" فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ " (الانفطار-8).


هذا النص القرآني المعجز جاء في الثلث الثاني من سورة الانفطار‏ ,‏ وهي سورة مكية‏ ,‏ وآياتها‏(19)‏ بعد البسملة‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم لاستهلالها بتحذير من الله‏ (تعالى‏)‏ بانفطار السماء أي انشقاقها وتصدعها كعلامة من علامات تهدم النظام الكوني قبل البعث‏ .‏ والقرآن الكريم مليء بآيات التحذير من أهوال يوم القيامة‏ ,‏ وفي ذلك قال رسول الله‏ (صلي الله عليه وسلم‏) : ‏" من سره أن ينظر إلى القيامة رأي العين فليقرأ‏ : (إذا الشمس كورت‏) ,‏ و‏(‏إذا السماء انفطرت‏) ,‏ و‏(‏إذا السماء انشقت‏)" .‏وتبدأ سورة الانفطار بقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) : " إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ.وَإِذَا الكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ . وَإِذَا البِحَارُ فُجِّرَتْ . وَإِذَا القُبُورُ بُعْثِرَتْ . عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ  " ‏(‏الانفطار‏:1-5) .
و‏(‏انفطار‏)‏ السماء هو انشقاقها وتصدعها لأن أصل‏ (الفطر‏)‏ هو الشق طولا‏ .‏ يقال‏ : (فطر‏) (فطرا‏) ,‏ و‏(‏أفطر‏) (فطورا‏) ,‏ و‏(‏انفطر‏) (انفطارا‏) ,‏ و‏(‏تفطر‏) (تفطرا‏)‏ وكلها بمعني الانشقاق والتصدع لأن‏ (الفطور‏)‏ هو الاختلال والضعف‏ .‏كذلك يقال‏ (فطر‏)‏ الشيء أي أبدعه وأوجده لأن‏ (الفطر‏)‏ هو الابتداء والإبداع‏ ,‏ و‏(‏الفطرة‏)‏ هي الخلقة‏ .‏ومن دقة التعبير العلمي في هذه السورة المباركة وصف نهاية السماء بالانفطار‏ ,‏ والعلوم المكتسبة تؤكد إمكانية ذلك بزوال القوي الممسكة بأجرام السماء وبمختلف صور المادة والطاقة فيها‏ ,‏ومن هذه الدقة العلمية أيضا وصف نهاية الكواكب بالانتثار لأن‏ (انتثار‏)‏ الكواكب يتأتي بانفجارها وتناثر أشلائها في صفحة السماء وهو ما تؤكده اليوم علوم الفلك‏ .‏ يقال‏: (نثر‏)‏ الشيء‏ (ينثره‏)‏ بضم الثاء وكسرها‏ (نثرا‏)‏ و‏(‏نثارا‏)‏ أي رماه متفرقا‏ (فتناثر‏)‏ و‏(‏انتثر‏)‏ والاسم هو‏ (النثار‏)‏ و‏(‏النثار‏)‏ وهو ما تناثر من الشيء‏ .‏

ويوجد في مجموعتنا الشمسية جسيمات متناثرة تدور في أفلاك لها حول الشمس‏ ,‏ ويتركز أغلبها في مدار محدد بين مداري المريخ والمشتري‏ ,‏ وتعرف هذه الجسيمات المتناثرة باسم الكويكبات‏ (Asteroids) ,‏ ويعرف مدارها باسم حزام الكويكبات الرئيسي ((The Main Asteroid Belt .‏ ‏
ويعرف من الكويكبات في هذا الحزام نحو ستة آلاف كويكب‏ ,‏ وإن كان المرئي منها هو نحو عشرة آلاف فقط‏ ,‏ بعضها كروي‏ ,‏ أغلبها غير منتظم الشكل‏ ,‏ ومتباين في تركيبه‏ .‏ الكيميائي ويقدر عدد الكويكبات في مجموعتنا الشمسية بنحو المائة ألف‏ ,‏ ويعتقد بعض الفلكيين أن هذه الكتل الصغيرة ناتجة عن انفجار واحد أو أكثر من كواكب المجموعة الشمسية وتناثر أشلائه أو أشلائها في صفحة السماء استنادا إلى أن بعض هذه الكويكبات له تركيب حديدي‏ ,‏ والحديد لا يكون إلا في قلب كوكب من الكواكب الحجرية‏ ,‏ أو نجم من النجوم العملاقة لحظة انفجاره على هيئة مستعر أعظم‏ ,‏ وأن كان بعض الفلكيين يعتقد بأن هذه الكويكبات قد تكونت مع نشأة المجموعة الشمسية‏ .‏

أما قول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) : ‏" وَإِذَا البِحَارُ فُجِّرَتْ " فقد فسره ابن عباس‏ (رضي الله عنهما‏)‏ بقوله ‏:‏ فجر الله بعضها في بعض‏ ,‏ وقال الحسن‏ (رضي الله عنه‏) :‏ فجر الله بعضها في بعض فذهب ماؤها‏ ,‏ وقال الكلبي‏ (رحمه الله‏):‏ ملئت‏ ,‏ وقال قتادة‏ (عليه رحمة الله‏):‏ اختلط عذبها بمالحها‏ .
