حقيقية المسيح 2


4 – تلاميذ السيد المسيح ـ عليه السلام ـ كما ورد ذكرهم في الأناجيل الأربعة التي يؤمن بها نصارى اليوم:
تذكر الأناجيل الأربعة الموجودة بين أيدي نصارى اليوم أن السيد المسيح ـ عليه السلام ـ كان له من تلاميذه اثنا عشر ساعدوه، وكانوا مصاحبين له، وهم ـ بحسب رواية متى في الإصحاح العاشر ـ : بطرس أو سمعان (PETER or SIMON)، وأندراوس (ANDREW) أخوه، ويعقوب بن زيدي (JAMES THE SON OF ZIDEE)، ويوحنا (JOHN) أخوه، وفيليب (PHILIP)، وبرتولماوس (BARTHOLOMEW)، وتوماس (THOMAS)، ومتَّى العشار (MATHEW THE TAX COLLECTOR)، ويعقوب بن حلفي (JAMES SON OF ALPHAEUS)، ولباوس المُلقَّب تداوس (TADDAEUS)، وسمعان القانوي (SIMONE THE PATRIOT)، ويهوذا الإسخريوطي (JUDAS ISCARIOT)، وأما عن الحواري العاشر فقد سماه بطرس (تداوس)، وأنكره لوقا، وذكر بدلا منه آخر يسمى (يهوذا أخو يعقوب) (لوقا 6: 16)
.
وأما عن كيفية معرفته ومقابلته للحواريين، فقد جاء في متى (4 :18-23) ما ترجمته : " وإذ كان يسوع ماشيًا عند بحر الجليل أبصر أخوي سمعان الذين يقال له بطرس وأندراوس أخوه يلقيان شبكة في البحر؛ فإنهما كانا صيادَيْن، فقال لهما: هَلُمَّ ورائي؛ فأجعلكما صيادين الناس؛ فللوقت تركات الشباك وتبعاه، ثم اجتاز من هناك، فرأى أخوين آخرين: يعقوب بن زيدي، ويوحنا أخوه في السفينة وأباهما، وتبعاه ".
وأما إنجيل يوحنا (1: 35-46) فلم يذكر أمر الشبكة، بل قال : " إن (أندراوس) وآخر تبعاه حسب إرشاد (يحيى) قرب عبر الأردن، ثم تبعه سمعان بإرشاد (أندراوس)، وفي الغد أراد (يسوع) أن يخرج إلى الجليل فوجد (فيلبس)، فقال له: " اتبعني "، ثم أن (فيلبس) وجد (نثنائيل) فأرشده إلى المسيح، ولم يأت (يوحنا) بشيء عن (يعقوب) ألبتة ".


5 – معجزات السيد المسيح ـ عليه السلام ـ كما ترويها الأناجيل الأربعة التي يؤمن بها نصارى اليوم وتناقض تلك الروايات :

