... هذا هو الحق الأول، والحق الأصيل..." ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض".

من الدلالات العلمية للآية الكريمة:
أولاً: في قوله - تعالى -: " فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ ...":
أجمع المفسرون على أن هذه الآية الكريمة تشير إلى أمم سابقة كذبت رسل ربها، فابتلاهم الله – تعالى – بالبأساء والضراء فلم يتضرعوا...، ثم فتح عليهم أبواب كل شيء للاستدراج بعد الابتلاء، وذلك من أمثال أقوام أنبياء الله نوح وهود وصالح وشعيب، ولوط وغيرهم، وأقوام كل من فرعون وقارون، وحضارة كل من الإغريق والرومان، وما بين النهرين، وفارس، والهند والصين وغيرها. وذلك انطلاقًا من حقيقة أن الله - تعالى - قد رفع عذاب الاستئصال بعد بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين – صلى الله عليه وسلم ولكنه رفع عن أمة محمد وحدها، وليس عن جميع الأمم، وبقيت ألوان من العذاب التي لا تقل في شدتها عن الاستئصال من مثل ما تعاني منه الأمم المعاصرة التي فتحت عليها أبواب كل شيء، من مثل انهيار نظام الأسرة وتحلل العلاقات الأسرية واستبدالها بالمساكنة، وانتشار الشذوذ بمختلف ألونه وأشكاله وصوره، والأمراض المختلفة مما كان معروفًا ومما لم يكن معروفًا من قبل، والإدمان على المسكرات والمخدرات، والقلق وعدم الشعور بالاستقرار، والانهيارات النفسية والعصبية ومعدلات الانتحار، والقتل العمد والفتن بمختلف ألوانها وأشكالها، على الرغم من وفرة الرزق وسعة العيش. ولكن الأصل في التعامل مع آيات القرآن الكريم أن العبرة هي بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فالآية تنطبق اليوم على التقدم العلمي والتقني المذهل الذي تحققه أعداد من الدول الكافرة والمشركة دون أدنى قدر من الالتزام الديني أو الأخلاقي كما انطبقت على الكفار والمشركين من الأمم السابقة، ويدل على ذلك الوصف القرآني: {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} ولا يقتصر هذا الوصف على الرزق المادي فقط. وإنه لمن معجزات القرآن الكريم التاريخية والعلمية والإبنائية أن يشير من قبل ألف وأربعمائة سنة إلى التقدم العلمي والتقني الذي حققته ولا تزال تحققه أعداد من شعوب الأرض التي في غمرة هذا التقدم نسيت الدين والموت والبعث والحشر والحساب، وذلك لأن النهضة الغربية بدأت بمفاصلة مع الكنيسة التي حاولت فرض العديد من الآراء الخاطئة الواردة في سفر التكوين على المجتمعات العلمية والتعليمية، التي ساندت حكم الطغاة والجبابرة والمفسدين في الأرض، والتي استغلت الناس واستخفت بعقولهم، وأصدرت صكوك الغفران. وعندما تعلم الغربيون المنهج العلمي التجريبي من الحضارة الإسلامية، وأثبتوا خطأ الكنيسة بدأت المعركة التي انتهت بانتصار العلم الذي أخذ منحى ماديًا صرفًا ينكر أو يتجاهل كل ما فوق المحسوس المدرك، ومن هنا أنكرت الحضارة المادية المعاصرة الدين، وانطبق على أغلب أهل الأرض الوصف القرآني {فلما نسوا ما ذكروا به} أي: نسوا هداية الله – تعالى – إليهم.

