" وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ " (الروم:22)


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في بداية الثلث الثاني من سورة‏  " الروم "  وهي سورة مكية ، وآياتها ستون‏ (60)‏ بعد البسملة وقد سميت بهذا الاسم لاستهلالها بخبر انتصار الروم على الفرس قبل وقوعه بتسع سنوات وذلك بعد هزيمتهم المنكرة أمام الجيوش الفارسية قبل نزول هذه السورة المباركة بعدة سنوات ويدور المحور الرئيسي لسورة‏‏ (الروم)‏ حول عدد من ركائز العقيدة الإسلامية شأنها في ذلك شأن كل السور المكية‏ .‏وتبدأ سورة الروم بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ : " الـم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ‏*‏ فِي بِضْعِ سِنِينَ لله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ  " (الروم‏:1‏ـ‏5) .‏ والحروف المقطعة الثلاثة التي استهلت بها هذه السورة المباركة ‏"‏ الـم ‏"‏ تكررت في مطلع ست من سور القرآن الكريم هي ‏: (البقرة - آل عمران - العنكبوت – الروم - لقمان - السجدة‏) .‏ والحروف المقطعة ـ بصفة عامة ـ جاءت في مطلع تسع وعشرين سورة من سور القرآن الكريم وإن كان عدد من الدارسين لا يعتبر كلا من‏ (طه‏)‏ و‏ (يس‏)‏ من المقطعات وذلك لتوجيه الخطاب بعد كل منهما مباشرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يوحي بأنهما من أسمائه الشريفة‏ .‏و‏(‏المقطعات)‏ تعتبر من أسرار القرآن الكريم التي أوكلها أغلب المفسرين إلى علم الله ـ سبحانه وتعالى ـ وحاول البعض الاجتهاد في تفسيرها بما عرضناه في عدد من المقالات السابقة‏ .‏ وقد أشارت الآيات في مطلع هذه السورة المباركة إلى هزيمة الروم في ‏"‏ أَدْنَى الأَرْضِ ‏"‏ وهي المنطقة الممتدة من حوض وادي عربة جنوبا إلى بحيرة طبرية شمالاً مروراً بكل من حوضي البحر الميت ووادي الأردن‏ .

وقد أثبتت الدراسات الميدانية أن هذه المنطقة هي أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا عن مستوى سطح البحر وهي في نفس الوقت أقرب الأراضي إلى شبه الجزيرة العربية بل هي جزء من تكوينها‏ ;‏ ولفظة‏ (أدنى‏)‏ في اللغة العربية تحتمل المعنيين ‏:‏ الأخفض والأقرب‏ .‏ وأكدت السورة الكريمة على أن الروم سوف يغلبون من بعد غلبهم هذا في بضع سنين والبضع في اللغة بين الثلاثة والتسعة وقد تحقق نصر الروم على الفرس بالفعل بعد تسع سنوات‏ .‏
وهذه الآيات الكريمة التي جاءت في مطلع سورة‏‏ (الروم)‏ تؤكد أن الأمر لله ـ تعالى ـ من قبل ومن بعد وأن النصر بيده يهبه لمن يشاء من عباده‏ :
" وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيم ‏"‏ كما أكدت فرح المسلمين يومئذ لسببين واضحين ‏:‏
أولهما‏ :‏ بشرى انتصارهم في معركة‏ (بدر الكبرى‏)‏ على كفار ومشركي قريش‏ .‏
ثانيهما‏ :‏ بشرى انتصار جيوش الروم ـ وكانوا من بقايا أهل الكتاب ـ على جيوش الفرس ـ وكانوا من عبدة الأوثان‏ .‏ وقد تحققت البشارتان بأمر الله ـ تعالى ـ‏ . ‏
