" كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا العَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً "‏ (النساء‏:56).


هــذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في الثلث الأول من سورة النساء‏ ,‏ وهي سورة مدنية‏ ,‏ وآياتها مائة وستة وسبعون‏ (176)‏ بعد البسملة‏ ,‏ وهي رابع أطول سور القرآن الكريم بعد كل من سور البقرة‏ ,‏ والأعراف‏ ,‏ وآل عمران‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم لكثرة ما ورد فيها من الأحكام الشرعية التي تتعلق بالنساء‏ ,‏ وقد جاء ذلك بكثافة لم ترد في غيرها من سور القرآن الكريم ولذلك يطلق عليها أحيانا اسم سورة النساء الكبرى في مقابلة مع سورة الطلاق التي تعرف أحيانا باسم سورة النساء الصغرى‏ .ويدور المحور الرئيسي للسورة حول قضايا التشريع لكل من المرأة‏ ,‏ والأسرة‏ ,‏ والبيت‏ ,‏ والمجتمع‏ ,‏ والدولة وعلاقتها الداخلية والخارجية‏ .‏ ومن أبرز هذه القضايا أحكام الميراث التي فصلتها السورة الكريمة تفصيلا لا يقبل الزيادة‏ .‏
ويأمر ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ في سورة النساء بالإحسان في كل شيء‏ ,‏ وبالتراحم‏ ,‏ والتكافل‏ ,‏ والتسامح‏ ,‏ والتناصح‏ ,‏ وبالأمانة والعدل‏ ,‏ وبر الوالدين والإحسان إلى ذوي القربى واليتامى والمساكين‏ ,‏ وبالجهاد في سبيل الله بالنفس والمال‏ ,‏ وبالتواصي على حماية المجتمعات الإنسانية من المظالم‏ ,‏ والفواحش والفتن‏ ,‏ وحماية كل ضعيف في المجتمع من مثل الإناث واليتامى وغيرهم‏ .‏
ودعت السورة الكريمة إلى تربية الفرد المسلم‏ ,‏ وإلى المجاهدة من أجل إقامة المجتمع الإسلامي الصحيح‏ ,‏ وإلى تطهير هذا المجتمع من رواسب الجاهلية القديمة والجديدة وإنشائه على أساس من حقائق الدين الخاتم‏ ,‏ وضوابطه الأخلاقية والسلوكية‏ ,‏ وقيمه الربانية‏ ,‏ وموازينه المقيدة بالعدل‏ ,‏ وتكاليفه الشرعية اللازمة للنهوض بهذه الأمانة في الأرض حتى يلقي العبد منا ربه‏ (تعالى‏)‏ وهو راض عنه فيدخله جنات النعيم‏ ..‏
وتقرر سورة النساء وحدانية الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ‏ (بغير شريك‏ ,‏ ولا شبيه‏ ,‏ ولا منازع‏ ,‏ ولا صاحبة ولا ولد‏)‏ كما تؤكد وحدة رسالة السماء‏ ,‏ والأخوة بين الأنبياء‏ ,‏ ووحدة الجنس البشري الذي ينتهي نسبه إلى أبوينا آدم وحواء‏ (عليهما من الله السلام‏) ,‏ ولذلك يرتبط كل الناس بوشيجة الرحم وهي وشيجة مقدسة عند رب العالمين لا يتجاوزها إلا معتد‏ ,‏ وعقابه على الله‏ (تعالى‏)‏ في الدنيا شديد‏ ,‏ وفي الآخرة أشد‏ ,‏ ومن هنا تدعو سورة النساء إلى احترام هذه الوشيجة التي يقول فيها ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ في مطلع هذه السورة المباركة :
" يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً "‏ ‏‏(‏النساء‏:1) .‏
وانطلاقا من هذا الأمر الإلهي تؤكد السورة الكريمة ضرورة قيام المجتمع الإنساني على قاعدة الأسرة التي يحاول الغرب اليوم تدميرها‏ ,‏ وعلى إحياء الضمير الإنساني الذي قتلته السلوكيات الغربية الجائرة‏ ,‏ والهابطة إلى مادون الحيوانية العجماء‏ .. ,‏ وعلى ربط المخلوقين بخالقهم عن طريق الدين الصحيح الذي أنزله الله
‏ (تعالى‏)‏ على فترة من الرسل‏ ,‏ وأتمه‏ ,‏ وأكمله‏ ,‏ وحفظه في رسالته الخاتمة التي بعث بها الرسول الخاتم‏