ثانيًا: في قوله - تعالى -: " فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ"  :
أجمع المفسرون على أن من دلالات هذا النص القرآني الكريم فتح أبواب الرزق من قبيل الاستدراج. والنص يشتمل أيضًا على فتح أبواب المعارف المكتسبة التي ميزت عصرنا بأنه عصر الصواريخ ورحلات الفضاء، وعصر الذرة والطاقة النووية، وعصر الإلكترونات والحواسب الإلكترونية الشخصية منها والعملاقة، والطائرات فائقة السرعة والحجم،وأجهزة التحكم عن بعد، وعصر شبكات المعلومات الدولية، والهواتف المحمولة، وعصر الاستشعار عن بعد، وعصر الهندسة الوراثية، والتقنيات فائقة الدقة والموصلات فائقة القدرة، ووسائل النقل والاتصال فائقة السرعة، وعصر مصادر الطاقة المتعددة والمتجددة، وعصر أشعات الليزر والميزر المتنوعة، وتطبيقاتها في مختلف المجالات المدنية والعسكرية، أو بصفة عامة هو عصر تفجر المعرفة وتطور التقنيات الدقيقة والمتطورة بصورة لا يكاد العقل البشري أن يتصورها قبل قرن واحد من الزمن أو أقل من ذلك.
ومن هنا كان إخبار القرآن الكريم بهذا الفتح العلمي والتقني وتطبيقاتها في مختلف مجالات الحياة والمعبر عنه بقول الحق – تبارك وتعالى -: " فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ"هو من المعجزات الإبنائية والتاريخية والعلمية في كتاب الله؛ لأنه لم يكن ممكنًا لأحد من الخلق أن يتنبأ بهذا التقدم العلمي والتقني في زمن الوحي، ولا لقرون متطاولة من بعده.

ثالثًا: في قوله – تعالى -: " إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ " [الأنعام آية: (44)]
كان من آراء المفسرين أن المقصود بهذا النص القرآني الكريم هو أخذ الأمم السابقة على غفلة منهم جزاء كفرهم بالله – تعالى – وشركهم به ومعارضتهم لأنبيائه ورسله، وإفسادهم في الأرض، انطلاقاً من حقيقة أن العذاب بالاستئصال قد رفع بعد بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين – صلى الله عليه وسلم -، ولكنه رفع عن أمة محمد وحدها وليس عن جميع الأمم، ويبقى فجائية الموت التي تتكرر في كل لحظة، وفجائية الظواهر الكونية من الزلازل والبراكين، والعواصف والأعاصير والتي تعد ضحاياها بالملايين في كل سنة، ويتبقى انتشار الأوبئة والأمراض وتوسع دوائر الحروب والاقتتال، وتطور أدواتهما بصورة مذهلة، وتكدس الأسلحة التقليدية وغير التقليدية المتطورة عند القوى المتصارعة ومنها أسلحة الدمار الشامل وتلوث البيئة وأخطار ذلك؛ مما قد يؤدي إلى القضاء على عشرات الآلاف من البشر في وقت واحد.

وتكفي في ذلك الإشارة إلى ضحايا الحربين العالميتين الأولى والثانية وقد بلغ القتلى فقط من ضحاياهما أكثر من (65) مليون نسمة.

وتكفي الإشارة إلى ضحايا القنبلتين الذريتين اللتين ألقتهما الطائرات الأمريكية على المدينتين اليابانيتين "هيروشيما" وناجازاكي" بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في سنة 1945م وقد فاق عدد القتلى في الحال مائتي ألف نفس عدا الجرحى والمشردين، والذين قتلتهم الإشعاعات الذرية ولا تزال تحصد أرواحهم بعد أكثر من ستين سنة من وقوع هذه الجريمة النكراء.

ويبقى بعد ذلك وفوقه فجائية الآخرة التي سوف تقضي على كل شيء، والتي يصفها القرآن الكريم بقول الحق – تبارك وتعالى -: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ"  [الأعراف آية: (187)]

ولذلك جاء الحكم الإلهي القاطع بقوله العزيز: " فَقُطِعَ دَابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ " [الأنعام: 45].

وهكذا يتضح لنا جانب من أهم جونب الإعجاز في كتاب الله، وهو "إعجاز الشمول والإحاطة" بمعنى ورود الآية القرآنية في كلمات معدودة يفهم منها أهل كل عصر معنى معينًا، وتظل هذه المعاني تنفرد باستمرار مع اتساع دائرة المعرفة الإنسانية في تكامل لا يعرف التضاد، وليس هذا لغير كلام الله...! فالحمد له على نعمة القرآن، والحمد له على نعمة الإسلام، والحمد له على بعثة خير الأنام – صلى الله عليه وسلم – الذي ختم الله ببعثته النبوة، وأكمل برسالته الدين وأتم النعمة فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.