حقيقة المسيح4


وإذا أضفنا إلى هذه القائمة الأناجيل الأربع المخالفة التي طبعها البروتستانت ، لأصبح لدينا 37 إنجيلا فهل يمكن نسبة أي منها إلى السيد المسيح عليه السلام ؟ وإذا أمكن تجاوز ذلك فأيها يمكن أن يكون إنجيل المسيح الحقيقى ؟
إن الإنجيل الحقيقي الذي نزل على المسيح عيسى بن مريم عليه السلام وعلم الناس به إنما هو غير الأناجيل السابقة الذكر قطعا ، وسنبين ذلك إن شاء الله تعالى في مبحث المسيح في القرآن الكريم .

ثالثا : المسيح عليه السلام في الرسائل الثلاث والعشرين الملحقة بأناجيل اليوم :
ينقسم (العهد الجديد) كما سبق وأن أشرنا إلى ثلاثة أجزاء ولقد تكلمنا عن المسيح عليه السلام في الجزء الأول منها وهو الأناجيل الأربع ، وفي هذا القسم سنبحث عن المسيح عليه السلام في الجزئين الثاني والثالث المشار إليهما آنفا ، أي أننا سنبين كيف نعرفه من الرسائل الاثنتين والعشرين وكيف نعرفه من رؤيا يوحنا التي تختم كتب (العهد الجديد) .
وسنرى في هذين الجزأين كيف تغيرت أوصاف شخصية المسيح عليه السلام ، وكيف تطورت نظرة كتاب الأناجيل له ، وكيف اختلفت الرواية عنه ، وكيف كذب عليه ، وادعيت له الألوهية زورا وبهتانا وإفكا وسيظهر ذلك فيما يلي :
1 – المسيح عليه السلام في رسائل العهد الجديد :
إنك إذا قرأت الرسائل الاثنتين والعشرين الملحقة بالعهد الجديد ، وجدتها كلها تتحدث عن شخصية خيالية اسمها المسيح (أعمال 25 : 19) تصفه بالنبوة المزعومة لله عز وجل (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) وتقول أن أباه (الأب) – بحسب هذا الزعم – أرسله ليخلص العالم من خطيئة وهمية يسمونها الذنب المغروس (Peccatum Original) ، ويدعون أن الجنس البشري وصم بها من جراء أكل آدم عليه السلام من الشجرة المحرمة ، وأنه (أي المسيح) صلب فداء عنهم وأنه دخل جهنم وأنه لبث فيها ثلاثة أيام مع الأرواح المعذبة (1 بطرس 3 : 19).
هذه الرسائل لا يعرف كاتبوها ، ولا متى ولا أين كتبت ، ولا بأية لغة كتبت أصلا ، حيث أن أقدم أصول لها بين أيدي نصارى اليوم مخطوطة باليونانية القديمة ، وهي لغة لم يتحدثها السيد المسيح عليه السلام ولا أي من حوارييه ، فضلا عن أنها لا تذكر شيئا عن ولادته ، أو نسبه ، أو حياته ، ولا عن أفعاله وأقواله وتعاليمه ، بل لا تشير أية إشارة إلى الأناجيل الأربع ، ولا ترجع في أمر من أمورها إلى التعاليم المبينة فيها.
وخلاصة القول هو أنك في تلك الرسائل تجد المسيح عليه السلام ابن الإنسان وقد أصبح فجأة ابنا لله ، وشريكا له في ملكه ، أو الإله ذاته ، وغدا الكلام فيها عن رجل ادعى الرسالة وصدقوه فيها ، فسموه رسول المسيح ، أو رسول الله – على حد تعبيرهم واعتقادهم – مما سنبينه في القسم التالي من هذا المبحث إن شاء الله تعالى .

2 – المسيح عليه السلام في رؤيا يوحنا : (The Revelation To John)
إذا ما وصلنا إلى الجزء الثالث من الإنجيل وهو رؤيا يوحنا وجدنا ذاك الابن المزعوم وقد صار على عرش السماوات والأرض إلها حاكما .