 (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ وربط كل الأنظمة والتشريعات التي تحكم حياة الناس‏ :‏ أفرادا‏ ,‏ وأسرا‏ ,‏ ومجتمعات بهذا الدين الخاتم الذي لا يرتضي ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ من عباده دينا سواه‏ ,‏ ويأمر ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ في سورة النساء عباده المؤمنين أن يخلصوا ولاءهم لقيادتهم المؤمنة‏ ,‏ الخاضعة بالطاعة التامة لله ولرسوله‏ ,‏ ويأمرهم بالجهاد في سبيل الله من أجل مقاومة الظلم والقهر والطغيان‏ ,‏ ومن أجل إقامة عدل الله في الأرض‏ ,‏ ووعد بأعظم الأجر على ذلك‏ .‏ كما أمر بالهجرة في سبيل الله وعدم الرضوخ لذل الجبابرة من الحكام الجائرين‏ ,‏ ووعد بالفتح في ذلك فتحا مبينا للمجاهدين الصادقين الصابرين‏ . ‏وتتحدث سورة النساء عن بعض مشاهد الآخرة تحذيرا للغافلين من أهوالها‏ ,‏ وتنادي البشر أن يؤمنوا بما أنزل الله‏ (تعالى‏)‏ على خاتم أنبيائه ورسله مصدقا لما معهم‏ ,‏ من قبل أن ينزل بهم سخطه وعذابه‏ ,‏ أو أن يطردهم من رحمته‏ ,‏ وتحذرهم من الشرك بالله فتقول ‏:‏‏
" إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً " (النساء‏:48)‏ .
ويكرر ذلك في نفس السورة بقوله تعالى :
" إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً " ‏(‏النساء‏:116)‏ .
وعرضت سورة النساء لجانب من طغيان اليهود وكفرهم بالله‏ (تعالى‏)‏ وتحديهم لخاتم أنبيائه ورسله صلى الله عليه وسلم فتقول موجهة الخطاب إليه‏ :

"
يَسْئَلُكَ أَهْلُ الكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُّبِيناً . وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا البَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً .‏ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً . وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً . وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً . بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً .‏ وَإِن مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً . فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً . وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً  "‏ (النساء‏:153‏-‏161) .‏
وتخاطب السورة الكريمة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ ممتدحة القرآن الكريم بقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) : ‏
" لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً " (النساء‏:166)‏ .
وتؤكد ذلك بقوله‏ (عز من قائل‏) :‏
" يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً "‏ (النساء‏:174)‏ . كما تمتدح خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بقول ربنا‏ (سبحانه وتعالى‏) :‏ " يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً "‏ ‏(‏النساء‏:170)‏ .
وتدعو سورة النساء إلى عدم المغالاة في الدين فتقول ‏: ‏
" يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الحَقَّ إِنَّمَا المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ "‏ (النساء‏:171)‏ .
وتختتم سورة النساء باستكمال الضوابط الشرعية لقضية الميراث والتي بدأت بالآيتين ‏12,11‏ وختمت بالآية رقم‏ (176) .‏