وأصل‏ (الفجر‏)‏ شق الشيء شقا واسعا‏ ,‏ يقال‏: (فجرته‏)‏ فـ‏ (انفجر‏)‏ أي بجسته فانبجس‏ ,‏ ويقال ‏: (فجرته‏) (فتفجر‏) (تفجيرا‏) ,‏ ومنه قيل للصبح‏ (فجر‏)‏ لأنه‏ (يفجر‏)‏ الليل أي يشقه‏ ,‏ وعلى ذلك فـ‏ (الفجور‏)‏ هو شق ستر الديانة‏ ,‏ والخروج على أوامرها‏ .‏ يقال‏: (فجر‏) (فجورا‏)‏ فهو‏ (فاجر‏) ,‏ وجمعه‏ (فجار‏)‏ و‏(‏فجرة‏)‏ أي فسق فسوقا فهو فاسق‏ ,‏ وجمعه فساق‏ ,‏ وفسقه‏ ,‏ وسمي الكاذب‏ (فاجرا‏)‏ لكون الكذب بعض‏ (الفجور‏) .‏
وعلى ذلك فان المعني الذي نفضله هنا لتفجير البحار هو تفجر قيعانها بمزيد من الصدوع حتى يغور ماؤها إلى نطاق الضعف الأرضي من حيث أخرجه الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ لأول مرة‏ .‏
أما قول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" وَإِذَا القُبُورُ بُعْثِرَتْ " فمن معانيه ‏:‏ إذا شقت وتناثر ما فيها وقلب ترابها‏ ,‏ وأثير‏ ,‏ بما في ذلك بقايا جسد الإنسان من مثل عجب الذنب‏ ,‏ لأن‏ (بعثرة‏)‏ الشيء هو تفريقه‏ ,‏ وقلب بعضه على بعض‏ ,‏ فإذا ظهر عجب الذنب إلى سطح الأرض تلقي ماء السماء فينبت كل مخلوق من عجب ذنبه كما تنبت البقلة من بذرتها‏ ,‏ وقد أخبر بذلك الصادق المصدوق‏ (صلي الله عليه وسلم‏) ,‏ فتخرج الأجساد من الأرض وتنبت منها نباتا كما أنبتها الله‏ (تعالى‏)‏ أول مرة‏ ,‏ وذلك استعدادا للحشر‏ ,‏ وللعرض الأكبر أمام الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ للحساب والجزاء‏ ,‏ ولذلك أتبعت هذه الآيات بجواب‏ (إذا‏)‏ التي جاءت أربع مرات فيها وذلك بقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) : " عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ " ‏(‏الانفطار‏:5)‏ .
أي ما أسلفت من خير أو شر‏ ,‏ وما أخرت من سنة حسنة أو سيئة يعمل بها‏ ,‏ أو ما عملت مما كلفت به وما لم تعمل‏ .‏
وبعد هذا الاستهلال بالحديث عن الآخرة وأهوالها‏ ,‏ وعن عدد من الأحداث الجسام التي سوف تتقدمها تنتقل الآيات إلى مخاطبة الإنسان بعتاب رقيق يقول فيه ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ‏ . الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ‏ . فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ ." (الانفطار‏:6‏-‏8)‏ .
يقال‏: (غره‏) (تغره‏) (غرا‏)‏ و‏(‏غرورا‏)‏ أي خدعه يخدعه خداعا وأطمعه بالباطل‏ ,‏ فـ‏ (اغتر‏) .‏ ويقال‏ :‏ ما غرك؟ أي كيف اجترأت؟ و‏(‏التغرير‏)‏ هو حمل النفس على (الغرر‏)‏ وهو الخداع المجلب للضرر أو الخطر‏ ,‏ ولذلك نهي رسول الله‏ (صلي الله عليه وسلم‏)‏ عن بيع‏ (الغرر‏) .‏
و‏(‏الغرور‏)‏ هو الشيطان‏ ,‏ أو كل ما يغر الإنسان من أمور الدنيا كالمال والجاه والسلطان والشهوات‏ .‏
وفي قول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ للإنسان‏:"‏ ما غرك"‏ أي ما الذي خدعك وأطمعك في ربك فجرأك على عصيان أوامره‏ ,‏ وتجاوز حدوده‏ ,‏ وهذا لا يليق بكرم الله معك‏ ,‏ وأفضاله عليك؟ والخطاب هنا موجه إلى كل كافر‏ ,‏ ومشرك‏ ,‏ وعاص من بني آدم‏ ,‏ وهم من الخلق المكلفين‏ ,‏ أصحاب الإرادة الحرة‏ ,‏ ولكن غرهم جهلهم وكبرهم والشيطان‏ .‏
وفي ثنايا هذا العتاب الرباني الرقيق وعيد وتهديد لتلك القلوب الغافلة‏ ,‏ اللاهية من قلوب بني آدم‏ ,‏ وتذكيرهم بنعم الله‏ (تعالى‏)‏ عليهم وهي لا تحصى ولا تعد‏ ,‏ ومن أولها نعمة خلق الإنسان في أحسن تقويم‏ ,‏ وفي هيئة سوية معتدلة تميزه عن بقية الخلق‏ ,‏ والله‏ (تعالى‏)‏ قادر على كل شيء‏ ,‏ ولذلك اتبعت هذه الآية الكريمة بقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ‏" .‏