إن أول المعجزات التي نسبها إنجيل مَتَّى إلى السيد المسيح ـ عليه السلام ـ (8: 2) هي شفاء رجل من مرض البَرَص، وقد بين أن ذلك كان بعد وعظ الجليل، ولكن إنجيل لوقا (5: 12) ذكر هذه الحادثة مبينًا أنها كانت قبل وعظ الجليل، مخالفًا في ذلك رواية مَتَّى، وقد ذكر هذا كذلك حادثة إبراء المسيح ـ عليه السلام ـ للمفلوج غلام صاحب المائة (متى 8: 5)، ثم إبراءه لحماة بطرس المصابة بالحُمَّى (متى 8: 14)، ولكن إنجيل لوقا (7: 38) ذكر حادثة حماة بطرس قبل حادثة الأبرص ـ أي قبل وعظ الجليل ـ ثم ذكر حادثة غلام صاحب المائة بعد هذا الوعظ (لوقا 7: 2). وذكر إنجيل مَتَّى (8: 23) بعد ذلك معجزة نجاة السفينة، ولكن إنجيل مرقص (4: 37) جعل هذه المعجزات بعد الوعظ الذي ذكره إنجيل مَتَّى في الإصحاح الثالث عشر.
وبعد ذلك ذكر إنجيل مَتَّى (8: 28) أن المسيح ـ عليه السلام ـ أخرج شياطين كثيرة من مجنونين لقياه لما جاء إلى العبر إلى كورة الجرجسيين، وذهب كلٌ من إنجيل مرقص (5)، ولوقا (8) إلى كونهما مجنونًا واحدًا أخرج المسيح ـ عليه السلام ـ منه شياطين كثيرة عند كورة الجدويين (THE TERRITORY OF THE GADAVA)
، فسلطها على قطيع من الخنازير، فاضطرته إلى بحيرة حيث غرق فمات اختناقًا، وماتت معه الشياطين.
وذكر إنجيل مَتَّى (9: 2) حادثة شفاء المفلوج، ولم يذكرها الآخرون، ثم ذكر حادثة أخرى : " دعا فيها أحد الرؤساء السيد المسيح لابنته قائلا: " إن ابنتي ماتت " (متى 9: 18) فذهب، ولما رآها قال لهم: " تنحوا؛ فإن الصبية لم تمت، ولكنها نائمة "، مما يشعر بعدم حديث معجزة الإحياء هنا، وذكر إنجيل مرقص أن الرئيس قال له: " إن ابنتي الصغيرة على آخر نسمة " (مرقص 5: 23)، وإنجيل لوقا يخالفهما في الرواية في إصحاحه الثامن.
ثم ذكر إنجيل مَتَّى حادثة أعميين وإنسان أخرس مجنون شفاهم المسيح ـ عليه السلام ـ، ولم يشر الآخرون إلى ذلك ولم يبينوه، بل ذكر إنجيل مرقص (6: 5): " أن المسيح في ذلك الوقت لم يقدر أن يصنع هناك معجزة واحدة ".
كذلك ذكر إنجيل مَتَّى شفاء السيد المسيح ـ عليه السلام ـ لذي اليد اليابسة، ثم شفاءه لجموع كثيرة، ثم شفاءه لمجنون أعمى وأخرس وعدد آخر من المرضى، ولم يذكر كل ذلك الآخرون، وكذلك الحال بالنسبة إلى معجزة وضعه البركة في خمسة أرغفة وسمكتين، وسيره على الماء، وشفائه لمن لمسوا ثوبه (مَتَّى 14).
وفي الإصحاح الخامس عشر ذكر مَتَّى أن امرأة كنعانية طلبت منه أن يشفي لها ابنها، ولكن إنجيل مرقص (7: 26) بيَّن أن المرأة كانت أممية، وفي جنسها فينيقية سورية، ثم ذكر إنجيل مَتَّى (15: 3) ما ترجمته : " فجاء إليه جموع كثيرة معهم عرج وعمي وخرس وشل وآخرون كثيرون وطرحوهم عند قَدَمَي يسوع فشفاهم " ، ولكن إنجيل لوقا (7: 31) ذكر أن المسيح ـ عليه السلام ـ لم يشفِ وقتئذٍ غير رجل كان أصمَّ وأقعد.
يذكر إنجيل مَتَّى (20: 29) ما ترجمته : " وفيما هم خارجون من أريحا وإذا أعميان جالسان على الطريق فشفاهما "، ويذكر إنجيل مرقص (10: 46) ما ترجمته : " إنه لم يكن هناك غير أعمى واحد هو (بارثيماوس بن تيماوس) ".
