" أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ ‏" (الحج‏:46)


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في مطلع النصف الثاني من سورة الحج‏,‏ وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها ‏78‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الأمر فيها من الله ـ تعالى ـ إلى عبده ورسوله إبراهيم ـ عليه السلام ـ أن يؤذّن في الناس بالحج وذلك بقوله العزيز‏:‏
" وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ " (‏الحج‏:27).‏
وسورة الحج هي السورة الوحيدة من سور القرآن الكريم التي جمعت بين سجدتين من سجدات التلاوة‏,‏ ويدور المحور الرئيسي للسورة حول عدد من التشريعات الإسلامية المتعلقة بفريضة الحج‏,‏ وبالإذن بالجهاد في سبيل الله‏,‏ وبالأمر بعبادته ـ سبحانه ـ والسجود لجلاله‏,‏ وبالإيمان بالبعث بعد الموت‏,‏ والاستعداد لأهوال الآخرة‏.‏
ويصحب هذه التكاليف وعد قاطع من الله ـ تعالى ـ بنصره لعباده المؤمنين المجاهدين في سبيله‏,‏ وبالتمكين لهم في الأرض‏,‏ مع التأكيد على قوة الله البالغة‏,‏ وضعف كل المخلوقين أمامها‏,‏ والاستشهاد على ذلك بالتذكير بمصارع الغابرين من الكفار والمشركين‏,‏ والبغاة الظالمين المفسدين في الأرض‏,‏ والتأكيد على سنن الله ـ تعالى ـ في ذلك‏,‏ وهي لا تتوقف‏ ولا تتبدل‏ ولا تتخلف أبدًا‏.‏

وتبدأ سورة الحج بدعوة الناس جميعًا إلى تقوى الله ـ سبحانه وتعالى ـ، وتحذرهم من أهوال الساعة‏,‏ ومن اتباع الشيطان‏,‏ مؤكدة حتمية البعث‏,‏ ومستشهدة على ذلك بخلق الإنسان من تراب‏,‏ ثم مروره بمراحله الجنينية حتى يولد‏,‏ ومشبهة عملية البعث بإنبات الأرض بعد إنزال الماء عليها‏,‏ مؤكدة أن الله ـ تعالى ـ هو الحق‏,‏ وأنه على كل شيء قدير‏,‏ وأن الساعة آتية لا ريب فيها‏,‏ وأن الله يبعث من في القبور‏.‏
وتعاود السورة الكريمة إلى تحذير من يضلهم الشيطان فيجادلون في الذات الإلهية بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير؛ ليضلوا غيرهم، وتؤكد أن هؤلاء لهم في الدنيا خزي‏,‏ ولهم في الآخرة عذاب شديد‏،‏ وتشي إلى أن من الناس من يعبد الله ـ تعالى ـ طمعًا في كريم عطائه فقط‏,‏ فإن أصابه خير اطمأن به‏,‏ وإن ابتلى بفتنة انقلب على عقبيه فخسر الدنيا والآخرة‏,‏ وذلك هو الخسران المبين‏.
وتحذر سورة الحج من الشرك بالله واصفة هذا الموقف بالضلال البعيد‏,‏ ومؤكدة عجز الشركاء المزعومين عن نفع أو ضر من أشركوا بهم‏,‏ وفي الوقت نفسه تبشر بجزاء المؤمنين الصالحين الموحدين لله ـ تعالى ـ فتقول‏:‏
" إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ " ‏(‏الحج‏:14).‏
وتؤكد الآيات أن الله ـ تعالى ـ قد تعهد بنصرة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ برغم كيد الكائدين‏,‏ وحقد الحاقدين من الكفار والمشركين‏,‏ كما تؤكد على الوحي بالقرآن الكريم‏,‏ وعلى الفصل بين أصحاب الملل والنحل المختلفة في يوم القيامة‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏:‏
" وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ  " (‏الحج‏:17,16).‏
وتؤكد الآيات في سورة الحج أن جميع من في السماوات والأرض وما فيهما من مخلوقات يسجد لله ـ تعالى ـ في عبودية وخضوع كاملين‏,‏ يمثلان قمة التكريم للمخلوق‏؛ لأن من يعرض عن ذلك من أصحاب الإرادة الحرة فليس له من مكرم‏.‏