و‏(‏الخلق‏)‏ هو التقدير المستقيم في إبداع شيء على غير مثال سابق‏ ,‏ وقد يستخدم في إيجاد شيء من شيء آخر‏ ,‏ ولكن‏ (الخلق‏)‏ بمعنى الإبداع من غير مثال سابق لا يكون إلا لله‏ (تعالى‏)‏ وحده‏ ,‏ خالق كل شيء‏ ,‏ وعلى ذلك يطلق لفظ الخلقة على الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها‏ ,‏ كما يطلق لفظا‏ (الخليقة‏)‏ و‏(‏الخلائق‏)‏ على خلق الله‏ (سبحانه وتعالى‏) .‏ أما‏ (التسوية‏)‏ فهي جعل الشيء‏ (سويا‏)‏ أي مهيئا تهيئة كاملة حكيمة لما خلق له بالضبط الذي يصون عن الزيادة أو النقصان قدرا وكيفية‏ .‏
أما عن قوله تعالى‏: (فعدلك‏)‏ فمعناه ضبط أجزاء جسدك‏ ,‏ و‏(‏عدل‏)‏ بعضها ببعض فـ‏ (اعتدلت‏)‏ أي صرفها عن الخلل إلا ما أراد لحكمة عنده‏ (سبحانه وتعالى‏) ,‏ وقرئت الكلمة بالتشديد‏ (فعدلك‏)‏ أي قومك لأن أصل‏ (التعديل‏)‏ هو التقويم‏ ,‏ يقال‏: (عدلته‏) (تعديلا‏)‏ فـ‏ (اعتدل‏)‏ أي‏ (قومته‏) (تقويما‏) (فاستقام‏) .‏ ومن معاني‏ (عدلك‏)‏ جعلك معتدل الهيئة‏ ,‏ متناسق الخلقة‏ ,‏ متوافق الأبعاد‏ ,‏ منتصب القامة تمشي على قدمين وغيرك من المخلوقات يمشي على بطنه أو على أربع أو يطير بجناحيه‏ .‏
وفي قوله‏ (تعالى‏)
" فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ " (الانفطار‏:8)‏
أي في أي مجموع من الصفات صورك باصطفاء الصفات السائدة من بين مجموع الصفات الموجودة في الشيفرة الوراثية التي خص بها كل فرد من بني آدم فتعلو وتظهر‏ ,‏ بينما تستتر صفات أخري عديدة لتظهر في نسله من بعده‏ ,‏ ويكون الإنسان بصفاته الجسدية‏ ,‏ والعقلية‏ ,‏ والنفسية هو مجموع الصفات المركبة والسائدة في شيفرته الوراثية‏ ,‏ والتي حددها له الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بعلمه وحكمته وقدرته‏ ,‏ وركبها تركيبا في شيفرته الوراثية‏ .‏
وبعد ذلك توجه الآيات الخطاب إلى المكذبين بالدين أي بوحي السماء المشتمل على البيان الإلهي للإنسان في القضايا التي لا يستطيع الإنسان أن يضع لنفسه فيها أية ضوابط صحيحة من مثل قضايا العقيدة‏ ,‏ والعبادة والأخلاق والمعاملات‏ ,‏ مؤكدة أن الإنسان محصية عليه أقواله وأعماله بواسطة الملائكة‏ ,‏ الحفظة‏ ,‏ الكرام‏ ,‏ البررة‏ ,‏ فتقول‏ :
" كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ.وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ.كِرَاماً كَاتِبِينَ‏ . يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ  " (الانفطار‏9‏-‏12‏) .
و‏(‏كلا‏)‏ كلمة زجر وردع‏ ,‏ و‏(‏بل‏)‏ حرف عطف وإضراب عما مضي من حديث‏ ,‏ والدخول في حديث جديد عن قضية جديدة ألا وهي قضية التكذيب بالدين‏ .‏ والمقصود بالدين هنا هو الدين الخاتم الذي بعث به النبي الخاتم‏ (صلي الله عليه وسلم‏)‏ والذي تكاملت فيه كل الرسالات السابقة فتعهد الله‏ (تعالى‏)‏ بحفظه‏ ,‏ فحفظ على مدي الأربعة عشر قرنا الماضية وسوف يحفظ إلى قيام الساعة إن شاء الله تحقيقا لهذا الوعد الإلهي‏ .‏
ومع التهديد الإلهي بعقاب المكذبين بالدين تؤكد الآيات أن الله‏ (تعالى‏)‏ ـ الذي لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء ـ قد أوكل بكل منا ملكين كريمين كاتبين‏ ,‏ في صحبة دائمة‏ ,‏ ومراقبة مستمرة‏ ,‏ يدونان كل الأقوال والأفعال‏ ,‏ وهما مطلعان إطلاعا كاملا على ما يفعل ويتكلم كل منا‏ ,‏ وإذا علم الإنسان ذلك تأدب في كل ما يقول‏ ,‏ واحتشم في كل ما يفعل خشية أن يفضح به يوم العرض الأكبر الذي يصفه الحق‏ (تبارك وتعالى‏)‏ في مقام آخر بقوله العزيز‏ :‏
" يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ ‏" (‏الحاقة‏:18)‏ .