من التشريعات الإسلامية في سورة النساء :
(1)الأمر بتقوى الله‏ (تعالى‏)‏ وعبادته بما أمر‏ ,‏ ومداومة استغفاره والتوبة إليه‏ ,‏ وطاعة أولي الأمر من المسلمين الصالحين‏ ,‏ والرجوع إلى حكم الله‏ (تعالى‏)‏ وحكم النبي والرسول الخاتم‏ (عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم‏)‏ عند الاختلاف في الرأي‏ ,‏ وتأمر بمعاداة الشيطان وبعدم اتخاذه وليا لأن في ذلك الخسران المبين‏ .‏
(2) الأمر بالمحافظة على المال العام والخاص‏ ,‏ وعدم تسليمه للسفهاء‏ ,‏ وبالحرص على مال اليتيم‏ ,‏ وعلى حقوق الضعفاء في المجتمع‏ ,‏ وعلى أموال الآخرين وحقوقهم والتحذير من مغبة الاعتداء عليها‏ .‏
(3) تأكيد حقوق الزوجات‏ ,‏ والأمر بمعاشرتهن بالمعروف‏ ,‏ وبإعطائهن كافة حقوقهن‏ ,‏ ومن حقوقهن المهر الذي هو عطية خالصة لهن‏ ,‏ وليس لأحد الحق في شيء منه إلا أن تطيب نفس الزوجة بالتنازل عنه أو عن شيء منه‏ .‏ ومن حقوقهن أن لهن على الرجال حق الصون‏ ,‏ والرعاية‏ ,‏ والقيام بشئونهن بما أعطى الله‏ (تعالى‏)‏ الرجال من صفات وقدرات تهيؤهم لذلك‏ .‏
(4) تحديد المحرمات من النساء‏ ,‏ ووضع الضوابط الصحيحة لاستقامة حياة الأسرة‏ ,‏ والقوانين المنظمة لها‏ ,‏ والنهي عن تمني أي من المسلم أو المسلمة أن يكون في غير جنسه‏ ,‏ لأن لكل جنس دورا ملائما لفطرته التي فطره الله‏ (تعالى‏) ,‏ ولاستعداداته التي زوده الله‏ (سبحانه‏)‏ بها‏ ,‏ وبالجنسين معا يكتمل المجتمع‏ ,‏ وتستقيم أموره‏ ,‏ وتكون استمرارية الجنس البشري إلى ما يشاء الله‏ (تعالى‏) ,‏ ولكل فرد نصيب مما اكتسب‏ ,‏ وعليه أن يسأل الله العلى القدير من فضله ‏: "‏ إن الله كان بكل شيء عليما " .‏
(5)الأمر بالإحسان إلى الوالدين‏ ,‏ وإلى ذوي القربى واليتامى‏ ,‏ وإلى الجار ذي القربى‏ ,‏ والجار الجنب‏ ,‏ وإلى الصاحب بالجنب‏ ,‏ وابن السبيل‏ ,‏ والأمر باحترام العهود والمواثيق‏ ,‏ وبأداء الأمانات إلى أهلها‏ ,‏ وبرد التحية‏ ,‏ والحكم بين الناس بالعدل‏ ,‏ وبالهجرة في سبيل الله إذا لزم الأمر‏ .‏
(6) النهي عن الاختيال والفخر‏ ,‏ وعن التباهي والكبر‏ ,‏ وعن تزكية النفس‏ ,‏ وعن افتراء الكذب على الله‏ ,‏ وعن الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم‏ ,‏ وعن البخل والدعوة إليه أو الأمر به‏ ,‏ وعن بذل المال رئاء الناس‏ ,‏ وعن النفاق أو موالاة المنافقين‏ ,‏ أو المشركين أو الكافرين‏ ,‏ وعن قبول الاستذلال أو الرضوخ له‏ ,‏ وعن تعاطي المسكرات‏ ,‏ وعن الاقتراب من الفاحشة أو أشاعتها بين الناس‏ .‏
(7) التقيد بأوامر الله‏ (تعالى‏)‏ في توزيع الميراث‏ .‏
(8) تفصيل شروط الطهارة‏ .‏
(9)الأمر بتدبر آيات القرآن الكريم‏ .‏
(10)التأكيد على مواقيت الصلاة وعلى إقامتها في وقتها‏ ,‏ وتشريع صلاة المسافر‏ ,‏ وصلاة المقاتل‏ (صلاة الحرب أو صلاة الخوف‏) .‏
(11) النهي عن قتل المؤمن إلا خطأ‏ ,‏ وتفصيل أحكام القتل الخطأ‏ ,‏ والنهي كذلك عن الوجود في مجالس يستهزأ فيها بآيات الله‏ .‏
(12) الأمر بالقتال في سبيل الله دون خشية من أولياء الشيطان لأن ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ يقول وقوله الحق‏ ...‏
" فَقَاتِلُوا أُوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ‏" (النساء‏:76)‏ ،وتؤكد الآيات في سورة النساء فضل المجاهدين على القاعدين .