ولندع يوحنا يبين لنا رؤياه الخرافية إذ يقول بعد مقدمة طويلة إنه بينما كان في جزيرة بطمس (Patmos) سمع من ورائه صوتا ثم قال : " فالتفت لأنظر الصوت الذي تكلم معي ولما التفت رأيت سبع منابر من ذهب وفي وسط السبع المنابر شبه ابن الإنسان متسربلا بثوب إلى الرجلين ومتمنطقا عند ثدييه بمنطقة من ذهب ، وأما رأسه وشعره فأبيضان كالصوف الأبيض كالثلج ، وعيناه لهيب نار ورجلاه شبه النحاس النقي كأنهما محميتان في أتون ، وصوته كصوت مياه كثيرة ومعه في يده اليمنى ثلاثة كواكب وسيف ماض ذو حدين يخرج من فمه ووجهه كالشمس وهي تضيء في قوتها ، فلما رأيته سقطت عند رجليه كميت فوضع يده اليمنى عليّ قائلا لي : لا تخف أنا هو الأول والآخر والحي وكنت ميتا وها أنا حي إلى أبد الآبدين آمين ولي مفاتيح الهاوية والموت فاكتب ما رأيت وما هو كائن وما هو عتيد أن يكون بعد هذا " (رؤيا يوحنا 1 : 12-19) .
وترى يوحنا يشبه إلهه بعد ذلك بقوله : " إن له عينان كلهيب نار ورجلاه مثل النحاس النقي " (رؤيا يوحنا 2 : 18) .
ثم ترى يوحنا في هذا القسم وقد جعل المسيح خروفا فقال : " ورأيت فإذا في وسط العرش والحيوانات الأربعة وفي وسط الشيوخ خروف قائم كأنه مذبوح له سبعة قرون وسبع أعين هي سبعة أرواح الله المرسلة إلى كل الأرض " .
وبعد أن جعله خروفا لم تطمئن نفسه حتى ذبحه فقال : " ونظرت وسمعت صوت ملائكة كثيرين حول العرش والحيوانات والشيوخ وكان عددهم ربوات ربوات وألوف ألوف قائلين بصوت عظيم : مستحق هو الخروف المذبوح أن يأخذ القدرة والغنى والحكمة والقوة والكرامة والمجد والبركة وكل خليقة مما في السماء وعلى الأرض وتحت الأرض وما على البحر كل منها سمعتها قائلة : للجالس على العرش ، وللخروف البركة والكرامة والمجد والسلطان إلى أبد الآبدين وكانت الحيوانات الأربعة تقول : آمين ، والشيوخ الأربعة والعشرون خروا وسجدوا للحي إلى أبد الآبدين " (رؤيا 5 : 6-14) .
ومثل ذلك قوله : " أنه وجد أمما واقفين أمام العرش وأمام الخروف متسربلين بثياب بيض وفي أيديهم سعف النخل وهم يصرخون بصوت عظيم قائلين : الخلاص لإلهنا الجالس على العرش وللخروف " (رؤيا 7 : 9) .
وقوله : " وقال لي : اكتب طوبى للمدعوين إلى عشاء عرس الخروف " (19 : 9) ، وقوله : " وأراني نهرا صافيا من ماء حياة لامعا كبلور خارجا عن عرش الله والخروف " (12 : 1) ، وقوله : " ولا يكون لعنة ما فيما بعد وعرش الله والخروف يكون فيها وعبيده يخدمونه " (22 : 3) ... الخ .
وإنك لتجد أنه لا معنى أبدا ولا حكمة هنالك مطلقا في تشبيههم إلههم بخروف ، وإننا إذا فرضنا أنهم أرادوا بالخروف معنى الوداعة والرقة والاستسلام فليس ذلك من صفات الألوهية .
وإذا فرضنا أن الرقة والوداعة والاستسلام هي صفات إلههم خاصة ، وإذا فرضنا أن ذلك هو ما دعاهم إلى أن يسموه خروفا ، فما بالهم يزعمون أن للخروف غضبا وصولة وشكيمة وبطشا ؟!
هل للخروف غضب عظيم يدعو " ملوك الأرض والعظماء والأغنياء والأمراء والأقوياء وكل عبد وكل حر " أن " يخفوا أنفسهم في المغاير وفي صخور الجبال وهم يقولون للجبال وللصخور اسقطي عليها أخفينا عن وجه الجالس على العرش وعن غضب الخروف " (رؤيا 6 : 16،15) .
ثم إننا إذا رجعنا إلى الأناجيل الأربع التي يؤمن بها المسيحيون وجدنا المسيح عليه السلام لا يسمى فيها (خروفا) بل يسمى (راعي الخراف) وذلك من مثل القول المنسوب له في إنجيل يوحنا (10 : 11) : " أنا هو الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف " ، وقوله : " خرافي تسمع صوتي وأنا أعرفها فتتبعني " (يوحنا 10 : 27) ، وقوله : " جميع الذين أتوا قبلي هم سراق ولصوص ولكن الخراف لم تسمع لهم " (متى 10 : 8).
