حقيقة المسيح3


 و – ادعاء الأناجيل المنحولة زورا على السيد المسيح عليه السلام أنه دعا إلى الرهبنة وعدم الزواج وإلى عدم زواج الأرمل وإلى تحريم الطلاق وهي تكاليف فوق طاقة البشر :
يذكر متى في إنجيله أن المسيح عليه السلام كان يدعو الناس إلى ترك الدنيا وعدم العمل لها ، بل يذكر أن المسيح عليه السلام غالى في ذلك فدعا إلى الرهبنة ، ورغب في عدم الزواج ، وذلك بالقول المنسوب إلي السيد المسيح عليه السلام والذي ترجمته : " يوجد خصيان ولدوا هكذا من بطون أمهاتهم ، ويوجد خصيان خصاهم الناس ، ويوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات من استطاع أن يقبل فليقبل " (متى 19 : 12) ، ومعنى ذلك أنه يأمر أتباعه أن يخصوا أنفسهم خصيا جراحيا ، أو على الأقل يأمرهم ألا يتزوجوا ، ويلزمهم بمحاربة سنن الكون والخليقة ، ولو فرضنا أن الناس جميعا اتبعوا هذا المبدأ لأصبح العالم في نحو قرن قفرا من الناس ، خلوا من البشر .
ولكون هذا الأمر تستحيل إجابته ، ويندر من يستطيع تنفيذه كما يجب ، اعترف إنجيل متى بذلك .. ولكنه ذكر أن من تزوج ثم فارقته امرأته بالموت مثلا فلا يصح أن يتزوج أو يعد زانيا (متى 19 : 9) ، وذكر أن الطلاق لا يكون إلا بالزنا .. وهذا أمر شاق كذلك ، بل تكليف بما هو فوق الطاقة البشرية ، وإنك كثيرا ما تجد القرينين في أمس الحاجة إلى الطلاق ، بل إن المصلحة الاجتماعية قد تقتضي فراق اثنين لا تتفق روحاهما ، بل هنالك من الأمراض الفتاكة المميتة ، والعلل العصبية المستعصية ، والحالات النفسية الشاذة ، ما يدعو إلى الطلاق السريع ويلزمه ، وإننا نعلم جميعا أن العائلة ما هي إلا أساس المجتمع ونواة وجوده فإذا انفصمت عراها ، وتحللت أجزاؤها ، تداعى بنيان المجتمع الإنساني ، وتقوضت دعائمة ، وانهار بنيانه ، وحينئذ تكون الطامة الكبرى على البشرية ولأضرب لك مثلا من بعض الحالات التي يتحتم فيها الفراق ، ويلزم معها الطلاق ، وذلك كإصابة أحد القرينين بالبله أو العته أو الجنون ، أو بالأمراض التناسلية العصبية ، كمرض سادي وسوشر ماسوك ، والفيتشزم ، والنفور الجنسي ، ومرض تحقيق المرأة ، والاسترجال ، والتأنث ، إلى غير ذلك مما تجده محصورا في كتب التناسليات .
ومعظم كنائس اليوم – ما عدا البعض من الكنائس الكاثوليكية – إذ وجدت ميزة الطلاق خالفت قول المسيح عليه السلام وحللت الطلاق بل وأحلت زواج المطلق والمطلقة بغير قيد أو شرط .