وتمايز سورة الحج بين عذاب الكافرين في الآخرة‏ ونعيم الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏,‏ مؤكدة أن الصد عن سبيل الله ـ تعالى ـ وعن المسجد الحرام‏‏ والظلم والإلحاد فيه هي من صور الكفر بالله‏.‏
وتستعرض الآيات كيف هدى الله ـ تعالى ـ عبده ورسوله إبراهيم ـ عليه السلام ـ إلى التوحيد الخالص‏,‏ وإلى مكان البيت الحرام‏,‏ وكيف أمره برفع قواعده‏,‏ وإعادة بنائه‏,‏ والعمل على تطهيره للطائفين والقائمين والركع السجود‏,‏ وأن يؤذّن في الناس بالحج يأتوه من كل فج عميق‏.‏
وأمرت الآيات بتعظيم شعائر الله‏,‏ مؤكدة أن ذلك من تقوى القلوب‏,‏ وحذرت من انتهاك حرماته‏,‏ وأمرت بالحلال من الطعام‏,‏ وباجتناب الرجس من الأوثان‏,‏ واجتناب قول الزور‏,‏ وأمرت بالتزام الحنيفية السمحة‏,‏ ونهت عن جميع صور الشرك بالله ـ تعالى ـ‏,‏ وأنذرت بعقاب المشركين‏,‏ وأشارت إلى أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ قد جعل على كل أمة قربانًا تقدمه لذاته العلية؛ شكرًا على ما رزقهم من بهيمة الأنعام‏.‏

وتكرر سورة الحج التأكيد على وحدانية الله‏,‏ وعلى ضرورة الخضوع الكامل لجلاله بالإسلام‏,‏ وتأمر خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يبشر بخيري الدنيا والآخرة‏ جميع المؤمنين الذين يعملون الصالحات‏,‏ المتواضعين لله ـ تعالى ـ‏,‏ والمطمئنين إلى عدالة حكمه‏,‏ والذين تخشع قلوبهم بذكره‏,‏ والصابرين على قضائه‏,‏ والمقيمين للصلاة‏,‏ والمنفقين مما رزقهم الله‏.‏
ويتكرر في سورة الحج الإذن من الله ـ تعالى ـ بالقتال الدفاعي للذين ظُلموا وأُخرجوا من ديارهم بغير حق‏ إلا أن يقولوا ربنا الله‏,‏ وتؤكد الآيات أن الله ـ تعالى ـ سوف ينصر من ينصره، وهو القوي العزيز‏,‏ وتصف أنصار الله بقوله ـ تبارك اسمه ـ‏:
" الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ "‏ (‏الحج‏:41).‏
وتخاطب الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مواساة رقيقة من الله ـ تعالى ـ لتكذيب الكفار والمشركين لبعثته الشريفة فتقول‏:
‏" وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ * وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ * وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ المَصِيرُ " (‏الحج‏:42‏ـ‏48).‏
وتطالب الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين بأن يعلن للناس كافة أنه نذير مبين لهم من لدن رب العالمين، فتقول‏:
‏" قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَحِيمِ " (‏الحج‏:49‏ ـ‏51).‏
وتؤكد سورة الحج أن الله قد أحكم آيات كتابه الخاتم‏,‏ وحفظه من كل شيطان رجيم‏؛‏ حتى يبقى حجة على الخلق أجمعين إلى قيام الساعة‏,‏ وفي ذلك تقول‏:‏
" وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أَنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ " (‏الحج‏:55,54).‏
وتعاود السورة الكريمة إلى وصف الجزاء في الآخرة‏,‏ مؤكدة الفرق الهائل بين نعيم الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏‏ وجحيم الذين كفروا وكذبوا بآيات الله، وواصفة ثواب المهاجرين في سبيل الله‏,‏ والمجاهدين من أجل إعلاء دينه‏ وإقامة شرعه وعدله على الأرض‏,‏ وأن الله ـ تعالى ـ قد أخذ العهد على ذاته العلية بنصرة كل مظلوم‏.‏
واستشهدت سورة الحج بآية تبادل الليل والنهار على حقيقة الألوهية‏,‏ فتقول‏:
‏" ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ " (‏الحج‏:62).‏
ثم استشهدت بإنزال الماء من السماء واخضرار الأرض به‏,‏ مؤكدة أن لله ما في السماوات وما في الأرض‏,‏ وأنه ـ تعالى ـ سخر للإنسان ما في الأرض‏,‏ وأجرى الفلك في البحر بأمره، وأنه هو الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه‏,‏ وهو الذي أحيا الناس بخلقهم من العدم‏,‏ ثم يميتهم ثم يحييهم للحساب والجزاء‏,‏ وأنه هو الغني الحميد‏,‏ وبالناس لرءوف رحيم‏,‏ وأن الإنسان لكفور بنعم ربه في أغلب الأحوال‏.