فتبين لنا من هذا ، أن كاتب هذا السفر هو الذي يصح أن يسمى خروفا ، وكذلك باقي أتباعه ، وذلك حسب ما ورد في إنجيل لوقا على لسان السيد المسيح عليه السلام والذي ترجمته : " هاأنذا أرسلكم مثل حملان بين ذئاب " (لوقا 10 : 3) .
فبأي حق تسمي رؤيا يوحنا المسيح عليه السلام – وهو أولي العزم من الرسل – خروفا ؟ وهي تسمية تحط من قدر الإنسان العادي لأنه أفضل من الخروف حسب ما ورد في إنجيل متى الذي يقول : " فالإنسان كم هو أفضل من الخروف " (متى 12 : 12) فما بالنا بجلال الإله الذين يجب أن ينزه فوق كل وصف لا يليق بجلاله ، وقد صنع لهم خيالهم المريض من المسيح عليه السلام إلها .
وفي التحذير من مثل هذا الانحراف يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ﴾ (الأحقاف:6،5) .
ويقول عز من قائل : ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ (البقرة:253) .
المبحث الثاني:
بولس ودوره في تحريف رسالة المسيح عليه السلام
في هذه الأسطر القليلة التالية سنحاول أن نلقي شعاعا من الضوء على حال بولس الذي سمى نفسه رسولا (روميه 1 : 1) ، وسنظهر حقيقته من نفس رسائله التي كتبها إلى أتباعه والتي يعتقد المسيحيون – خطأ – أنها كتب من عند الله تعالى ، رغم فقد الدليل العقلي ، وعدم وجود البرهان النقلي على شيء من ذلك ، وصدق الله العظيم إذ يقول فيهم وفي أمثالهم : ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ﴾ (النجم:23)
ولعظيم خطر بولس هذا ، ولكبير أثره في تحويل مجرى النصرانية ، وتبديل الإنجيل الذي أنزل على عيسى عليه السلام وتحريف تعاليمه ، وإعدام روح النصرانية الحقة والقضاء عليها ، ترى لزاما علينا أن نبين عن شخصيته من كتبه ، ونبين عن نفسه من رسائله ، حتى نصبح وقد أتينا بالحجة الدامغة ، وظهرنا بالبرهان القاطع الذي لا سبيل إلى نقضه أو تكذيبه .
سنذكر هنا أصل بولس ، ونبين كيفية ادعائه الرسالة ، ثم نشرح الحالة الاجتماعية التي ظهر فيها ، ونذكر الشروط التي يجب أن تتوفر في أتباع المسيح عليه السلام حسب ما جاء في الأناجيل الأربع التي يؤمن بها نصارى اليوم ، ثم نعرج على رسائله لنرى نصيبها من دعوى الإلهام ، ونذكر تعاليمه لنرى مقدار مخالفتها لتعاليم المسيح عليه السلام .
سنعرض كل ذلك أمام القارئ الكريم ، حتى يرى بنفسه كيف أنشأ بولس هذا دينا خاصا به ، لا يتصل بدين المسيح عليه السلام بصلة ، أو يمت إليه بسبب من الأسباب ، وهاك البيان :
أولا : اصل بولس :
وبولس هذا يهودي مجهول الأصل ، وكان معروفا باسم (شاول الطرسوسي أو الطرطوسي) ، تكلم بعد المسيح عليه السلام بجيل كامل ، ولم يره ، فتارة يدعي لنفسه أنه يهودي طرطوسي (أعمال 21 : 39) ، وتارة يصرخ في المجتمع قائلا إنه فريسي ابن فريسي (أعمال 23 : 6) ، وأخرى يقول إنه رجل روماني (أعمال 22 : 25) وذلك بالرغم من معرفة رجال الحكومة له وقتئذ باعتباره أنه مصري (أعمال 21 : 38). ولعل تعجب من ذلك وتأخذك الدهشة من هذا الاختلاف ، ولكني سأبين لك كيف كان يلبس بولس لكل حال لبوسها ، وكيف يغير جنسيته في المناسبات لكي يلائم الموقف .