ز – ادعاء الأناجيل المنحولة على السيد المسيح عليه السلام أنه دعا إلى الاستغناء عن الضروريات والتجرد من الممتلكات لأن الأغنياء لا يدخلون الجنة ولو لم يرتكبوا إثما أو يأتوا بمعصية :
تروي الأناجيل الأربعة التي يؤمن بها نصارى اليوم أن المسيح عليه السلام دعا إلى الزهد في الدنيا ، وعاب على الأغنياء ثراءهم ، وقرر عدم دخولهم الجنة ، ودعا أتباعه إلى الرهبنة والانقطاع عن الحياة وفي ذلك يقول إنجيل متى على لسان السيد المسيح عليه السلام ما ترجمته : " إن أردت أن تكون كاملا فاذهب وبع أملاكك وأعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعالى اتبعني " (متى 19 : 21) أي تجرد عن ممتلكاتك لكي تكون مسيحيا ، وقوله : " إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله " (متى 19 : 24) أي أن الغني مطلقا لا سبيل له إلى دخول الجنة ولو لم يرتكب إثما ولم يأت معصية ، وقوله : " لا تقتنوا ذهبا ولا فضة ولا نحاسا في مناطقكم ولا مزودا للطريق ولا ثوبين ولا أحذية ولا عصا " (متى 10 : 9) وأكثر من ذلك قوله : " لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون ، أليست الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس " ، " فلا تهتموا قائلين ماذا نأكل أو ماذا نشرب أو ماذا نلبس " ، " فلا تهتموا للغد لأن الغد يهتم بما لنفسه يكفي اليوم شره " (متى 6) وكذلك قول (لوقا 12 : 24) : " تأملوا الغربان إنها لا تزرع ولا تحصد وليس لها مخدع ولا مخزن والله يقيتها ، كم أنتم بالحري أفضل من الطيور " فهل يمكن للإنسان أن يأكل ويشرب أو يعيش بغير سعي والسماء كما تعلم لا تمطر ذهبا ولا فضة ؟!
والظاهر أن كاتبي الأناجيل وضعوا أحاديث الرهبنة وعدم السعي لطلب الرزق ونسبوها للمسيح عليه السلام لأنهم كانوا يعتقدون أن القيامة قائمة في جيلهم ، ويخالون أن زمنهم هو آخر الزمان ، وفي أيامهم سوف يفنى العالم (متى 16 : 28) ، (متى 24 : 29-34) ، (لوقا 21) ، (يوحنا 1 : 51) .


ثانيا : الأناجيل المزورة التي يؤمن بها نصارى اليوم وعلاقتها بإنجيل المسيح عليه السلام :
ظهر لنا جليا أن حمل كل من الكتب الأربع التي يؤمن بها نصارى اليوم اسم (إنجيل) خطأ فادح ، وبعد عن الحقيقة والإنصاف ، وذلك هو ما دعا إلى وضع اسم (موعظة) مكان لفظ (إنجيل) في النسخ المكتوبة باللغة السريانية والموجودة بين أيدي الناس إلى يومنا هذا .
إن اسم (إنجيل) لا يصح أن يسمى به غير الوحي الذي أنزل إلى السيد المسيح عليه السلام من ربه ، وأشير إليه في القرآن الكريم ، وإلا فهل أنزل على كل من هؤلاء الكتاب إنجيل كذلك ؟!
إن إنجيل المسيح عليه السلام هو الذي أشار إليه (مرقص 1 : 15،14) في قوله : " وبعدما أسلم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز بيشارة ملكوت الله ويقول قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل " .
فأين هذا الإنجيل المشار إليه ؟ فلئن قلنا إن المواعظ الأربع المسماة باسم (متى ، مرقص ، لوقا ، يوحنا) تمثل كلها الإنجيل متماسكة غير منفصلة ، فما بال هذا التناقض الغريب فيما بينها ؟!
وإذا زعم امرؤ أن واحدا منها هو إنجيل المسيح عليه السلام فأي هذه الكتب يصح أن نسميه بذلك ؟!
وقبل الإجابة على هذا السؤال ، يجب أولا أن نبين أصل هذه الكتب ، ومنشأ تكوينها ، وكيفية كتابتها ، وحال مصنفيها ، وطريقة تمييزها عما سواها مما يماثلها ، ونذكر الزمن الذي وجدت فيه ، وما تحويه مما ينسب زورا إلى المسيح عليه السلام .

