" أَفَرَأَيْتُمُ المَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ . أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أَمْ نَحْنُ المُنزِلُونَ . لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ " (الواقعة‏:68‏-‏70‏).


هذه الآيات الكريمة جاءت قبل بداية الربع الأخير من سورة الواقعة مباشرة‏ ,‏ وهي سورة مكية ‏,‏ وعدد آياتها ست وتسعون‏ ,‏ ويدور محورها الرئيسي حول قضية البعث والرد على منكريه‏ ,‏ وسميت باسم الواقعة لاستهلالها بذكر وقوع القيامة بما فيها من أهوال ‏,‏ والتأكيد على حتمية وقوعها والإشارة إلى عدد من الأحداث الجسام المصاحبة لها ‏,‏ ومنها تبديل أقدار الناس برفع أفراد منهم ‏,‏ وخفض آخرين‏ ,‏ ومنها زلزلة الأرض زلزلة شديدة‏ ,‏ وبس الجبال وتفتيتها ‏,‏ وذرو فتاتها‏ ,‏ وغير ذلك من أحداث جسام‏ !!!‏
وعقبت الآيات بأن الخلق في ذلك اليوم الرهيب منقسمون إلى سابقين وهم ندرة نادرة ‏,‏ وأهل يمين وهم قلة قليلة ‏,‏ وأهل شمال وهم كثرة كاثرة‏ ,‏ واصفة جزاء كل صنف منهم هذا الجزاء المتباين بين التكريم لكل من السابقين وأهل اليمين تكريما يتناسب وما قدموه في الحياة الدنيا من إيمان وأعمال صالحة ‏,‏ وجزاؤهم الخلود في جنات النعيم بمنازلها المتعددة‏ ,‏ وبين إهانة وتحقير يتناسبان مع أعمال أهل الشمال وكفرهم‏ ,‏ وعصيانهم ‏,‏ وإنكارهم للبعث ‏,‏ وتجبرهم على الخلق مما أوجب لهم العذاب الشديد الذي سيخلدون به في جهنم أبدا‏ !!‏
وهذا الاستعراض القرآني بوصف كل من أهل الجنة وأهل النار يؤكد حتمية مصائر الموصوفين كما وصفهم بأسلوب يجعل الآخرة هي الواقع القائم‏,‏ ويجعل الدنيا كأنها الماضي الفائت - ‏احتقارا لشأنها - ‏,‏ وتهوينا من أمرها‏,‏ وتأكيدا أن الزمن من خلق الله ‏,‏ والمخلوق لا يحد الخالق أبدا‏ ,‏ هذا الخالق العظيم الذي يقع كل من الماضي والحاضر والمستقبل منه ‏(‏ سبحانه وتعالى ‏)‏ موقف الحاضر القائم‏ ,‏ فلا يغيب شيء عن علمه‏ ...!!‏
وأشارت السورة الكريمة إلى عدد من آيات الله في السموات والأرض ‏,‏ وفي خلق الإنسان وإماتته ‏,‏ وذلك في مقام إقناعه بحتمية البعث‏,‏ والشهادة لله الخالق‏ ,‏ المحيي المميت‏ ,‏ الباعث‏ ,‏ الشهيد بطلاقة القدرة ‏,‏ وبالألوهية ‏, ‏والربوبية‏ ,‏ والوحدانية ‏, ‏وبعبودية خلقه له ‏(‏ سبحانه وتعالى ‏) ,‏ وخضوعهم لأوامره ‏,‏ والمداومة على عبادته ‏,‏ وطاعته ‏,‏ وتسبيحه ‏,‏ وتمجيده ‏,‏ وتقديسه ‏,‏ وتنزيهه‏ (‏ جل وعلا ‏)‏ عن كل وصف لايليق بجلاله ‏(‏ من قبيل ما وقع فيه الخاطئون من نسبة الولد أو الزوجة ‏,‏ أو الشريك أو الشبيه أو المنازع له في سلطانه ‏,‏ وكلها صفات بشرية تتنافي مع جلال الربوبية وعظمة الألوهية‏ ) .‏
وعلى ذلك تقسم الآيات الكريمة بمواقع النجوم ـ وهو قسم بالقطع عظيم‏ ,‏ وإن كان أغلب الناس لايدركون قدره ـ على أن القرآن كتاب كريم‏,‏ مصون بأمر الله تعالى لايمسه إلا المطهرون‏ ,‏ أنزله الله بعلمه‏,‏ وحفظه بقدرته هداية للعالمين‏...!!‏
وتنعي سورة الواقعة على كل من الكافرين والمشركين تكذيبهم لوحي القرآن الكريم ‏,‏ ورفضهم التسليم بأنه كلام رب العالمين ‏,‏ مما دفع بهم إلى الإعراض عنه ‏,‏ وعن هدايته الربانية‏ ,‏ وفي مقام التحذير من ذلك‏,‏ تذكر السورة بمصائر الخلق يوم القيامة‏,‏والذي استهلت به مطلعها‏...‏ فتعاود تذكير الناس بمشهد الاحتضار‏,‏ وحشرجة الصدر ‏,‏ وبلوغ الروح الحلقوم‏,‏ والأهل والأصدقاء حول المحتضر‏,‏ لايملكون له شيئا‏,‏ ولايستطيعون لكربه كشفا‏,‏ولا لموته دفعا‏..‏ والله ‏(‏تعالى‏)‏ مطلع على المحتضر وعليهم‏ ,‏ عالم بأحواله وأحوالهم ‏,‏ وهو أقرب إليه منهم‏ ,‏ ولكنهم لا يدركون ذلك ولا يحسونه‏..!!‏وفي مشهد الاحتضار هذا يبشر الصالحون ‏,‏ ويتوعد الكفار والمشركون كل بمصيره في الآخرة‏ ..‏
فأما إن كان من السابقين المقربين فله من الله ‏(تعالى‏)‏ كل راحة هنيئة‏ ,‏ ورحمة واسعة ‏,‏ وبشرى بالخلود في جنات النعيم التي يطلعه الله تعالى على منزلته فيها لحظة نزعه‏ ,‏ وأما إن كان من أصحاب اليمين فتسلم عليه الملائكة وتبشره بأنه من أهل اليمين ‏.‏
وأما إن كان من المكذبين الضالين ‏..‏ فله الوعيد الحق بالخلود في نار جهنم‏ ,‏ في نزل من حميم‏ ,‏ وتصلية جحيم إلى أبد الآبدين‏ ...!!‏
وتختتم السورة الكريمة بالتأكيد أن كل ما ورد فيها من أمور هو حق مطلق‏,‏ ويقين ثابت‏,‏ لايداخله أدنى شك‏,‏ لأنه كلام رب العالمين الذي أنزله بعلمه‏ ,‏ وحفظه بحفظه‏ ,‏ والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه‏ ,‏ وتقفل السورة الكريمة بأمر من الله‏ (‏تعالى‏)‏ إلى خاتم أنبيائه ورسله ‏(وهو أمر للخلق كافة‏)‏ أن يداوم على تسبيح الله‏ ,‏ وذكر اسمه العظيم بالتمجيد والتقديس مع التنزيه عن كل نقص ‏,‏ وكل وصف لايليق بجلال ربوبيته‏ ,‏ وألوهيته ‏,‏ ووحدانيته ‏,‏ وتفرده بالسلطان في ملكه ‏,‏ بغير شريك ‏,‏ ولا شبيه ‏,‏ ولا منازع‏ ,‏ وهذا هو معنى التسبيح وهو الذكر الدائم لجلال الله بكل اسم‏,‏ ووصف‏,‏ وفعل نسبه ‏(‏تعالى‏)‏ لذاته العلية ‏,‏ وهو من صور الشكر لله على عظيم نعمائه ‏.‏

