" الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ " (الملك:3، 4)


هاتان الآيتان الكريمتان جاءتا في بدايات سورة الملك‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها ثلاثون بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لاستهلالها بالشهادة لله ـ تعالى ـ بأنه هو الذي بيده ملك كل شيء‏,‏ وهو علي كل شيء قدير‏.‏ ومن أسماء هذه السورة المباركة أيضًا‏:‏ المانعة‏,‏ والمنجية؛ لأنها تمنع قارئها من عذاب القبر وتنجيه منه كما ورد عن رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم‏ ـ.

ويدور المحور الرئيسي لسورة الملك حول قضية العقيدة الإسلامية القائمة على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر‏,‏ مع التوحيد الخالص لله ـ تعالى ـ وتنزيهه عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله، مثل ادعاء الشريك أو الشبيه أو المنازع أو الصاحبة والولد‏,‏ وهذه كلها من صفات المخلوقين‏,‏ والخالق ـ سبحانه وتعالى ـ مغاير لجميع خلقه‏,‏ فلا يحده المكان ولا الزمان؛ لأنهما من صنعته‏,‏ ولا تشكله المادة والطاقة؛ لأنهما من مخلوقاته‏.‏

وتبدأ سورة الملك بقول ربنا ـ جل شأنه ـ‏:‏
\\" تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ \\"‏
(‏الملك‏:2,1).
وفي هذا الاستهلال من التعظيم الواجب لله الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ ما فيه‏؛ لأن من معاني‏ \\" تَبَارَكَ‏ \\":‏ تعالى ربنا وتعاظم وكثر خيره‏,‏ فالخير كله بيديه‏,‏ ودام إحسانه وفضله‏,‏ فالفضل منه وإليه‏,‏ وثبت إنعامه وكرمه على جميع خلقه ثبوتًا لا ينكره إلا الجاحدون‏.
وفي هذا الاستهلال أيضا تأكيد علي تفرد الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ بالألوهية والربوبية والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏,؛ لأن من معاني‏ \\" الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ \\":‏ الذي بيده السلطان والقدرة ونفاذ الأمر‏,‏ ولا يملك ذلك إلا الله ـ تبارك وتعالى ـ.‏
وانطلاقًا من تقريره ـ سبحانه ـ أنه خلق الموت والحياة ليبلو خلقه أيهم أحسن عملًا‏,‏ كانت الشهادة له بأنه هو ‏\\" العَزِيزُ الغَفُورُ \\" أي‏:‏ الغالب الذي لا يقهر أبدًا‏,‏ والذي لا يعجزه شيء أبدًا‏,‏ ومع ذلك فهو العفو عند تقصير عباده‏,‏ الغفور لذنوبهم‏.‏ ومن دواعي تفرده ـ سبحانه وتعالى ـ بكل ذلك ألا يعبد غيره‏,‏ ولا يشرك في عبادته أحد‏,‏ ولا يقصد سواه بدعاء أو رجاء أو سؤال‏، وربما قُدِّمَ خلق الموت علي خلق الحياة تأكيدًا لحتمية وقوعه‏,‏ ولكن تم مؤخرًا اكتشاف أن الأجل مبرمج علي صبغيات‏ ـ كروموسومات‏ ـ كل حي قبل أن يخرج للحياة، مما يؤكد حقيقة أن خلق الموت سابق علي خلق الحياة‏.‏
وكذلك يشهد للخالق ـ سبحانه وتعالى ـ بالألوهية والربوبية والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏ إبداعه في خلق السماوات سبعًا متطابقة حول الأرض‏‏ بإحكام بالغ دون أدنى خلل أو نقصان أو عيب‏،‏ ولولا هذا البيان القرآني الذي تكرر عشرات المرات في كتاب الله ما كان أمام الانسان من سبيل لإدراك هذه الحقيقة‏؛‏ وذلك لأن كل ما يراه علماء الفلك في زمن العلم والتقنية الذي نعيشه لا يتعدى ‏10%‏ مما هو موجود في شريحة صغيرة من السماء الدنيا‏,‏ وهذا الجزء دائم التباعد عنا إلى نهاية لا يعلمها إلا الله ـ تعالى ـ، وبسرعات لا يستطيع التطور العلمي والتقني المعاصر اللحاق بها‏,‏ ولذلك قال ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏:
\\" الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ \\" (الملك:3، 4).