1 – الكتب الأربع التي يؤمن بها نصارى اليوم ليست من إنشاء المسيح أو إملائه وليست وحيا :
إن من يقرأ الأناجيل المزورة التي يؤمن بها نصارى اليوم لا يمكن له أن يستشف أنها من إنشاء المسيح عليه السلام بأي حال أو أنها من إملائه .. وذلك لأنه لا يمكن مطلقا أن نقول إن خطابا يرسله أحد الناس إلى صديقه يحكي له فيه قصة سمعها أو أخبارا وصلته من طريق الرواية ويطلب منه فيها إبلاغ سلامه إلى نفر من أقاربه وأصدقائه يمكن أن تكون وحيا من الله تعالى أو أن تكون من إنشاء غيره أو إملائه لأنه من الواضح أنها من كتابته هو .
فإنجيل لوقا مثلا ، ما هو إلا خطاب أرسله هو إلى صديقه العزيز ثاوفيلس يحكي له فيه عما سمعه عن رجل يسمى المسيح أرسله الله ليهدي اليهود الذين كانوا قد حرفوا كتابهم ، وتركوا تعاليم رسولهم ، ويذكر له فيه المعجزات التي صنعها هذا الرسول ، ويذكر له فيه المعجزات التي صنعها هذا الرسول لإثبات رسالته ، ولأجل بيان ذلك أذكر لك نص ما كتبه كاتب الإنجيل المسمى باسم لوقا في مطلع كتابه الذي يسمونه باللغة العربية إنجيلا ، والذي كتب بعد رفع عيسى عليه السلام بعشرات السنين مما ترجمته : " إن كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداما للكلمة رأيت أنا أيضا إذ تيقنت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس لنعرف صحة الكلام الذي علمت به " ، ثم ابتدأ قصته قائلا : " كان في أيام هيرودس ملك اليهودية كاهن اسمه زكريا من فرقة أبيا وامرأته من بنات هارون واسمها اليصايات وكان كلاهما بارين أمام الله ... الخ " (لوقا 1 : 1-6) .
فهل يمكن لعاقل أن يصدق أن هذا الخطاب كتبه عيسى عليه السلام ؟! أو أنه من إملائه ؟! أو هل في هذا الخطاب ما يدعو إلى التفكير في كونه من عند الله تعالى ؟!! كلا والله .
وفي التهديد لمن يتجرأ على نسبة كلام الغير إلى الله تعالى يقول الحق تبارك وتعالى في محكم كتابه : ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (البقرة:79) .
وإننا إذا تمعنا قليلا في مطلع هذا الكتاب المنحول إلى لوقا وجدنا جملة غير مرتبطة بعضها ببعض ، وسياقها معدوم الاتصال والانسجام ، الشيء الذي يشهد بالتحريف ، ويدعو إلى الشك في الرواية ، وترانا إذا حذفنا الجمل المعترضة التي لا تنسجم مع الحديث وجنا مطلع إنجيل لوقا هكذا : " إن كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة .......... رأيت أنا أيضا .......... أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس .......... " ، ولعل المترجمين أو المحررين قد زادوا الجمل المعترضة ليشعروا القراء أن هذه القصة موحى بها أو أنها من عند الله تعالى .