والآيات الكونية التي استشهدت بها سورة الواقعة آيات عديدة نختار منها ‏:‏
‏(1)‏ إيجاد الإنسان من العدم ‏,‏ وخلقه من مني يمني في مراحل متتابعة أثناء نشأته الجنينية‏ ,‏ حتى ميلاده ‏,‏ ونموه ‏,‏ ووفاته ثم بعثه للخلود في حياة أبدية قادمة‏ .‏
‏(2)‏ حتمية الموت على جميع المخلوقين ,‏ وتسلسل الخلق من بعدهم إلى يوم الدين مما يؤكد حتمية البعث‏ .‏
‏(3)‏ إنبات الأرض بمختلف الزروع‏ ,‏ وهو صورة من صور إنشاء الحياة بيد القدرة الإلهية المبدعة‏,‏ وإنبات الأرض أمر معجز‏,‏ ولو شاء الله ‏(‏تعالى‏)‏ ألا تنبت ما أنبتت‏,‏ ولو شاء أن تنبت ولاتثمر ما أثمرت‏,‏ ولو شاء أن تنبت وتثمر وألا يمكن الخلق من ثمارها لفعل بتهشيم النبات وإفنائه قبل نضج الثمار ‏.
‏(4)‏ إنزال الماء من السحاب المشبع ببخار الماء‏ ..‏ عذبا ‏,‏ زلالا‏ ,‏ طيبا‏ ,‏ ولو شاء لأنزله مالحا أجاجا‏,‏ لايستساغ له طعم‏,‏ ولاتصلح به حياة‏ .‏
‏(5)‏ إعطاء الشجر الأخضر إمكانية خزن جزء من طاقة الشمس على هيئة عدد من الروابط الكيميائية التي تشكل كل صور الوقود للإنسان على سطح الأرض وفي داخلها‏ ,‏ والوقود هو مصدر النار‏ ,‏ والنار مصدر من مصادر الطاقة‏ .‏
‏(6)‏ الإشارة إلى المسافات الشاسعة التي تفصل النجوم عنا وعن بعضها البعض تعبيرا عن عظمة الكون‏ ,‏ وتأكيدا للحقيقة القاطعة التي لم تدرك إلا في القرن العشرين ‏,‏ والتي مؤداها ان الإنسان لا يمكن له أن يرى النجوم من مكانه على الأرض أبدا نظرا لضخامة أبعادها عنا‏ ,‏ وسرعة تحركها في أفلاكها‏ ,‏ ولكنه يري مواقع مرت بها تلك النجوم ‏.‏
‏(7)‏ عجز الخلق أجمعين عن إنقاذ محتضر يعاني سكرات الموت ‏.
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏ ,‏ وسوف أناقش هنا النقطة الرابعة فقط ألا وهي إنزال الماء من السحاب المشبع ببخار الماء عذبا‏ ,‏ زلالا ‏,‏ طيبا‏...!! (الآيات‏:68‏-‏70‏ من سورة الواقعة‏)‏ وقبل الخوض في ذلك أعرض لأقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة تلك الآيات الكريمة‏ .