وتستشهد سورة الملك بعدد آخر من آيات الله في الكون على صدق ما جاء بها من أمور الغيب‏,‏ وتنتقل إلى ذكر جانب من عذاب الكفار في يوم القيامة، وإلى شيء من الحوار الذي سوف يدور بينهم وبين خزنة جهنم، وفي ذلك تقول‏:\\" وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ * وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المَصِيرُ * إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ* فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ\\" (‏ الملك‏5‏ ـ‏11).‏
وفي المقابل‏‏ تصف الآية الثانية عشرة من هذه السورة المباركة جانبًا من فضل الله ـ تعالى ـ علي عباده المؤمنين الذين يخشونه بالغيب، فيقبلون علي طاعته‏,‏ ويجتنبون معاصيه، وفي ذلك تقول‏:‏
\\" إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ \\"
(‏الملك‏:12).

وتنتقل الآيات في هذه السورة المباركة إلى مخاطبة الناس جميعًا، مؤكدة أن الله ـ تعالى ـ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؛ حتى تقيم من كل فرد منا علي نفسه رقيبًا حسيبًا يضبط سلوكها على الخير؛ حتى تستزيد منه‏,‏ ويراجعها في كل خطأ؛ حتى تتوب عنه‏,‏ ويحيي فيها معنى مراقبة الله؛ حتي تستيقظ لهذه الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون، فتقول‏: \\"َأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ* أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ \\"‏ ‏ (الملك‏:14.13).

وتستمر الآيات بعد ذلك في استعراض عدد من نعم الله على عباده وفي تأكيد حتمية العودة إليه بعد الموت والبعث والنشور، فتقول‏:‏
\\" هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ \\"
(‏الملك‏:15)‏
أي‏:‏ أن الله ـ تعالى ـ هو الذي جعل الانسان مستخلفًا على الأرض في سهولة ويسر‏؛‏ لأن لفظة‏ \\"‏ ذَلُولاً \\" تعني مذللة‏,‏ مسخرة‏,‏ سهلة الانقياد‏,‏ و‏(‏مناكب)‏ الأرض هي جوانبها وفجاجها وأطرافها‏,‏ والآية الكريمة فيها حض على الاجتهاد في عمارة الأرض‏,‏ وحث على بذل الطاقة من أجل كسب الرزق الحلال الذي قدره ربنا ـ تبارك وتعالى ـ لكل حي‏,‏ ولذلك قال‏: \\"‏ وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ‏ \\"؛‏ لأن السعي في طلب الرزق واجب على كل مخلوق، وهذا السعي لا يتنافى أبدًا مع حقيقة أن الرزق مقسوم سلفًا‏,‏ وخُتِمَت الآية بتأكيد حقيقة الموت‏,‏ وحتمية البعث والنشور‏.

وتعاود الآيات في سورة الملك إلى التهديد بعقاب للكفار والمشركين والعصاة الباغين في الدنيا قبل الآخرة، مذكرة بعقاب أمثالهم من قبل، فتقول‏:‏ \\" أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ* وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ \\" (‏الملك‏:16‏ ـ‏18).‏
وخسف الأرض من الظواهر المصاحبة لتصدع غلافها الصخري وغور أجزاء منه على هيئة ما يعرف باسم الأودية الخسيفة أو الأغوار‏,‏ و‏(‏المَوْرُ‏)‏ هو الحركة جيئةً وذهابًا في اضطراب وتموج شديدين‏,‏ و‏(‏المَوْرُ‏)‏ و‏(‏الخَسْفُ‏)‏ من العمليات المصاحبة للهزات الأرضية‏‏ والثورانات البركانية‏،‏ و‏(‏الحاصِب‏)‏ هي الريح الشديدة التي من شدتها تثير الحصباء‏ ـ‏ الحصي‏ ـ,‏ أو هي الحجارة المُنزَّلة من السماء عقابًا للكفار والمشركين والطغاة المتجبرين في الأرض‏,‏ كما حدث لكلٍ من قوم لوط‏,‏ وأصحاب الفيل‏,‏ ولغيرهم من العصاة السابقين‏.‏

