" وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً " (الإسراء:32)


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في أواخر الثلث الأول من سورة الإسراء‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها‏(111)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة في مطلعها إلي رحلة الإسراء والمعراج التي كان فيها من التكريم لخاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ ما لم ينله مخلوق من قبل ولا من بعد‏.‏
وكطبيعة السور المكية يدور المحور الرئيسي لسورة الإسراء حول قضية العقيدة الإسلامية ومن ركائزها الايمان بالله ـ تعالي ـ ربا واحدا أحدا‏,‏ فردا صمدا‏,‏ بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد‏.‏ وتنزيهه ـ سبحانه وتعالي ـ عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ ولذلك بدأت هذه السورة الكريمة بقول الحق ـ تبارك وتعالي‏:‏ ـ
" سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ " ‏(‏الإسراء‏:1)‏
ثم تنتقل السورة الكريمة إلي الحديث عن التوراة‏,‏ ذلك الكتاب المقدس الذي آتاه الله ـ سبحانه وتعالي ـ عبده ونبيه موسي بن عمران وجعله هدي لبني إسرائيل فانصرفوا عنه‏.‏
ثم تمتدح سورة الإسراء القرآن الكريم‏,‏ ذلك الكتاب الخاتم الذي أنزله الله‏(‏ تعالي‏)‏ بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بحفظه في نفس لغة وحيه‏(‏ اللغة العربية‏)‏ علي مدي الأربعة عشر قرنا الماضية‏,‏ وتعهد بهذا الحفظ تعهدا مطلقا ـ كي يبقي القرآن شاهدا علي جميع الخلق إلي قيام الساعة بأنه كلام الله الخالق وشاهدا للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة ولذلك قال ربنا ـ تبارك اسمه ـ‏:‏
" إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً " (‏ الإسراء‏:9)‏
وتقرر الآيات أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ قد أعد للذين لا يؤمنون بالآخرة عذابا أليما‏,‏ وأن الإنسان في طبعه شيء من الاندفاع والعجلة‏,‏ ومن المبادرة بالدعاء بالشر قبل الدعاء بالخير‏,‏ علما بأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ قد فصل له كل شيء‏,‏ كما تقرر المسئولية الفردية في الهدي والضلال وتقضي بأنه
‏(.....‏ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ‏.....),‏ وأن الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ لا يعذب أحدا دون انذار‏(...‏ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً),‏ ومن هنا كانت حكمة الله‏(‏ تعالي‏)‏ باتخاذه العهد علي ذاته العلية بحفظ رسالته الخاتمة‏.‏
كذلك تقرر الآيات في سورة الإسراء قاعدة التبعية الجماعية في التصرفات والسلوك‏,‏ وتحذر من الترف المخل الذي يؤدي إلي الفسوق‏,‏ ومن ثم إلي التدمير والهلاك‏,‏ كما تحذر من الإقبال علي الدنيا ونسيان الآخرة‏,‏ وتحذر من عواقب ذلك‏,‏ وتدعو إلي السعي للآخرة مع الإيمان الكامل‏,‏ وتؤكد أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ يمد بعطائه الدنيوي كلا من المؤمنين والكافرين‏,‏ وأن التفاضل في درجات الآخرة أكبر وأعظم من التفاضل في أمور الدنيا‏.‏ وتحذر الآيات من أخطار الشرك بالله‏(‏ تعالي‏),‏ وتؤكد أن الواقع في هذه الكبيرة مذموم مخذول‏,‏ كما تؤكد أن الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ قد قضي بألا يعبد سواه‏,‏ وتثني بالحض علي بر الوالدين‏,‏ وإيتاء ذوي القربى‏,‏ والمساكين‏,‏ وأبناء السبيل في غير إسراف ولا تبذير‏,‏ وتأمر بتحريم قتل الذرية‏,‏ وعدم الاقتراب من جريمة الزنا‏,‏ وتحرم القتل بغير الحق تحريما قاطعا‏,‏ كما تأمر برعاية مال اليتيم‏,‏ وبالوفاء بالعهود‏,‏ وبتوفيه كل من الكيل والميزان‏,‏ وتؤكد المسئولية عن الحواس‏,‏ وتنهي عن الخيلاء والكبر‏,‏ وتكرر التحذير من الشرك‏,‏ مؤكدة أن جزاء الواقع فيه هو الخلود في جهنم مذموما مدحورا‏.‏ وتستنكر الآيات في‏(‏ سورة الإسراء‏)‏ فرية الولد والشريك لله‏(‏ تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا‏),‏ وتبين ما فيها من اضطراب وتهافت‏,‏ وتقرر توحيد الكون كله لله‏(‏ تعالي‏)‏ وخضوع كل من فيه لذات الله العلية بالعبادة والتسبيح والتقديس والتنزيه عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏.‏
ثم تنتقل الآيات إلي الحديث عن أوهام الوثنية الجاهلية حول نسبة البنات والشركاء إلي الله‏(‏ تعالي‏),‏ وإلي موقف كفار قريش ـ وموقف الكفار والمشركين من بعدهم في كل زمان ومكان ـ من الاستماع إلي القرآن الكريم‏,‏ وهم يجاهدون أنفسهم في صم آذانهم عنه‏,‏ وإغلاق عقولهم عن الإنصات إلي حجيته‏,‏ وصد قلوبهم عن التحرك بما نزل فيه من الحق‏,‏ وصرف فطرتهم عن أن تستجيب لندائه الصادق‏.‏
وبعد ذلك تستعرض الآيات موقف الكفار والمشركين من خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ وإنكارهم لبعثته الشريفة‏,‏ وتؤكد علي نزغ الشيطان بين الناس وعلي أنه عدو مبين لهم‏,‏ كما تؤكد علي أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو المتصرف في شئون الخلائق بلا معقب لحكمه‏,‏ ولا راد لأمره‏,‏ وأنه‏(‏ تعالي‏)‏ أعلم بمن في السماوات والأرض‏,‏ وقد فضل بعض النبيين علي بعض‏,‏ وأن دور الرسول منحصر في التبليغ عن ربه‏(‏ سبحانه وتعالي‏),‏ وفي الإنذار والتبشير‏.‏