وبصرف النظر عن هذا .. نستطيع أن نحلل قول كاتب الإنجيل المسمى باسم لوقا في مطلع إنجيله ونعرض كلامه على العقل ونلخصه أما القارئ في سبع نقاط كما يلي :
أ – يتبين لنا من قوله : " في الأمور المتيقنة عندنا " أن كثيرين هم الذين كتبوا مثل ما كتب ، وبما أن كتابه إنجيل فيكون هنالك أناجيل كثيرة قد كتبت قبل إنجيله مع كونه لم يقتبس في إنجيله شيئا منها ولم يعين أحدها .
ب – يؤخذ من كلامه أنه يؤلف قصة لصديقه ولا يروي تاريخا وهذه القصة يؤلفها على عدة دفع .
جـ – يتبين أن هذا الخطاب من كلامه وليس من كلام المسيح عليه السلام ولا دخل للوحي فيه .
د – لا يعرف بالضبط التاريخ الذي كتب فيه هذا الإنجيل ، ولو أن مؤرخي المسيحية يغلب على ظنهم أنه كتب ما بين سنة 60 ، 70 ميلادية أي قبل أن تكتب الأناجيل المسماة باسم متى ومرقص ويوحنا ، فعلى هذا كان هنالك أناجيل كثيرة تاريخها قبل تاريخ الأناجيل الأربع الموجودة الآن .. فأين هي ؟
هـ – وأما قوله : " كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداما للكلمة " فليس عليه دليل ن حيث لم يذكر لنا أسماء الحواريين الذين سمع منهم قصته ، أو قرأها عنهم ، ولم يبين لنا حال من روى عنهم إطلاقا ، وبما أن هذا الكتاب يعتبر أقدم الأناجيل الأربع التي يؤمن بها نصارى اليوم ، وبما أنه ليس لدينا أناجيل أقدم من تلك الأناجيل الأربع ، بل لا توجد النسخة الأصلية التي تنسب إلى لوقا فتكون هذه الجملة دخيلة حيث لم ترد عن أناس معروفين موثوق بهم .
و – وأما قوله : " إذ تيقنت كل شيء من الأول بتدقيق " فمردود أيضا إلى أن كاتب هذا الإنجيل غير معروف ، ولوقا الذي نسب إليه ليس من الحواريين ، ولم يثبت أنه صاحب المسيح ، أو قابله أو رآه .. ولو كان كتب بتدقيق لما خالف كلا من الإنجيلين المنسوبين إلى متى ويوحنا .
ز – أما قوله إنه يكتب لثاوفيلس ليعرف صحة الكلام الذي علم به فليس فيه شيء من المنطق ، وإنما الإثبات يكون بإظهار الحجج الدامغة والبراهين التي لا يدخلها الشك لا مجرد الحكاية والرواية .. ثم بجانب ذلك يشترط في أتباع المسيح أن يأتوا بالمعجزات (مرقص 11 : 23) ، بل ويعملوا من المعجزات أعظم مما عمله عيسى عليه السلام نفسه (يوحنا 14 : 12) ، ولم يرو عن لوقا ولا عن غيره ممن يعرفون باسم المسيحيين اليوم أنه صنع معجزة واحدة .
هذا مثل ضربته من الإنجيل المسمى باسم لوقا .. ثم إننا إذا رجعنا إلى الإنجيل المنتحل باسم متى وقرأنا مطلعه تبين لنا أنه ليس إنجيلا بل هو " كتاب عن قصة ميلاد يسوع المسيح بن داود بن إبراهيم ... الخ " (متى 1 : 1) .
وهكذا بالنسبة للإنجيلين الآخرين المنتحلين تحت اسمي كل من بطرس ويوحنا .