ثم تنتقل سورة الملك إلى استعراض آية أخرى من الآيات الدالة على طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق، فتقول‏:‏
\\" أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ \\"
(‏لملك‏:19).
و‏(‏الصَّفُّ‏)‏ هو أن يبسط الطائر جناحيه دون أن يحركهما ليركب متن التيارات الهوائية‏,‏ فإذا ما كانت هذه التيارات الهوائية هادئة استمرت ظاهرة ارتفاع الهواء إلى أعلى برفق لفترة زمنية طويلة نسبيًا‏,‏ وتدرك الطيور ذلك بالإلهام؛ فتصطف في أشكال حلزونية حول عمود الهواء المرتفع إلى أعلى‏,‏ أما إذا كانت الرياح شديدة فإن امتداداتها الأفقية تتغلب على ارتفاعاتها الرأسية؛ فتصطف الطيور في خطوط أفقية طويلة مستفيدة بحركة الرياح‏.‏ وقد خصها الخالق‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ بخصائص تؤهلها لذلك، منها‏:‏ انسياب الجسم‏,‏ وخفة الوزن‏,‏ ومتانة بناء الهيكل العظمي والعضلات‏ مع اختصار حجم عضلات الصدر‏,‏ وقوة الأربطة والأوتار المتحكمة في الأجنحة‏,‏ وعلو كفاءة كلٍ من القلب والجهاز الدوري والتنفسي، مما يعينها على البقاء معلقة في الهواء حين تبسط أجنحتها،‏ وعند البسط والقبض فإن الطائر يضرب بجناحيه إلى أسفل‏ وإلى الأمام لتوفير كلٍ من قوة الرفع إلى أعلى‏ والدفع إلى الأمام اللازمتين للطيران‏.‏ والله‏ ـ تعالى ـ هو الذي خلق الطيور وهيأها لنمط الحياة المناسب لها‏,‏ ولذلك ختمت الآية بقوله ـ تعالى ـ‏:‏ \\" مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ \\"‏.

وفي عتاب للمشركين الذين أشركوا في عبادة ربهم غيره‏ يبتغون عند هذا الغير النصر والرزق‏,‏ تؤكد الآيات في سورة الملك أن الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ هو الناصر والمؤيد‏,‏ والوهاب الرزاق ذو القوة المتين، وتشبِّه الكافر والمشرك بالذي يمشي مكبًا على وجهه ضالًا‏,‏ تائهًا‏,‏ حائرًا‏,‏ لايعرف لطريقه نهاية‏,‏ وتقارن بينه وبين المؤمن الذي يمشي سويا على صراط مستقيم‏,‏ وتسأل‏:‏ أيهما أهدى سبيلا ؟؟، وفي ذلك تقول‏: \\" أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ * أَفَمَن يَمْشِي مُكِباًّ عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِياًّ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ \\"‏
(‏الملك‏:20-22).‏

ثم توجه الآيات الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلي الله عليه وسلم‏ ـ‏ بقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ له‏:‏
\\" قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ * قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ إِنَّمَا العِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ \\"
(‏الملك‏:23-26).‏
والآيات فيها عتاب للمنكرين بالبعث،‏ وقد خلق الله الناس جميعًا من العدم‏,‏ ومنحهم من الحواس والملكات ما يعينهم على الاستمتاع بوجودهم على الأرض‏، ومن أبرز هذه الحواس: السمع، والأبصار، والأفئدة التي من قبيل الشكر عليها استخدامها في الخير‏,‏ وكفها عن الشر‏,‏ وحمد الله ـ تعالى ـ والثناء عليه كلما استخدمت هذه الحواس‏,‏ أو كلما ابْتُلِيَ عبد من العباد بفقد إحداها‏،‏ والله ـ تعالى الذي خلق بلايين البشر من أب واحد وأم واحدة‏,‏ ونشر هذه البلايين في مختلف جنبات الأرض، فتفرقت اللغات واللهجات، والألوان والعادات‏,‏ والطباع والسمات‏ ـ‏ سوف يجمعهم بعد الموت والبعث والحشر للحساب والجزاء الذي يشكك فيه الكفار الضالون ويتساءلون عن موعده في سخرية واستهزاء‏.