من ركائز العقيدة الإسلامية في سورة النساء :
(1) الإيمان بالله‏ (تعالى‏)‏ ربا واحدا أحدا‏ ,‏ فردا صمدا‏ (بغير شريك‏ ,‏ ولا شبيه‏ ,‏ ولا منازع‏ ,‏ ولا صاحبة‏ ,‏ ولا ولد‏) ,‏ والإيمان بملائكته‏ ,‏ وكتبه‏ ,‏ ورسله‏ ,‏ واليوم الآخر‏ ,‏ واليقين بأنه‏ (تعالى شأنه‏)‏ رقيب على عباده‏ ,‏ حسيب عليهم‏ ,‏ عادل بينهم‏ ,‏ لا يظلم مثقال ذرة وأنه‏ (سبحانه‏)‏ محيط بكل شيء‏ ,‏ تواب رحيم‏ ,‏ عليم حكيم‏ ,‏ غفور ودود‏ ,‏ غني حميد‏ ,‏ قدير وكيل‏ ,‏ سميع بصير‏ ,‏ شاكر كريم إلى غير ذلك مما وصف به ذاته العلية‏ .‏
(2) اليقين بأن الجنة حق وأن النار حق‏ ,‏ وأنها إما جنة أبدا‏ ,‏ أو نار أبدا‏ .‏
(3)التسليم بأن الله‏ (تعالى‏)‏ لا يغفر أن يشرك به‏ ,‏ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء‏ .‏
(4) وجوب طاعة الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ وطاعة جميع أنبيائه ورسله‏ ,‏ وعلى رأسهم خاتمهم أجمعين سيدنا محمد بن عبد الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) .‏
(5) اليقين بأن القرآن الكريم هو كتاب الله المنزل بالحق على خاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ والمحفوظ بحفظ الله‏ (تعالى‏)‏ في نفس لغته إلى قيام الساعة‏ .‏
(6) الإيمان بوحدة رسالة السماء‏ ,‏ لوحدانية مرسلها‏ ,‏ وبالأخوة بين الأنبياء لوحدانية المصدر الذي تلقوا الوحي عنه‏ ,‏ واليقين بصدق بعثة الرسول الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ الذي تكاملت في رسالته كل الرسالات السابقة ولذلك تعهد ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ بحفظها فحفظت في نفس لغة الوحي‏ (العربية‏) ,‏ لأنه ليس من بعده‏ (صلوات الله وسلامه عليه‏)‏ من نبي ولا رسول‏ ,‏ وقد أوكل حفظ الرسالات السابقة لأصحابها فضيعوها‏ .‏
(7)التسليم بأن الموت حق على جميع العباد‏ ,‏ وبأن متاع الدنيا قليل‏ ,‏ وأن الآخرة خير لمن اتقي‏ ,‏ وأن الشيطان للإنسان عدو مبين‏ ,‏ وأن مخالفته ومعاداته طوق النجاة للصالحين من عباد الله‏ ,‏ وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين‏ ,‏ والإيمان الجازم بقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :
" وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً " ‏(النساء‏:141) .‏
(8)التصديق بأن الكافرين والمنافقين في الدرك الأسفل من النار‏ ,‏ وأن حكم الله في الكافرين أوضحته سورة النساء بقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً . أُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ حَقاًّ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً  "‏ ‏‏(‏النساء‏:150‏ـ‏151) .‏
(9) اليقين بأن الله‏ (تعالى‏)‏ قد خلق الناس جميعا‏ ...‏ من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء‏ ...‏ ومحاولة إنكار ذلك أو التطاول عليه إنكار لطلاقة القدرة الإلهية التي لا تحدها حدود‏ ,‏ وإنكار لمعلوم من الدين بالضرورة وحكم ذلك معروف عن أهل العلم ومغبته الكفر بالله‏ ,‏ والعياذ به سبحانه‏) .‏



من الإشارات الكونية في سورة النساء :
(1) الإشارة إلى خلق الناس جميعا من نفس واحدة‏ ,‏ خلقها الله‏ (تعالى‏)‏ من طين‏ ,‏ وخلق منها زوجها‏ ,‏ وبث منهما رجالا كثيرا ونساء‏ ,‏ والمكتشفات الحديثة في علوم الوراثة تدعم ذلك وتؤيده‏ .‏
(2) الأمر بتقوى الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ في الأرحام لأنها مصانع الخلق‏ ,‏ وبصونها‏ ,‏ وحمايتها‏ ,‏ وتكريمها صونا للإنسانية جمعاء ضد العبث المستهتر الذي تحاول الفلسفات الغربية المتهالكة فرضه على العالم بالقوة اليوم‏ ,‏ وكل من علم الأجنة‏ ,‏ وعلم الأمراض تؤكد حكمة أمر الله في ذلك‏ .‏
(3) العلوم المكتسبة في قمة من قممها اليوم تؤكد الحكمة من تشريع المحرمات من النساء‏ .‏
(4) التلميح إلى ضآلة حجم الذرة بضرب المثل بها في الصغر‏ .‏
(5)الإشارة إلى الحساسية المفرطة لجلد الإنسان بحيث إذا أزيل فإنه لا يشعر بالألم‏ ,‏ والعلوم المكتسبة تثبت ذلك وتؤكده‏ .‏
(6) التنبؤ بأن الشيطان سوف يسول للإنسان محاولة تغيير خلق الله بما يعرف اليوم باسم عملية الاستنساخ‏ .‏
(7)الإشارة إلى عدد من أمم الأنبياء السابقين‏ ,‏ والكشوف الأثرية تؤكد صدق القرآن الكريم في كل ما جاء به في هذا الصدد‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏ ,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة الخامسة من القائمة السابقة‏ ,‏ والتي جاءت في الآية السادسة والخمسين من سورة النساء‏ ,‏ التي يقول فيها ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :
‏" إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا العَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً ‏" (النساء‏:56)‏ .