2 – الأناجيل الأربع التي يؤمن بها نصارى اليوم تنسب إلى المسيح عليه السلام أقوالا لا تعقل وأخبارا لم تتحقق :
ومن أمثلة ذلك ما ورد في الإنجيل المنسوب إلى مرقص أن المسيح عليه السلام كان يقول : " الحق أقول لكم ليس أحد ترك بيتا أو إخوة أو أخوات أو أبا أو أما أو امرأة أو أولادا أو حقلا لأجلي ولأجل الإنجيل إلا ويأخذ مائة ضعف الآن في هذا الزمان بيوتا وإخوة وأخوات وأمهات وأولادا وحقولا مع اضطهادات وفي الدهر الآتي الحياة الأبدية " (مرقص 10 : 29) .
فهل حقيقة أن من يترك من أجل المسيح عليه السلام بيتا أو إخوة أو أخوات أو أبا أو أما أو امرأة أو أولادا أو حقولا يأخذ مائة ضعف في هذا الزمان مع اضطهادات ؟! ومن أين يحصل المرء على مائة بيت ومائة أخ ومائة أخت ومائة أب ومائة أم ومائة زوجة ومائة ابن ومائة حقل ؟!
إننا لا يمكننا اعتبار هذا مجازا .. وإلا ما فصل هذا التفصيل الذي لا يقبله العقل ، فهل يستطيع مرؤ فقد زوجته من أجل كل من المسيح عليه السلام والإنجيل أن ينكح مائة امرأة أخرى مع كون الأناجيل الأربع تحرم نكاح المطلق أو المطلقة وتحرم بعضها نكاح الأرمل والأرملة (متى 19 : 9) كما بينا عند الكلام عن (الرهبنة) في تعاليم النصرانية المعاصرة ؟
وأما التنبؤات التي لم تتحقق وتعزى خطأ إلى المسيح عليه السلام فهي كثيرة أذكر منها بعض ما رواه كل من الإنجيلين المنسوبين إلى متى ويوحنا ، فقد جاء في الإنجيل المنحول إلى متى ما ترجمته : " أن المسيح عليه السلام كان يقول للحواريين الاثني عشر : " الحق أقول لكم إنكم أنتم الذين تبعتموني في التجديد ، متى جلس الإنسان على كرسي مجده تجلسون أنتم أيضا على اثني عشر كرسيا تدينون أسباط بني إسرائيل " (متى 19 : 28) وفي هذا خطئان : الأول منهما : أن الحواريين الاثني عشر لم يكن لهم سلطة على أسباط بني إسرائيل مطلقا حتى بعد رفع المسيح عليه السلام ، والثاني : أن يهوذا الإسخريوطي كان أحد الحواريين الاثني عشر .. وقد زعموا أنه ارتد آخر أيامه وكفر ، فكيف يكون كالباقين ؟!
يذكر كذلك (متى 10 : 23) قول المسيح للحواريين : " ومتى طردوكم من هذه المدينة فاهربوا إلى الأخرى فإني الحق أقول لكم لا تكلموا مدن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان " وقد كملوا مدن إسرائيل ومضى تسعة عشر قرنا ولم يأت ابن الإنسان (أي المسيح عليه السلام في عودته الثانية) .
ويروي إنجيل متى (26 : 64) قوله كذلك : " من الآن ترون ابن الإنسان جالسا عن يمين القوة وآتيا على سحاب السماء " ولم يدع واحد من المسيحيين أن هذا قد حصل أو أن المسيح قد أتى على سحاب السماء عن يمن القوة .
ويروي نفس الإنجيل كذلك (متى 16 : 28) قولا منسوبا إلى السيد المسيح عليه السلام ترجمته : " الحق أقول لكم إن من القيام هاهنا قوما لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيا في ملكوته " وقد مات معاصروه جميعا منذ أكثر من 19 قرنا ولم يروا المسيح عليه السلام آتيا في ملكوته .
ويروي إنجيل متى (24 : 29-34) عن المسيح عليه السلام أنه قال إن يوم القيامة لا محالة واقع في عصره ، وأهوالها لا شك حادثة في جيله وفي أيامه ، وقد ذكر أن المسيح عليه السلام أخذ يشرح هول القيامة ثم عقب قائلا : " وللوقت بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس ، والقمر لا يعطي ضوءه ، والنجوم تسقط من السماء ، وقوات السماء تتزعزع .... الحق أقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله " فهل العالم قد زال منذ تسعة عشر قرنا ونحن عن ذلك غافلون ؟!!
وبالمثل يذكر إنجيل يوحنا (1 : 51) على لسان السيد المسيح عليه السلام قوله : " الحق أقول لكم من الآن ترون السماء مفتوحة ، وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان " وهو ما لم يحصل بداهة .
كما يذكر في (يوحنا 8 : 51) أيضا على لسان المسيح عليه السلام قوله : " الحق أقول لكم إن كان أحد يحفظ كلامي فلن ير الموت إلى الأبد " والحواريون على الأقل حفظوا كلامه ، وماتوا كلهم منذ أكثر من تسعة عشر قرنا ، والموت هو خروج الروح التي لا تفنى من الجسد الذي يبلى بمفارقتها له ، فهل الحواريون موجودون الآن أحياء ؟ وهل الباباوات والقسس والرهبان والكهنة كذلك لم يموتوا ؟!
لئن قلنا إن أرواحهم باقية ، فكذلك أرواح الأشرار باقية ، فالأرواح إما باقية في الجنة أو في الجحيم ، أما كون الذي يحفظ كلام المسيح عليه السلام لا يموت إلى الأبد فهذا لا يمكن أن يكون من قول المسيح عليه السلام لأن كل نفس ذائقة الموت لا محالة وإن كان الأمر على سبيل المجاز فإن ذلك يتطلب صياغة أدق من التعبير " لن ير الموت إلى الأبد " .