وتأمر الآيات النبي والرسول الخاتم ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يجيبهم بأن موعد هذا الأمر عند الله‏,‏ ولا يعلمه أحد سواه‏,‏ وأنه‏ ـ‏ كغيره من الأنبياء والمرسلين ـ بُعِثَ للإنذار بهذا الأمر وبحتمية وقوعه على بينة من أوامر الله رب العالمين‏.‏

ثم تنتقل بنا الآية السابعة والعشرون عبر حجز الغيب‏,‏ وكأن الساعة قد قامت‏,‏ والكافرون يرون ما وُعِدُوا به من عذابٍ رأيَ العين‏؛ فسيئت وجوههم‏,‏ وسمعوا من التوبيخ والتقريع ما دهاهم وزاد فجيعتهم‏,‏ وفي ذلك تقول الآية الكريمة‏:
\\" فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وَجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ \\"
(الملك:27).
وكلمة‏ \\"‏ زُلْفَةً‏ \\"‏ حال من مفعول ‏\\"‏ رَأَوْهُ \\"‏، وهي اسم مصدر للفعل‏ (‏أَزْلَفَ‏) (‏إزْلافًا‏)‏ بمعنى قَرُبَ قُربًا‏,‏ أي رأوا العذاب قد قرب منهم قُرْبًا‏,‏ و‏\\" سِيئَتْ وَجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا‏ \\"‏ بمعنى عمها السوء من الغم والحزن‏,‏ و‏\\"تَدَّعُونَ‏ \\"‏ أي تطلبون وتستعجلون‏ استنكارًا واستهزاءً من موقفهم السابق في الدنيا‏,‏ من ‏(‏الدعاء‏)‏ بمعنى الطلب والرجاء‏.‏

وتختتم هذه السورة المباركة بخطاب من الله ـ تعالى ـ إلى خاتم أنبيائه ورسله ـ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ يأمره فيه بما يلي‏:
\\" قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ \\"
(‏الملك‏:29,28).‏
وهاتان الآيتان تردان على كفار ومشركي قريش الذين كانوا يتمنون هلاك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهلاك كل من آمن به‏,‏ كما ترد على كل كافر ومشرك إلى يوم القيامة يتمنى زوال الإسلام وهلاك المسلمين‏,‏ وهذا لن ينقذهم من عذاب الله في الدنيا قبل الآخرة‏,‏ وهو عذاب أليم‏,‏ أما نحن‏ ـ معشر المسلمين ـ‏‏ فقد آمنا برب العالمين الرحمن الرحيم‏,‏ وتوكلنا عليه‏,‏ واعتصمنا بجنابه‏,‏ وسوف يعلم الكفار والمشركون من هو الذي على الحق المبين‏,‏ ومن هو الذي وقع في الضلال المبين‏.
وتهديدًا للكفار والمشركين يذكِّرهم ختام هذه السورة المباركة بنعمة الماء علي العباد‏,‏ والذي بدونه لا تكون حياة فتقول‏:
\\" قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ \\"
(الملك:30).
أي‏:‏ يا أيها المشركون الضالون عن الحق‏,‏ والغائصون في أوحال الشرك‏,‏ والغارقون في ظلام الكفر بالله‏ ماذا أنتم فاعلون إذا قدَّر الله‏ ـ‏ تعالى ـ أن يُغوِّر الماء في آباركم حتى لا تستطيعوا الوصول إليه؟، ومن غير الله القادر يأتيكم بماء جارٍ على سطح الأرض؟.
وكان كل ماء مكة في زمن البعثة الشريفة مستمدًّا من بئرين فقط‏،‏ هما: بئر زمزم‏,‏ وبئر ابن الحضرمي‏.‏ وبذلك تختتم سورة الملك‏,‏ وفي المقال القادم ـ إن شاء الله ـ نستعرض كلًا من ركائز العقيدة والإشارات العلمية فيها‏ مع التركيز على الدلالات العلمية للآيتين‏ (‏رقم‏4,3)‏ اللتين اتخذناهما عنوانًا لهذا المقال‏.