ثم تبين الآيات السبب في أن معجزات الرسول الخاتم‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ لم تكن كلها من قبيل الخوارق المادية التي كذب بها الأولون‏,‏ فمعجزته الخالدة هي القرآن الكريم‏,‏ والخوارق المادية شهادة علي من رآها من الناس‏,‏ والقرآن باق إلي قيام الساعة‏.‏
ثم تتناول تكذيب المشركين لما رآه رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ في رحلة الإسراء والمعراج من خوارق‏,‏ ويجيء في هذا السياق طرف من قصة إبليس وإعلانه أنه سيكون حربا علي ذرية آدم‏(‏ عليه السلام‏),‏ وتعقب الآيات بتخويف البشر من عذاب الله‏,‏ وتذكيرهم بنعمه عليهم‏,‏ وبتكريمه للإنسان‏,‏ وبمصائرهم في يوم القيامة‏.‏

ويأتي في الجزء الأخير من هذه السورة المباركة استعراض كيد المشركين لخاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ ومحاولة فتنته عن بعض ما أنزل إليه‏,‏ ومحاولة إخراجه من مكة المكرمة‏,‏ ولو أخرجوه قسرا قبل أن يأذن الله‏(‏ تعالي‏)‏ له بذلك لحل بهم العذاب والهلاك الذي حل بالأمم من قبلهم حين أخرجوا رسلهم أو قاتلوهم أو قتلوهم‏,‏ وتأمر الآيات هذا النبي الخاتم‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بالاستمرار في طريقه متعبدا لله‏(‏ تعالي‏)‏ بما أمر‏,‏ داعيا إياه‏(‏ سبحانه‏)‏ أن يحسن مدخله ومخرجه‏,‏ وأن يعلن مجيء الحق وظهوره‏,‏ وزهوق الباطل واندحاره‏,‏ مؤكدا أن هذا القرآن فيه شفاء وهدي للمؤمنين‏,‏ بينما الإنسان علمه قليل‏,‏ قليل‏,‏ قليل‏!!!‏
وتختم السورة الكريمة كما بدأت بحمد الله‏,‏ وبتقرير وحدانيته‏(‏ بلا شريك ولا شبيه ولا منازع ولا صاحبة ولا ولد‏),‏ وتنزهه‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ عن الحاجة إلي الولي والنصير‏,‏ وهو العلي الكبير المتعال‏,‏ وأن له الأسماء الحسني‏,‏ والصفات العلي‏,‏ وتأمر بالتوسط في تلاوة القرآن الكريم في الصلاة فتقول‏:‏
" قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَياًّ مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً  * وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً " ‏(‏الإسراء‏:11:110)‏