وقبل الوصول إلى الدلالة العلمية للآية الكريمة لابد من شرح الدلالة اللغوية لعدد من ألفاظها‏ .‏


من الدلالات اللغوية لعدد من ألفاظ الآية الكريمة :
أولا‏: (نصليهم‏):‏ أصل‏ (الصلي‏)‏ لإيقاد النار‏;‏ ويقال‏ : (صلي‏)‏ بالنار واصطلي بها أي بلي بها‏ ;‏ ويقال ‏: (صليت‏)‏ الشاة‏ ;‏ أي ‏:‏ شويتها‏ ,‏ وهي‏ (مصلية‏)‏ أي مشوية‏ .‏
وجاء الفعل‏ (يصلى‏)‏ بتصريفاته المختلفة خمسا وعشرين مرة في القرآن الكريم على النحو التالي ‏:‏‏
" (وَسَيَصْلَوْنَ) سَعِيراً " ‏(‏النساء‏:10) .‏‏" فَسَوْفَ (نُصْلِيهِ) نَاراً ‏" (النساء‏:30)‏ .‏" سَوْفَ(نُصْلِيهِمْ) نَاراً‏ " ‏(‏النساء‏:56)‏ .‏"‏ (وَنُصْلِهِ) جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ‏" (النساء‏:115)‏ .‏‏" جَهَنَّمَ (يَصْلَوْنَهَا (وَبِئْسَ القَرَارُ "‏ (إبراهيم‏:29)‏‏ ." ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ (يَصْلاهَا) مَذْمُوماً مَّدْحُوراً ‏" (الإسراء‏:18)‏ .‏‏" ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا (صِلِياًّ) " (مريم‏:70)‏ .‏"‏ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ (تَصْطَلُونَ ‏) " (النمل‏:7)‏ .
‏"‏ لَّعلى آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّـكُمْ (تَصْطَلُونَ ‏) " (القصص‏:29)‏ ." (اصْلَوْهَا) اليَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ‏" (يس‏:64)‏ .‏" إِلاَّ مَنْ هُوَ(صَالِ) الجَحِيمِ "‏ ‏‏(‏الصافات‏:163)‏ ." جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ المِهَادُ ‏" ‏‏(ص‏:56)‏ .‏" (اصْلَوْهَا )فَاصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا ‏" (الطور‏:16)‏ ." (وَتَصْلِيَةُ) جَحِيمٍ "‏ (الواقعة‏:94)‏ .‏"‏ جَهَنَّمُ (يَصْلَوْنَهَا) فَبِئْسَ المَصِيرُ "‏ (المجادلة‏:8)‏‏ .
" ثُمَّ الجَحِيمَ (صَلُّوهُ) " (الحاقة‏:31)‏ ." (سَأُصْلِيهِ) سَقَرَ ‏" (المدثر‏:26)‏ ." (يَصْلَوْنَهَا) يَوْمَ الدِّينِ "‏ (الانفطار‏:15)‏ .‏‏" ثُمَّ إِنَّهُمْ (لَصَالُوا) الجَحِيمِ ‏" (المطففين‏:16)‏‏ .‏" (وَيَصْلَى) سَعِيراً ‏" (الانشقاق‏:12)‏ .
‏‏" الَّذِي (يَصْلَى) النَّارَ الكُبْرَى " (الأعلى‏:12)‏ ." (تَصْلَى) نَاراً حَامِيَةً "‏ (الغاشية‏:4)‏ .‏‏" لاَ (يَصْلاهَا) إِلاَّ الأَشْقَى "‏ (الليل‏:15)‏ ." (سَيَصْلَى) نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ " (المسد‏:3)‏ .