واليقين بمراقبة الله لعباده‏ ,‏ وبمراقبة ملائكته لهم هو من أعظم ضوابط السلوك الإنساني‏ ,‏ ولذلك اعتبره المصطفي‏ (صلي الله عليه وسلم‏)‏ أعلى مراتب التدين‏ ,‏ ووصفه بالإحسان‏ ,‏ وعرفه بقوله الشريف أن تعبد الله كأنك تراه‏ ,‏ فإن لم تكن تراه فإنه يراك‏ .‏
وبعد هذا التحذير الإلهي من أن جميع أقوال وأفعال الإنسان مدونة عليه تتتابع الآيات بتقرير مصائر كل من الأبرار والفجار في يوم الدين فتقول‏:
‏" إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ‏ .وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ . ‏يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ‏. ‏وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ‏. ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ .يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ  " ‏(‏الانفطار‏:13‏-‏19) .‏
و‏(‏الأبرار‏)‏ هم المؤمنون الصادقون الذين‏ (بروا‏)‏ إيمانهم بالله‏ (تعالى‏)‏ فصدقوا في التزام أوامره واجتناب نواهيه‏ ,‏ و‏(‏الأبرار‏)‏ جمع‏ (بر‏)‏ وهو الصالح المتصف بالخير‏ ,‏ و‏(‏البر‏)‏ نقيض العقوق‏ ,‏ و أعمال‏ (البر‏)‏ هي جميع أعمال الخير على الإطلاق‏ .‏ و‏(‏الفجار‏)‏ هم نقائض الأبرار‏ ,‏ وهم منكرو الدين جملة وتفصيلا‏ ,‏ أو منكرو أجزاء منه‏ ,‏ ومقترفو الفواحش ما ظهر منها وما بطن‏ ,‏ والظالمون المتجبرون على الخلق بغير الحق‏ ,‏ والآكلون حقوق الغير بالباطل‏ .‏
وسورة الانفطار تتحدث عن جزاء كل من الأبرار والفجار‏ ,‏ وهو مصير مؤكد‏ ,‏ وعاقبة محتومة‏ ,‏ أقرها ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ في عشرات الآيات القرآنية التي منها هذه الآيات المباركات في ختام سورة فاطر والتي تؤكد خلود الأبرار في النعيم‏ ,‏ كما تؤكد خلود الكفار في نار جهنم التي يصلونها يوم الدين‏ ,‏ ولا يغيبون عن عذابها أبدا‏ ,‏ لأنهم لا يستطيعون الفرار منها‏ ,‏ ولا الخلاص بعد الوقوع فيها‏ ,‏ ولا يخفف عنهم العذاب ولو للحظة واحدة‏ .‏
ولما كان يوم الدين هو موضع تكذيب الفجار فإن السياق القرآني يعود إليه في ختام سورة الانفطار بسؤال موجه إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلي الله عليه وسلم‏)‏ وإلى كل مؤمن برسالته من بعده يقول فيه ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) : ‏
" وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ . ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ "‏ وهو سؤال يوحي بأن الأمر أعظم وأخطر من أن يحيط به إدراك الناس‏ ,‏ لأنه فوق كل تصور‏ ,‏ وتوقع‏ ,‏ واحتمال بشري‏ ,‏ وفوق كل مألوف عندهم‏ ,‏ والسؤال يقصد منه تعظيم أهوال يوم القيامة‏ ,‏ وتكرار السؤال فيه مزيد من هذا التأكيد على ضخامة تلك الأهوال التي لا يقوي خيال البشر على تصورها‏ .‏ وبعد ذلك يأتي بيان صفة من صفات هذا اليوم يقول فيه ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) : ‏" يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ " ‏أي يوم لا يقدر أحد على نفع أحد أو خلاصه مما هو فيه إلا أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى‏ ,‏ فكل نفس مشغولة عن غيرها بهمها‏ ,‏ والأمر كله بيد الله‏ (تعالى‏)‏ وحده‏ ,‏ وهو‏ (سبحانه‏)‏ المتفرد بالأمر في الدنيا والآخرة‏ ,‏ وتتجلي هذه الحقيقة في يوم الدين أمام أعين الجميع خاصة المغرورين الغافلين الذين لم يستطيعوا إدراك ذلك في الدنيا فسوف يرونها في الآخرة رأي العين بلا لبس ولا غموض‏ .‏