ثم تتابع الآيات بالتأكيد على أن وعد الله ـ سبحانه وتعالى ـ لا يخلف‏ ,‏ وباستنكار غفلة أغلب الناس عن الآخرة وضرورتها وحتمية وقوعها‏ ,‏ وعدم اعتبارهم بإبداع الخلق في أنفسهم وفي الكون من حواليهم وباستنكار كفر الكافرين بلقاء ربهم وعدم استفادتهم بما حدث للأمم من قبلهم جزاء تكذيبهم واستهزائهم بآيات الله ورسله ، وتستمر الآيات في التأكيد على أن الله ـ تعالى ـ هو الذي يبدأُ الخلق ثم يعيده وأن الخلق جميعهم إليه راجعون وأن المجرمين سوف يصلون إلى حد اليأس من فرط الحزن على مصيرهم الأسود يوم تقوم الساعة ويوم يتخلى عنهم شركاؤهم الذين أشركوهم في عبادة الله فيكفرون بهم ويتفرق الخلق إلى الذين آمنوا وعملوا الصالحات وجزاؤهم الجنة ينعمون فيها في فرح وسرور والذين كفروا وكذبوا بآيات الله ولقائه أو أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ففي النار يصطلون .  وفي هذه الآيات جاء الأمر بذكر الله وتسبيحه وحمده في المساء والصباح وفي العشية والظهيرة وذلك بالصلاة وبالدعاء وبالتنزيه عن الشبيه والشريك والمنازع والصاحبة والولد‏ ,‏ وعن جميع صفات خلقه وعن كل وصف
لا يليق بجلاله‏ ,‏ وفيها كذلك أمر بتمجيده ـ سبحانه وتعالى ـ بذكره بأسمائه الحسنى وصفاته العليا باللسان والقلب في هذه الأوقات المحددة لما فيها من بركات خاصة مما شجع بعض المفسرين على اعتبارها أوقات الصلوات الخمس التي حددها لنا ربنا ـ تبارك وتعالى ـ أو هي تعبير على إطلاق العبادة والذكر والتسبيح على طول الزمن انسجاما مع ما يقوم به كل ما بالكون من الجمادات والأحياء ومن الخلق المكلف وغير المكلف‏ .‏

ثم تستعرض السورة الكريمة في الآيات‏ (19‏ـ‏27)‏ عددا من آيات الله في الكون مما يشهد له ـ سبحانه وتعالى ـ بطلاقة القدرة وبديع الصنعة وإتقان الخلق وتضرب للناس مثلا من أنفسهم وتسألهم بطريقة الاستفهام الإنكاري التقريعي التوبيخي فتقول لهم‏ :‏ هل ترضون أن يكون لكم من مواليكم شركاء فيما مكناكم من حطام هذه الدنيا فلا تستطيعون التصرف في شيء منه إلا بإذنهم فإن كنتم لا ترضون ذلك لأنفسكم ولا تفعلونه ـ وهم أمثالكم في البشرية والعبودية لله تعالى ـ فكيف ترضونه لله الخالق وكيف تشركون في عبادته بعض مخلوقاته أو بعض مصنوع مخلوقاته تصنعونه بأيديكم ثم تعبدونه من دون الله أو تشركونه في عبادته؟ وبمثل هذا التفصيل تبين الآيات لأصحاب العقول المستنيرة كلا من الحق والباطل‏ ,‏ وتؤكد أن الذين كفروا يتبعون أهواءهم دون علم بعواقب كفرهم أو شركهم ولعلم الله تعالى بكبرهم وعنادهم يضلهم ومن يضلل الله فلا هادي ولا ناصر له‏ أبدا .
‏وبعد ذلك تأمر الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم ـ ومن بعده كل مؤمن برسالته ـ بأن يقيم وجهه للإسلام الحنيف أي يقبل عليه بكليته وبجماع قلبه وعقله لأنه هو الدين الوحيد الذي يرتضيه ربنا ـ تبارك وتعالى ـ من عباده‏ ,‏ لأنه دين الفطرة التي لا تبديل لها‏ ,‏ وإن كان أكثر الناس لا يعلمون ذلك إما لجهلهم أو لاستكبارهم على الحق أو لانغماسهم في معاصي الله‏ .‏
 كذلك تأمر الآيات بالإنابة إلى الله تعالى وتقواه ، كما تأمر بإقامة الصلاة وتحذر مرة أخرى من الوقوع في دنس الشرك لأن الله – تعالى -  لا يغفر أن يشرك به ويغفر دون ذلك لمن يشاء .