وفي اللغة‏ (صلي‏)‏ الكافر النار‏ ,‏ أي‏:‏ قاسي حرها‏ ,‏ وقيل‏: (صلي‏) ,‏ النار أي دخل فيها‏ ,‏ و‏(‏أصلاها‏)‏غيره‏ ,‏ أي‏:‏ أدخله فيها‏ ,‏ وقيل‏: (صَلَى)‏ جمع‏ (صال‏) ,‏ و‏(‏الصلاء‏)‏ يقال للوقود وللشواء‏ .‏
وقال بعض علماء اللغة إن أصل‏ (الصلاة‏)‏ من الصلاء وأن معني‏(‏صلي‏)‏ أي أزال عن نفسه‏ (الصلاء‏)‏ الذي هو نار الله الموقدة وذلك بأداء هذه العبادة العظيمة‏ .‏
ثانيا‏: (نضجت‏):‏ يقال‏:‏ نضج اللحم‏ (نضجا‏)‏ و‏(‏نضجا‏)‏ إذا أدرك شيه‏ ,‏ فهو‏ (ناضج‏)‏ و‏ (نضيج‏) ,‏ وكذلك يقال للثمر إذا أدرك أوان أكله‏ .‏

من الدلالات العلمية للآية الكريمة:
يعتبر جلد الإنسان إهاباً يلف جسمه‏ ,‏ ويحمي خلاياه وأنسجته وأعضاءه الداخلية‏ ,‏ ويعطي لكل فرد منا شكله ولونه‏ .‏ وبالإضافة إلى ذلك يقوم جلد الإنسان بالعديد من الوظائف الحيوية المهمة من الحس واللمس‏ ,‏ وتكوين فيتامين د من أشعة الشمس‏ ,‏ وتنظيم درجة حرارة ونسبة رطوبة الجسم‏ ,‏ وحمايته من الضغوط والمخاطر الخارجية من مثل الصدمات والكدمات‏ ,‏ والملوثات‏ ,‏ ومسببات الأمراض‏ ,‏ وتقلبات الجو‏ ,‏ والأشعات الضارة القادمة من الشمس أو من غيرها من المصادر خاصة الأشعة فوق البنفسجية وهي أشعة غير مرئية وضارة بالجسم‏ ,‏ من أجل هذه الوظائف المهمة أعطي الله ـ سبحانه وتعالى ـ لجسم الإنسان قدرات هائلة على سرعة الالتئام ذاتيا‏ ,‏ ومن أجل ذلك أيضا يعتبره كثير من الأطباء جهازا قائما بذاته يعرف باسم الجهاز الجلدي
(
The Integumentary System)‏ ،لذلك إذا دمر جلد الإنسان عن طريق الحرق الكامل أو الجروح العامة الواسعة الانتشار في الجسم فإن ذلك قد يؤدي إلى الوفاة‏ .‏

وجلد الإنسان لا يتعدي سمكه ملليمترا واحدا إلى خمسة ملليمترات‏(1‏ـ‏5‏ مم‏)‏ ويتكون من طبقتين أساسيتين كما يلي ‏:‏
‏1‏ ـ البشرة‏ (
The Epidermsis) :‏ وهي طبقة الجلد العليا‏ (الخارجية‏) ,‏وهي طبقة رقيقة جدا‏ ,‏ عازلة للماء‏ ,‏ ومكونة أساسا من الخلايا القرنية التي تشكل‏(90%)‏ منها‏ ,‏ وهي خلايا كاروتينية تنتج أليافا بروتينية من مادة الكيراتين الحامية للجلد‏ ,‏ وتحتوي البشرة أيضا على الخلايا الصبغية التي تنتج صبغة الميلانين‏(Melanin)‏ فتعطي للجلد لونه‏ ,‏ وتحميه من الأشعة فوق البنفسجية الضارة وذلك بتدميرها وامتصاص ما بقي منها‏ .‏ وتتجدد البشرة تلقائيا مرة كل شهر تقريبا وذلك بتورق خلاياها من أجزائها السفلي‏ ,‏ وتساقطها بطريقة مستمرة‏ .‏ ويفقد كل فرد منا ما بين ثلاثين ألفا إلى أربعين ألف خلية من خلايا البشرة في كل دقيقة‏ ,‏ وحوالي تسعة أرطال من خلايا الجلد في كل سنة‏ .‏ وتتغذي البشرة عن طريق الراقات العليا من طبقة الأدمة التي توجد أسفل منها والمعروفة باسم الأدمة المحببة‏ (The Papillary Dermis)‏ وذلك لأن البشرة لا يوجد بها أية أوعية دموية على الإطلاق وإن وجدت بها بعض النهايات العصبية وجسيمات الحس‏ ,‏ ومستقبلات اللمس والتي تعين على التمييز بين الأجسام والأنسجة المختلفة‏ .