من ركائز العقيدة الإسلامية في سورة الإسراء
‏(1)‏ ضرورة تنزيه الله‏(‏ تعالي‏)‏ عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏.‏
‏(2)‏ الإيمان بقدسية كل من المسجد الحرام والمسجد الأقصى‏,‏ وبضرورة تطهيرهما من دنس الكفار والمشركين‏,‏ والمحافظة علي وجودهما بأيدي المسلمين‏,‏ والدفاع عنهما بالنفس والنفيس مهما كلف ذلك من ثمن‏.‏
‏(3)‏ التصديق بمعجزة الإسراء والمعراج‏,‏ وما اطلع عليه المصطفي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ أثناءها من أحداث ومشاهد عديدة‏,‏ وأمور خارقة للعادة‏.‏
‏(4)‏ اليقين بأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو رب السماوات والأرض ومن فيهن‏,‏ وهو قيوم السماوات والأرض ومن فيهن‏,‏ المهيمن علي الوجود كله‏,‏ الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر‏,‏ والذي يرحم من يشاء ويعذب من يشاء‏,‏ وأنه‏(‏ تعالي‏)‏ هو السميع البصير الخبير‏,‏ وهو الحليم الودود الغفور‏,‏ وأنه‏(‏ تعالي‏)‏ ما كان معذبا أحدا حتي يبعث رسولا‏,‏ وأن الكون بجميع من فيه وما فيه‏,‏ يخضع لله‏(‏ تعالي‏)‏ بالعبادة والطاعة والتسبيح إلا عصاة الإنس والجن‏,‏ وإن سبحت خلايا وذرات أجسادهم رغم أنوفهم‏.‏
‏(5)‏ التسليم بأن التوراة أنزلت بالتوحيد الكامل لله‏(‏ تعالي‏)‏ الذي أيد عبده ورسوله موسي‏(‏ عليه السلام‏)‏ بتسع آيات بينات‏,‏ كفر بها فرعون وملؤه فأغرقهم الله أجمعين‏,‏ ولذلك فإن توحيد الله‏(‏ تعالي‏)‏ واجب علي كل العباد‏,‏ نزلت به كل الشرائع‏,‏ ومن هنا كان الشرك بالله كفرا به‏,‏ وكان من موجبات الذم والخذلان في الدنيا والآخرة‏,‏ والإلقاء في جهنم خالدين فيها أبدا باللوم والدحور‏,‏ حيث لا يملك الذين أشركوا بهم كشف الضر عنهم أو تحويله‏.‏
‏(6)‏ التصديق بأن جهنم هي مثوي الكافرين الضالين المنكرين للبعث‏,‏ أو الجاحدين لبعثة النبي والرسول الخاتم‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏).‏
‏(7)‏ اليقين بأن القرآن الكريم قد أنزل بالحق‏,‏ وأنه
"‏...‏ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ‏"  (‏ الإسراء‏:9).‏
وأن القرآن الكريم‏,‏ هو
‏"..‏ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً ‏" (‏ الإسراء‏:82)‏ وأن هذا الكتاب معجز في كل أمر من أموره‏,‏ لا تقوي قوة علي وجه الأرض أن تأتي بشيء من مثله‏:‏ " قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً "‏.(‏ الإسراء‏88).‏
‏(8)‏ التسليم بأن كل إنسان مسئول مسئولية كاملة عن أعماله‏,‏ وأنه سوف يسلم كتابا تفصيليا بتلك الأعمال في يوم القيامة حتي يكون هو حسيبا علي نفسه‏,‏ وأنه
‏"...‏ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ‏..." (‏ الإسراء‏:15).‏
‏(9)‏ الإيمان بأن الترف المسرف هو من موجبات التدمير الذي حدث للعديد من الأمم السابقة‏,‏ وأن السعي المشكور هو السعي للآخرة‏,‏ مع عدم إجمال مسئولية الفرد في الحياة الدنيا‏,‏ وأن التفاضل فيه أكبر من التفاضل في ماديات الدنيا‏,‏ وأن البعث بعد الموت حتمي وضروري‏.‏
‏(10)‏ التصديق بأن الإنسان مخلوق مكرم‏,‏ خلقه الله‏(‏ تعالي‏)‏ من طين‏,‏ ونفخ فيه من روحه‏,‏ وعلمه من علمه‏,‏ وفضله علي كثير من خلقه‏,‏ وأن الشيطان عدو مبين للإنسان‏.‏
‏(11)‏ التسليم بأن مهمة الأنبياء والمرسلين هي التبليغ عن الله‏(‏ تعالي‏),‏ والإنذار والتبشير‏,‏ وأن الله‏(‏ جل شأنه‏)‏ قد فضل بعض النبيين علي بعض‏,‏ وآتي داود كتابا اسمه الزبور كما آتي موسي كتابا اسمه التوراة‏.‏
‏(12)‏ اليقين بأن كل أناس في الآخرة سوف يدعون بإمامهم
"... فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً "‏  (‏ الإسراء‏:71).‏
‏(13)‏ الإيمان بأن الروح غيب من أمر الله‏,‏ لا يعلمه إلا الله‏(‏ تعالي‏),‏ وعلي ذلك فلا يجوز الخوض في مثل هذه الغيوب المطلقة‏.‏
‏*(14)‏ اليقين بأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو المستحق للحمد وللتكبير‏,‏ وأنه‏(‏ سبحانه وتعالي‏)..‏ لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل‏..‏ وأنه‏(‏ جل شأنه‏)‏ منزه عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله وعن جميع هذه النقائص تنزيها كبيرا‏,‏ لأنها من صفات المخلوقين والخالق ـ جل شأنه ـ منزه عن صفات المخلوقين‏.‏
من التشريعات الإسلامية في سورة الإسراء
‏(1)‏ أن بر الوالدين فريضة إسلامية‏,‏ ومن أعظم الطاعات لله‏,‏ ومن موجبات رحمته ومغفرته‏,‏ وكذلك إيتاء ذي القربي حقه‏,‏ والمسكين‏,‏ وابن السبيل‏,‏ وعدم التبذير والإسراف لأن المبذرين هم إخوان الشياطين‏(‏ وكان الشيطان لربه كفورا‏),‏ وعدم البخل والتقتير وجعل اليد مغلولة إلي العنق‏.‏
‏(2)‏ تحريم قتل الأولاد خشية الإملاق‏,‏ لأن الله ـ تعالي ـ هو‏(‏ الرزاق ذو القوة المتين‏).‏
‏(3)‏ النهي القاطع عن الاقتراب من الزنا ومن جميع مقدماته‏(..‏ إنه كان فاحشة وساء سبيلا‏).‏
‏(4)‏ النهي عن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق‏,‏ وعن الإسراف في القصاص لذلك‏.‏
‏(5)‏ النهي عن أكل مال اليتيم أو الاقتراب منه إلا بالتي هي أحسن حتي يبلغ أشده‏.‏
‏(6)‏ الأمر بالوفاء بالعهد وبتأكيد المسئولية عنه‏,‏ وبالوفاء بكل من الكيل والميزان‏.‏
‏(7)‏ الأمر بالمحافظة علي الحواس مثل السمع والبصر والفؤاد‏,‏ واستخدامها فيما يرضي الله ـ تعالي ـ والتأكيد علي مسئولية الإنسان عن حواسه‏.‏
‏(8)‏ النهي عن الاختيال والزهو بالنفس وعن الاستعلاء والاستكبار في الأرض‏,‏ لأن الإنسان أضعف من ذلك‏,‏ والله ـ تعالي ـ لا يحب كل مختال فخور‏.‏
‏(9)‏ الأمر بإقامة الصلاة لدلوك الشمس إلي غسق الليل‏,‏ وبالتهجد نافلة بالليل‏,‏ وبتلاوة القرآن في الفجر لأن
‏"...‏ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ".‏
من الإشارات الكونية في سورة الإسراء
‏(1)‏ الإشارة إلي آيتي الليل والنهار‏,‏ أي‏:‏ نورهما‏,‏ حيث كان الليل ينار بظاهرة بقي منها اليوم مايعرف بظاهرة الفجر القطبي‏,‏ وكان النهار ينار ـ كما ينار اليوم ـ بالحزمة المرئية من ضوء الشمس‏,‏ فمحي الله‏(‏ تعالي‏)‏ نور الليل بنطق الحماية المتعددة التي خلقها حول الأرض‏,‏ وأبقي ظاهرة الفجر القطبي دلالة علي ذلك‏.‏
‏[2)‏ النهي القاطع عن الاقتراب من الزنا أو الخوض في مقدماته لأنه من الفواحش وسبيله الهلاك في الدنيا والآخرة‏.‏
‏(3)‏ الإشارة إلي تسبيح كل شيء في هذا الوجود لله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ ما عدا عصاة كل من الجن والإنس وفي ذلك يقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏
"... وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ..."  (الإسراء‏:44).‏
‏(4)‏ الإشارة إلي ما وهب الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ الماء من قدرات تمكنه من حمل الفلك في البحر بقانون الطفو‏.‏
‏(5)‏ التأكيد علي أن الروح من الغيوب المطلقة التي لا سبيل للإنسان في الوصول اليها وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلي معالجة خاصة بها ولذلك فسوف أقصر الحديث هنا علي النقطة الثانية من القائمة السابقة‏,‏ وقبل ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين فـي شرح دلالة هذا النص القرآني الكريم‏.‏
‏(6)‏ الإشارة إلي أن أجل كل كائن محدد سلفا في علم الله ولا حيلة لمخلوق في تحديد أجله‏0‏

