"إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً" ‏(‏الإسراء‏:9)


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في أوائل سورة الإسراء‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها‏(111)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الإسم لورود الإشارة فيها إلي رحلة الإسراء والمعراج التي كرم الله ـ تعالي ـ بها خاتم أنبيائه ورسله ـ صلي الله عليه وسلم ـ تكريما لم ينله مخلوق من قبل ولا من بعد‏.‏

 

ويدور المحور الرئيسي لسورة الإسراء حول قضية العقيدة الإسلامية‏,‏ شأنها في ذلك شأن كل السور المكية‏.‏ وتبدأ بقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏
" سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ "‏(‏الإسراء‏:1).‏
ثم تنتقل السورة الكريمة إلي الحديث عن‏(‏ التوراة‏),‏ ذلك الكتاب المقدس الذي أنزله الله ـ سبحانه وتعالي ـ علي عبده ونبيه موسي بن عمران‏,‏ وجعله هداية لبني إسرائيل فانصرفوا عنه‏.‏ وتذكرهم الآيات بأنهم من ذرية الناجين من طوفان نوح‏,‏ ولكنهم آثروا الانحراف عن منهج الله‏,‏ والصد عن سبيله فكتب الله ـ سبحانه وتعالي ـ عليهم النكبات عقابا لهم علي إجرامهم وإفسادهم في الأرض‏,‏ وظلمهم وجورهم‏.‏
ثم تمتدح سورة الإسراء القرآن الكريم‏,‏ ذلك الكتاب الخاتم الذي أنزله الله‏(‏ تعالي‏)‏ بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بحفظه في نفس لغة وحيه‏(‏ اللغة العربية‏)‏ علي مدي الأربعة عشر قرنا الماضية‏,‏ وتعهد بهذا الحفظ تعهدا مطلقا كي يبقي القرآن شاهدا علي جميع الخلق إلي قيام الساعة بأنه كلام الله الخالق وشاهدا للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة ولذلك قال ربنا ـ تبارك اسمه ـ‏:‏
إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ‏(‏الإسراء‏:9)‏
وتقرر الآيات أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ قد أعد للذين لا يؤمنون بالآخرة عذابا أليما‏,‏ وأن الإنسان في طبعه شئ من الاندفاع والعجلة‏,‏ ومن المبادرة بالدعاء بالشر قبل الدعاء بالخير‏,‏ علما بأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ قد فصل له كل شئ‏,‏ في محكم كتابه الذي تقرر آياته المسئولية الفردية في الهدي والضلال وتقضي بأنه‏(...‏ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ‏...),‏ وأن الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ لا يعذب أحدا دون إنذار‏(...‏ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً),‏ ومن هنا كانت حكمة الله‏(‏ تعالي‏)‏ باتخاذه العهد علي ذاته العلية بحفظ رسالته الخاتمة‏.‏
كذلك تقرر الآيات في سورة الإسراء قاعدة التبعية الجماعية في التصرفات والسلوك‏,‏ وتحذر من الترف المخل الذي يؤدي إلي الفسوق‏,‏ ومن ثم إلي التدمير والهلاك‏,‏ كما تحذر من الإقبال علي الدنيا ونسيان الآخرة‏,‏ وتحذر من عواقب ذلك‏,‏ وتدعو إلي السعي للآخرة مع الإيمان الكامل‏,‏ وتؤكد أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ يمد بعطائه الدنيوي كلا من المؤمنين والكافرين‏,‏ وأن التفاضل في درجات الآخرة أكبر وأعظم من التفاضل في أمور الدنيا‏.