وتعاود الآيات إلى تأييد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في وجه المكذبين له وللقرآن الكريم، فتقول له‏:
" لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ * وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ * اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وَجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ المَصِيرُ " (‏الحج‏:67‏ ـ‏72).‏
وتشير الآيات إلى عجز الناس جميعًا وشركائهم عن الخلق‏,‏ حتى ولو كنت ذبابة‏,‏ وإلى عجزهم عن استرجاع ما يسلبهم الذباب ـ تلك الحشرة الضعيفة ـ من شيء‏,‏ وتأكيدًا على أن الكفار والمشركين لم يعرفوا معنى الألوهية فتقول‏:
"‏ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ " (‏الحج‏:74,73).‏
وتختتم سورة الحج بالتأكيد على حقيقة كلٍ من الوحي والنبوة والرسالة‏,‏ وعلى إحاطة علم الله بكل شيء‏,‏ وعلى حتمية رجوع كل شيء إليه، وتأمر المؤمنين بعبادة الله ـ تعالى ـ كما أمر‏,‏ وبفعل الخير‏,‏ وبالجهاد في سبيله‏,‏ وبالشهادة على الناس‏,‏ وبالاعتصام بحبل الله فتقول‏:‏
" اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ‏ " (الحج‏:75‏ ـ‏78).‏

من العبادات المفروضة في سورة الحج‏:‏

(1)‏ إقامة الصلاة‏,‏ وإيتاء الزكاة‏,‏ وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا‏.‏‏
(2)‏ الجهاد في سبيل الله ـ تعالى ـ؛ دفعًا لظلم الظالمين‏,‏ ولبغي الباغين‏.‏
‏(3)‏ الأمر بالمعروف‏,‏ والنهي عن المنكر‏,‏ والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر‏.‏
‏(4)‏ محاربة الشيطان، واتقاء إغراءاته‏,‏ والامتناع عن قول الزور والعمل به‏.‏
‏(5)‏ التخلص من الشرك بكل أشكاله وصوره‏.‏