ولذلك يروي عن رسول الله‏ (صلي الله عليه وسلم‏)‏ قوله الشريف‏ :‏ " يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار‏ ,‏ لا أملك لكم من الله شيئا "‏ .‏ وبذلك يلتقي مطلع سورة الانفطار بما فيه من أهوال التدمير الكوني في اليوم الآخر مع خاتمتها وما فيها من المشاهد الحسية والنفسية التي يعانيها الكفار والمشركون والغافلون المقصرون‏ ,‏ والظلمة المتجبرون من أهوال ذلك اليوم‏ ,‏ والعجز البشري الكامل فيه‏ ,‏ حتى يدرك الإنسان تمام الإدراك حقيقة أنه لا ملجأ ولا منجي من الله‏ (تعالى‏)‏ إلا إليه‏ .‏

من ركائز العقيدة في سورة الانفطار :
(1) الإيمان بحقيقة الآخرة‏ ,‏ وبما فيها من تدمير للنظام الكوني الحالي من تصدع للسماء وانشقاقها‏ ,‏ وانفجار للكواكب وتناثر أشلائها‏ ,‏ وتفجير للبحار‏ ,‏ وغور مائها‏ ,‏ وتشقق للقبور وبعثرة محتواها‏ ,‏ وما يتبع ذلك من بعث وحساب وخلود في الآخرة إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏ .‏
(2) اليقين بأن الإنسان سوف تعرض عليه أعماله الدنيوية كاملة يوم القيامة‏ ,‏ وأنه سوف ينبأ بما قدم في دنياه وآخرته‏ .‏
(3) التسليم بحقيقة الخلق‏ ,‏ وبأن الله‏ (تعالى‏)‏ هو خالق كل شيء‏ ,‏ وقد توج خلقه بخلق الإنسان في أحسن تقويم‏ ,‏ وتسوية جنينه أفضل تسوية‏ ,‏ وتعديل خلقته‏ ,‏ وتركيبها في أجمل صورة مما يستحق الشكر لله الكريم على هذه النعمة وعلى غيرها من النعم الجليلة‏ ,‏ لأن الله‏ (تعالى‏)‏ هو الذي يركب كل فرد من أفراد خلقه في الصورة التي يشاء‏ .‏
‏(4) الإيمان بالدين الخاتم الذي بعث به الرسول الخاتم‏ (صلي الله عليه وسلم‏)‏ والتحذير من التكذيب به‏ ,‏ أو التدين بدين سواه‏ ,‏ لأن الله‏ (تعالى‏)‏ لا يقبل من عباده أن يدينوا أنفسهم له بدين غيره‏ .‏
(5)اليقين بأن كل إنسان موكل به ملكان كريمان يحفظانه بأمر الله‏ ,‏ ويحفظان عنه كل أقواله وأفعاله ويكتبانها حتى تكون حجة عليه في يوم الحساب‏ ,‏ ويعلمان ما يفعله العبد الموكلان به‏ .‏
(6)التصديق بأن الأبرار سوف يخلدون في جنات النعيم‏ ,‏ وأن الفجار سوف يخلدون في نار الجحيم التي يصلونها يوم الدين‏ ,‏ ولا يستطيعون فرارا عنها ولا خروجا منها ولو للحظة واحدة‏ .‏
(7) التسليم بأن أهوال يوم الدين أكبر من كل تخيل‏ ,‏ وأخطر من كل تصور‏ ,‏ ويكفي في تصوير خطورتها أن نفسا لا تملك لنفس شيئا في هذا اليوم الرهيب‏ ,‏ وأن الأمر كله لله‏ (تعالى‏) ,‏ والله‏ (سبحانه‏)‏ هو صاحب الأمر في الدنيا والآخرة‏ ,‏ ولكنه أعطي لكل فرد من المكلفين من عباده في الدنيا هامشا من الإرادة الحرة ليثبت بحسن استخدامها جدارته بالجنة‏ ,‏ أو يثبت بسوء استخدامها استحقاقه للنار‏ ,‏ أما في الآخرة فالأمر كله لله‏ (سبحانه وتعالى‏) .‏



من الإشارات العلمية في سورة الانفطار :
(1) الإشارة إلى أن نهاية السماء في تصدعها وانشقاقها‏ ,‏ وعلوم الفلك تؤكد إمكانية ذلك بانهيار القوي الممسكة بجميع صور المادة والطاقة فيها‏ (الجاذبية‏ ,‏ القوة الكهرومغناطيسية‏ ,‏ القوة النووية الشديدة‏ ,‏ القوة النووية الضعيفة‏) .‏
(2) ذكر أن نهاية الكواكب تأتي بانفجارها‏ ,‏ وانتثار أشلائها‏ ,‏ ووجود الكويكبات يشير إلى إمكانية تحقيق ذلك‏ .‏
(3)التأكيد على أن نهاية البحار في تفجرها‏ ,‏ وحقيقة أن جميع محيطات الأرض وأعداداً من بحارها قيعانها متصدعة بشبكة هائلة من الصدوع‏ ,‏ وأن الثورات البركانية العنيفة تندفع عبر تلك الصدوع مما يشير إلى إمكان تحقق ذلك بمزيد من التصدع والخسف فيؤدي إلى غور مياه البحار إلى نطاق الضعف الأرضي التي أخرجها الله‏ (تعالى‏)‏ منه في أول الأمر‏ .‏
(4) الإشارة إلى بعثرة القبور في يوم البعث أي شقها‏ ,‏ وتناثر محتوياتها حتى ينكشف ما تحويه من البقية البشرية التي لا تبلي‏ (عجب الذنب‏)‏ فيطولها ماء ينزله الله‏ (تعالى‏)‏ من السماء فينبت به كل مخلوق من عجب ذنبه كما تنبت البقلة من بذرتها‏ ,‏ تصديقا لحديث رسول الله‏ (صلي الله عليه وسلم‏)‏ الذي قال فيه‏:‏ مابين النفختين أربعون‏ . .‏ ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل‏ ,‏ ليس من الإنسان شيء إلا يبلي إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة‏ .‏