أقوال المفسرين:
 فى قوله تعالى " أَفَرَأَيْتُمُ المَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ . أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أَمْ نَحْنُ المُنزِلُونَ . لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ  "  (الواقعة‏:68‏-‏70‏(
ذكر ابن كثير رحمه الله ما نصه‏ " أفرأيتم الماء الذي تشربون‏ . أأنتم أنزلتموه من المزن‏ "( الواقعة‏:68‏-‏69) يعني السحاب "‏ أم نحن المنزلون "يقول بل نحن المنزلون"‏ لو نشاء جعلناه أجاجا‏ " أي زعافا مرا لايصلح لشرب ولا لزرع " فلولا تشكرون" أي فهلا تشكرون نعمة الله عليكم في إنزاله المطر عليكم عذبا زلالا ‏,"‏ لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون‏ "‏ )النحل:10) روى ابن أبي حاتم‏ ,‏ عن جابر ‏,‏ عن أبي جعفر‏ ,‏ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا شرب الماء قال ‏:‏ الحمد لله الذي سقانا عذبا فراتا برحمته ‏,‏ ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا . وذكر باقي المفسرين كلاما مشابها لا أري داعيا لتكراره .

الماء في القرآن الكريم:
وردت كلمة ماء في القرآن الكريم ثلاثا وستين مرة ‏,‏
وهي لفظة تدل على المفرد والجمع معا ‏,‏ هذا عدا خمس مرات وردت فيها لفظة ماء بمعني النطفة ‏.‏ أو ماء التناسل ‏. وتشير الآيات ‏(68‏ -‏70)‏ من سورة الواقعة إلى حقيقتين مائيتين مهمتين ‏:‏ أولاهما إنزال ماء المطر من المزن‏ [‏ جمع مزنة وهي السحابة البيضاء أي المشبعة بقطيرات الماء أو المضيئة أي المليئة بالبرق أو الممطرة‏] .‏
وثانيتهما ‏:‏ إنزال ماء المطر عذبا زلالا ‏,‏ ولو شاء الله تعالى لجعله ملحا أجاجا أي مالحا مرا‏ ,‏ والعباد لا يشكرون الله على نعمائه ‏...!!‏
الماء :
هو سر من أسرار الحياة‏ , وأصل من أصولها التي لا يمكن لها أن توجد بدونه ‏,‏ وهكذا قدر الخالق العظيم‏ ,‏ فجعل الأرض أغني الكواكب المعروفة لنا ثراء بالماء‏,‏ فأنشأه من عناصره وأخرجه من داخلها‏ ,‏ ليتكثف ويعود إليها مطرا‏ ,‏ وبردا ‏,‏ وثلجا‏ ,‏ يفتت صخورها‏ ,‏ ويشق الفجاج والسبل فيها‏ ,‏ ويكون تربتها‏ ,‏ وصخورها الرسوبية ‏,‏ ويركز أعدادا من الثروات المعدنية فيها‏,‏ ويجري على سطحها سيولا جارفة‏,‏ وأنهارا متدفقة‏,‏ وجداول جارية لينتهي به المطاف إلى منخفضات الأرض مكونا البحيرات والبحار والمحيطات ‏,‏ كما يتسرب إلى ما دون قشرة الأرض ليكون عددا من الخزانات المائية تحت سطح الأرض ‏,‏ أو يرطب كلا من تربتها والأجزاء الدنيا من غلافها الغازي‏ ,‏ أو يتجمع على هيئة سمك متفاوت من الجليد على قطبي الأرض وفوق قمم الجبال الشاهقة ‏.‏ وقد اقتضت مشيئة الخالق ‏(‏سبحانه وتعالى‏)‏ أن يسكن في الأرض كمية محدودة من الماء في محيطاتها‏,‏ وبحارها‏,‏ وبحيراتها‏,‏ وأن يجري هذا الماء في أنهارها وجداولها‏,‏ وأن يختزن بعضه في الطبقات المسامية والمنفذة من قشرتها‏ ,‏ وفي بعض الصخور المتشققة من صخور تلك القشرة الأرضية‏ ,‏ ليخرجه على هيئة العيون والينابيع ‏,‏ وأن يحتبس جزءا آخر على هيئة الجليد فوق القطبين وفي قمم الجبال وهذا كله بالقدر المناسب بغير زيادة ولا نقصان‏ ,‏ والكافي لمتطلبات الحياة على الأرض بالضبط‏,‏ وهذا التوازن الحراري المناسب في غلافها الغازي القريب من سطحها‏,‏ وعدم وجود فروق كبيرة بين درجات حرارة كل من الشتاء والصيف بما يلائم مختلف صور الحياة الأرضية‏,‏ وهذا القدر الموزون من الماء لا يزيد عن حجم معين‏(1337‏ مليون كيلومتر مكعب‏)‏ فيغطي كل سطح الأرض‏,‏ ولا ينقص عن ذلك فيقصر دون متطلبات الحياة على سطحها‏ .‏