من الإشارات الكونية في سورة الحج ‏:‏

(1)‏ التأكيد على خلق الإنسان من تراب‏,‏ ووصف مراحل الجنين البشري المتتالية بدقة بالغة حتى يخرج إلى الحياة طفلا‏‏ يحيا ما شاء الله له أن يحيا‏,‏ ثم يتوفاه الله ـ تعالى ـ عند نهاية أجله‏,‏ والذي يرد من البشر إلى أرذل العمر تضعف ذاكرته ـ في أغلب الأحوال ـ حتى لا يعلم من بعد علم شيئًا‏.‏
(2)‏ الإشارة إلى اهتزاز الأرض‏, وارتفاعها‏,‏ وإنباتها من كل زوج بهيج بمجرد إنزال الماء عليها‏,‏ وتشبيه بعث الأموات من قبورهم بإنبات الأرض‏.‏
(3)‏ تأكيد حقيقة أن جميع من في السماوات والأرض يسجد لله ـ تعالى ـ طوعًا أو كرهًا إلا عصاة الإنس والجن‏.‏
(4)‏ التأكيد على حقيقة أن القلوب تعقل وتعمى‏,‏ وهو ما ابتدأت العلوم المكتسبة في التوصل إليه‏.‏
(5)‏ وصف نسبية كلٍ من المكان والزمان في منظور الإنسان انطلاقًا من ضخامة الكون‏,‏ وذلك بقول الحق ـ تبارك وتعالى‏ ـ:‏
" ...‏ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ " (الحج‏:47).‏
(6)‏ التعبير عن كلٍ من كروية الأرض‏ ودورانها حول محورها أمام الشمس بولوج كلٍ من الليل والنهار في الآخر‏.‏
(7)‏ الإشارة إلى أن كل ما في الأرض مسخر للإنسان‏,‏ وأن الفلك تجري في البحر بأمر الله‏.‏
(8)‏ التأكيد على أن الله ـ تعالى ـ هو الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه‏.‏
(9)‏ الإشارة إلى عجز كل المخلوقين عن الخلق ـ حتى ولو كانت ذبابة ـ، وإلى عجزهم عن استرجاع ما يسلبهم الذباب من شيء‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏,‏ ولذلك فسوف أقصر الحديث في المقال القادم إن شاء الله ـ تعالى ـ على ما تم كشفه مؤخرًا عن وجود خلايا عصبية للذاكرة في الغشاء البريتوني المحيط بالقلب‏,‏ مما يؤكد وصف القرآن الكريم للقلب بأنه إما أن يعقل أو أن يعمى‏.



من أقوال المفسرين في تفسير قوله ـ تعالى ـ:
﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ
وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ (الحج: 46).

* ذكر ابن كثير ـ رحمه الله ـ ما مختصره: " ... وقوله ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ ... ﴾ أي بأبدانهم وبفكرهم أيضًا؛ وذلك للاعتبار، أي انظروا ما حل بالأمم المكذبة من النقم والنكال، ﴿ ... فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ... ﴾ أي فيعتبرون بها، ﴿ ... فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ أي ليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة، وإن كانت القوة الباصرة سليمة فإنها لا تنفذ إلى العبر ولا تدري ما الخبر.

* وجاء في "الظلال" ـ رحم الله كاتبها برحمته الواسعة ـ ما نصه:
" إن مصارع الغابرين حيالهم شاخصة موحية، تتحدث بالعبر، وتنطلق بالعظات... ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ ... ﴾ فيروها فتوحي لهم بالعبرة؟، وتنطق لهم بلسانها البليغ؟، وتحدثهم بما تنطوي عليه من عبر؟، ﴿ ... فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا ...﴾ فتدرك ما وراء هذه الآثار الدوارس من سنة لا تتخلف ولا تتبدل.
﴿... أوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ...﴾ فتسمع أحاديث الأحياء عن تلك الدور المهدمة والآبار المعطلة والقصور الموحشة ؟ أفلم تكن لهم قلوب ؟  فإنهم يرون ولا يدركون ، ويسمعون ولا يعتبرون ﴿ ... فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ ويمعن في تحديد مواضع القلوب: ﴿... الَتِي فِي الصُّدُورِ ﴾؛ زيادة في التوكيد، وزيادة في إثبات العمى لتلك القلوب على وجه التحديد، ولو كانت هذه القلوب مبصرة لجاشت بالذكرى، وجاشت بالعبرة، وجنحت إلى الإيمان؛ خشية العاقبة الماثلة في مصارع الغابرين، وهي حولهم كثير، ولكنهم ـ بدلا من التأمل في تلك المصارع، والجنوح إلى الإيمان، والتقوى من العذاب ـ راحوا يستعجلون بالعذاب الذي أخّره الله عنهم إلى أجل معلوم".
وجاء في بقية التفاسير كلام مشابه لا حاجة إلى تكراره.