(5) التأكيد على خلق الإنسان‏ ,‏ وتسويته‏ ,‏ وتعديله‏ ,‏ وتركيبه في صورة محددة حددها الله‏ (تعالى‏)‏ لكل فرد من أفراد بني آدم‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏ ,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على ما جاء في النقطة الخامسة من القائمة السابقة من قول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ "‏ (‏الانفطار‏:8) .‏

من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
جاء ذكر تصوير الجنين البشري في خمس آيات قرآنية كريمة على النحو التالي ‏:‏
‏(1)‏ " هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ‏" (‏آل عمران‏:6)‏ .
‏(2)
" وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ "‏ (‏الأعراف‏:11)‏ .
‏(3)
"‏ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ "‏ (‏غافر‏:64)‏ .
‏(4)
‏" خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ المَصِيرُ ‏" ‏(‏التغابن‏:3)‏ .
‏(5)
‏" الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ . فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ ‏" (الانفطار‏:8,7)‏ .
ومن أسماء الله الحسنى‏ (المصور‏)‏ كما جاء في قوله تعالى‏:‏
" هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ "‏ (‏الحشر‏:24)‏ .
وجاء ذكر تصوير الجنين البشري في أحاديث رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وذلك من مثل قوله الشريف ‏:‏
" إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله ملكا فصورها‏ ,‏ وخلق سمعها وبصرها‏ ,‏ وجلدها ولحمها وعظامها‏ ,‏ ثم قال‏ :‏ يا رب ‏:‏ ذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما يشاء ويكتبه الملك‏ " ‏(‏أخرجه الإمام مسلم‏)‏ .
وواضح من هذا الحديث الشريف أن عملية تصوير الجنين تتم بعد نهاية الأسبوع السادس من عمره‏ (أي بعد الليلة الثانية والأربعين‏) ,‏ وهي لحظة الانتقال من طور المضغة إلى طور الغضاريف والعظام‏ ,‏ فتبدأ الغضاريف في الانتشار في جسم الجنين مع بداية الأسبوع السابع من عمره‏ ,‏ وسرعان ما يتكلس أغلبها على هيئة العظام في الأسبوع الثامن من عمر الجنين‏ (من الليلة الخمسين إلى السادسة والخمسين‏) ,‏ وبنهاية الأسبوع الثامن تكتمل مرحلة الجنين‏(Embryo) ,‏ وتبدأ مرحلة الحميل‏ (Fetus or Foetus)‏ التي سماها القرآن الكريم باسم مرحلة النشأة‏ ,‏ وتبدأ هذه المرحلة من الليلة السابعة والخمسين بعد الإخصاب وتستمر إلى نهاية فترة الحمل وأقلها ستة شهور قمرية‏ (أي‏177‏ ليلة‏) ,‏ وأكملها تسعة شهور قمرية‏ (أي‏266‏ ليلة تقريبا‏) .‏
وفي خلال مرحلة النشأة يبدأ الحميل في اكتساب الملامح البشرية التي بدأها بنهاية الأسبوع السادس بعد نفخة الروح مباشرة‏ ,‏ وذلك بالتدريج بعد أن تكون جميع الأعضاء والأجهزة الداخلية قد اتخذت مواضعها المحددة أو كادت‏ .‏وأبرز سمات هذه المرحلة هو النمو المتصل والمتسارع حتى يصل نمو الحميل إلى اكتماله‏ ,‏ ويزداد حجمه بازدياد نموه وبزيادة سمك الطبقة الدهنية تحت الجلد‏ ,‏ ويتغطي جسده بطبقة دهنية متجبنة بعد أن يكون قد كتب على جبينه قدره‏ ,‏ وقد سوي بنان أصابع يديه ورجليه‏ ,‏ وفي ذلك يقول المصطفي‏ (صلي الله عليه وسلم‏)‏ في حديث طويل رواه البزار عن ابن عمر‏ (رضي الله عنهما‏):‏" إذا خلق الله النسمة قال ملك الأرحام‏:‏ أي رب‏:‏ ذكر أم أنثي؟ قال‏:‏ فيقضي الله أمره‏ . .‏ ثم يقول‏:‏ أي رب‏:‏ شقي أم سعيد؟ فيقضي الله أمره‏ ,‏ ثم يكتب بين عينيه ما هو لاق حتى النكبة ينكبها"‏ .‏وقال‏ (صلي الله عليه وسلم‏) :‏