ذلك اقتضت إرادة الخالق ‏(‏تبارك اسمه‏)‏ أن يحرك هذا الماء كله في دورة معجزة كي لا يفسد ‏,‏ فتبخر حرارة الشمس منه في كل عام‏380.000‏ كيلومتر مكعب منها‏320.000‏ كم‏3‏ من أسطح البحار والمحيطات ‏,60.000‏ كم‏3‏ من الكتل المائية على اليابسة ومن تنفس وعرق وإخراج كل من الإنسان والحيوان ‏,‏ ونتح النباتات ‏.‏ وهذا البخار يتصاعد في نطاق التغيرات الجوية المحيط بالأرض والذي جعل له الخالق ‏(‏سبحانه وتعالى‏)‏ خاصية التبرد بالارتفاع حتى تصل درجة حرارته إلى ستين درجة مئوية تحت الصفر فوق خط الاستواء ‏,‏ فيتكثف بخار الماء فيه ‏,‏ ويعود للأرض مطرا‏,‏ وهكذا دواليك ‏...!!‏وينزل على الأرض في كل سنة ‏380.000‏ كم‏3‏ من ماء المطر‏,284.000‏ كم3‏ على البحار والمحيطات ‏,‏ و‏96.000‏كم‏3‏ على اليابسة والفارق بين كمية المطر وكمية البخر على اليابسة يفيض إلى البحار والمحيطات للمحافظة على منسوب الماء فيها في كل فترة زمنية محددة‏,‏ ونزول المطر من السحب لايزال أمرا غيبيا‏,‏ يصعب تفسيره من الناحية العلمية‏,‏ وذلك بسبب الاعتقاد السائد بأنه يتم بواسطة عدد من التفاعلات الطبيعية غير المعروفة بالتحديد‏,‏ من بينها حركات الرياح الأرضية ‏,‏ وإمكانية إثارتها لقدر من الغبار الدقيق من سطح الأرض ‏,‏ والذي يبقي ‏(‏لدقته المتناهية‏)‏ عالقا في نطاق التغيرات المناخية المحيط بالأرض لفترات طويلة ‏, ‏من بينها الشحنات الكهربية في السحابة الواحدة أو في السحب المتصادمة‏,‏ ومنها اختلاف درجات الحرارة ونسب الرطوبة في تلك السحب المتصادمة‏ ,‏ ومن بينها أثر الرياح الشمسية على أجواء الأرض ‏,‏ وغير ذلك من التفاعلات ‏.‏ وتحتوي السحب على حوإلى2%‏ فقط من الماء الموجود في الغلاف الجوي للأرض‏ (‏والذي يقدر بحوالي‏15.000‏ كم‏3)‏ ويوجد على هيئة قطيرات متناهية الضآلة في أحجامها‏ (‏في حدود المايكرون الواحد في أقطارها‏) ,‏ وتلتصق هذه القطيرات الدقيقة بالهواء للزوجتها ‏,‏ وذلك في السحب غير الممطرة أي السحب العادية التي تحملها الرياح ولا تسقط مطرا على الأرض إلا إذا تم تلقيحها بامتزاجها بسحابة تختلف عنها في درجة حرارتها ‏(‏إحداهما ساخنة والأخرى باردة‏) ,‏ أو بواسطة عدد من الجسيمات الدقيقة بهباءات الغبار التي تثيرها الرياح من فوق سطح الأرض وتلقح بها السحب فتعين بإذن الله على إنزال الماء منها‏...!!‏ وعلى ذلك فإن إنزال المطر يبقى ـ في الحقيقة ـ سرا من أسرار الكون لايعلمه‏,‏ ولا يرتبه إلا الله‏,‏ وإن جاهد العلماء في محاولة فهم كيفية إنزال المطر من السحب المحملة بقطيرات الماء‏...‏ ولفهم ذلك لابد أولا من فهم كيفية إنشاء السحب بصفة عامة‏,‏ والسحب الممطرة بصفة خاصة‏,‏ وهي عملية خارجة تماما عن طاقة القدرة الإنسانية مهما تطورت معارف الإنسان وارتقت تقنياته ‏.‏ تفسير العلوم المكتسبة لكيفية إنشاء السحب الممطرة ‏(المزن‏)‏ ، المزن ‏(‏أو السحب المزينة‏)‏ جمع مزنة وهي السحابة البيضاء أي المشبعة بقطيرات الماء‏,‏ ويطلق التعبير كذلك على السحابة المضيئة أي المصاحبة بالبرق‏ ,‏ وكلاهما من السحب الممطرة مما جعل ذلك وصفا للمزن‏,‏ وذلك لأنه ليست كل السحب ممطرة ‏.‏ وتري العلوم المكتسبة أن إنشاء السحب يتم بإذن الله كنتيجة لتكثيف بخارالماء المتصاعد من الأرض إلى مختلف مستويات نطاق الرجع‏ (‏نطاق التغيرات الجوية الذي يرتفع لمسافة فوق مستوي سطح البحر تتراوح بين‏7‏ كم‏,‏ و‏16‏ كم‏)‏ خاصة في الأجزاء العليا منه ‏,‏ وذلك على هيئة قطيرات دقيقة جدا من الماء يتمكن الغلاف الغاري للأرض في هذا النطاق من حملها لضآلة كتلتها ‏.‏

  



 