وذكر إنجيل مََتَّى (21: 18) معجزة لعيسى ـ عليه السلام ـ، وهي دعاؤه على شجرة تين فيبست في الحال، ويبين أن ذلك كان في ثاني يوم لركوبه على الجحش والأتان، ولكن إنجيل مرقص (11) يذكر أن ذلك كان في اليوم الثالث، ويدوِّن إنجيل مَتَّى ما ترجمته : " إن المسيح بعث تلميذين من تلاميذه ليأتياه بجحش وأتان. قال: " وأتيا بالأتان والجحش ووضعا عليهما ثيابهما، فجلس عليهما " (مَتَّى 21: 6)، وليس من المعقول بداهةً أن يجلس المسيح عليهما جميعًا في وقت واحد، وأما إنجيل مرقص (11: 7) فيدوِّن ما ترجمته : " فأتيا بالجحش إلى يسوع، وألقيا عليه ثيابهما، فجلس عليه " مبينًا أنه لم يكن هناك إلا جحش واحد جلس المسيح عليه، ومع ذلك يخالفهما إنجيل يوحنَّا (12: 14) كل المخالفة، فيقول: إن المسيح لم يطلب من أحد أن يأتيه بجحش أو بجحش وأتان، بل " وجد المسيح جحشًا فجلس عليه ".
هذه هي المعجزات التي ذكرها إنجيل مَتَّى، وإنك لترى كيف تختلف الأناجيل الثلاث الأخرى المعترف بها من قبل نصارى اليوم في رواية كل واحدة من تلك المعجزات، بل لقد روت تلك الأناجيل الأخرى معجزات لم يذكرها مَتَّى مطلقًا، وذلك كإحياء المسيح ـ عليه السلام ـ لميت محمول على النعش عند مدينة (نائين) (لوقا 7: 11) وكإحياء المسيح ـ عليه السلام ـ لـ(ألعازر) (يوحنَّا 11)، بل لقد بالغ يوحنَّا في آخر إنجيله مبالغة خيالية غريبة في سرد معجزات المسيح فقال: " وأشياء أخر كثيرة صنعها يسوع إن كتبت واحدة واحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة " (يوحنَّا 21: 25) ، ولقد ذكرت هنا جميع هذه المعجزات في بضعة أسطر قليلة، وأما كون المعجزات إذا كتبت في كتب فهذه الكتب لا يسعها العالم فأمر غاية في الغرابة، ولو قال إن الكتب التي تحوي المعجزات لا يسعها القطر المصري مثلا لكان الأمر أهون في الغرابة، وأقل في المبالغة.
وبالرغم من ذكر عدد من المعجزات المنسوبة للسيد المسيح ـ عليه السلام ـ في الأناجيل الأربعة المعترف بها من قِبَل نصارى اليوم فإن هنالك شواهد في تلك الأناجيل نفسها تثبت عدم حصول أية معجزة للمسيح ـ عليه السلام ـ، ومثل ذلك ما ورد في إنجيل مَتَّى (12: 38) منسوبًا إلى المسيح ـ عليه السلام ـ ما ترجمته : " حينئذ أجاب قوم من الكتبة والفريسيين قائلين : يا معلم نريد أن نرى منك آية، فأجاب قائلا لهم : جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي ". ونسب كذلك إلى المسيح ـ عليه السلام ـ قوله لهم : " جيل شرير فاسق يلتمس آية ولا تعطى له إلا آية يونان النبي، ثم تركهم ومضى " (مَتَّى 16)، ويمكن أن يستنتج من ذلك خطأً أن المسيح لم يعط آية للجيل الذي كان معاصرًا له، وهو بخلاف الإشارات السابقة، وأما عن مسألة آية يونان النبي فسيرد ذكرها ـ إن شاء الله تعالى ـ عند الكلام عن رواية الصلب المفترى؛ لأنها لم تحصل أيضًا.