" النطفة إذا استقرت في الرحم جاءها ملك فأخذها بكفه فقال‏ :‏ أي رب‏ :‏ مخلقة أم غير مخلقة؟ فإن قيل‏:‏ غير مخلقة‏ ,‏ لم تكن نسمة وقذفتها الأرحام دما‏ ,‏ وإن قيل مخلقة‏ ,‏ قال ‏:‏ أي رب‏:‏ ذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ ما الأجل؟ وما الأثر؟ وبأي أرض تموت؟ قال‏:‏ فيقال للنطفة‏:‏ من ربك؟ فتقول ‏:‏ الله‏ ,‏ فيقال‏:‏ من رازقك؟ فتقول‏ :‏ الله‏ .‏ فيقال‏ :‏ اذهب إلى أم الكتاب فإنك تجد فيه قصة هذه النطفة‏ .‏ قال ‏:‏ فتخلق‏ ,‏ فتعيش في أجلها‏ ,‏ وتأكل في رزقها‏ ,‏ وتطأ في أثرها حتى إذا جاء أجلها ماتت فدفنت في ذلك‏" (‏أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن مسعود‏) .‏
وقد ثبت علميا أنه لا يتشابه فردان من بني الإنسان تشابها كاملا أبدا‏ ,‏ ففي حالات التوائم الصحيحة يتشابه التوأمان في صفاتهما الشكلية‏ ,‏ ولكن يبقي لكل واحد منهما صفاته الذاتية‏ ,‏ ونوازعه النفسية‏ ,‏ وميوله ورغباته ومهاراته وقدراته الخاصة به‏ .‏

وعلى ذلك فإن عملية خلق وتسوية وتعديل وتركيب كل فرد هي عملية خاصة به‏ ,‏ تعطيه بصمة وراثية محددة‏ ,‏ وبصمة إبهام مميزة لشخصه‏ ,‏ وبصمة بصرية وجبهيه كذلك‏ ,‏ ولا يقدر على ذلك إلا الله الخالق البارئ المصور‏ ,‏ الذي له الأسماء الحسنى‏ ,‏ والصفات العلا‏ ,‏ لا إله إلا هو‏ .‏
فالمخزون الوراثي للبشر أجمعين من لدن أبينا آدم‏ (عليه السلام‏)‏ وحتى قيام الساعة خلقه الله‏ (تعالى‏)‏ وأودعه صلب أبينا آدم لحظة خلقه‏ ,‏ ثم أعطيت أمنا حواء شطرا من هذا المخزون الوراثي‏ ,‏ الذي أخذ في الانفراد بالتزاوج بين الذكور والإناث مع الزمن ليعطي البلايين من البشر إلى قيام الساعة‏ ,‏ مع الاحتفاظ لكل فرد منهم بصفات محددة تميزه عن غيره‏ ,‏ يقررها الله‏ (تعالى‏)‏ بعلمه وحكمته وقدرته‏ ,‏ وتتضح في نصيبه من المخزون الوراثي الذي جمعه الله‏ (تعالى‏)‏ في صلب أبينا آدم‏ (عليه السلام‏)‏ وقدره في اللوح المحفوظ لكل فرد من بني البشر‏ .‏ وفي ذلك يروي عن رسول الله‏ (صلي الله عليه وسلم‏)‏ قوله الشريف‏ :‏ " إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله‏ (تعالى‏)‏ كل نسب بينها وبين آدم "‏ (أخرجه كل من الإمامين ابن جرير وابن أبي حاتم‏) .‏
ولعل هذا هو المقصود بالتركيب الذي ذكره الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ في قوله العزيز‏ :‏
" يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ . الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ . فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ. "‏ (‏الانفطار‏:6‏ ـ‏8) .‏
ومن المعلوم اليوم أن الدفقة الواحدة من ماء الرجل تحمل ما بين مائتي مليون وألف مليون نطفة‏ ,‏ ولكن لا يصل إلى البييضة من هذا العدد الهائل من النطف أكثر من خمسمائة نطفة‏ ,‏ وأن البييضة لا تسمح إلا لنطفة واحدة بإخصابها‏ ,‏ وهذه النطفة مختارة بواسطة العناية الإلهية لتحقيق صفات محددة لا تتكرر‏ .‏

وإذا علمنا أن للأنثى وهي جنين في بطن أمها ما بين أربعمائة ألف بييضة وستة ملايين بييضة في مراحل تكوينها الأولي‏ ,‏ ولكنها عند البلوغ لا يبقي في غدتيها التناسليتين سوي بضعة عشرات الآلاف من البييضات‏ ,‏ تنمو منها واحدة كل شهر طوال فترة خصوبتها المقدرة بحوالي الثلاثة والثلاثين سنة في المتوسط‏ ,‏ فإن مجموع ما يفرزه جسم المرأة البالغة من بييضات لا يتعدي الأربعمائة طوال مدة خصوبتها ويهلك أغلب هذا العدد قبل الزواج‏ ,‏ وفي الفترات التي لا يتم حمل خلالها بعد الزواج‏ .‏