وتلعب الرياح دورا مهما في تكوين السحب ‏,‏ والرياح ظاهرة جوية مرتبطة بالتفاعل بين الكتل الهوائية المختلفة ‏,‏ وهي دافئة ورطبة فوق المحيطات المدارية ‏,‏ وحارة جافة فوق الصحاري ‏,‏ وباردة جافة فوق المناطق القطبية ‏,‏ وتتداخل هذه الكتل الهوائية مع بعضها البعض بفعل حركة الرياح ‏,‏ وبذلك تتكون السحب والأعاصير وغير ذلك من المظاهر الجوية‏ .‏ هذا على المستوى الشمولي لكوكب الأرض‏ ,‏ إلا أن التضاريس المحلية تعقد من تلك الصورة بعض الشيء‏ .‏ وعندما يسخن الهواء في منطقة ما بملامسته لسطح الأرض بحيث يصبح أدفأ من كتل الهواء المحيطة به‏,‏ فإنه يتمدد وبتمدده تقل كثافته ويتناقص ضغطه فيرتفع إلى أعلى ‏,‏ ومع الارتفاع يتناقص ضغطه أكثر‏,‏ وتنخفض درجة حرارته‏ (‏لبعده عن مصدر الدفء وهو سطح الأرض الذي يمتص حرارة الشمس ويعاود إشعاعها‏) ,‏ ويزداد تبرد كتلة الهواء بازدياد ارتفاعها في نطاق التغيرات الجوية‏(‏ الرجع‏)‏ مما يصل برطوبتها إلى درجة التشبع فتتكثف وبتكثفها تتكون السحب‏,‏ وقد تسقط الأمطار والثلوج‏ .‏كذلك فإن الفرق في درجات الحرارة بين اليابسة والماء يؤدي إلى تسخين كتل الهواء فوق اليابسة في فصل الصيف ‏,‏ وبالتالي يعينها على الارتفاع إلى أعلى كي تحل محلها كتل باردة من فوق ماء البحر ‏(‏نسيم البر والبحر‏)‏ لتكون دورة أفقية للهواء تنتج عنها السحب على طول السهل الساحلي للبحر وكذلك الحال في اختلافات درجة الحرارة بين التضاريس الأرضية المتعددة ‏(‏كدورة الرياح بين الجبال والأودية والأغوار‏)‏ وهذه الرياح الأفقية قد تعترضها دفقات رأسية بفعل تيارات الحمل مما قد يؤدي إلى حدوث دوامات اضطراب تكون سحبا موجية غير منتظمة قد تصحبها رياح عاصفة ومدمرة في بعض الأحيان ‏.‏والمكونات الأساسية للسحب هي الهواء الرطب ‏,‏ والتبرد ‏,‏ والرياح التي تحمل مزيدا من الهواء الرطب للسحب المكونة‏ ,‏ وتوفر عددا من نويات التكثف ‏,‏ وهي هباءات دقيقة من الغبار أو من بعض المركبات الكيمائية التي لها جاذبية لبخار الماء من نقل كبريتات النوشادر‏ ,‏ أو بعض دقائق الأملاح المتصاعدة مع بخار الماء‏ ,‏ وبغياب أي من هذه الشروط لا تتكون السحب ‏,‏ وتبقي الرياح عقيمة ‏,‏ أو تتكون السحب ولكنها تكون سحبا غير ممطرة ‏,‏ وبذلك يتضح أن تكون السحب وهطول الأمطار من الأمور الخارجة عن نطاق القدرة الإنسانية ‏ .

وللسحب أنواع عديدة‏ ,‏ ولكن القليل منها هو الممطر‏ (المزن‏)‏ ومن هذه الأنواع ما يلي‏ :‏
‏(1)‏ السحب الركامية :
وهي سحب رأسية ذات قمم سامقة على هيئة السلاسل الجبلية وتتميز بسمك كبير قد يصل إلى أكثر من‏15‏ كم‏ ,‏ وتشبه في هيئتها جبال الأرض ‏,‏ وقد تتطور إلى مايعرف بالسحب الركامية المزنية‏(‏ أي الممطرة‏)‏ وهي النوع الوحيد المعروف بين السحب بمصاحبة ظواهر حدوث كل من الرعد والبرق وتكون البرد‏,‏ وذلك بسبب سمكها الكبير‏,‏ وبرودتها الشديدة ‏.‏ والسحاب الركامي ‏(‏المركوم‏)‏ هو السحاب المتراكم بعضه على بعض‏,‏ ويتكون بفعل الرياح التي تسوق قطعا من السحب الصغيرة إلى مناطق محددة تلتقي وتتجمع فيها مما يؤدي إلى زيادة ركمها أفقيا ورأسيا وبالتالي تؤدي إلى زيادة سمكها وإلى تكديس كميات كبيرة من بخار الماء فيها‏,‏ وزيادة قدرتها على إنزال المطر‏,‏ بإذن الله ومن المشاهد أنه عندما تلتحم سحابتان أو أكثر فإن تيار الهواء الصاعد داخل السحابة يزداد بصفة عامة‏,‏ مما يساعد على جذب مزيد من بخار الماء إلى قلب السحابة من قاعدتها‏,‏ وهذا بدوره يزيد من الطاقة الكامنة لتكثف بخار الماء والتي تساعد هي الأخرى على زيادة سرعة التيار الهوائي الصاعد دافعا بهذا التجمع المركوم إلى ارتفاعات أعلى‏,‏ خاصة وسط التجمع حيث تكون التيارات الصاعدة أقوى ماتكون فتظهر كالنافورة المتدفقة إلى أعلى بالماء‏ ,‏ أو كالبركان الثائر الذي يدفع بزخات الحمم والدخان إلى مئات الأمتار فوق فوهته ‏.‏ وفي السحب الركامية الشاهقة الارتفاع تتساقط حبات المطر من قاعدة السحابة‏,‏ بينما ـ يتجمع في وسطها خليط من الماء شديد البرودة وحبات البرد المتفاوتة الجرم‏,‏ وفي قمتها تغلب بللورات الثلج والبرد ‏.‏ وهذا هو السحاب الركامي المزني الذي يصاحب عادة بحدوث كل من الرعد والبرق ‏,‏ وتنزل زخات مطر من الماء أو البرد أو كليهما معا‏,‏ عندما تصبح كتل تلك القطيرات فوق حدود احتمال السحابة‏,‏ وتصبح الرياح الرأسية غير قادرة على الاستمرار في دفعها إلى أعلى خاصة أن بعض حبات البرد قد تصل إلى حجم البرتقالة المتوسطة الحجم ‏.‏
 

 