من أقوال المفسرين
في تفسير قوله ـ تعالي‏:‏ ـ "
وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً "‏.‏
‏ ذكر ابن كثير ـ يرحمه الله ـ ما مختصره‏:‏ يقول تعالي ناهيا عباده عن الزنا‏,‏ وعن مقاربته‏,‏ ومخالطة أسبابه ودواعيه‏(‏ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة‏)‏ أي ذنبا عظيما‏,(‏ وساء سبيلا‏)‏ أي وبئس طريقا ومسلكا‏,...‏ وعن النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ قال‏:(‏ ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له‏)‏ أخرجه ابن أبي الدنيا عن الهيثم بن مالك الطائي مرفوعا‏.‏
‏ وجاء في الظلال ـ رحم الله كاتبها برحمته الواسعة ـ ما مختصره‏:...‏ وبين قتل الأولاد والزنا صلة ومناسبة ـ وقد توسط النهي عن الزنا بين النهي عن قتل الأولاد والنهي عن قتل النفس ـ لذات الصلة وذات المناسبة‏.‏ إن في الزنا قتلا من نواح شتي‏.‏ إنه قتل ابتداء لأنه إراقة لمادة الحياة في غير موضعها‏,‏ يتبعه غالبا الرغبة في التخلص من آثاره بقتل الجنين قبل أن يتخلق أو بعد أن يتخلق‏,‏ قبل مولده أو بعد مولده‏,‏ فإذا ترك الجنين للحياة ترك في الغالب لحياة شريرة‏,‏ أو حياة مهينة‏,‏ فهي حياة مضيعة في المجتمع علي نحو من الأنحاء‏....‏ وهو قتل في صورة أخري‏.‏ قتل للجماعة التي يفشو فيها‏.‏ فتضيع الأنساب‏,‏ وتختلط الدماء‏,‏ وتذهب الثقة في العرض والولد‏,‏ وتتحلل الجماعة وتتفكك روابطها‏,‏ فتنتهي إلي ما يشبه الموت بين الجماعات‏.‏ وهو قتل للجماعة من جانب آخر‏,‏ إذ أن سهولة قضاء الشهوة عن طريقه يجعل الحياة الزوجية نافلة لا ضرورة لها‏,‏ ويجعل الأسرة تبعه لا داعي اليها‏,‏ والأسرة هي المحضن الصالح للفراخ الناشئة‏,‏ لا تصح فطرتها ولا تسلم تربيتها إلا فيه‏.‏ وما من أمة فشت فيها الفاحشة إلا صارت إلي انحلال‏....‏
ويضيف‏:‏ والقرآن يحذر من مجرد مقاربة الزنا‏,‏ وهي مبالغة في التحرز‏,‏ لأن الزنا تدفع إليه شهوة عنيفة فالتحرز من المقاربة أضمن‏.‏ فعند المقاربة من أسبابه لا يكون هناك ضمان‏.‏
ومن ثم يأخذ الإسلام الطريق علي أسبابه الدافعة‏,‏ توقيا للوقوع فيه‏...‏ يكره الاختلاط في غير ضرورة‏,‏ ويحرم الخلوة‏,‏ وينهي عن التبرج بالزينة‏,‏ ويحض علي الزواج لمن استطاع‏,‏ ويوصي بالصوم لمن لا يستطيع‏,‏ ويكره الحواجز التي تمنع من الزواج كالمغالاة في المهور‏,‏ وينفي الخوف من العيلة والإملاق بسبب الأولاد‏,‏ ويحض علي مساعدة من يبتغون الزواج ليحصنوا أنفسهم‏.‏ ويوقع أشد العقوبة علي الجريمة حين تقع‏.‏ وعلي رمي المحصنات الغافلات دون برهان‏...‏ إلي آخر وسائل الوقاية والعلاج‏,‏ ليحفظ الجماعة الإسلامية من التردي والانحلال‏.‏