6 – علاقة السيد المسيح ـ عليه السلام ـ باليهود كما ترويها الأناجيل المحرفة التي يؤمن بها نصارى اليوم:

تعترف الأناجيل المحرفة التي يؤمن بها نصارى اليوم اعترافًا صريحًا بكون المسيح ـ عليه السلام ـ ينشأ نشأة يهودية، وتدعي أنه لم يأت بتشريع جديد خاص به، بل كان يدعو اليهود عامة وأتباعه منهم خاصة أن يحرصوا على التوراة، وأن يعملوا حسب أوامرها، وتبين تلك الأناجيل أن المسيح ـ عليه السلام ـ كان طول دعوته أخذ على عاتقه شرح الناموس الموسوي، وبيان روح التشريع فيه. وترينا تلك الأناجيل المحرفة كذلك كيف كان المسيح ـ عليه السلام ـ دائم التوبيخ لرؤساء اليهود، شاتمًا إياهم؛ لعدم عملهم بأصول التشريع ومخالفتهم له، ولقد أظهرت لنا هذه الكتب قصر المسيح ـ عليه السلام ـ دعوته على اليهود دون سواهم، وأمره تلاميذه بعدم الالتفات إلى الأمم الأخرى، وسنبين كل ذلك فيما يلي:

أ – نشأة السيد المسيح ـ عليه السلام ـ نشأة يهودية كما ترويها الأناجيل المحرفة:
إن من قرأ نسب المسيح ـ عليه السلام ـ الذي بيناه آنفًا عرف أنه نشأ على الشريعة الموسوية، فقد اختتن عندما تمت ثمانية أيام لولادته (لوقا 2: 21)، وتطهرت أمه حسب الشريعة نفسها، وكذلك حُمِلَ إلى (أورشليم)؛ ليقدم للرب حسب طقوس تلك الشريعة الدينية، وقدموا له هناك ذبيحة وصفها الإنجيل المنسوب إلى لوقا بما ترجمته : " كما قيل في ناموس الرب زوج يمام أو فرخي حمام " (لوقا 2: 24)، وعندما بلغ أشده كان حريصًا على إقامة شعائر دينه، ويقال إنه لم يمارس النبوة حتى بلغ الثلاثين عامًا.

ب – دعوة المسيح ـ عليه السلام ـ على منهج موسى ـ عليه السلام ـ كما تصفها الأناجيل المحرفة:
تذكر الأناجيل المحرفة التي يؤمن بها نصارى اليوم أن المسيح ـ عليه السلام ـ جاهر بأنه لم يأتِ بتشريع جديد، ولم يرسل لينقض الناموس، بل لقد جاء ليكمله، وذلك حسب القول المنسوب إليه، والذي ترجمته : " لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض، بل جئت لأكمل " (متى5 : 17). وتراه بعد ذلك يعلن أن ليس له حق في الفصل في الدعاوى، وليس له حق الحكم فيها، بل الحكم الوحيد هو التوراة، ومثال ذلك قوله لمن طلب منه أن يقسِّم الميراث بينه وبين أخيه : " يا إنسان، من أقامني عليكما قاضيًا أو مُقَسِّمًا ؟ " (لوقا 12: 14).


ج – دعوة السيد المسيح ـ عليه السلام ـ الناسَ إلى المحافظة على شريعة موسى ـ عليه السلام ـ كما تصفها الأناجيل المنحولة:
تذكر الأناجيل المنحولة التي يؤمن بها نصارى اليوم أن السيد المسيح ـ عليه السلام ـ دعا اليهود إلى المحافظة على شريعة موسى والحرص على اتباعها، وبيَّن ذلك ما رواه إنجيل مَتَّى (23: 1-3) والذي ترجمته : " حينئذ خاطب يسوع الجموع وتلاميذه قائلا: على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون، فكل ما قال لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه، ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا؛ لأنهم يقولون ولا يفعلون ".
ومثل ذلك القول المنسوب للسيد المسيح ـ عليه السلام ـ موجهًا إلى أبرص شفاه ـ بإذن الله تعالى ـ والذي ترجمته : " انظر أن لا تقول لأحد، بل اذهب أرِ نفسك للكاهن، وقدِّم القربان الذي أمر به موسى شهادة لهم " (مَتَّى 8: 1). والقربان الذي أمر به موسى ـ عليه السلام ـ مفصل في الإصحاح الرابع عشر من سفر اللاويين من (1-32) والذي ترجمته : " وكلم الرب موسى قائلا : هذه تكون شريعة الأبرص "، ويتلخص في أنه في يوم طهره يؤتي به إلى الكاهن، ويخرج الكاهن إلى خارج المحلة، فإذا رأى الكاهن وإذا ضربة البرص قد برئت من الأبرص، حينئذٍ يأمر الكاهن أن يؤخذ للمتطهر عصفوران حيان طاهران، وخشب أرز، وقرمز، وزوفا، ويأمر الكاهن أن يذبح العصفور الواحد في إناء خزف على ماء، وأما العصفور الحي فيأخذه مع خشب الأرز والقرمز والزوفا ويغمرهما والعصفور الحي في دم العصفور المذبوح على الماء، وينضح على المتطهر من البرص سبع مرات فيطهره، ثم يطلق العصفور الحي على وجه الصحراء ... الخ.