(2)‏ السحب الطباقية‏:‏
وهي سحب أفقية منبسطة تمتد علي هيئة طبقة أو عدد من الطبقات القليلة السمك نسبيا‏,‏ وقد تمتد أفقيا إلي مئات الكيلومترات‏,‏ ورأسيا إلي عدة مئات الأمتار‏,‏ وهي غير مصاحبة بمظاهر الرعد والبرق‏,‏ ولا يتكون فيها البرد نظرا لانتشارها الافقي الكبير‏,‏ وقلة سمكها‏,‏ وضعف التيارات الرافعة فيها‏ .‏ وهذا النوع من السحب غالبا مايتكون بفعل التقاء جبهات الكتل الهوائية‏,‏ أو بارتطامها بكتل السلاسل الجبلية حيث تقوم الجبال برفع تلك الرياح الأفقية المحملة ببخار الماء إلي أعلي بمعدلات خفيفة ولكنها واسعة الانتشار‏,‏ حيث تتبرد‏,‏ ويبدأ بخار الماء في التكثف علي هيئة قطيرات دقيقة حول نوي التكثف‏,‏ وقد يحدث شيء من الركم في أثناء هذه العمليات ولكنه لايصل في السمك او الارتفاع الي مستوي السحب الركامية‏ .‏ وإذا نمت قطيرات الماء الي الحجم الذي يسمح لها بالهطول مطرا من هذا النوع من السحب سمي باسم المزن الطباقية وسميت أمطارها باسم الأمطار التضاريسية إذا كانت ناتجة عن الاصطدام بالسلاسل الجبلية‏,‏ أو باسم الأمطار الجبهية إذا كانت ناتجة عن اختلاط جبهات الكتل الهوائية وكلاهما من أغزر الأمطار هطولا وأطولها مدة‏.‏ وبتكون قطرات الماء في داخل السحابة الطباقية تبدو رمادية اللون معتمة‏,‏ واذا بدأ المطر في الهطول منها تتعرج قاعدة تلك المزن الطباقية وتبدو اسفنجية المظهر لتفرق أماكن نزول المطر منها‏,‏ وقد يؤدي ذلك الي تفرق السحابة ذاتها الي كتل تتباعد عن بعضها البعض علي هيئة سحاب طبقي متوسط أو إلي أجزاء متناثرة من ذلك حتي تتلاشي السحابة بالكامل ‏.‏

وكما تقسم المزن‏(‏ السحب الممطرة‏)‏ علي أساس من شكلها‏(‏ أو هيئتها‏)‏ الي مزن ركامية ومزن طباقية فإنه يمكن أن تقسم علي أساس من العوامل الفاعلة في إنشائها وتكوينها إلي‏:‏ مزن جبهية‏,‏ ومزن تضاريسية ومزن حملية‏,‏ كما يمكن تصنيف تلك الأنواع علي أساس من ارتفاعها فوق مستوي سطح البحر إلي مزن منخفضة‏,‏ مزن متوسطة الارتفاع ومزن عالية ويمكن دمج كل هذه التقسيمات معا‏,‏ كما يمكن تقسيم السحب غير الممطرة علي نفس المنوال‏,‏ وإن كانت السحب العالية يطلق عليها أحيانا اسم سمحاق وهناك السمحاق الركامي والسمحاق الطبقي وأي من هذه الأنواع إذا كان كثيف المطر سمي معصرا وهذه المعصرات وصفها القرآن الكريم بقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏" وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجاً "‏ (‏ النبأ‏:14)‏ .
وكل من السحب الركامية الممطرة‏,‏ والطباقية الممطرة والمعصرات يجمع تحت مسمي المزن أو السحب الممطرة‏,‏ وفي ذلك يقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ " أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ " (‏الواقعة‏:69)‏ .

إنزال ماء المطر من المزن :
تتكون المزن أو السحب الممطرة بارتفاع الهواء المحمل ببخار الماء إلي الأجزاء العليا من نطاق الرجع‏(‏ نطاق التغيرات الجوية‏),‏ وهذا النطاق تثرية دورة الماء حول الأرض باستمرار ببخار الماء المتصاعد من فوهات البراكين‏,‏ ومن تبخر الماء بواسطة أشعة الشمس من أسطح البحار‏,‏ والمحيطات‏,‏ والبحيرات‏,‏ والأنهار‏,‏ وغير ذلك من التجمعات والمجاري المائية الأخري‏,‏ ومن نتح النباتات وتنفس كل من الإنسان والحيوان وإفرازاتهما‏:‏ وبصعود هذا البخار إلي الطبقات العليا من نطاق الرجع حيث تتناقص درجة الحرارة باستمرار‏,‏ وبتناقص الضغط يتكثف هذا البخار علي هيئة قطيرات دقيقة جدا من الماء وتتكون السحب‏,‏ وتتابع هذه العملية بتكثيف مزيد من بخار الماء علي القطيرات التي سبق تكونها مما يؤدي إلي زيادتها حجما وكتلة حتي تسقط علي هيئة زخات من المطر‏.‏
وتلعب الرياح دورا مهما في عملية تجميع قطيرات الماء في السحب وذلك حسب درجة رطوبتها‏,‏ ودرجة حرارتها‏,‏ وقوة اندفاعها‏,‏ وكم نوي التكثف فيها من هباءات الغبار‏,‏ ودقائق الأملاح‏,‏ وبلورات الثلج الدقيقة ‏.‏

ومن العوامل المساعدة علي إنزال الأمطار من المزن ما يلي‏ :‏
أولا ‏:‏ درجة الرطوبة في الجو‏:‏ ويعبر عنها بأي من التعبيرات التالية ‏:‏
‏1‏ـ الرطوبة المطلقة‏:‏ وهي كتلة بخار الماء في وحدة حجم من الهواء ‏.‏
‏2ـ الرطوبة النوعية‏:‏ وهي كتلة بخار الماء في كتلة من الهواء ‏.‏