من الدلالات اللغوية لألفاظ الآية الكريمة :
في قوله ـ تعالى ـ‏: "‏ وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى ...‏ "‏ أمر بالابتعاد عن جميع مقدمات الزنى من التبرج، والمبالغة في إبداء الزينة‏,‏ والاختلاط مع غير المحارم في غير ضرورة‏,‏ والخلوة غير الشرعية‏,‏ والخضوع المتكلف في القول‏,‏ وعدم غض البصر‏,‏ والنهي عن مجرد الاقتراب من هذه الجريمة البشعة ـ ألا وهي جريمة الزنى ـ هو أبلغ من النهي الوقوع فيها‏.‏
و‏(‏الزِّنَى)‏ هو وطء المرأة من غير عقد شرعي‏. يقال‏:(‏زَنَى‏) (يَزْنِي‏)‏ (زِنَىً‏),‏ و‏(‏زِنَاء‏)‏ أي فَجَرَ‏.‏
ويقال‏: (‏زَاَنَى‏) (‏مُزَانَاةً‏)‏ و‏(‏زِنَاءً‏)‏ بمعنى فعل الفجور والفحش‏.‏
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الفاحشة في تسعة مواضع منها‏:‏
‏(1)‏ ما ينزه عباد الرحمن عن الوقوع في هذه الجريمة النكراء، وفي ذلك بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏:‏ " وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً . يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً . إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً " ‏(‏الفرقان‏:68‏-‏70).
‏(2)‏ ومنها ما نزل من هداية الله ـ تعالى ـ لعباده أمراً بالبعد عن جميع مقدمات الزنى فيقول ـ عز من قائل ـ وسط سلسلة من الأوامر الربانية : " وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً " (الإسراء:32).
‏(3)‏ ومنها ما جاء حكما لجريمة الزنى في سورة النور، وذلك بقول ربنا ـ وهو أحكم الحاكمين ـ:‏ " الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ المُؤْمِنِينَ . الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنِينَ . وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوَهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ . إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " (النور:2-5).

وبالإضافة إلى هذه الأحكام القرآنية القاطعة، فإن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ينفي صفة الإيمان عن الزاني، وذلك بقوله الشريف‏ : "‏ لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن‏,‏ ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن‏,‏ ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن‏,‏ ولكن أبواب التوبة معروضة " ‏(‏البخاري‏,‏ وأبو داود‏,‏ وابن ماجة‏).

وعن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال‏:‏ قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ " يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن‏,‏ وأعوذ بالله أن تدركوهن‏:‏ لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا‏ "‏ (‏ابن ماجه‏).‏

من الدلالات العلمية والتشريعية للآية الكريمة
أولاً:‏ من الأضرار الصحية للزنى:‏
تعتبر خلايا التناسل أثمن الخلايا في جسم الإنسان؛ لأنها تحمل المخزون الوراثي من لدن أبينا آدم ـ عليه السلام ـ وحتى قيام الساعة‏،‏ ومن هنا كان واجب المحافظة عليها‏,‏ وعدم التفريط فيها بوضعها في غير مواضعها الشرعية‏، ومن هنا أيضاً كانت إرادة الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ في جعل المناطق الجنسية من أكثر مناطق الجسد حساسية وعرضة للأمراض إذا لم يحافظ عليها بعناية شديدة‏,‏ ومن أخطر ما يصيبها الصلات غير المشروعة بكل صورها وأشكالها وهيئاتها‏,‏ وما يتولد عنها من أمراض فتاكة تدمر الجسد تدميرا‏ًً,‏ ومن هنا كانت حكمة تحريم الزنى وجعله من الكبائر‏.‏

ومن الأمراض التي تنتشر بين الزناة ما يلي ‏:‏
‏(1)‏ مرض الزهري :(Venereal Disease) :‏
ويظهر على هيئة قروح جلدية خاصة في الأعضاء التناسلية وحولها‏,‏ وفي الشفا،ه وبين الأصابع، وفي الأغشية المخاطية بالجسم، ويصاحب ذلك بآلام في المفاصل وبالصداع الشديد خاصة عند النساء اللائي يضطرب عندهن الحيض‏,‏ ويتساقط الشعر من بقع متفرقة من الرأس والحاجبين‏,‏ وتتشقق الأظافر،‏ ويتطور هذا المرض ليصل إلى الأجهزة الداخلية بالجسم، مثل الكبد، والجهاز الهضمي‏ ,‏ والعقد البلعمية فيلهبها ويؤدي إلى انتشار الأورام المدمرة للأنسجة‏,‏ وإلى ظهور التدرنات الجلدية المختلفة‏,‏ والتهابات المفاصل والعضلات‏,‏ وتشوه العظام‏,‏ وتدمير الجهاز العصبي والمخ.‏
وقد يصاب المريض باليرقان والاستسقاء في البطن‏,‏ وإلى عدد من الالتهابات في أماكن مختلفة من الجسم تنتهي بكوارث، مثل فقد البصر وغيره من الحواس‏,‏ وتشوهات القلب والأوردة والشرايين‏‏ التي قد تفضي بالمصاب إلى القبر بعد معاناة وآلام لا تطاق.
وقد تنتقل هذه الأمراض إلى النسل‏,‏ فليس هناك احتمال لولادة طفل سليم من أم مصابة بمرض الزهري، أو من أب يحمل مسببات هذا المرض‏.‏