وفي الإشارة إلى شيء من طبائع النفس الإنسانية تذكر الآيات أن الناس إذا أصابهم الضر التجئوا إلى الله ـ تعالى ـ راجين كشفه عنهم متضرعين ، فإذا استجاب الله لتضرعهم سارع فريق منهم إلى الشرك به فتكون عاقبة أمرهم الكفر بأنعم الله ـ تعالى ـ وتنذرهم الآيات من شر تلك العاقبة مؤكدة أن من الناس من إذا أذاقهم ربهم نعمة ورحمة منه فرحوا بها إلى حد البطر وإذا أصابهم بشدة بسبب ما اقترفوا من ذنوب يئسوا إلى حد القنوط ونسوا أن الله ـ تعالى ـ هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفي ذلك تقول‏ :‏
" وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُون * وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ * أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ " (الروم‏:33‏-‏37) .‏
وتأمر الآيات بإيتاء ذي القربى حقه والمسكين وابن السبيل وتحرم الربا تحريما قاطعا وتحض على أداء الزكاة مؤكدة أن الله ـ تعالى ـ هو الخلاق الرزاق المحيي المميت وأن الذين عبدهم المشركون لا يستطيعون تحقيق شيء من ذلك وفي ذلك تقول‏ :‏
" فَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُريدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ * وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ * اللًّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشرِكُونَ "‏ (الروم‏:38‏ـ‏40) .‏
وبعد ذلك تشير الآيات إلى ظهور الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس مؤكدة عقاب الله تعالى للمفسدين في الأرض لعلهم يرجعون عن فسادهم وفي ذلك تقول‏ :‏
" ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ "‏ (الروم‏:41) .‏
وتأمر الآيات في سورة " الروم " بالسير في الأرض للاعتبار بما وقع من عذاب للأمم المشركة والكافرة من قبل مؤكدة ضرورة الاستقامة على منهج الله وهو الإسلام العظيم من قبل أن تأتي الآخرة فتصدع به كل الخلائق ، في وقت قد أغلقت أبواب التوبة ، فلا توبة لتائب ، ثم يجزي كل بعمله الذي أداه في الدنيا وفي ذلك تخاطب الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ  ‏:‏
" قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ * فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ * مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الكَافِرِينَ  "‏                                            (‏الروم‏:42‏ـ‏45) .‏
وتذكر الآيات بأن تصريف الرياح هو من دلالات طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الكون والمستوجبة شكر العباد لله –تعالى- ،  كما تعاود التذكير بعقاب المكذبين من مجرمي الأمم السابقة انتقاما منهم والتأكيد على أن نصر المؤمنين حق فرضه رب العالمين على ذاته العلية في كل مكان وزمان وفي ذلك تقول ‏:‏
" وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ "‏ (الروم‏:47) .‏
وفي الآيات من ‏(46‏ـ‏51)‏ تفصل سورة الروم كيفية تكون السحب الطباقية وإنزال الماء منها فيستبشر العباد بذلك بعد أن كانوا من اليائسين وتشبه إخراج الموتى من قبورهم بإحياء الأرض بعد موتها وذلك بإنبات النبات من خلالها مؤكدة أن الله ـ تعالى ـ على كل شيء قدير‏ ,‏ وتقارن بين الرياح المبشرة بالخير وبين ريح العقاب المصفرة‏ . ‏وتشبه الآيات إعراض كل من الكفار والمشركين عن الاستماع إلى رسالة الله الخاتمة بعجز كل من الموتى والصم عن الاستماع إلى محدثيهم‏ ,‏ خاصة إذا كان الأصم منهم مدبرا عن محدثه‏ ,‏ وبعجز الأعمى عن إبصار الطريق القويم وفي ذلك تقول موجهة الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم ‏:‏
" فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ المَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِ العُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ "‏ (‏الروم‏:52-‏53) .‏
وتذكر الآية رقم‏ (54)‏ من سورة‏‏
(الروم)‏ كل الناس بأن الله ـ تعالى ـ خلقهم من ضعف ثم جعل من بعد الضعف قوة ثم من بعد القوة ضعفا وشيبة حتى يرعى الكبيرُ الصغيرَ في طفولته‏ ,‏ ولا يغتر شاب بقوته‏ ,‏ ولا يحزن شيخ لضعفه في شيبته ويعلم الجميع أنها سنة الله في خلقه فيرضى كل بقسمته وبتقدير الله العليم القدير له‏ في هذه الحياة الدنيا .‏