د – تروي الأناجيل المنحولة في مواطن كثيرة توبيخ السيد المسيح ـ عليه السلام ـ لليهود على عدم اتباعهم لشريعة موسى ـ عليه السلام ـ:

وفي ذلك تروي الأناجيل الأربع المعترف بها من قبل نصارى اليوم أن السيد المسيح ـ عليه السلام ـ كان يُرَى في بعض الأحيان غاضبًا لله، لاعنًا، شاتمًا اليهودَ؛ لعدم عملهم بشريعة موسى ـ عليه السلام ـ، موبِّخًا الرؤساء؛ لعدم تفهمهم روح الدين الذي جاء به موسى ـ عليه السلام ـ، متهكِّمًا عليهم؛ لتمسكهم بقشور الأمور دون لبُِّها. ومثال ذلك الأقوال المنسوبة للسيد المسيح ـ عليه السلام ـ موجهة إلى حاخامات اليهود والتي من ترجمتها : " الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراءون؛ لأنكم تأكلون بيوت الأرامل " ، وقوله : " أيها الجُهَّال والعميان، أيهما أعظم ؟، القربان أم المذبح الذي يقدس القربان ؟ " ، وقوله : " أيها القادة العميان الذين يصفون الماء عن البعوضة ويبلغون الجمل " ، وقوله : " أيها الفريسي الأعمى، نق أولا داخل الكأس " ، وقوله : " أيها الحيَّات أولاد الأفاعي، كيف تهربون من دينونة جهنم ؟ " (مَتَّى 23) ... الخ.

هـ – شرح السيد المسيح ـ عليه السلام ـ لقواعد الناموس الذي نزل على موسى ـ عليه السلام ـ كما ورد في الأناجيل المنحولة:
كان السيد المسيح ـ عليه السلام ـ إبَّان دعوته شارحًا للناموس، مبينًا لقواعده، وفي ذلك يذكر إنجيل مَتَّى جوابه على سؤال لناموسي سأله قائلا : " يا معلم، أية وصية هي العظمى في الناموس ؟، فقال له يسوع : تحب الرب إلهك من قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل فكرك، هذه هي الوصية الأولى والعظمى، والثانية مثلها تحب قريبك كنفسك، بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله والأنبياء " (مَتَّى 22: 36)، كما يذكر ذات الإنجيل قوله للفريسيين الذين لاموه على مجالسته للخطاة: " لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب، بل المرضى، فاذهبوا وتعلموا ما ه ، إني أريد رحمة لا ذبيحة؛ لأني لم آتِ لأدعو أبرارًا، بل خطاة إلى التوبة " (مَتَّى 9: 10-13) ، وكذلك قوله لهم حين انتقدوا أكل تلاميذه السنابل في يوم السبت المحرم فيه العمل عند اليهود ما ترجمته : " أما قرأتم ما فعله داود حين جاع هو والذين معه، كيف دخل بيت الله، وأكل خبز التقدمة الذي لا يحل أكله له ولا للذين معه بل للكهنة فقط، أو ما قرأتم في التوراة أن الكهنة في السبت في الهيكل يدنسون السبت وهم أبرياء " (مَتَّى 12: 1-5).