‏(2)‏ مرض السيلان ‏(Gonorrhea):‏ ويصيب هذا المرض الجهاز البولي / التناسلي بالتهابات شديدة تؤدي إلى إفراز قيح مخاطي مع البول‏,‏ وقد تنتقل جرثومة المرض بلمس المريض أو لمس بعض ملابسه أو حاجياته‏.
وهذا المرض قد ينتهي بالمريض إلى العقم الكامل بعد سلسلة من الالتهابات المؤلمة في الجهاز البولي / التناسلي قد تنتقل إلى بقية أجهزة الجسم‏,‏ وتعاني المرأة المصابة بهذا المرض من مضاعفاته الجسدية والنفسية أضعاف أضعاف معاناة الرجل خاصة عندما تصل الإصابة إلى الجلد وتؤدي إلى تشوهات عديدة به‏,‏ أو إلى العينين فتصيبهما بالعمى‏,‏ أو إلى الأجنة في بطون الأمهات المصابات فيؤدي ذلك إلى تشوهات خلقية عديدة‏.
ومن أخطار هذا المرض كمونه، بمعنى عدم ظهور الأعراض الخارجية له مباشرة‏,‏ وجراثيمه كامنة في داخل جسد المصاب ينقلها إلى غيره دون علمه‏.‏

‏(3)‏ مرض الحلأ أو التقرحات الفيروسيةHerpes :‏ ويعرف هذا المرض أيضاً باسم الحمى الحلئيةHerpes virus‏، ويصيب الجهاز البولي/ التناسلي بالتهابات مصحوبة بنزول سوائل بيضاء أو صفراء كريهة الرائحة، تلطخ الملابس الداخلية للمصابين،‏ وتؤدي إلى زحف البثور الناتجة عن هذه الالتهابات لتنتشر على الجلد وتتحول بالهرش إلى جروح شديدة الإيلام‏.
وفيروسات المرض تنتقل بالعدوى‏,‏ ومن أخطارها أنها تهاجم الأعصاب وتتسبب في تدميرها‏,‏ فإذا وصلت إلى النخاع الشوكي تسببت في التهاب السحايا‏,‏ وإذا وصلت إلى المخ قد تؤدي إلى الموت‏،‏ ولا يوجد لهذا المرض علاج ناجع إلى اليوم‏,‏ حيث إن كل الأدوية المقترحة تخفف من الآلام الناتجة عنه فقط على المدى الطويل من التداوي دون القضاء تماماً على فيروسه الذي يظل كامناً بجسم المصاب‏,‏ وقد يؤدي إلى سرطانات الجهاز البولي التناسلي/ مثل سرطانات الرحم‏,‏ البروستاتا‏ ـ ‏الموثة‏ ـ‏ وغيرها‏.‏

ومن أخطار هذا المرض أنه سريع الانتقال بالعدوى من إنسان لآخر بشكل مباشر‏؛ لأنه لا يصيب إلا الإنسان‏,‏ وإذا وصلت فيروساته ‏HSV1 ,HSV2‏ إلى الجلد فإنها تتكاثر بسرعة مذهلة‏,‏ ومن أخطاره أيضاً قدرة فيروساته على الاختباء داخلَ جسم المصاب، فلا يصلها تأثير المضادات الحيوية بسهولة‏.
ومن أخطار هذا المرض كذلك إمكانية إصابة الأجنة في بطون الأمهات المصابات أثناء عبورها لمنطقة عنق الرحم‏,‏ فيولد المولود فاقد البصر‏,‏ أو مشوه الخلقة، أو مدمر المخ‏.
ومع الفوضى الجنسية التي تجتاح عالم اليوم خاصة بين المراهقين من الشبان والشابات تحت مسمى الحرية الشخصية‏,‏ والتي ساعدت على استعارها البحوث الطبية بتوفير وسائل وأدوية منع الحمل والسماح بالإجهاض في أغلب الدول غير المسلمة، مما شجع على ممارسة الجنس في سن مبكرة، فلا يكاد الشاب أو الشابة يصل إلى سن العشرين إلا ويكون قد أصيب بأحد الأمراض الجنسية التي استقرت في جسده أو جسدها من الأمراض الجنسية التي انتشرت مؤخراً كانتشار النار في الهشيم‏،‏ والمصاب بها يدخل في دوامة من العلل الجسدية، ومن أبرزها العقم‏,‏ وأمراض نقص المناعة والأورام السرطانية العديدة‏,‏ والأمراض النفسية التي قد يصعب التخلص منها‏,‏ ومن صورها القلق‏,‏ والتوتر النفسي‏,‏ والاضطراب السلوكي‏,‏ والعوارض العصبية‏,‏ والانهيارات النفسية، وغيرها‏.