وفي الآيات من ‏(55-57)‏ تأكيد على مرحلية الحياة الدنيا وفنائها وعلى فتنة الناس بها وغفلتهم عن الآخرة وخلودها وتناسيهم لحتمية وقوعها ثم مفاجأتهم بها في يوم القيامة ولذلك يقول ربنا‏-‏ تبارك وتعالى‏- :
"‏ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ "                                                   (الروم‏:57) .‏
وتختتم سورة‏
(الروم‏)‏ بخطاب موجه من الله ـ تعالى ـ إلى خاتم أنبيائه ورسله صلى الله عليه وسلم وإلى جميع المؤمنين برسالته من بعده مؤكدا كفر الذين يكذبون بالقرآن الكريم وقد طبع الله تعالى على قلوبهم بكفرهم فهم
 لا يرون الحق أبدا ولا يجدون إليه سبيلا وتأمر الآيات بالصبر على استخفافهم بدعوة الحق وتطمئن القلوب المؤمنة بأن وعد الله حق وهو واقع لا محالة وفي ذلك يقول ربنا‏-‏ تبارك وتعالى‏-
: " وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُم بِآيَةٍ لَّيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ * كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ‏* فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ "(الروم‏:58‏-‏60) .‏

من ركائز العقيدة الإسلامية في سورة الروم :
‏1ـ الإيمان بالله تعالى ربا واحدا أحدا فردا صمدا‏ -بغير شريك ولا شبيه ولا منازع ولا صاحبة ولا ولد‏-‏ هو رب كل شيء ومليكه وله الأمر من قبل ومن بعد في كل شيء ومن هنا وجب تنزيهه عن جميع صفات خلقه وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏ .‏
‏2‏ـ اليقين بأن النصر من الله تعالى الذي ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وبأن وعد الله حق وأنه تعالى
 لا يخلف وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏ .‏
‏3ـ التصديق بالآخرة وبحتمية الرجوع إلى الله ولقائه‏ ، والخضوع لحسابه وجزائه .‏
‏4ـ الإيمان بجميع أنبياء الله ورسله وبخاتمهم سيدنا محمد بن عبد الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ .‏
‏5‏ـ اليقين بأن الله ـ تعالى ـ يبدأُ الخلق ثم يعيده وبأنه هو الذي‏ " يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر‏ "‏ وأنه لا يظلم أحدا ولكن الناس أنفسهم يظلمون‏ .‏
6ـ التسليم بحقيقة كل من الجنة والنار وبأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سوف ينعمون في روضة يحبرون وأن الذين كفروا بالله تعالى أو أشركوا به أو كذبوا بآياته سوف يشقون في نار جهنم وهم في العذاب محضرون‏ .‏
‏7ـ التصديق بعمليتي الخلق الأول من تراب ثم البعث بعد الموت وبأنهما مناظرتان تماما لعمليتي إخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي في الدنيا وإحياء الأرض بعد موتها بمجرد ريها بالماء وبأن الله‏-‏ تعالى‏-‏ يخلق ما يشاء وأنه هو العليم القدير‏ .‏
8ـ الإيمان بأن الإسلام العظيم هو دين الله الذي أنزله على فترة من الرسل ثم أتمه وأكمله وحفظه في رسالته الخاتمة التي أنزلها على خاتم أنبيائه ورسله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأن هذا الدين هو فطرة الله التي فطر الناس عليها وأن الذين يتبعون أهواءهم بغير علم يضلهم الله ومن يضلل الله فلا هادي له‏ .‏
‏9‏ـ اليقين بأن‏ (الربا‏)‏ الذي‏ (يربو‏)‏ في أموال الناس لا يربو عند الله وأن صدقات التطوع التي تبذل في سبيل الله طلبا لمرضاته هي التي تستحق الحسنات المضاعفة أضعافاً كثيرة ، وبأن لكل من ذوي القربى والمساكين وأبناء السبيل حقوقا منحهم إياها الله ـ تعالى ـ  ولا يجوز لمسلم أن يقصر في أدائها أبدا‏ .‏

من الإشارات الكونية في سورة الروم :
‏1ـ وصف ساحة المعركة التي هزمت فيها جيوش الدولة الرومانية أمام جحافل الفرس سنة ‏614‏ـ‏615‏م بوصف أدنى الأرض بمعنى أخفضها أو أقربها وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن أغوار وادي عربة ـ البحر الميت ـ ووادي الأردن هي أخفض أجزاء اليابسة على الإطلاق وأقربها إلى شبه جزيرة العرب‏ .‏
‏2ـ الإخبار بغلبة الروم على الفرس بعد هذه الهزيمة المنكرة ببضع سنين وقد تم ذلك فعلا في حدود سنة ‏624‏م‏ .‏
‏3‏ـ التقرير بأن خلق السماوات والأرض قد تم بالحق وأجل مسمى
" وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ " (الروم:8).