ويذكر إنجيل مَتَّى أنه جاء للمسيح كتبة وفريسيون من (أورشليم)، وقالوا له : " لماذا يتعدى تلاميذك تقليد الشيوخ؟، فإنهم لا يغسلون أيديهم حينما يأكلون خبزًا، فأجاب وقال لهم: وأنتم أيضًا لماذا تتعدون وصية الله بسبب تقليدكم ؟، فإن الله أوصى قائلا: أكرم أباك وأمك، ومن يشتم أبًا أو أمًا فَلْيَمُت مَوْتًا، وأما أنتم فتقولون: من قال لأبيه أو أمه: قربان هو الذي ينتفع به مني، فلا يكرم أباه أو أمه، فقد أبطلتم وصية الله بسبب تقليدكم يا مراءون، حسنًا تنبأ عنكم أشعياء قائلا : يقترب إليَّ هذا الشعب بفمه ويكرمني بشفتيه، وأما قلبه فمبتعد عني بعيدًا، وباطلا يعبدونني وهم يعلمون تعاليمًا هي وصايا الناس " (متى 15: 1-9).
ويذكر إنجيل يوحنَّا مثل ذلك من قول ينسب للسيد المسيح قاله لليهود يوم العيد وهو في الهيكل : " عملا واحدًا عملت فتعجبون جميعًا ؟!، لهذا أعطاكم موسى الختان، ليس أنه من موسى بل من الآباء، ففي السبت تختنون الإنسان، فإن كان الإنسان يقبل الختان في السبت لئلا ينقض ناموس موسى ـ عليه السلام ـ أفتسخطون عليَّ لأني شفيت إنسانا كله في السبت ؟!، لا تحكموا حسب الظاهر، بل احكموا حكمًا عادلا " (يوحنا 7: 19-24).

و – قصر دعوة السيد المسيح عليه السلام على اليهود دون سواهم كما ورد في الأناجيل المنحولة:
يذكر إنجيل مَتَّى قولا منسوبًا للسيد المسيح ـ عليه السلام ـ ترجمته كما يلي : " لم أرسل إلا لخراف بيت إسرائيل الضالة " (مَتَّى 15: 24) ، ويروي ذات الإنجيل أمره لتلاميذه ألا يذهبوا إلى غير اليهود، فقد جاء في إنجيل مَتَّى (10: 5) ما ترجمته : " هؤلاء الاثنى عشر أرسلهم يسوع قائلا: إلى طريق أمم لا تمضوا، إلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة ".


7 – التضارب في التعاليم المنسوبة إلى السيد المسيح ـ عليه السلام ـ كما ترويها الأناجيل المحرفة المتداولة بين نصارى اليوم:

على الرغم من الأدلة الواردة في الأناجيل المحرفة التي يؤمن بها نصارى اليوم والتي تشهد بمحافظة المسيح ـ عليه السلام ـ على إقامة شعائر الدين الذي جاء به موسى ـ عليه السلام ـ من قبل، وعمله على حفظ قواعده وتدعيم بنائه ونشر تعاليمه، نرى تلك الأناجيل تنسب إلى المسيح ـ عليه السلام ـ أقوالا يخالف بها ما قاله هو نفسه في هذه الكتب عينها مما يحير العقل، ويجعلنا نشك في الروايات، ونوقن بالتحريف، وهاك أمثلة من ذلك التضارب:

أ – الأمر بالمحبة والتسامح يناقض الأمر بالبغض والحث على الانتقام:

لا تكاد ترى روح الاستسلام للعدو المعتدي، والتذلل للمسيء المتعنت، والعفو عن الظالم العاتي في الأناجيل الأربعة المقبولة عند نصارى اليوم حتى تراها وقد استلت سيف البطش، وشهرت حرب البغض، ودعت إلى التنكيل والانتقام.
يفسر الموقف الأول القول المنسوب إلى السيد المسيح ـ عليه السلام ـ والذي ترجمته : " سمعتم أنه قيل عَيْنٌ بعَيْنٍ وسِنٌّ بسِنٍّ، وأما أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحَوِّل له الآخر أيضًا، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضًا، ومن سخرك مِيلاً فاذهب معه اثنين ". ومثل ذلك قول آخر منسوب إليه وترجمته : " سمعتم أن قيل تحب قريبك وتبغض عدوك، وأما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم، باركوا لاعِنِيكُم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصَلُّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم " (مَتَّى 5: 38-40).
ويفسر الموقف الثاني تحريف قول مَتَّى في إنجيله على لسان السيد المسيح ـ عليه السلام ـ ما ترجمته: " لا تظنوا أني جئت لألقيَ سلامًا على الأرض، ما جئت لألقيَ سلامًا، بل سيفًا " (مَتَّى 10: 34). ويروي إنجيل لوقا مثل ذلك القول زورًا على لسان السيد المسيح ـ عليه السلام ـ إذ يسجل ما ترجمته : " أتظنون أني جئت لألقيً سلامًا على الأرض؟، كلا أقول لكم، بل انقسامًا " (لوقا 12: 15)، ومثله قوله : " جئت لألقيَ نارًا على الأرض، فماذا أريد لو اضطرمت ؟! " (لوقا 12: 49).