‏ ويمكن لمستقبلات اللمس في البشرة من إدراك منخفضات لا يزيد عمقها على (0.01)‏ من الملليمتر‏ ,‏ وإدراك أوزان لا تزيد كتلتها عن أربعة ملليجرامات‏ (0.04 جم‏) ,‏ وهذا مما يعين مكفوفي البصر على القراءة بواسطة طريقة برايل
‏(
The Braille Method) ,‏ وعلى الرؤية بواسطة أطراف أناملهم‏ .‏
‏2‏ ـ الأدمة‏(
The Dermis):‏ وهي طبقة تحت البشرة مباشرة‏ ,‏ سميكة نسبيا وتتكون من حزم من الأنسجة الضامة والألياف المكونة من مادة الكولاجين ‏(Collagen Fibrilis)‏ وأعداد من الخيوط المرنة وتنتشر في الأدمة الأوعية الدموية‏ ,‏ والليمفاوية‏ ,‏ والنهايات العصبية‏ ,‏ وجسيمات الحس‏ ,‏ بالإضافة إلى الغدد العرقية‏ (Sweat Glands) , والدهنية ‏(Sepaceous Glands) ,‏ والزيتية‏ (Oil Glandsl)‏ وبصيلات الشعر وعضلاته‏ ,‏ وغيرها من ملحقات الجلد‏ .‏
وتنقسم الأدمة إلى قسم رقيق علوي محبب يعرف باسم الأدمة الحبيبية
‏ (
The Papillary Dermis) ,‏ وقسم سميك سفلي شبكي يعرف باسم الأدمة الشبكية‏(The reticular Dermis) ,‏ وتتكون من حزم ألياف الكولاجين المتقاطعة مع بعضها البعض بزوايا مختلفة تعين الجلد على التمدد دون تعرضه للتمزق‏ .‏ وفي فتحات هذه الطبقة الشبكية يختزن قدر من الماء المذاب فيه نسب مختلفة من أيونات العناصر الاليكتروليتات‏ .‏ وأغلب هذا الماء مستمد من الدم‏ ,‏ ويوجد على هيئة غير حرة‏ .‏ ويتحرك كل من الدم والليمف بالأدمة في نظام مغلق من الأوعية الدموية والليمفاوية المرنة والدقيقة جدا وشبه المنفذة‏ ,‏ التي تتبادل مع خلاياها الأكسجين في مقابل ثاني أكسيد الكربون‏ .‏ والمواد الغذائية في مقابل نفايات الخلايا‏ ,‏ وذلك في شبكتين أفقيتين من تلك الأوعية ترتبطان بعدد من الأوعية الرأسية‏ .‏ ويبلغ طول شبكة الأوعية الدموية في جلد فرد واحد من الأفراد البالغين حوالي‏(240‏ كم‏)‏ بينما يصل طولها في كامل جسمه إلى حوالي‏(1440‏ كم‏) .‏ وتتماسك الأدمة مع البشرة بواسطة نسيج رابط يعرف باسم الغشاء الأساسي لرابط‏ .
 (
The Connecting Basement Membrane)‏ ليكونا معا ذلك الإهاب الواقي المعروف باسم الجلد‏ ,‏ والذي يعلو طبقة من الألياف البروتينية والدهون الحاوية لأعداد من الغدد والمستقبلات الحسية تعرف باسم طبقة ما تحت الجلد‏ (The Subcutaneous Layer)‏ والأوعية الدموية في الأدمة الخارجية تلعب دورا مهما في تنظيم درجة حرارة الجسم‏ ,‏ وتنظيم ضغط دمه‏ ,‏ وذلك بالانكماش في الأجواء الباردة‏ ,‏ وبالتمدد في الأجواء الحارة‏ ,‏ كما يتم تنظيم درجة حرارة جسم الإنسان كذلك عن طريق بخر العرق‏ .‏
كيف يحس جلد الإنسان ويشعر بالألم؟ .