4ـ التأكيد على أن الله تعالى هو الذي يبدأُ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون .
5ـ الجزم بأن الله ـ تعالى ـ هو الذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها ويبعث الخلق من قبورهم يوم القيامة‏ ... وكذلك تخرجون * .‏
‏6ـ الإشارة إلى خلق الإنسان من تراب في زوجية واضحة جعلها ربنا ـ تبارك وتعالى ـ سكنا وراحة نفسية للزوجين وجعل بينهما مودة ورحمة .
7ـ التأكيد على المعجزة في خلق السماوات والأرض وجعل أصل البشرية واحدا مع اختلاف الألسنة وألوان البشرة‏.‏
8ـ التأكيد على أن الله ـ تعالى ـ قد جعل الليل سكناً للناس وجعل النهار معاشاً لهم ، وعلى الرغم من ذلك فقد أعطى الله سبحانه وتعالى الإنسان القدرة على النوم بالنهار كما جعل من الحيوانات ما ينام بالليل فقط وما ينام بالنهار فقط‏ .‏
9ـ ذكر ظاهرة البرق وارتباطها بإنزال المطر وإحياء الأرض بعد موتها والتأكيد على علاقة الأرض بالسماء وأنهما تقومان بأمر الله ـ تعالى ـ ، وتشبيه إخراج الموتى من قبورهم في يوم البعث بأمر الله بعملية إنبات الأرض بعد إنزال ماء السماء عليها .‏
10‏ـ الإشارة إلى الإفساد المادي والمعنوي بكل من البر والبحر بما تكسبه أيدي الناس والتأكيد على أن الله ـ تعالى ـ سوف يذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون‏ .‏
11ـ وصف تصريف الرياح وعلاقة ذلك بجريان الفلك بأمر الله ووصف كل من السحاب الطباقي وطرائق تكوينه وإنزال المطر منه وتكوين السحاب الركامي ومصاحبته بالبرق والرعد والمطر وهو سبق لكل العلوم المكتسبة بمئات من السنين‏ .‏
12ـ الإشارة إلى المراحل المتعاقبة في دورة حياة الإنسان على الأرض من ضعف إلى قوة ثم إلى ضعف وشيبة‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها ولذلك فسوف أقصر الحديث في المقال القادم إن شاء الله على النقطة السابعة من القائمة السابقة والتي تتحدث عن المعجزة في خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنة وألوان البشر وهم جميعاً من أصل واحد ، فإلى ذلك الحين أستودعكم الله .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ‏.‏

تابع الجزء(ب)من المقال فى المقطع رقم2



هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في أوائل الثلث الثاني من سورة "الروم" وهي سورة مكية ، وآياتها ستون‏ (60)‏ بعد البسملة , ويدور محورها الرئيسي‏ حول عدد من ركائز العقيدة الإسلامية ، شأنها في ذلك شأن كل السور المكية‏ , وقد استهلت بالإخبار ببشرى انتصار الروم على الفرس قبل وقوعه بعدة سنوات , وكان الروم قد هُزموا هزيمة منكرة أمام جيوش الفرس قبل نزول هذه السورة المباركة بعدة سنوات .

وقد سبق لنا استعراض سورة "الروم" ونركز هنا على الدلالة العلمية لقول ربنا -تبارك وتعالى-:"وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ" (الروم:22)

من الدلالات العلمية للآية الكريمة:
أولا : في قوله –تعالى- : "وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ َ" (الروم:22).