القلب في القرآن الكريم:
جاءت الإشارة إلى القلب في القرآن الكريم بالإفراد والجمع ومع عدد من الضمائر المختلفة (132) مرة. وجميع الناس إلى  اليوم يعتقدون بأن القلب هو مجرد مضخة تضخ الدم الفاسد إلى الرئتين لتنقيته، وتتلقى الدم المؤكسد منهما لتضخه إلى مختلف أجزاء الجسم وأولها المخ ـ الذي لو تأخر ضخ الدم إليه لثوان معدودة لهلك صاحبه ـ.
وفي ظل سيادة هذا الاعتقاد نجد أن القرآن الكريم قد تنزّل من قبل ألف وأربعمائة سنة بالتأكيد على أن للقلب وظائف أخرى، منها: أنه هو الذي يكسب الأعمال خيرها وشرها، وهو مكان الاطمئنان والأمن أو الانزعاج والخوف والرعب، وهو محل الشهادة أو إنكارها، ومحل الخير أو الإثم، ومحل الهداية أو الزيغ، وهو محل الفهم والفقه، أو سوء الفهم واللبس، وهو محل الرقة واللين أو القسوة والغلظة، وهو محل اليقين أو الريبة، والإيمان أو الكفر، واليقظة أو الغفلة، وهو محل التعقل ووزن الأمور أو تضييعها، ومحل البصيرة أو العمى، ومحل السلامة أو الحقد، ومحل القصد والعمد، أو العشوائية والارتجال، وهو سبب الانفتاح أو الانغلاق على أيٍ من الخير أو الشر، وهو محل الخشية والإنابة، أو التبجح في المعصية والغي، ومحل التذكر والفطنة، أو النسيان والغفلة، ومحل المحبة والرحمة والرأفة، أو الكراهية والغل والقسوة، ومحل الهداية أو الضلال، ومحل غير ذلك من الصفات التي تشكل شخصية الإنسان؛ لأن أعمال العبد إما أن تطهّر قلبه وتزكيه، أو تتجمع عليه كالران الأسود فتطمسه
وتجخيه.

ومن الآيات القرآنية الكريمة ما يشرح ذلك ويؤكده ومنها قول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ:
1- ﴿ لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ (البقرة:225).
2- ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ... ﴾ (البقرة:260).
3- ﴿ ... وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ (البقرة: 283).
- ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ المِيعَادَ﴾ (آل عمران: 8).
5- ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران: 151).
6- ﴿ ... وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾ (آل عمران: 154).
7- ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ ﴾ (الأعراف: 179).
8- ﴿ إِنَّمَا يَسْتَئْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ (التوبة:45).
9- ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ ﴾ (الرعد:28).
10- ﴿ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل: 106).
11- ﴿ ... وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ (الكهف: 28).
12- ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ (الحج:46).
13- ﴿ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء:88،89).
14- ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ (الشعراء :192-195).   
15- ﴿ ... وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ (الأحزاب:5).
16- ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ (محمد:24).
17- ﴿ ... وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ (الحجرات:7).
18- ﴿ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ (ق:32،33).
19- ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق:37).
20-
﴿ ... وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ...﴾ (الحديد:27).
21- ﴿ ... وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ (الحشر:10).
22- ﴿ ... اللَّهِ وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (التغابن:11).
23- ﴿ كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (المطففين:14).

كذلك جاءت لفظة (صدر) في القرآن الكريم بالإفراد والجمع، وبالإسناد إلى عدد من الضمائر بمعنى القلب (44) مرة. وهذه الإشارات كلها تؤكد أن للقلب وظائف عديدة غير مجرد ضخ الدم الفاسد إلى الرئتين ثم استقباله منهما مؤكسَدًا لضخة إلى مختلف أجزاء الجسم وأولها المخ، وهو ما يشير إليه مجموع الآيات القرآنية الكريمة التي استشهدنا بها آنفًا، وتؤكده الآية التي اتخذنها عنوانا لهذا المقال.