ب – إكرام الوالدين وحبهما يناقض إهانتهما وبغضهما:

جاء في إنجيل مَتَّى على لسان السيد المسيح ـ عليه السلام ـ قوله: " إن الله أوصى قائلا: أكرم أباك وأمك، ومن يشتم أبًا أو أمًا فَليَمُتْ مَوْتًا " (مَتَّى 15: 4)، وقوله: " أكرم أباك وأمك " (مَتَّى 9: 19).
ومع ذلك فقد جاء في إنجيل لوقا ما يناقض ذلك ويصادمه من مثل القول المنسوب زورًا إلى السيد المسيح ـ عليه السلام ـ والذي ترجمته: " إن كان أحد يأتي إليَّ ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وإخوته وإخوانه حتى نفسه أيضًا فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا " (لوقا 14: 25)، ومثل ذلك منعه أحد أتباعه أن يذهب ليدفن أباه (لوقا 9: 60)، ومثل ذلك أيضًا ما جاء زورًا في إنجيل مَتَّى منسوبًا إلى السيد المسيح ـ عليه السلام ـ كرد على من جاء يخبره قائلا : " أمك وإخوتك واقفون خارجًا طالبين أن يكلموك "، فأجاب : " من هي أمي ؟! ومن هم إخوتي ؟!، ثم مد يده نحو تلاميذه وقال : ها هي أمي وإخوتي " (متى 12: 47).

ج – تحريم القتل يناقض الأمر به:
بينما نرى المسيح ـ عليه السلام ـ موصوفًا في إنجيل مَتَّى بأنه يحرِّم القتل (مَتَّى 19: 18) نجده في إنجيل لوقا يوصف زورًا بالحض على التمثيل بالأبرياء، والمناداة بذبح الآمنين، والدعوة إلى تمزيقهم شر ممزق، وإنك لتجد ذلك ممثلا في القول المنسوب إليه : " أما أعدائي أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم فأتوا بهم إلى هنا واذبحوهم قُدَّامي " (لوقا 19: 27).
وبهذه المناسبة أذكر حكاية غريبة جاءت فيما يسمى (أعمال الرسل)، وهي أولى الرسائل الاثنتين والعشرين التي أضيفت إلى الأناجيل الأربعة، وتروي الرسالة أن بطرس كان مُتَّبِعًا لهذا المبدأ، فقد قتل بطريق المعجزة رجلا اسمه (حنانيا)؛ لأنه باع حقله وسلم ثمنه له بعد أن أبقى لنفسه جزءا يسيرًا منه، ثم قتل بعده بثلاث ساعات امرأة الرجل، وتسمى (سفيرة)؛ وذلك لكونها أنكرت حقيقة ثمن حقل زوجها عنه (أعمال 5: 1-11)، فهل هناك تشريع يجعل القتل جزاءً لمثل هذا الإنكار ؟!، وهل يجازى بالقتل امرؤ حجز لنفسه جزءًا من ماله ؟!.