من أول ما أدرك علماء الفلك من مكونات السماء : مجموعتنا الشمسية وهي تضم بالإضافة إلى الشمس أحد عشر كوكبا , وتسعة وثمانين قمراً , وآلاف الشهب والنيازك , وكميات من الدخان . وتبلغ المسافة بين الشمس وأقرب كواكبها إليها (هو عطارد) 58 مليون كيلو متراً , بينما يقع أبعد كواكبها وهو كوكب سيدنا (Sedna) على مسافة تقدر بحوالي 13.5 بليون كيلومتراً من الشمس .
وشمسنا هي واحدة من مليون مليون نجم تكون مجرتنا المعروفة باسم " سكة التبانة " أو " درب اللبانة " على هيئة قرص مفلطح يقدر قطره بحوالي مائة ألف سنة ضوئية (950 ألف مليون مليون كم), ويقدر سمكه بعشر ذلك (95 ألف مليون مليون كم) .
وقد تخيل الفلكيون في وقت من الأوقات أن مجرتنا هي كل الكون ليفاجأوا باكتشاف ما بين مائتي ألف مليون مجرة وثلاثمائة ألف مليون مجرة في الجزء المدرك من الكون , وبعض هذه المجرات أكبر من مجرتنا كثيرا , وبعضها الآخر أصغر قليلا . وتتربى المجرات في مجموعات تتعاظم في الكبر بالتدريج من المجموعات المحلية إلى الحشود المجرية الصغرى والعظمى والتى تنتظم على هيئة كروية تدرس في شرائح مقطعية بأبعاد في حدود (150×100×15) سنة ضوئية و أكبر هذه الشرائح التى درست يسمى مجازا باسم " الحائط العظيم " الذي يزيد طوله على (250مليون) سنة ضوئية , أي 2375 مليون مليون كم , وقد تم الكشف عن حوالي مائة من الحشود المجرية العظمى التى تكون قرصا يبلغ طول قطره  بليوني سنة ضوئية وسمكه عشر ذلك , أى مائتي مليون سنة ضوئية . ويعتقد عدد من الفلكيين المعاصرين أن بالجزء المدرك من الكون تجمعات أكبر من ذلك .

والنجوم تعتبر أفرانا نووية كونية عملاقة يخلق الله -تعالى- لنا فيها مختلف صورة المادة والطاقة اللازمة لبناء الجزء المدرك من الكون والمحافظة عليه . وبالإضافة إلى النجوم وتوابعها هناك السدم , والمادة بين النجوم والمواد الداكنة , والدخان الكوني , وغير ذلك من مختلف صور المادة والطاقة المحسوسة وغير المحسوسة في ظلمة الجزء المدرك من الكون .  ويقدر الفلكيون كتلة الجزء المدرك بمائة ضعف كتلة المادة والطاقة المرئية والمحسوسة فيه وإذا علمنا أن النجوم هي زينة السماء الدنيا فقط أدركنا عظمة ما حولها من السماوات الست الباقيات . والنظرية المقبولة لدى معظم علماء المعاصرين عن نشاة الكون هي " نظرية الانفجار العظيم " ونحن معشر المسلمين نؤمن بصدقها لوجود إشارة إليها في كتاب الله الخالق . ومن طبيعة الانفجار أنه يؤدي إلى أن تناثر المادة المنفجرة وبعثرتها , ولكن انفجاراً يؤدي إلى بناء كون شاسع الاتساع , دقيق البناء , ومحكم الكتل والأحجام والمسافات, منضبط الحركة في الجري والدوران في كل جزئية من جزئياته من اللبنات الأولية للمادة إلى الكون كله لا يمكن إلا أن يكون انفجارا مقدراً تقديرا محكما من الخالق العظيم .