‏(4)‏ مرض القرح اللين ‏:‏ ويظهر على هيئة إصابات موضعية في الجلد والعقد البلعمية المجاورة خاصة في الأعضاء التناسلية‏,‏ ويظهر على هيئة بثور صغيرة متعددة تتقرح بسرعة وتفرز مواد قيحية‏‏ نتنة ودماء، وقد تمتد لتصيب مساحات كبيرة من الجلد فتسبب آلاما مبرحة فيه‏,‏ وقد تتطور هذه التقرحات إلى التليف والتشوه مما يحتاج أحياناً إلى التدخل الجراحي.‏

‏(5)‏ أمراض النمو الحبيبي التقرحي ‏:‏ ويظهر على هيئة تقرحات حبيبية أو حويصلية تصيب مساحات كبيرة من الجلد وما تحته والأغشية المخاطية وما تحتها خاصة في الأعضاء التناسلية وما حولها إلى أعلى الفخذين وأسفل البطن,‏ ويصاحب هذه التقرحات إفرازات منتنة من الدماء والصديد‏، وعند التئام تلك القرح تترك وراءها تليفات وندباً كبيرة مُشَوِّهة للغاية‏ يصعب علاجها حتى بالتدخل الجراحي‏.‏

‏(6)‏ أمراض النمو البلعمي الالتهابي ‏:‏ ويظهر على هيئة حويصلة أو عدد من الحويصلات في جلد المناطق التناسلية يتجمع داخلها سوائل سرعان ما تتقيح وتتحول إلى تورمات مؤلمة ناتجة عن التهاب وتضخم الغدد البلعمية،‏ ويكون التورم عادة في عقد متفردة تتجمع لتصبح كتلة واحدة تشكل خُرَّاجاً أو عدداً من الخُرَّاجات، تتحول إلى ناسور يفرز صديداً نتناً مختلطاً بالدم‏، ويصبح مركزاً للآلام الشديدة‏,‏ وقد يتحول إلى تشوهات خلقية عديدة‏.‏ ويصاحب هذا المرض عادة بشيء من ارتفاع درجة حرارة الجسم‏,‏ والتعرق‏,‏ والغثيان‏,‏ والرغبة في التقيؤ‏,‏ وآلام في الظهر والمفاصل‏,‏ وانسداد في الشهية‏,‏ ونقص في الوزن، وشعور بالانحلال العام في الجسم‏،‏ خاصة إذا وصلت الالتهابات إلى السحايا الدماغية‏,‏ أو تحولت إلى عدد من الأورام السرطانية.

(7)‏ أمراض نقص المناعة‏ (الإيدز‏) :‏ Acquired Immune Deficiency Syndrome A.I.D.S‏: وهو أحدث وأخطر الأمراض التي تنتقل بواسطة العلاقات الجنسية المحرمة‏,‏ ويسببه ما يعرف باسم فيروس نقص المناعة في الإنسان (‏HumanImmunodeficiencyVirus) (H.I.V.
ويعرف بأنه فيروس انقلابي ‏Retrovirus‏، وهو من مسببات الأمراض التي لم تكتشف إلا في سنة ‏1983م‏,‏ وهذا الفيروس الانقلابي لا يحيا إلا في سوائل الجسم ـ مثل الدم‏,‏ والإفرازات التناسلية‏ ـ‏ وهو لا يستطيع العيش خارج جسم الإنسان لمدد طويلة‏؛ ولذلك فإنه لا ينتقل إلا بالممارسات الجنسية غير المشروعة‏,‏ أو عن طريق نقل الدم‏.
ومن أخطار فيروس نقص المناعة كمونه داخلَ الجسم، وعدم ظهور أعراضه إلا بعد فترات تطول إلى عشر سنوات‏,‏ وإن كان بعض المرضى قد يموتون بعد شهور قليلة من بداية ظهور أعراض المرض‏.‏
ومن أخطار هذا الفيروس أنه يدمر الجهاز المناعي للجسم، ويدعه عرضة للإصابة بالأمراض‏,‏ ويهاجم كلاً من الجهاز الهضمي‏‏، والتنفسي، والعصبي‏,‏ كما يهاجم الأجنة في بطون أمهاتها المصابة بفيروس المرض،  ويصيب المريض بالإسهال المزمن الذي يؤدي إلى جفاف الجسم وهزاله‏.‏
كما قد ينتقل المرض إلى الجهاز التنفسي فيصيبه بالتهابات عديدة قد تنتهي بالتدرن الرئوي‏ ـ السل ـ‏ ويتسبب مرض نقص المناعة في العديد من سرطانات الجلد وأمراضه‏,‏ ويهاجم الجهاز العصبي المركزي مما يؤدي إلى أمراض عصبية ونفسية مختلفة‏,‏ وقد يصل إلى المخ فيصيبه بالالتهابات والأورام التي تنتهي بالخرف أو الموت‏,‏ هذا فضلاً عن الإصابة بالعقم عند الجنسين وبالآلام المبرحة في مختلف أجزاء الجسم‏.‏

ولا يوجد علاج حقيقي لهذا المرض بعد أنفقت الولايات المتحدة وحدها‏ (118‏ بليون‏)‏ دولار على مدى عشرين سنة في محاولة للوصول إلى مصل مضاد لفيروس نقص المناعة أو واقٍ للأجنة في أرحام الأمهات المصابات به دون جدوى،‏ وتقدر منظمة الصحة العالمية عدد المصابين بهذا المرض العضال في سنة ‏2000‏م بما يتراوح بين ‏(30‏ مليونا‏ًً) , (40‏ مليون)‏ فرد‏,‏ وقد تضاعف هذا العدد في هذه الأيام أضعافا كثيرة ‏.‏
وبالإضافة إلى هذه الأمراض السبعة الخطيرة هناك أكثر من سبعين مرضً وعارضاً مرضياً أُخَر تنقلها العلاقات الجنسية غير المشروعة‏,‏ وأغلب هذه الأمراض تسببها فيروسات‏,‏ وأنواع البكتريا‏,‏ والفطريات ,‏ والطفيليات التي وهبها الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ القدرة على مقاومة المضادات الحيوية التي تعالج بواسطتها‏.‏ وصدق الله العظيم إذ يقول في الفاسقين‏ :‏ " وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ العَذَابِ الأَدْنَى دُونَ العَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ . وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ " ‏(‏السجدة‏:22,21).‏