من ركائز العقيدة في سورة الملك:
(1)‏ الإيمان بالله ـ تعالى ـ ربًا واحدًا أحدًا‏,‏ فردًا صمدًا‏,‏ بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة، ولا ولد‏,‏ وتنزيهه ـ سبحانه وتعالى ـ عن جميع صفات خلقه وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏.‏
‏(2)‏ التسليم بأن هذا الإله الواحد الأحد بيده ملك كل شيء من الخلق والآجال والأرزاق‏‏ إلى النصر والهزيمة‏,‏ والإسعاد والإشقاء‏,‏ وبأنه على كل شيء قدير‏.‏
(3)‏ التصديق بأن الله ـ تعالى ـ عليم بذات الصدور‏,‏ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء‏,‏ وهو المستحق وحده للعبادة‏,‏ والطاعة‏,‏ والخشية‏,‏ والتوكل عليه‏,‏ والإخلاص لجلاله‏,‏ والاستعانة به‏.‏
‏(4)‏ اليقين بأن الله ـ تعالى ـ هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوَ عباده أيهم أحسن عملا في الدنيا حتى يجازيهم بأعمالهم في الآخرة‏,‏ إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، وهو ـ تعالى ـ أعلم بهم‏.‏
‏(5)‏ التسليم بحقيقة الكمال‏,‏ والجمال‏,‏ والإتقان المطلق في كل ما صنع الله ـ تعالى‏ ـ.‏
‏(6)‏ التصديق بكل ما سجله القرآن الكريم عما وقع من عقاب بالمكذبين من أبناء الأمم السابقة‏,‏ وبأن للذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير‏,‏ وأن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير‏.‏
(7)‏ الإيمان بحقيقة رسالة الإنسان في الحياة الدنيا كما حددها ربنا ـ تبارك وتعالى ـ، فجعل من الإنسان عبدًا لله ـ تعالى ـ مطالبًا بعبادته ـ سبحانه ـ بما أمر‏,‏ ومستخلفًا في الأرض مسئولا عن عمارتها وإقامة عدل الله وشرعه فيها لفترة محددة هي عمره‏,‏ وله بعد ذلك الموت ثم البعث والحشر والحساب والجزاء‏.‏