ووحدة البناء في الجزء المدرك من الكون تشير إلى وحدانية الخالق البارئ المصور , وإلى تنزهه فوق جميع خلقه وفوق كل وصف لا يليق بجلاله . من هنا كان الاستدلال بخلق السماوات من أعظم الشواهد على وجود الله -سبحانه وتعالى- , وعلى تفرده بالألوهية والربوبية والخالقية والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه . أما عن الأرض فنحن نعيش على كرة من الصخر تقدر كتلتها بحوالي ستة آلاف مليون مليون مليون طنا ومساحتها (510) مليون كيلومتراً مربعا تمثل اليابسة منها (148) ، مليون كيلو متراً مربعا والأجزاء المغمورة بالماء منها (362) مليون كيلومتراً مربعا , وحجمها مليون1350 كيلو متراً مكعبا , ومتوسط كثافتها 5.5 جم/ سم 3 . ولو زادت كتلة الأرض قليلا لكان وزن الغلاف الغازي الذي تجذبه أعلى من تحمل حياة ذكية كحياة الإنسان، ولو قلت قليلا لما أمكنها جذب غلاف غازي بدقة التركيب والكثافة والضغط اللازمة للحياة على الأرض ويقدر متوسط المسافة بين الأرض والشمس بحوالي مائة وخمسين مليون كيلو متراً، ولو كانت أقرب قليلا إلى الشمس لأحرقت الطاقة المنبعثة منها كل صور الحياة على سطحها ، ولو كانت أبعد قليلا لتجمدنا وتجمدت الحياة من حولنا . والأرض تدور حول محورها بسرعة تقدر بحوالي 30 كم في الدقيقة لتتم دورتها في يوم مقداره حاليا (24) ساعة تقريبا ، يتقاسمه ليل ونهار، بتفاوت يزيد وينقص حسب الفصول المناخية التى تتبادل بسبب ميل محور دوران الأرض على دائرة البروج بزاوية مقدارها (66.5) درجة تقريبا ، ويعزى لذلك أيضا تتابع الدورات الزراعية ، وهبوب الرياح ، وهطول الأمطار بأمر الله . ولو لم يكن محور دوران الأرض بهذا الميل ما تتابعت الفصول المناخية ، وإذا لم تتتابع لاستحالت الحياة . والأرض تجرى حول الشمس في مدار بيضاني (إهليلجي) قليل الاستطالة بسرعة تقدر بحوالى 30 كم في الثانية لتتم دورتها هذه في سنة شمسية مقدارها (365.25) يوما تقريبا ، تتقاسمها فصول أربع هي : الربيع ، والصيف ، والخريف ، والشتاء . والأرض كوكب فريد في كل صفة من صفاته ، مما أهله بجدارة لكي يكون مهداً للحياة الأرضية بكل مقوماتها وصفاتها . فكل أمر من أمور الأرض بدءا من بنيتها الداخلية إلى تضاريس سطحها ، ومن صفات نطقها الصخرية ، والمائية ، والهوائية ، والحيوية ، من مختلف صور المادة والطاقة فيها ، ومن دورات ذلك كله (دورة الصخور ، دورة الماء ، دورات الهواء ، دورات الحياة ، دورات التغذية ، والهدم والبناء ، وغيرها) ، ومن نطق الحماية المختلفة التى حباها الخالق -سبحانه وتعالى- بها , ومن علاقاتها بأجرام السماء من حولها , كل ذلك يشهد للخالق البارئ المصور بطلاقة القدرة , وبديع الصنعة , وإحكام الخلق , لذلك قال ربنا -تبارك وتعالى- : "وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ َ" (الروم:22).

ثانيا قوله –تعالى- : " وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ " (الروم:22).