 

ثانياً‏:‏ الأضرار الأخلاقية لجريمة الزنى:‏
تدمر جريمة الزنى كل الأخلاق في المجتمعات التي تنتشر فيها، فتغيب الفضائل، وتسود الفواحش‏,‏ ويتلاشى الحياء‏,‏ وينتهي الوفاء‏,‏ وتنقلب الموازين‏,‏ ويسود الفساد، ويمحى التراحم بين الناس‏ الذين لا يتحاكمون إلا بالكذب والخيانة‏,‏ والوقاحة والخديعة‏,‏ والغدر والجريمة‏,‏ ولا تسيرهم إلا شهواتهم الدونية‏,‏ ورغباتهم الحيوانية‏,‏ ونفوسهم الوضيعة‏,‏ وأفكارهم الساقطة‏,‏ وعقولهم المنحطة‏,‏ وقلوبهم الميتة‏‏ التي يتحكم فيها شياطين الإنس والجن تحكماً كاملاً شاملا‏ًً,‏ ومجتمع هذا شأنه مآله إلى الدمار مهما طال به الأجل‏,‏ وأفراده غارقون في بحار من التعاسة الفردية والجماعية تعجز الألفاظ عن تصويرها‏.‏

 

ثالثا‏ًً:‏ الأضرار الاجتماعية لجريمة الزنى:‏
مع انتشار جريمة الزنى تتفكك العلاقات الأسرية‏,‏ وتهون الأعراض,‏ وتختلط الأنساب,‏ وتشتعل العداوات,‏ وتزداد الخلافات,‏ ويكثر أبناء الحرام‏,‏ ويتشردون بين الناس,‏ وترتفع معدلات الجريمة‏,‏ وتضيع الحقوق‏,‏ وتكثر الأمراض النفسية والعضوية‏,‏ وتنتشر بين الناس أسباب البغضاء والكراهية,‏ وتتلاشى من قلوبهم الغيرة والحمية‏,‏ وينمحي الإحساس بالعار والشعور بالذنب‏,‏ فتكثر المعاصي وتنتشر‏,‏ ويسود الشعور بالدونية‏,‏ وتنتشر الأمراض النفسية والاجتماعية المختلفة‏.‏

 

رابعاً‏:‏ الأضرار الاقتصادية لجريمة الزنى:‏
لجريمة الزنى من الأضرار الاقتصادية على مستوى الأفراد والجماعات ما لا يكاد العقل يتصوره‏,‏ وتكفي في ذلك الإشارة إلى ما ينفقه الزاني من أجل قضاء شهوته في الحرام‏,‏ وأعداد المومسات ممن لا عمل لهن سوى الغرق في الرذائل والمعاصي‏,‏ وهي طاقات معطلة في أي مجتمع تنتشر فيه هذه الجريمة، وتعتمد فيه العاهرات على دخلهن من الحرام‏.‏
كما تكفي الإشارة إلى ما تنفقه الدول في علاج المصابين بالأمراض الجنسية‏,‏ وعلى اللقطاء من أبناء الزنى‏,‏ وعلى الأيتام والمقعدين الذين أنتجتهم هذه الجريمة‏,‏ وهو عبء حقيقي على كواهل الدول الغنية‏,‏ وتدمير حقيقي لاقتصاد الدول الفقيرة‏.‏
وتكفي الإشارة كذلك إلى أعداد المصابين بعاهات تقعد عن العمل ممن وقعوا فريسة للأمراض الجنسية‏,‏ وهم كذلك عبء حقيقي على ميزانيات دولهم، وعلى دافعي الضرائب في مجتمعاتهم‏,‏ وعلى ذويهم‏.‏

وتكفي الإشارة إلى ظاهرة المساكنة التي انتشرت في الغرب أخيراً بشكل ملحوظ، وفيها يتعايش الصديقان معايشة الزوجية الكاملة بغير أدنى رباط رسمي‏,‏ وسرعان ما تنفض هذه العلاقة لأدنى الأسباب وأبسطها‏,‏ بعد أن تكون قد خلفت من التبعات ما يثقل كاهل الدولة‏.‏

كما تكفي الإشارة إلى ظاهرة الأطفال الذين ترعاهم أم دون أب‏,‏ أو أب دون أم‏,‏ وأعدادهم في تزايد مستمر مع الأيام,‏ وتكاليف إعاشتهم تثقل كاهل الدول الكبرى‏,‏ وتؤدي إلى كوارث اقتصادية واجتماعية في دول العالم الثالث‏.‏

من هنا كانت روعة التشريع الإسلامي بتحريم مجرد الاقتراب من مقدمات الزنى‏,‏ وقد نجح الإسلام في تطهير مجتمعاته من دنس هذه الجريمة‏,‏ بينما غرقت الدول غير المسلمة في وحل الزنى إلى آذانها بدعوى الحرية الشخصية‏.
فالحمد لله على نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله على بعثة الرسول الخاتم، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