من الإشارات الكونية في سورة الملك:
(1)‏ التأكيد على أن الله ـ تعالى ـ هو الذي بيده الملك‏,‏ والعلوم المكتسبة تشير اليوم إلى حتمية وجود مرجعية عليا للكون في خارجه تتحكم فيه‏,‏ وتهيمن عليه‏,‏ وتسمو فوق كل صفاته وصفات من فيه‏.‏
(2)‏ الإشارة إلى خلق الموت والحياة‏,‏ و قد اكتشف أن الآجال محددة على الصبغيات قبل أن يخرج الجنين إلى الحياة‏.‏
(3)‏ وصف السماوات بأنها سبع متطابقة‏,‏ وأنها محكمة البناء‏,‏ بلا أدنى خلل أو اضطراب‏,‏ وعلوم الفلك الحديثة لا تتجاوز شريحة صغيرة من السماء الدنيا تصفها بالانحناء؛‏ وذلك لعجز الإنسان عن رؤية كل السماء الدنيا فضلا عن باقي السماوات‏.‏
(4)‏ التأكيد على أن بصر الإنسان لا يستطيع تجاوز مسافات محددة من الكون، فيكل وينقطع بعد مسافات قصيرة ـ مهما تقدمت تقنياته ـ؛ لبعد المسافات الكونية وخفاء أغلب صور المادة والطاقة فيها‏.‏
(5)‏ وصف النجوم بأنها زينة السماء الدنيا‏,‏ وأن منها رجومًا للشياطين‏,‏ والعلوم المكتسبة تؤكد إمكانية انفجار النجوم وتناثر أشلائها لتصبح رجومًا للشياطين‏.‏
(6)‏ وصف تهيئة الأرض لحياة الإنسان ولحياة ما يحتاج من النبات والحيوان بالتذليل ـ أي التسخير بجعلها متوافقة مع احتياجاته‏,‏ متناسبة مع طبيعة حياته ـ، وهو ما أثبتته جميع الدراسات المكتسبة‏.
(7)‏ الإشارة إلى العلاقة بين خسف الأرض ومورانها ـ أي حركتها جيئة وذهابًا في اضطراب وتموج شديدين‏ ـ،‏ وهي علاقة لم تدركها العلوم المكتسبة إلا بعد دراسة ميكانيكية حدوث الزلازل‏.‏
(8)‏ وصف الريح الشديدة السرعة بالحاصب‏,‏ وهي ريح ذات سرعات فائقة تمكنها من حمل الحصباء معها، مما يضاعف من قدرتها التدميرية‏.‏
(9)‏ وصف طرائق تحليق الطيور في الجو بدقة فائقة‏ ـ " ... صافات ويقبضن ...‏ " ـ، وهذه الطرائق لم تفهم إلا بعد دراسة ديناميكية الهواء وتطبيقاتها في علوم وهندسة الطيران‏.‏
(10)‏ تأكيد حقيقة أن الله ـ تعالى ـ هو خالق كل شيء‏,‏ وأنه ـ جل شأنه ـ قد توج خلقه بالإنسان الذي أنشأه من العدم‏,‏ وجعل له السمع والأبصار والأفئدة‏,‏ ونشر ذريته في الأرض من أب واحد وأم واحدة‏,‏ وفرق اللغات واللهجات‏,‏ والألوان والعادات‏,‏ والطباع والسمات‏,‏ ثم تعهد بجمعهم بعد الموت والبعث والحشر، والحساب والجزاء‏,‏ والعلوم المكتسبة بدأت في تأكيد ذلك‏.‏
(11)‏ الإشارة إلى إمكانية غور الماء في الأرض إلى أعماق بعيدة‏,‏ وهي ملاحظة علمية دقيقة لم تدرك إلا مؤخرًا.
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏,‏ ولذلك فسوف أقصر الحديث هنا على النقطتين الثالثة والرابعة من القائمة السابقة‏.‏