يخلق الفرد من بني آدم من نطفة أمشاج (مختلطة) نصفها موروث عن الأب وأسلافه إلى أبينا آدم –عليه السلام– والنصف الآخر, موروث عن الأم وأسلافها إلى أمنا حواء –عليها رضوان الله- , ثم تنمو هذه النطفة المختلطة (إذا شاء الله تعالى لها النماء) لتصبح تريليونات الخلايا المتخصصة في أنسجة وأعضاء ونظم متخصصة تتعاون من أجل المحافظة على حياة كل فرد منا ما قدر الله –تعالى- له الحياة . وإذا كان الفرد منا ينحل جسده إلى النطفة الأمشاج التي قدر الله –تعالى- له أن يخلق منها , فإن بلايين البشر الذين يملأون جنبات الأرض اليوم , والبلايين التي عاشت من قبل وماتت , والبلايين التي سوف تأتي من بعدنا إلى قيام الساعة ينتهي نسبها إلى شيفرتين وراثيتين كانت إحداهما في صلب أبينا آدم والأخرى في صلب أمنا حواء , لذلك يتشابه البشر جميعا في التركيب الكيمائي للحمض النووي الريبي منزوع الأوكسجين الذي تكتب به الشيفرة الوراثية إلى نسبة 99.9% ويختلفون فقط في نسبة 0.1% . ومن طلاقة القدرة الإلهية أن الله -تعالى- يعطى لكل فرد من بني الإنسان بصمة وراثية خاصة به تميزه عن غيره . وكما أعطت طلاقة القدرة الإلهيه المبدعة من فروق لا تتعدى 0.1% في تركيب الحمض النووي الذي تكتب به الشيفرة الوراثية , بصمة وراثية خاصة لكل فرد من بني آدم وقد شاءت إرادة الله الخالق أن يبني من اللغة الواحدة التي تكلم بها أبوانا آدم وحواء –عليهما رضوان الله–التي كانت هي اللغة العربية أكثر من خمسة آلاف لغة ولهجة يتحدث بها أهل الأرض اليوم ولابد لهذا التنوع في ألسنة البشر من علاقات وراثية وبيئية وزمنية محددة تعكس جانبا من طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق . أما عن ألوان البشر والتنوع الهائل فيها بين الأحمر والأبيض والأصفر والأسود وما بين ذلك ، فإن التنوع فيها يرجع أيضا إلى عدد من الصفات الوراثية والبيئية التى تؤدي إلى اختلاف نسبة كل من  صبغتى " الميلانين " و " الهيموجلوبين " في خلايا الجسم بصفة عامة وفي الخلايا الجلدية -بصفه خاصة وتأثيرها بين الصبغتين لا يتوقف عند حدود تلوين البشرة والشعر والعينين , بل يتعدى ذلك إلى العديد من الوظائف الحيوية الهامة . ولو كان أهل الأرض جميعا يتكلمون بلغة واحدة ولهم لون عينين وبشرة وشعر واحد , وسمات جسدية واحدة لكانت الحياة مملة , سقيمة , غير مرضية , ولذلك يَمُنُّ علينا ربنا -تبارك وتعالى- بقوله العزيز : " وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ " (الروم:22) . ولما كان المرء منا لا دخل له في لون بشرته أو شعره أو عينيه , نهى الإسلام العظيم عن التمييز بين الناس على أساس من اللغة أو اللهجة أو لون البشرة والشعر وعن أي تعصب على أساس من ذلك , فقد يولد توأم من نفس البطن يتفاوت في كل منهما لون البشرة والشعر.

ثالثا : في قوله –تعالى- : " وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ " (الروم:22).
هذه الحقائق العلمية الدقيقة عن خلق السماوات والأرض وعن اختلاف الألسنة واللهجات مع الأصل الواحد للإنسان , لم يكتشف منها شيء ذو بال إلا في القرنين الماضيين , وسبق القرآن الكريم بالاستشهاد بها دليلاً على حقيقة الألوهية والربوبية , والخالقية والوحدانية المطلقة لله الخالق فوق جميع خلقه , واعتبارها من آيات الله الدالة على حقيقته لهي من المعجزات العلمية والعقدية للقرآن الكريم الذي أنزل منذ أكثر من أربعة عشر قرناً على نبي أمي صلوات ربي وسلامه عليه , وفي أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين , ولم يكن ممكنا لإنسان عايش تلك الحقبة أن يكون له رأي في مثل هذا المستوى العلمي الرفيع إلا أن يكون موصولاً بالوحي , ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض . ومن هنا تتضح ومضة الإعجاز العلمي في قوله –تعالى- : "وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ" (الروم:22)

فالحمد لله على نعمة الإسلام العظيم , والحمد لله على بعثة خير المرسلين -صلوات الله وسلامه عليه- , والحمد لله على نعمة القرآن الكريم الذي تعهد ربنا -تبارك وتعالى- بحفظه فحفظه حفظاً كاملاً على مدى أربعة عشر قرناً أو يزيد في نفس لغة وحيه -اللغة العربية- وتعهد بهذا الحفظ تعهداً مطلقاً ليبقى القرآن حجة على الخلق أجمعين إلى قيام يوم الدين .