يعتمد إحساس الإنسان بالوسط الخارجي على عدد من الوسائط أهمها وأولها الجلد وما ينتشر به من نهايات عصبية تتصل بمراكز خاصة في المخ‏ .‏ فالجلد تنتشر به شبكة مكثفة من الأعصاب‏ ,‏ والخيوط والنهايات العصبية المتشعبة بدقة بالغة في مختلف أجزاء الأدمة‏ ,‏ وتستمر إلى حد ما في البشرة‏ .‏ وهذه الأعصاب والخيوط‏ ,‏ ونهاياتها تنقل إلى كل من الحبل الشوكي‏ ,‏ وجذع المخ وقشرته كل مسببات الألم من الضغوط‏ ,‏ والاهتزازات‏ ,‏ والالتهابات‏ ,‏ والاحتكاكات والتباين في درجات الحرارة‏ ,‏ وغيرها من المستقبلات الحسية التي تولد إشارة عصبية تصل فورا إلى المخ‏ .‏ ومراكز الاستقبال الحسية تنتشر بكثافة على الجلد وتتركز في أجزاء خاصة منه‏ .‏ وقد ثبت بالدراسة أن السنتيمتر المربع الواحد من الجلد يحوي مستقبلين للحرارة‏ ,‏ واثني عشر مستقبلا للبرودة‏ ,‏ وخمسين مستقبلا للضغط‏ ,‏ ومائتي مستقبل للألم‏ .‏ فإذا زادت درجة الحرارة علي‏45‏ درجة مئوية فإن مستقبلات الحرارة تتحول إلى مستقبلات للألم بدلا من الشعور بالدفء‏ ,‏ وبذلك يتضاعف الألم مع الاحتراق أضعافا كثيرة‏ .‏

ومضة الإعجاز في الآية الكريمة :
يقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ في محكم كتابه‏ :‏
" إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا العَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً "‏ ‏‏(‏النساء‏:56) .‏
وهذه الآية الكريمة تؤكد أن إحساس الإنسان بالألم يتركز في الجلد‏ ,‏ وأنه إذا انتزع الجلد فقد الإنسان الإحساس بالألم‏ ,‏ ولذلك قال ربنا ـ عز من قائل ـ‏ . . . .‏ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب‏ ....‏ وهذه الحقيقة العلمية لم يدركها الأطباء إلا في أثناء الحرب العالمية الثانية ‏(1939‏م ـ‏1945‏م‏)‏ حين لاحظوا أن الجنود الذين قد أصيبوا بإصابات بالغة أثناء القتال أدت إلى تهتك الجلد لم يشعروا بالآلام إلا لحظة الإصابة‏ ,‏ ولكن بعد تهتك أنسجة الجلد زال الألم فعلا واستنتجوا أن ذلك لابد وأنه قد تم بموت الأعصاب المتركزة في الجلد حيث تتركز جسيمات الإحساس بالألم فيه‏ ,‏ ولا توجد في غيره من أجزاء الجسم‏ .‏ وقد سبق القرآن الكريم بالإشارة إلى ذلك فقال ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏: " بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب‏ .... ‏"
ثم يأتي العلم في أواخر القرن العشرين ليؤكد وجود ملايين المستقبلات الحسية الموزعة في جلد الإنسان وإن تميزت بتركيز خاص في بعض أجزائه من مثل الشفاه والأنامل‏ ,‏ وأن عددا من هذه المستقبلات مخصص للمس‏ ,‏ أو للشعور بالضغوط الخفيفة والثقيلة‏ ,‏ وأن عددا آخر مخصص للشعور بالألم‏ ,‏ ومجموعة ثالثة مخصصة للشعور بالاختلاف في درجات الحرارة هبوطا أو صعودا عن درجة حرارة الجسم‏ (37‏ درجة مئوية‏) ,‏ وأن مستقبلات الحرارة تتحول إلى مستقبلات للألم إذا تجاوزت درجة الحرارة مقدار‏45‏ درجة مئوية‏ .‏

والآية القرآنية الكريمة التي نحن بصددها تعتبر سبقا لجميع هذه المعارف المكتسبة بأكثر من ثلاثة عشر قرنا‏ ,‏ ولا يمكن لعاقل أن يتخيل مصدرا لهذا الحق الذي جاء فيها غير الله الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏) ,‏ فالحمد لله على نعمة القرآن‏ ,‏ والحمد لله على نعمة الإسلام‏ ,‏ والحمد لله على بعثة خير الأنام الذي بعثه الله‏ (تعالى‏)‏ بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة‏ ,‏ وأنزل عليه القرآن الكريم شاهدا له بالنبوة وبالرسالة فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ ,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .‏