من الدلالات العلمية للآيتين الكريمتين:
أولا‏:‏ في قوله ـ تعالى ـ‏:‏ " الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً ... ":
 جاء ذكر السماوات السبع في تسع آيات قرآنية كريمة علي النحو التالي‏:‏
(1)
" ... ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ "(‏البقرة‏:29).‏
(2)‏ " تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ .. " (‏الإسراء‏:44).
(3)‏ " وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الخَلْقِ غَافِلِينَ ‏ " (‏المؤمنون‏:17).‏
(4)‏ " قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ ‏ " (‏المؤمنون‏:86).‏
(5)" فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ "(‏فصلت‏:12).‏
(6)‏ " اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ.. " (‏الطلاق‏:12).‏
(7)" الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً ‏ .. " (‏الملك‏:3).
(8)" أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً "‏ ‏(‏نوح‏:15).‏
(9)‏ " وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً ‏ " (‏النبأ‏:12).‏
وربما يكون من أسباب هذا التكرار أن الإنسان لا يمكنه الوصول إلى معرفة هذه الحقيقة إلا عن طريق وحي السماء الذي يقرر فيه الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام‏ ـ أي ست مراحل ـ،‏ وأن هذه المراحل كانت متداخلة في خلق كلٍ من السماوات والأرض‏,‏ وأن الله ـ تعالى، في هذه المراحل الست ـ خلق سماء واحدة، ثم مايزها إلى سبع سماوات على مرحلتين‏,‏ كما خلق أرضًا واحدة ثم مايزها إلي سبع أرضين‏.‏
وكما أن الأرضين السبع مكورة ومتطابقة في أرضنا على هيئة ستة نطق تغلف كرة من الحديد والنيكل‏,‏ ويحيط بعضها ببعض ـ بمعنى أن يغلف الخارج منها الداخل فيها‏ ـ فلابد أن تكون السماوات السبع مكورة ومتطابقة ويغلف الخارج منها الداخل فيها‏.‏
ولما كانت النجوم وتوابعها هي
زينة السماء الدنيا‏,‏ وكانت النجوم هي وسيلة الفلكيين في التعرف على هذه السماء الدنيا‏,‏ ولما كنا نجهل زينة السماوات الست الأخرى فإنه يستحيل على الإنسان الوصول إلى معرفتها دون بيان من الله ـ تعالى ـ، ولذلك فصل القرآن الكريم، وكرر ذكر السماوات السبع، وأشار إلى مثلية الأرضين السبع في آية واحدة جاءت في ختام سورة الطلاق، فقال ـ تعالى ـ‏:‏ " اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ.. " (‏الطلاق‏:12).‏
وتدرس السماء الدنيا حاليا في شرائح تقدر أبعادها بحوالي‏150‏ ـ ‏250‏ مليونًا‏ × 100‏ مليون‏ × 15‏ مليونًا من السنين الضوئية‏,‏ ويسمى أطولها باسم (الحائط العظيم)‏.
وبعد إطلاق القمر الصناعي المعروف باسم مستكشف الخلفية الإشعاعية للكون
(Cosmic Background Explorer or COBE)‏ في سنة‏1989‏ م بواسطة المؤسسة الوطنية للطيران والفضاء(NASA)‏ تمكن العلماء من إدراك ستة نطق متمركزة حول ما يعتقد بأنه مركز الانفجار العظيم الذي نشأ عنه الكون وذلك علي النحو التالي‏:‏
(1)‏ نقطة الانفجار العظيم‏.‏
(2)‏ نطاق كرة النار الأولى‏:‏ ويمتد بقطر يقدر طوله بحوالي بليون سنة ضوئية حول نقطة يعتقد بأنها مركز الانفجار الكوني العظيم‏.‏
(3)‏ النطاق الغامض‏:‏ ويضم سحبًا بيضاء كثيفة تحيط بنطاق الانفجار العظيم من الخارج بسمك يصل إلى بليوني سنة ضوئية‏.
(4)‏ ما بعد النطاق الغامض‏:‏ ويضم سحبًا داكنة من دخان السماء تغلف النطاق الغامض من الخارج بسمك يتراوح بين بليونين إلى ثلاثة بلايين من السنين الضوئية‏.‏
(5)‏ نطاق أشباه النجوم السحيقة‏:‏ ويضم أكثر أشباه النجوم بعدًا عنا‏,‏ ويمتد بسمك يقدر بحوالي خمسة بلايين من السنين الضوئية حول النطاق السابق ويغلفه من الخارج‏.
(6)‏ نطاق أشباه النجوم القديمة‏:‏ ويضم أقرب أشباه النجوم إلينا‏,‏ ويمتد بسمك يقدر بحوالي سبعة بلايين من السنين الضوئية حول نطاق أشباه النجوم السحيقة‏,‏ ويغلفه من الخارج‏.‏
(7)‏ نطاق المجرات‏:‏ ويحيط بالنطق السابقة كلها بسمك يقدر بحوالي‏4‏ بلايين من السنين الضوئية‏، ويغلفه من الخارج‏.‏
وعلى ذلك فإن قطر الجزء المدرك من السماء الدنيا يقدر بحوالي‏23‏ بليون سنة ضوئية علي هيئة ست كرات متداخلة في بعضها البعض حول نقطة يعتقد بأنها مركز الانفجار العظيم‏.‏
وهذه النطق كلها في السماء الدنيا‏,‏ وكلها مكورة يغلف الخارج منها الداخل فيها‏,‏ مما يشير إلى وحدة البناء في الكون من نطق سباعية مكورة‏,‏ يغلف بعضها بعضا كما هو الحال في الأرض‏,‏ وفي السماء الدنيا من حول الأرض‏,‏ ومن هنا تتضح ومضة الإعجاز العلمي في قول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ الذي خلق سبع سماوات طباقًا ... ",‏ وإن عجز علم الإنسان المكتسب عن إدراكها بالكامل‏.‏