‏ وتحذر الآيات من أخطار الشرك بالله‏(‏ تعالي‏),‏ وتؤكد أن الواقع في هذه الكبيرة مذموم مخذول‏,‏ كما تؤكد أن الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ قد قضي بألا يعبد سواه‏,‏ وتثني بالحض علي بر الوالدين‏,‏ وإيتاء ذوي القربى‏,‏ والمساكين‏,‏ وأبناء السبيل في غير إسراف ولا تبذير‏,‏ وتأمر بتحريم قتل الذرية‏,‏ وبعدم الاقتراب من جريمة الزنا‏,‏ وتحرم القتل بغير الحق تحريما قاطعا‏,‏ كما تأمر برعاية مال اليتيم‏,‏ وبالوفاء بالعهود‏,‏ وبتوفية كل من الكيل والميزان‏,‏ وتؤكد المسئولية عن الحواس‏,‏ وتنهي عن الخيلاء والكبر‏,‏ وتكرر التحذير من الشرك‏,‏ مؤكدة أن جزاء الواقع فيه هو الخلود في جهنم مذموما مدحورا‏,‏ وتستنكر الآيات في‏(‏ سورة الإسراء‏)‏ فرية الولد والشريك لله‏(‏ تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا‏)‏ وتبين ما فيها من اضطراب وتهافت‏,‏ وتقرر توحيد الكون لله‏(‏ تعالي‏)‏ وخضوع كل من فيه وما فيه لذات الله العلية بالعبادة والتسبيح والتقديس والتنزيه عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏.‏
ثم تنتقل الآيات إلي الحديث عن أوهام الوثنية الجاهلية حول نسبة البنات والشركاء إلي الله‏(‏ تعالي‏),‏ وإلي موقف كفار قريش ـ وموقف الكفار والمشركين من بعدهم في كل زمان ومكان ـ من الاستماع إلي القرآن الكريم‏,‏ وهم يجاهدون أنفسهم في صم آذانهم عنه‏,‏ وإغلاق عقولهم عن الإنصات إلي حجيته‏,‏ وصد قلوبهم عن التحرك بما نزل فيه من الحق‏,‏ وصرف فطرتهم عن أن تستجيب لندائه الصادق‏.‏
وبعد ذلك تستعرض الآيات موقف الكفار والمشركين من خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ وإنكارهم لبعثته الشريفة‏,‏ وتؤكد نزغ الشيطان بين الناس وأنه عدو مبين لهم‏,‏ كما تؤكد أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو المتصرف في شئون الخلائق بلا معقب لحكمه‏,‏ ولا راد لأمره‏,‏ وأنه‏(‏ تعالي‏)‏ أعلم بمن في السماوات والأرض‏,‏ وقد فضل بعض النبيين علي بعض‏,‏ وأن دور الرسول منحصر في التبليغ عن ربه‏(‏ سبحانه وتعالي‏),‏ وفي الإنذار والتبشير‏.‏
ثم تبين الآيات السبب في أن معجزات الرسول الخاتم‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ لم تكن كلها من قبيل الخوارق المادية التي كذب بها الأولون‏,‏ فمعجزته الخالدة هي القرآن الكريم‏,‏ والخوارق المادية شهادة علي من رآها من الناس‏,‏ والقرآن باق إلي قيام الساعة‏.‏ ثم تتناول تكذيب المشركين لما رآه رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ في رحلة الإسراء والمعراج من خوارق‏,‏ ويجئ في هذا السياق طرف من قصة إبليس وإعلانه أنه سيكون حربا علي ذرية آدم‏(‏ عليه السلام‏),‏ وتعقب الآيات بتخويف البشر من عذاب الله‏,‏ وتذكيرهم بنعمه عليهم‏,‏ وبتكريمه للإنسان‏,‏ وبمصائرهم في يوم القيامة‏.‏
ويأتي في الجزء الأخير من هذه السورة المباركة استعراض كيد المشركين لخاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ ومحاولة فتنته عن بعض ما أنزل إليه‏,‏ ومحاولة إخراجه من مكة المكرمة‏,‏ ولو أخرجوه قسرا قبل أن يأذن الله‏(‏ تعالي‏)‏ له بذلك لحل بهم العذاب والهلاك الذي حل بالأمم من قبلهم حين أخرجوا رسلهم أو قاتلوهم أو قتلوهم‏,‏ وتأمر الايات هذا النبي الخاتم‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بالاستمرار في طريقه متعبدا لله‏(‏ تعالي‏)‏ بما أمر‏,‏ داعيا إياه‏(‏ سبحانه‏)‏ أن يحسن مدخله ومخرجه‏,‏ وأن يعلن مجيء الحق وظهوره‏,‏ وزهوق الباطل واندحاره‏,‏ مؤكدا أن هذا القرآن فيه شفاء وهدي للمؤمنين‏,‏ بينما الإنسان علمه قليل‏,‏ قليل‏,‏ قليل‏!!!‏
وتختم السورة الكريمة كما بدأت بحمد الله‏,‏ وبتقرير وحدانيته‏(‏ بلا شريك ولا شبيه ولا منازع ولا صاحبة ولا ولد‏),‏ وتنزيهه‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ عن الشريك والشبيه والمنازع والصاحبة والولد وعن الحاجة إلي الولي والنصير‏,‏ وهو العلي الكبير المتعال‏,‏ وأن له الأسماء الحسني‏,‏ والصفات العلي‏,‏ وتأمر بالتوسط في تلاوة القرآن الكريم في الصلاة فتقول‏:‏
" قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَياًّ مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً "‏(‏الإسراء‏:111,110)‏
من ركائز العقيدة في سورة الإسراء
‏1)‏ ضرورة تنزيه الله‏(‏ تعالي‏)‏ عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏.‏
‏2)‏ الإيمان بقدسية كل من المسجد الحرام والمسجد الأقصى‏,‏ وبضرورة تطهيرهما من دنس المعتدين‏,‏ والمحافظة علي وجودهما بأيدي المسلمين‏,‏ والدفاع عنهما بالنفس والنفيس مهما كلف ذلك من ثمن‏.‏
‏3)‏ التصديق بمعجزة الإسراء والمعراج‏,‏ وما اطلع عليه المصطفي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ أثناءها من أحداث ومراء عديدة‏,‏ وأمور خارقة للعادة‏.‏
‏(4)‏ اليقين بأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو رب السماوات والأرض ومن فيهن‏,‏ وهو قيوم السماوات والأرض ومن فيهن‏,‏ المهيمن علي الوجود كله‏,‏ الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر‏,‏ والذي يرحم من يشاء ويعذب من يشاء‏,‏ وأنه‏(‏ تعالي‏)‏ هو السميع البصير الخبير العليم‏,‏ وهو الحليم الودود الغفور‏,‏ وأنه‏(‏ تعالي‏)‏ ما كان معذبا أحدا حتى يبعث رسولا‏,‏ وأن الكون بجميع من فيه وما فيه‏,‏ يخضع لله‏(‏ تعالي‏)‏ بالعبادة والطاعة والتسبيح إلا عصاه الإنس والجن‏,‏ وإن سبحت خلايا وذرات أجسادهم رغم أنوفهم‏.‏
‏5)‏ التسليم بأن التوراة أنزلت بالتوحيد الكامل لله‏(‏ تعالي‏)‏ الذي أيد عبده ورسوله موسي‏(‏ عليه السلام‏)‏ بتسع آيات بينات‏,‏ كفر بها فرعون وآله فأغرقهم الله أجمعين‏,‏ ولذلك فإن توحيد الله‏(‏ تعالي‏)‏ واجب علي كل العباد‏,‏ نزلت به كل الشرائع‏,‏ ومن هنا كان الشرك بالله كفرا به‏,‏ وكان من موجبات الذم والخذلان في الدنيا والآخرة‏,‏ والإلقاء في جهنم خلودا فيها أبدا باللوم والدحور‏,‏ حيث لا يملك الذين أشركوا بهم كشف الضر عنهم أو تحويله‏.‏
‏6)‏ التصديق بأن جهنم هي مثوى الكافرين الضالين المنكرين للبعث‏,‏ أو الجاحدين لبعثة النبي والرسول الخاتم‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏).‏
‏7)‏ اليقين بأن القرآن الكريم قد أنزل بالحق‏,‏ وأنه
‏"...‏ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً" ‏(‏الإسراء‏:9).‏
وأن القرآن الكريم‏,‏ هو
"... شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً "‏ (‏الإسراء‏:82)‏
وأن هذا الكتاب معجز في كل أمر من أموره‏,‏ لا تقوي قوة علي وجه الأرض أن تأتي بشيء من مثله‏:‏
" ُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً "(الإسراء‏88).‏
‏8)‏ التسليم بأن كل إنسان مسئول مسئولية كاملة عن أعماله‏,‏ وأنه سوف يسلم كتابا تفصيليا بتلك الأعمال في يوم القيامة حتي يكون هو حسيبا علي نفسه‏,‏ وأنه "‏...‏ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ‏..." (‏ الإسراء‏:15).‏
‏9)‏ الإيمان بأن الترف المسرف من موجبات التدمير الذي حدث للعديد من الأمم السابقة‏,‏ وأن السعي المشكور هو السعي للآخرة‏,‏ مع عدم إهمال مسئولية الفرد في الحياة الدنيا‏,‏ وأن التفاضل فيه أكبر من التفاضل في ماديات الدنيا‏,‏ وأن البعث بعد الموت حتمي وضروري‏.‏
‏10)‏ التصديق بأن الإنسان مخلوق مكرم‏,‏ خلقه الله‏(‏ تعالي‏)‏ من طين‏,‏ ونفخ فيه من روحه‏,‏ وعلمه من علمه‏,‏ وفضله علي كثير من خلقه‏,‏ وأمر الملائكة بالسجود له‏,‏ وأن الشيطان عدو مبين للإنسان‏.‏
‏11)‏ التسليم بأن مهمة الأنبياء والمرسلين هي التبليغ عن الله‏(‏ تعالي‏),‏ والإنذار والتبشير‏,‏ وأن الله‏(‏ جل شأنه‏)‏ قد فضل بعض النبيين علي بعض‏,‏ وآتي داود كتابا اسمه الزبور كما آتي موسي كتابا اسمه التوراة‏.‏