د – تحريم الخمر والربا وتحليلهما في كتاب واحد:

من الثابت أن الشريعة الموسوية ـ حتى في صورتها المحرفة فيما يسمى بالعهد القديم ـ تحرِّم الخمر تحريمًا باتًّا، وفي مواضع أخرى تحلله (تثنية 14: 26)، ولقد جاء كذلك في الأناجيل ما يشير إلى تحريمها (لوقا 1: 15)، ومن الغريب أن هذه الكتب عينها تنادي بتحليلها. فمن ذلك ما جاء في إنجيل مَتَّى زورًا على لسان المسيح ـ عليه السلام ـ واصفًا نفسه بقوله: " جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب، فيقولون: هو ذا إنسان أكول وشريب خمر " (مَتَّى 11 : 19)، وكذلك قوله (مَتَّى 26: 27) عن المسيح ـ عليه السلام ـ " أنه أخذ الكأس وشكر وأعطاهم ـ أي التلاميذ ـ قائلا : اشربوا "، ولقد ذكر يوحنا أن أول معجزة كانت للمسيح ـ عليه السلام ـ هي تحويله للماء خمرًا في عرس قانا الجليل حتى شرب جميع الحاضرين، وذلك حينما نفذت منهم الخمر، ولقد عقَّب على ذلك إنجيل يوحنا بقوله : " هذه بداية الآيات فعلها يسوع في قانا الجليل، وأظهر مجده، فآمن به تلاميذه " ـ بعد أن سكروا طبعًا ـ (يوحنا 2: 1-11)، وتراه في الإصحاح الرابع يَدَّعي أن المسيح أعادة الكَرَّة ثانيةً قائلا : " فجاء يسوع أيضًا إلى قانا الجليل حيث صنع الماء خمرًا " (يوحنا 4: 64)، ويؤخذ من هذه الأناجيل المحرفة أن المسيح ـ عليه السلام ـ كان يشرب الخمر طول مدة دعوته، وهذا ما لا يقبله عقل.
وأما عن الادعاء ـ زورًا ـ على المسيح ـ عليه السلام ـ بتحليله الربا ودعوته إليه فيؤخذ من الحكاية المنسوبة إلى المسيح ـ عليه السلام ـ عن الرجل الذي سَلَّم عبيده أمواله فرباها اثنان ولم يربها الثالث، فقال له : " أيها الخادم الشرير الكسلان، أعرفتني أحصد من حيث لم أزرع ؟! ، وأجمع من حيث لم أوزع ؟!، فكان عليك أن تضع مالي عند أصحاب المصارف، وكنت في عودتي أسترد مالي مع الفائدة "، والقصة رواها متى في الإصحاح الخامس والعشرين، والغريب أن اليهود يزعمون أن التوراة تقول: " للأجنبي تقرض بربا، ولكن لأخيك لا تقرض بربا " (تثنية 23: 20)، واعتقادنا أن الخمر والربا محرمان تحريمًا مطلقًا عند كلٍ من موسى وعيسى ـ عليهما السلام ـ.

هـ – عدم عقاب الزاني يخالف الأمر بتخليص العالم من شروره:
ذكر إنجيل يوحنَّا أن الكتبة والفريسيين جاءوا إلى المسيح ـ عليه السلام، وكان يعلم الشعب في الهيكل ـ ومعهم امرأة متلبسة بجريمة الزنى ليروا رأيه فيها، ولكنه لم يعاقبها، بل تركها وشأنها مع تصديقه بزناها (يوحنَّا 8: 2-11)، مخالفًا الناموس، ضاربًا بالتشريع الموسوي عرض الحائط (تثنية 22).
ولكنك تراه في إنجيل مَتَّى مطيعًا لشريعة موسى، بل تجده أكثر منه تشددًا في إقامة الحدود، وإن ذلك ليتمثل في القول المنسوب للسيد المسيح ـ عليه السلام ـ والذي ترجمته : " قد سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تزن، وأما أنا فأقول لكم إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها، فقد زنى بها في قلبه، فإن كانت عينك اليمنى تعثرك فأقلعها وألقها عنك؛ لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم " (مَتَّى 5: 27-30).
والذي يرى قلع عين من ينظر إلى امرأة نظرة شهوة يرى أن رجم الزاني هو أهون عقاب له، فإنه خير للعالم أن يتخلص من الزاني من أن ينتشر فيه الفسق والفساد ويفتك به الزنى والفجور.