ثانيًا‏:‏ في قول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏: " ..‏ مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ " :‏
يحصي علماء الفلك في الجزء المدرك من السماء الدنيا ما بين مائتي بليون وثلاثمائة بليون مجرة ‏(Galaxy)، وتتفاوت هذه المجرات في الشكل‏,‏ والحجم‏,‏ والكتلة‏,‏ وسرعة الدوران حول المحور‏,‏ وسرعة الجري في المدار‏,‏ وسرعة التباعد عن بعضها البعض‏,‏ وفي أعداد نجومها وفي تباين مراحل تطور تلك النجوم كما أسلفنا ذلك من قبل في عدد من المقالات المتعلقة بالكون‏.‏
وتتجمع المجرات
(‏Galaxies) في مجموعات محلية(Local Galactic Groups) ,‏ ثم في تجمعات مجرية ‏(Galactic Clusters)‏ ثم في تجمعات مجرية عظمى (Galactic Super Clusters) ,‏ ثم في تجمعات لتلك التجمعات المجرية العظمى ‏(Clusters of Galactic Super clusters)‏ إلى نهاية لا يعلمها إلا الله الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ‏.‏
وكل تجمع من هذه التجمعات يبلغ سمكه عشر طول قطره مما يؤكد وحدة البناء ووحدانية الباني ـ سبحانه وتعالى ـ،‏ وهذا النظام المحكم وما يحتويه من أعداد مذهلة من الأجرام يحكمها عدد من القوى التي تعمل بإرادة الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ على إحكام تماسك تلك الأجرام مع بعضها البعض‏,‏ وإحكام مختلف حركاتها بالنسبة إلى بعضها البعض‏.‏ ومن هذه القوى‏:‏ الجاذبية‏,‏ والقوة الكهرومغناطيسية‏,‏ والقوتان النوويتان الشديدة والضعيفة.
ويحاول العلماء اليوم جمع هذه القوى الأربع في قوة واحدة تسمى بقوة الجاذبية العظمى
(‏The Super (gravityالتي يعتقد علماء الفيزياء الفلكية أنها كانت القوة الوحيدة السائدة في درجات الحرارة العليا عند بدء عملية الانفجار العظيم، ثم تمايزت إلى القوى المعروفة لنا اليوم بالتدريج مع تبرد الكون‏.‏
ومن هنا ندرك الدقة العلمية الفائقة في قول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ ‏:
" ..‏ مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ " (‏الملك‏:3).‏

ثالثًا‏:‏ في قوله ـ تعالى ـ: " ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ ":
يقال في اللغة‏:‏ قد حَسَرَ بصره يَحْسَرُ حُسُورًًا‏,‏ أي كَلَّ وانقطع نظره من طول مدى، وما أشبه ذلك فهو حسير‏,‏ ويقال‏:‏ حَسَرَت العين أي كَلَّت، وحسرها بعد ما حدقت إليه أو خفاؤه‏,‏ وإذا كان أبعد ما يراه الإنسان بواسطة تقنياته المعقدة اليوم في جزء صغير من السماء الدنيا يبعد عنا بمسافة تقدر بأكثر من‏23‏ بليون سنة ضوئية‏,‏ فأي مدي ينظر إليه الإنسان يمكن أن يكون أطول من ذلك‏,‏ علمًا بأن طول السنة الضوئية يقدر بحوالي ‏(9,5‏ مليون مليون كم‏),‏ ومن هنا كان الإعجاز العلمي في قول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ ‏: " ..‏ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ ".
ومجيء هذا الوصف المعجز في زمن لم يكن لأحد من الخلق إلمام بشيء من أبعاد الكون المدرك لمما يشهد للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية‏,‏ في نفس لغة وحيه‏ ـ‏ اللغة العربية‏ ـ,‏ وحفظه حفظًا مطلقًا؛ ليبقى شاهدًا على الخلق أجمعين إلى يوم الدين بأنه كلام رب العالمين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه‏,‏ ويبقى شاهدًا للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين‏,‏ ومن تبع هداه إلى يوم الدين‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