‏12)‏ اليقين بأن كل أناس في الآخرة سوف يدعون بإمامهم
"... فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً "  ‏(‏ الإسراء‏:71).‏
‏14)‏ الإيمان بأن الروح غيب من أمر الله‏,‏ لا يعلمه إلا الله‏(‏ تعالي‏),‏ وعلي ذلك فلا يجوز الخوض في مثل هذه الغيوب المطلقة‏.‏
‏15)‏ اليقين بأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو المستحق للحمد وللتكبير‏,‏ وأنه‏(‏ سبحانه وتعالي‏)...‏ لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل‏...‏ وأنه‏(‏ جل شأنه‏)‏ منزه عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله ومنزه عن جميع هذه النقائص تنزيها كبيرا‏,‏ لأنها من صفات المخلوقين والخالق ـ جل شأنه ـ منزه عن صفات المخلوقين‏.‏

من التشريعات الإسلامية في سورة الإسراء
‏1)‏ أن بر الوالدين فريضة إسلامية‏,‏ ومن أعظم الطاعات لله‏,‏ ومن موجبات رحمته ومغفرته‏,‏ وكذلك إيتاء ذي القربى حقه‏,‏ والمسكين‏,‏ وابن السبيل‏,‏ وعدم التبذير والإسراف لأن المبذرين هم إخوان الشياطين‏(‏ وكان الشيطان لربه كفورا‏),‏ وعدم البخل والتقتير وجعل اليد مغلولة إلي العنق‏.‏
‏2)‏ تحريم قتل الأولاد خشية الإملاق‏,‏ لأن الله ـ تعالي ـ هو‏(‏ الرزاق ذو القوة المتين‏).‏
‏3)‏ النهي القاطع عن الاقتراب من الزنا ومن جميع مقدماته
"...‏ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ".‏
‏4)‏ النهي عن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق‏,‏ وعن الإسراف في القصاص لذلك‏.‏
‏5)‏ النهي عن أكل مال اليتيم أو الاقتراب منه إلا بالتي هي أحسن حتي يبلغ أشده‏.‏
‏6)‏ الأمر بالوفاء بالعهد وبتأكيد المسئولية عنه‏,‏ وبالوفاء بكل من الكيل والميزان‏.‏
‏7)‏ الأمر بالمحافظة علي الحواس مثل السمع والبصر والفؤاد‏,‏ واستخدامها فيما يرضي الله ـ تعالي ـ والتأكيد علي مسئولية الإنسان عن حواسه مسئولية كاملة‏.‏
‏8)‏ النهي عن الاختيال والزهو بالنفس وعن الاستعلاء والاستكبار في الأرض‏,‏ لأن الإنسان أضعف من ذلك‏,‏ والله ـ تعالي ـ لايحب كل مختال فخور‏.‏
‏9)‏ الأمر بإقامة الصلاة لدلوك الشمس إلي غسق الليل‏,‏ وبالتهجد نافلة بالليل‏,‏ وبتلاوة القرآن في الفجر لأن‏(..‏
 إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ‏).‏

من الإشارات الكونية في سورة الإسراء
‏1)‏ الإشارة الي آيتي الليل والنهار‏,‏ أي‏:‏ نورهما‏,‏ حيث كان الليل ينار بظاهرة بقي منها اليوم ما يعرف بظاهرة الفجر القطبي‏,‏ وكان النهار ينار ـ كما ينار اليوم ـ بالحزمة المرئية من ضوء الشمس‏,‏ فمحي الله تعالي نور الليل بواسطة نطق الحماية المتعددة التي خلقها حول الأرض‏,‏ وأبقي ظاهرة الفجر القطبي دلالة علي ذلك‏.‏
‏2)‏ النهي القاطع عن الاقتراب من الزنا أو الخوض في مقدماته لأنه من الفواحش وسبيله الهلاك في الدنيا والآخرة‏.‏
‏3)‏ الإشارة إلي تسبيح كل شيء في هذا الوجود لله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ ماعدا عصاة كل من الجن والإنس وفي ذلك يقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏
" وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ..."  (‏ الإسراء‏:44).‏
‏4)‏ الإشارة إلي ما وهب الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ الماء من قدرات تمكنه من حمل الفلك في البحر بقانون الطفو‏.‏
‏5)‏ التأكيد علي أن الروح من الغيوب المطلقة التي لا سبيل للإنسان في الوصول اليها‏.‏
‏6)‏ الإشارة إلي أن أجل كل كائن محدد سلفا في علم الله ولا حيلة لمخلوق في تحديد أجله‏.‏

وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلي معالجة خاصة فإلي المقال القادم إن شاء الله‏.‏