3 – شيوع التحريف وقت كتابة الأناجيل :
ولعلك لا تأخذك الدهشة إذا علمت أن التحريف كان منتشرا أشد الانتشار وقت كتابة الأناجيل ، فلقد كان وقتئذ في مقدور أي شخص أن يدعي أنه من أتباع المسيح عليه السلام ، وأنه يقول ما يقول بإلهام ، وأن الله تعالى حل فيه ونزل عليه على شكل ألسنة منقسمة كأنها من نار (أعمال 2 : 3) فيجد له أتباعا وأنصارا ومريدين .
ويثبت شيوع التحريف والادعاء من قول بولس : " إني أتعجب أنكم تنتقلون هكذا سريعا عن الذي دعاكم بنعمة المسيح إلى إنجيل آخر لي هو ، غير أنه يوجد قوم يزعجونكم ويريدون أن تحولوا إنجيل المسيح " (غلاطية 1 : 7،6) وقوله : " ولكن ما أفعله سأفعله ، لأقطع فرصة الذين يريدون فرصة كي يوجدوا كما نحن أيضا في ما يفخرون به ، لأن مثل هؤلاء رسل كذبة ، فعلة ، ماكرون ، مغيرون شكلهم إلى شبه رسل المسيح " (2 كو 11) .



4 – ثبوت التحريف في الأناجيل الأربع التي يؤمن بها نصارى اليوم :
التحريف في الأناجيل الأربع التي يؤمن بها نصارى اليوم ثابت قطعا ، وإني أكتفي بإثباته مما ذكرت من الاختلاف بينها فيما ترويه عن المسيح عليه السلام من حيث نسبه ، وحياته الأولى ، وتعرفه بيحيى بن زكريا عليهما السلام والاختلاف في شأن تلاميذه ومعجزاته ... الخ ، والبعض الآخر سيثبت فيما يلي من الأبحاث ، وبالإضافة إلى ذلك فإن ما بين أيدينا اليوم من نسخ الكتاب المقدس طباعة الكاثوليك يخالف طباعة البروتستانت اختلافا جوهريا يمس العقائد الأساسية عندهم والمسائل الهامة في تعاليمهم.
وسأضرب مثلا على ذلك م بعض ما هو مختلف في الطبعتين المذكورتين .. مما لا يتسع المجال لأكثر منه (جدول رقم 1) .
جدول رقم (1)
بعض الاختلافات بين نسخ الكتاب المقدس عند كل من الكاثوليك والبروتستانت

العهد الجديد طباعة الكاثوليك

العهد الجديد طباعة البروتستانت

(متى 16 : 18)

وأنا أقول لك أنت صخرة وعلى هذه الصخرة أبني بيعتي .

 

وأنا أقول لك أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي .

(لوقا 22 : 31)

ثم قال الرب : سمعان سمعان هو ذا الشيطان سأل أن يغربلكم مثل الحنطة أنا أطلب لئلا ينقص إيمانك وأنت تارة راجعا ثبت إخوتك .