‏3‏ـ الرطوبة النسبية‏:‏ وهي النسبة المئوية بين كمية بخار الماء الموجودة في حيز معين من الهواء وبين الكمية اللازمة لتشبعه ببخار الماء عند نفس درجة الحرارة والضغط في هذا الحيز‏.‏ وعند تشبع الهواء ببخار الماء عند درجة حرارة وضغط معينين فإنه لا يستطيع حمل مزيد من هذا البخار عند نفس درجة الحرارة والضغط ‏.‏ ولكن كلما زاد ارتفاع درجة الحرارة زادت قدرة الهواء علي مزيد من التشبع ببخار الماء‏,‏ وكلما انخفضت درجة الحرارة قلت قدرة الهواء علي التشبع ببخار الماء ‏.‏
ثانيا‏ :‏ إنشاء السحب‏:
يعرف السحاب بأنه كتلة من الهواء المشبع ببخار الماء إلي حد تكثيف بعض هذا البخار علي هيئة تجمعات دقيقة لقطيرات الماء أو بلورت الثلج أو منهما معا‏,‏ وإذا تجمع ذلك بالقرب من سطح الأرض سمي ضبابا عند ارتفاع الهواء المحمل ببخار الماء إلي المستويات العليا من نطاق الرجع‏(7‏ ـ‏16‏كم فوق مستوي سطح البحر‏)‏ تنخفض درجة حرارته‏,‏ ويزداد تخلخله‏,‏ فيقل ضغطه‏,‏ وبالتالي تقل قدرته علي التشبع ببخار الماء‏,‏ فينفصل البخار الزائد عن درجة التشبع علي هيئة قطيرات من الماء تظل تنمو حجما وكتلة بتكثف مزيد من البخار عليها بالتدريج حتي تسقط مطرا‏.‏ وذلك لأن كلا من الانخفاض في درجة الحرارة والضغط يرفع من الرطوبة النسبية للهواء‏,‏ وعندما تصل تلك الرطوبة النسبية إلي‏100%‏ فإن ضغط هذا الهواء المشبع ببخار الماء يساوي ضغط بخار الماء عند نفس درجة الحرارة والضغط‏,‏ وتسمي درجة الحرارة في هذه الحالة باسم نقطة الندي‏(DewPoint)أو باسم درجة حرارة التشبع‏(SaturationPointtemperature)
وأي انخفاض في درجة الحرارة الجوية إلي ما دون تلك النقطة يؤدي إلي تكثف قطيرات الماء من جسم السحابة وانفصالها عما بالسحابة من هواء ‏.‏وكما سبق وأن أشرنا فإن للسحب بناء دقيقا‏,‏ جعل منها نسقا يمكن التعرف عليها‏,‏ وأنواعا محددة منها‏,‏ فالسحب الطباقية‏(Stratiformorlayeredclouds)التي تتكون من راقات تمتد لمئات من الكيلومترات المربعة تعكس الارتفاع المنتظم للهواء المشبع ببخار الماء عبر مساحات كبيرة‏,‏ بينما السحب الركامية(cumuliformorheapclouds)المتجمعة علي هيئة أكوام مكدسة فوق بعضها البعض بما يشبه سلاسل الجبال المفصولة بالأودية والأخاديد تعكس الارتفاعات المتعددة للهواء المشبع ببخار الماء من أماكن متفرقة‏,‏ واستمرار تدفق الهواء المشبع ببخار الماء إلي أعلي يؤدي إلي زيادة إرتفاع منسوب تجمع السحب‏,‏ وإلي زيادة إمكانية تكثف بخار الماء فيها‏,‏ ومن ثم زيادة إمكانية هطول المطر منها‏,‏ وعلي ذلك فإن من الملاحظ أن أغزر الأمطار‏,‏ وأوسعها انتشارا‏(‏ وكذلك الحال مع نزول الجليد‏)‏ يكون عادة من السحب الطباقية‏,‏ وأن الزخات الخفيفة من أي من المطر أو البرد تكون عادة من السحب الركامية‏,‏ وباستثناء السحب الليلية‏(Nacreousandnoctilucentlouds)وهي حالات نادرة ـ فإن تكون الغالبية الساحقة من السحب يقتصر علي نطاق الرجع‏(‏ نطاق التغيرات الجوية‏),‏ ويندر تكون السحب في الأجزاء السفلي من نطاق التطبق(stratosphere)الذي يعلوه نظرا لجفافه الشديد .‏