من الدلالات العلمية للآية الكريمة:
تدل الآية الكريمة رقم (46) من سورة الحج{على أن القلب مناط كل من العقل والبصيرة ولذلك قال ـ تعالى ـ:﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ (الحج: 46).
وقد أثبتت أحدث دراسات القلب أنه عضو حيوي بشكل هائل وفعال في جسم الإنسان، وأنه يعمل على تواصل دائم مع مخه عبر (40.000) خلية عصبية تم اكتشافها مؤخرًا فيه وفي الغشاء البريتوني (Peritoneum) المحيط به والمعروف باسم (الصفاق)، وأنه يفرز كمًّا من الهرمونات إلى تيار الدم الذي يضخه إلى مختلف أجزاء الجسم وأولها المخ.
كذلك ثبت أن المخطط الكهربائي للقلب هو أكبر بمائة ضعف من المخطط الكهربائي للمخ، وفي كل نبضة ينبضها القلب يولّد طاقة مغناطيسية تفوق الطاقة المغناطيسية للمخ بخمسة آلاف ضعف، وبها يتواصل مع المخ ومع باقي أجزاء الجسم، فالقلب يتحدث مع المخ، وينسق معه جميع أنشطته، فكما ينشط المخ بمراكز ذاكرته وحسه بواسطة التغذية الراجعة عبر كلٍ من الشبكات العصبية والدموية، فكذلك القلب الذي يعمل كجهاز تخزين للمعلومات عن طريق التغذية الراجعة عبر كلٍ من الأعصاب والدم، كما أثبت الدكتور بول برسال في مؤلفة المعنون (شفرة القلب)

(cf.:Paul Persal : The Heart Code).
وقد ثبت بالتجربة أن إحدى الأعراض الناتجة عن العمليات الجراحية بالقلب هو فقد شيء من الذاكرة، ولذلك استنتج العلماء أن القلب هو مستودع الذكريات.
والخلايا العصبية التي اكتشفت مؤخرًا في القلب تشابه تمامًا نظائرها في المخ، وبذلك أثار أطباء القلب السؤال التالي: " هل للقلب القدرة على التفكير والشعور والعاطفة والانفعال وتخزين المعلومات القريبة والبعيدة في ذاكرة تشبه ذاكرة المخ؟ ".
وجاءت إجابة أطباء القلب بكلٍ من جامعة بيل الأمريكية ومعهد هارتمان بولاية كاليفورنيا

Yale University and Hartman Institute ,California)) بأن القلب جهاز فائق التعقيد، وأن من صور هذا التعقيد وجود جهاز عصبي معقد بالقلب يشبه المخ تمامًا، له ذاكرة قصيرة وطويلة الأمد، وقد اتضح ذلك بجلاء عند نقل قلب من إنسان إلى إنسان آخر فيأخذ القلب المنقول معه من الذكريات والمواهب، والعواطف والمشاعر، والهوايات والسجايا والتفصيلات الخاصة بالشخص الذي أخذ منه القلب، والتي تبدو غريبة كل الغرابة عن صفات الشخص الذي تم نقل القلب إليه
(Jack Copeland and others ; Gary Schwartz ( Yale University) ; Rolyn Mc Carthy , Andrew Armour (Hartman Inst.., California))   .
وبذلك ثبت بالملاحظات الدقيقة أن القلب هو أكثر أجزاء الجسم تعقيدًا، وأكثرها دقة وغموضًا، وأنه يتحكم في المخ أكثر من تحكم المخ فيه، ويرسل إليه من المعلومات أضعاف ما يتلقى منه في علاقة عجيبة بدأت الدراسات الطبية المتقدمة في الكشف عنها، ويشبهها أطباء القلب بجهاز إرسال إذاعي بين القلب والمخ يعمل بواسطة عدد من الحقول المغناطيسية التي يصدر أقواها من القلب إلى المخ فيسبق القلب المخ في ردود فعله.
كل ذلك يثبت سبق القرآن الكريم بالتأكيد على هذه المعارف التي لم تكتشف إلا في العقدين الحالي والماضي، مما يثبت لكل ذي بصيرة أن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله، وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية، في نفس لغة وحية ـ اللغة العربية ـ، وتعهد بهذا الحفظ تعهدًا مطلقًا حتى يبقى القرآن الكريم شاهدًا على الخلق أجمعين إلى يوم الدين بأنه كلام رب العالمين، ويبقى شاهدًا للنبي الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة.
فالحمد لله على نعمة الإسلام، والحمد لله على نعمة القرآن، والحمد لله على بعثة خير الأنام القائل:
" أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ " (صحيح الإمام البخاري).
فصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.