 

وقال الرب : سمعان سمعان هو ذا الشيطان طلبكم ليغربلكم كالحنطة وإني طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك وأنت متى رجعت ثبت إخوتك .

(لوقا 1 : 28)

فلما وصل إليها الملاك قال السلام لك يا ممتلئة نعمة الرب معك مباركة أنت في النساء .

 

فدخل إليها الملاك وقال سلام لك أيتها المنعم عليها الرب معك مباركة أتت في النساء .

(متى 6 : 7)

وإذا صليتم فلا تكثروا الكلام([1]) مثل الوثنيين لأنهم يظنون أن يسمع لهم بكثرة كلامهم .

 

وحينما تصلون لا تكرروا الكلام باطلا كالأمم فإنهم يظنون بكثرة كلامهم يستجاب لهم .

وليست هذه المخالفات والتحريفات مجرد اختلاف في الألفاظ ، ولكنها تمس جوهر ما يبني عليه كل من الكاثوليك والبروتستانت عقائدهم الدينية ، فالمقتطف الأول مثلا : يتخذه الكاثوليك حجة في كون المسيح عليه السلام قد أعطاهم السلطة التي تخول لهم سن الشرائع ، ووضع القوانين مما يبينه ما بعده من جمل في قوله لبطرس : " وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطا في السماء وكل ما تحله على الأرض يكون محلولا في السماء " .
فالكاثوليكي يجعل بطرس ومن يخلفه في رئاسة الكنيسة الصخرة التي هي أساسها ، والبروتستانتي ينكر هذه البيعة التي تخالف مذهبه إذ لا يرى لرجل الدين أن يخالف تعالم كتابه ، ويغير فيه ، مع كونه هو نفسه يغير فيها ما شاء له الهوى ، فلا ترى طبعة من طبعات البروتستانت للكتاب المقدس إلا وتغاير سابقتها .
والبروتستانتي في المثال الثاني يرى أن بطرس يجوز أن يفنى إيمانه ، والكاثوليكي يقول إنه ينقص فقط ولا يفنى جملة .
والكاثوليكي في المثال الثالث يقول إن مريم ممتلئة نعمة أي أنها مقدسة ، ولكن البروتستانتي يرى خلاف ذلك ويقول إن الله ينعم عليها كسائر البشر .
وكذلك الحال في سائر العقائد والاختلافات بين سائر الآيات ، وترى أمثلة منها في بركسيس (14 : 22 ، 15 ، 41 ، 2) ، (تسالونيكي 2 : 14 ، 2) ، (بطرس 1 : 1) ، (2 تيموثاوس 4 : 8) ، (الجامعة 9 : 2،1) ، (يعقوب 5 : 14) ، (ملاخيا 1 : 11،10) ، (1 كو 9 : 5) ، (رؤيا 14 : 1-6) ... الخ .
فأي الكتابين هو الحقيقي ؟ وعلى أي أساس كان هذا التحريف ؟