ثالثا‏ :‏ توفير نوي التكثف في داخل السحابة‏:‏
يحمل الهواء في نطاق الرجع عددا من الجسيمات الصلبة التي يتراوح تركيزها بين أقل من مائة وأكثر من مليون جسيم في السنتيمتر المكعب‏,‏ وبعض هذه الدقائق الصلبة له قابلية عالية لامتصاص الرطوبة والاحتفاظ بها‏,‏ وهذه الهباءات تعين علي تكثف بخار الماء من السحب حتي قبل أن تصل رطوبتها النسبية إلي نقطة تكون الندي ‏.‏
ومن نوي التكثف في السحب جسيمات دقيقة من الملح المتصاعد مع بخار البحار والمحيطات‏(‏ تتراوح كتلها بين واحد من الألف مليون مليون من الجرام واحد من البليون من الجرام‏),‏ومنها هباءات دقيقة من الغبار أو الرماد‏,‏ ومنها بلورات دقيقة جدا من الثلج‏,‏ وبتكثف بخار الماء علي هذه النوي كلما برد‏,‏ ويؤدي هذا التكثف إلي تكون قطيرات من الماء أقطارها في حدود واحد من مائة من الملليمتر‏(10‏ ميكرون‏),‏ وتركيزها في حدود بضع مئات في السنتيمتر المكعب من مادة السحاب‏.‏ ويعتقد بأن نوي التكثف الكبيرة نسبيا ينتج عنها قطيرات قليلة من الماء يعاد تدويرها لانتاج القطرات المائية الكبيرة التي قد تتراوح أقطارها بين‏4‏ و‏8‏ من الملليمترات في بعض الحالات النادرة وهذه تتكون عادة في السحب المتوسطة البرودة حيث لا يتكون الثلج‏,‏ وإن كانت أقطار حبيبات المطر تتراوح عادة بين الملليمتر والملليمترين والنصف‏(1‏ ـ‏2.5‏ مم‏)‏ والإنسان لا يستطيع ان ينشيء سحابا ولا أن يكثف هذا السحاب‏,‏ وإذا تم له ذلك بواسطة الاستمطار الاصطناعي فإنه لا يستطيع التحكم في مكان ولا زمان إنزال المطر ولا كميته‏,‏ ومع توفر كل هذه العوامل قد لا ينزل المطر علي الاطلاق‏,‏ وذلك علي الرغم من أن معدلات المطر المقاسة علي نطاقات واسعة وعلي فترات سنوية عديدة يعتبر دقيقا‏,‏ وكذلك الحال في تقسيم الأرض إلي مناطق مناخية كبيرة خاصة تلك التي تقع تحت تأثير العوامل الموسمية وكذلك الحال مع‏..‏ حدوث العواصف الرعدية والأعاصير المدمرة فلا يمكن التنبؤ بحدوثها في بقعة محددة من الأرض وفي وقت محدد من المستقبل ولن يتمكن الإنسان من توقع نزول المطر حيث أن هناك عوامل عديدة لا يمكنه التنبؤ بها‏,‏ وفي ذلك يروي عن المصطفي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ قوله:"..‏ ولا يعلم متي يأتي المطر أحد إلا الله‏.."(‏ فتح الباري‏375/8‏ حديث رقم‏4697) . وفي الحديث القدسي‏: "...‏ فأما من قال‏:‏ مطرنا بفضل الله وبرحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب‏,‏ وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب ‏". (‏ البخاري‏:‏ حديث رقم‏801,‏ أبو داود‏:‏ حديث رقم‏3906)‏ . " لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون "
يقدر متوسط تركيز الأملاح في ماء البحار والمحيطات بحوالي‏(34.481)‏ جزءا في المليون‏,‏ تضم أربعين نوعا من ذرات العناصر المتأينة‏(‏ الأيونات‏)‏ التي يزيد تركيز كل منها عن جزء واحد في المليون بالإضافة إلي آثار طفيفة جدا من أيونات العناصر الأخري التي يقل تركيزها عن ذلك ‏.‏ ويتراوح تركيز تلك الأملاح السائدة في ماء البحار والمحيطات بين‏(32.000)‏ جزء في المليون‏,(42.000)‏ جزء في المليون‏,‏ وقد يزيد عن ذلك في البحار المغلقة خاصة في المناطق الجافة من مثل البحر الميت الذي تصل الملوحة فيه إلي‏(285.000)‏ جزء في المليون ‏.‏
وملوحة ماء البحار والمحيطات تختلف باختلاف الظروف المناخية المحيطة بها‏,‏ خاصة درجة الحرارة‏,‏ وقدر الانغلاق‏,‏ ومعدل سقوط الأمطار‏,‏ وكمية الماء العذب المتدفق إلي هذا الوسط المائي‏,‏ وحركة الماء فيه‏ .‏ ويعتبر ماء المطر والثلوج المتساقطة من السماء أنقي أنواع الماء الطبيعي قاطبة‏,‏ وعلي الرغم من ذلك فإن به قدرا من الأملاح الذائبة لا يتجاوز العشرين جزءا في المليون مما يجعله عذبا زلالا‏,‏ وما أن يصل إلي الأرض‏,‏ ويجري علي سطحها حتي يبدأ في إذابة بعض من الأملاح القابلة للذوبان في الماء والمنتشرة في صخور قشرة الأرض والتربة التي تغطيها فتزداد ملوحته بالتدريج حتي تصل إلي الألف في المليون فيما يعرف بالماء العذب‏,‏ وعشرة آلاف في المليون فيما يعرف بالماء المويلح‏(‏ أو قليل الملوحة‏)‏ وإلي مائة ألف في المليون أو أكثر من ذلك في الماء الأجاج‏(‏ أو عالي الملوحة‏) .‏
ولو كان في مقدور أملاح الماء البحري أن تتصعد مع بخار الماء بنسب أعلي من المقدر لها حاليا‏,‏ أو لو تغير تركيب الغلاف الغازي للأرض قليلا عن تركيبه الحالي لنزل ماء المطر أجاجا أي مالحا مرا زعافا‏,‏ لا يحيي به زرع‏,‏ ولا يروي به عطش‏,‏ والماء العذب هو صنو الحياة‏,‏ ونهرها الدافق في جسد كل كائن حي‏,‏ والإنسان علي سبيل المثال إذا فقد أكثر من10%‏ من الماء الموجود في جسمه أشرف علي الهلاك المحقق‏,‏ ولذلك روي عن رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ أنه كان إذا شرب الماء قال‏:‏ " الحمد لله الذي سقانا عذبا فراتا برحمته‏,‏ ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا ". (رواه ابن أبي حاتم‏,‏ عن جابر‏,‏ عن أبي جعفر‏) .‏ هذا السبق القرآني بالإشارة إلي عجز الإنسان عن إنزال المطر من المزن والتحكم في مكان وكميات ووقت نزوله‏,‏ وإلي إمكانية نزول هذا الماء مالحا مرا زعافا لولا رحمة الله بعباده وبلاده وبهائمه‏...‏ وبكافة صور الحياة علي الأرض لهو من السبق العلمي في كتاب الله الذي أنزله بعلمه‏,‏ والذي يشهد للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق‏,‏ ويشهد للنبي الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة فصلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه وعلي من تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين والحمد لله رب العالمين‏.