وعلى ذلك فإن القدرة الإلهية هي التي تختار نطفة ذكرية محددة من بين ملايين الملايين من النطف التي يهبها الله‏ (تعالى‏)‏ لرجل محدد‏ ,‏ ليلتقي مع بييضة محددة من امرأة محددة اختارها الله‏ (تعالى‏)‏ له في مكان وزمان محددين ليخرج مولودا بصفات وراثية‏ (شكلية ونفسية‏)‏ محددة‏ .‏

وتذكر الدراسات الطبية أنه في مقابل كل نطفة أنثوية‏ (بييضة‏)‏ تفرزها الزوجة فإن الزوج يفرز بليون نطفة ذكرية على الأقل‏ ,‏ وتصطفي القدرة الإلهية المبدعة من هذا الكم الهائل من النطف نطفة مؤنثة محددة تحمل شيفرة وراثية محددة لتلتقي بنطفة مذكرة معينة تحمل شيفرة وراثية محددة في زمان ومكان محددين ليتخلق جنين بصفات وراثية قدرها الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ سلفا في علمه الأزلي‏ .‏
وإذا علمنا أن كلا من النطفتين الذكرية والأنثوية يحمل ‏23‏ جسيما صبغيا‏ ,‏ وأن كل صبغي يحمل حوالي ‏35‏ ألف مورث‏ (جين‏) ,‏ وأن التقاء الجسيمات الصبغية الستة والأربعين في النطفة الأمشاج يعطي مجالا هائلا لاصطفاء صفات الجنين الظاهرة عليه‏ ,‏ والمستترة كي تظهر أو لا تظهر في نسله من بعده‏ ,‏ بحيث يحدد لكل جنين بصمته الوراثية المحددة وصفاته التشريحية والشكلية المميزة‏ .‏ وقد عرف من هذه المورثات ما يتحكم بأمر الله‏ (تعالى‏)‏ في شكل الجنين‏ ,‏ ومنها ما خصص للتحكم في تسوية أعضائه حتى تصل إلى شكلها الكامل وما يتحكم في غير ذلك من الصفات الشكلية من مثل لون كل من البشرة‏ ,‏ والشعر‏ ,‏ والعينين‏ ,‏ ومن مثل طول القامة‏ ,‏ ونحافة القد أو ضخامته‏ ,‏ وفي غير ذلك من الصفات‏ .‏
وهذه المورثات هي من خلق الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ ومن اختياره‏ ,‏ وهي التي تتحكم بإذن الله الخالق البارئ المصور في تحديد كل صفات الجنين التي تميزه عن غيره من المخلوقين‏ ,‏ ولذلك قال‏ (تعالى‏)‏ معاتبا الكفار والمشركين والعصاة المتجاوزين حدود الله من بني آدم‏ ,‏ وهم من خلقه المكلف صاحب الإرادة الحرة‏ ,‏ يعاتبهم ربهم على كفرهم أو شركهم أو عصيانهم فيقول‏ : ‏
" يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ‏.الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ . فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ ‏ " (‏الانفطار‏:6‏-‏8)‏ .
وقوانين الوراثة التي تتحكم في تركيب مجموع صفات الحميل هي من العلوم المستحدثة التي لم تكن معروفة في زمن الوحي‏ ,‏ ولا لقرون متطاولة من بعده‏ .‏ وإفصاح القرآن الكريم عن أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو الذي يخلق‏ ,‏ ويسوي الخلقة‏ ,‏ ويعدلها‏ ,‏ ويركبها في الصورة التي اختارها لها هو سبق علمي واضح يشهد للقرآن الكريم بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏ ,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية ـ ولم يقطعه لرسالة أخرى أبدا فيما نعلم ـ وحفظه في نفس لغة وحيه (اللغة العربية‏)‏ وحفظه حفظا كاملا على مدى الأربعة عشر قرنا الماضية وتعهد‏ (سبحانه‏)‏ بذلك إلى قيام الساعة‏ ,‏ حتى يبقى شاهدا على الناس جميعا بأنه كلام الله الخالق ـ في صفاته الربانية وإشراقاته النورانية وصدقه في كل ما أخبر به ـ في وقت تعرضت كل صور الوحي السابقة للضياع‏ ,‏ ويبق
ى القرآن الكريم شاهدا على ذك‏ ,‏ وشاهدا أيضا للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة‏ ,‏ وبأنه كان موصولا بالوحي‏ ,‏ ومعلما من قبل خالق السموات والأرض‏ .‏
فالحمد لله على نعمة الإسلام‏ ,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏ ,‏ والحمد لله على نعمة البعثة المحمدية الشريفة‏ ,‏ وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ ,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .‏