5 – الأناجيل التي يؤمن بها نصارى اليوم كتابها مجهولون وكل منهم يجهل ما كتبه الآخر :
لم ينكر أحد من دعاة المسيحية العديدين – على اختلاف مذاهبهم – أن الأناجيل الموجودة بين أيدي نصارى اليوم ليست إلا تراجع لنسخ أو لرسائل ألفت في عهد قديم .. وذلك أن من يقرأها يتبين له في الحال أنها ليست من إنشاء مؤلفيها ، وأكبر دليل على ذلك هو وجود الجمل التي لابد وأن تكون من كلام المترجمين .
ومثال ذلك ما جاء في الإنجيل المنحول إلى متى (24 : 15) مما ترجمته : " متى نظرتم رجسة الخراب التي قال عنها دانيال النبي قائمة في المكان المقدس – ليفهم القارئ – فحينئذ ليهرب الذين في اليهود إلى الجبال " وواضح أن جملة " ليفهم القارئ " الاعتراضية هي تنبيه من المترجم .
وكذلك حكم الجملة التي تقول : " الذي تفسيره مرسل " الموجودة ضمن كلام إنجيل يوحنا (9 : 8) : " وقال له : اذهب اغتسل في بركة سلوام الذي تفسيره مرسل " ومثله ما جاء في إنجيل لوقا (7 : 31) : " ثم قال الرب : فيم إذن أشبه هذا الجبل أو ما الذي يشابهونه ؟ " فإن جملة " ثم قال الرب " هي كذلك تواضيح من المترجم وهي من كلام الناقل .
وأوضح من ذلك كله ما جاء في آخر إنجيل يوحنا بالنص الذي ترجمته : " هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا وكتب هذا ونعلم أن شهادته حق " ، ومثله ما جاء في نفس الإنجيل (يوحنا 19 : 34-36) من قوله : " لكن واحدا من العسكر طعن جنبه بحربة وللوقت خرج دم وماء والذي عاين شهد وشهادته حق وهو يعلم أنه يقول الحق لتؤمنوا أنتم لأن هذا كان ليتم الكتاب القائل عظم لا يكسر منه " .
وظاهر تماما أن الجملة " والذي عاين شهد وشهادته حق وهو يعلم أ،ه يقول الحق لتؤمنوا أنتم " ليست من إنشاء نفس الكاتب الذي كتب الإنجيل .
هؤلاء المترجمون لا تعرف الكنيسة عنهم شيئا ، ولا يعلم دعاة المسيحية التواريخ التي ترجمت فيها كتبهم ، أو الزمان الذي نسخت فيه ، ولا يدري أحد أمسيحيون هم ، أم يهود ، أم صابئون ، أم مشركون ، ولا نعرف عن أمانتهم ، أو دقة معرفتهم باللغات شيئا ، فلا يستبعد أنهم هم الذين شوهوا الأصول ، وبدلوا المعاني ، وحرفوا الألفاظ ، وأتوا بالعجب العجاب .
هذا هو ما يتعلق بالمترجمين وحالهم ، وأما ما يتعلق بالأشخاص المنسوبة إليهم الأناجيل ، فهذا نتركه للدعاة المسيحيين أنفسهم ليبينوه .
فأما عن إنجيل متى فلا يعلم أحد باللغة الأصلية التي كتب بها هذا الإنجيل ، فذهب بعضهم إلى كونه ربما كتب باليونانية ، وزعم الآخرون أنه يجوز أن يكون قد كتب بالعبرانية أو اللاتينية ولم يستطع أحد البتة أن يعين الزمن الحقيقي الذي كتب فيه أي كتاب من الكتب الأربع ، وأما عن نسبة إنجيل متى إلى متى الحواري فقد جاء في كتاب (حياة المسيح) للأب (ديدون) أن بعض الثقاة قال بأن الإنجيل الحالي المنسوب إلى متى ليس من كتابته ، بل هو مقتطف من أصل مفقود كان ينسب إلى متى الحواري ، بل لقد نادى (فاستس) في القرن الرابع وهو من علماء (ماني كيز) أن الإنجيل المنسوب إلى متى ليس من تصنيفه .
وأما عن إنجيل لوقا ، فقد قرر (أشلاير ماخر) في كتابه (الأبحاث عن إنجيل لوقا) ما ترجمته : " أن إنجيل لوقا ما هو إلا كتب مختلفة كتبت في أزمنة غير معينة بواسطة قوم مجهولين " .
وأما عن إنجيل مرقص فقد قال (رويس) الألماني إنه كان الأصل الذي اقتبس منه كل من إنجيلي متى ولوقا .
وقال (إيخ هورن) في كتابه (مقدمة العهد الجديد) : " إن الإنجيل الأصلي كتاب واحد استنبط منه ثلاثة أناجيل ليس منها إنجيل يوحنا ".