فقوله إنه يهودي طرطوسي ، كان حين خطب اليهود يوم القبض عليه حتى يكسب عطفهم بقوله أنه نشأ وتربى يهوديا مثلهم وإن ذلك قوله لهم : " أنا رجل يهودي ولدت في طرطوس كيلكية ولكن ربيت في هذه المدينة مؤدبا عن رجلي غمالائيل على تحقيق الناموس الأبوي " (أعمال 22 : 3) .
وأما ادعاؤه خلاف ذلك أنه فريسي ابن فريسي ، فهو ما ذكر في (أعمال 23 : 6) : " ولما علم بولس أن قسما منهم صدوقيون والآخر فريسيون صرخ في المجمع أنها الرجال الأخوة أنا فريسي ابن فريسي " ، وأما ادعاؤه أنه روماني فذلك ليخلص نفسه من الجنود الرومانية التي قبضت عليه ، ويبينه ما جاء في (أعمال 22 : 25) : " فلما مدو للسياط قال بولس لقائد المائة الواقف أيجوز لهم أن يجلدوا إنسانا رومانيا غير مقضي عليه " .
ثانيا : ادعاء بولس الرسالة بغير دليل :
كان بولس – قبل ادعائه المسيحية – من أشد أعداء المسيحيين ، كان يفتك بهم ويرسل بهم إلى السجون وينفيهم من البلدان (أعمال 9 ، 22 ، 26) ، ولما لم يجد هذا المبدأ ناجعا ، ولم يلفه مبلغا إلى الغاية التي رسمها ، اتخذ سياسة أخرى ، فكان يأمر أتباعه بالكذب على يسوع ، ويضطر الناس إلى تلفيق الروايات عنه وذلك باعترافه حيث يقول : " وفي كل المجامع كنت أعاقبهم مرارا كثيرة وأضطرهم إلى التجديف " (أعمال 26 : 11) ، وجريا وراء الغاية التي كان ينشدها ادعى كذبا أن المسيح عليه السلام ظهر له وكلمه وأمره بالرسالة وكلفه بدعوة الناس .
قال بولس بيانا لذلك ، أنه بينما كان ذاهبا إلى دمشق : " أبرق حوله نور من السماء فسقط على الأرض وسمع صوتا قائلا له : شاول شاول لماذا تضطهدني ؟ فقال : من أنت يا سيد ؟ فقال الرب : أنا يسوع الذي أنت تضطهده صعب عليك أن ترفس مناخس فقال له وهو مرتعب ومتحير : يا رب ماذا تريد أن أفعل ؟ فقال له الرب : قم وادخل المدينة فيقال لك ماذا ينبغي أن تفعل " (أعمال 9 : 3-6) .
وهكذا وجد بولس لنفسه أتباعا يصدقون أن المسيح عليه السلام ظهر له وكلمه وجعله رسولا ولو لم يأت بمعجزة أو يقم على ادعائه دليل .
لقد رأى بولس أنه لو ادعى النبوة دون الرسالة ، لما استفاد من ذلك كثيرا أو قليلا ، ولاضطر أن يسير حسب أوامر المسيح عليه السلام ، وأن يعمل بتعاليمه ، وأن يدعو للدين المسيحي الصحيح الذي يريد محوه يعمل جهده للظهور على أنقاضه .
وقد خاف بولس أن يدعي النبوة وحدها لئلا يلتفت الناس إلى تحذير المسيح عليه السلام من الأنبياء الكذبة فيما جاء في الإنجيل المنسوب إلى متى من قوله : " احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة ، من ثمارهم تعرفونهم ، هل يجتنون من الشوك عنبا أو من الحسك تينا ، هكذا كل شجرة جيدة تصنع ثمارا جيدة ، وأما الشجرة الرديئة فتصنع ثمارا ردية ، لا تقدر شجرة جيدة أن تصنع ثمارا ردية ، ولا شجرة ردية أن تصنع ثمارا جيدة ، كل شجرة لا تصنع ثمرا جيدا تقطع وتلقى في النار ، فإذا من ثمارهم تعرفونهم " (متى 7 : 15-20) .
فأية ثمار جيدة كانت لبولس ؟ إن الثمار الجيدة هي التوحيد والمحافظة على الوصايا العشر ، وإطاعة أوامر الخالق الموحي بها إلى كل من موسى وعيسى عليهما السلام ، وأما الثمار الرديئة فهي الإشراك بالله تعالى ، ومحو تعاليم موسى عليه السلام ، ومخالفة أوامر المسيح عليه السلام ، وتحريف رسالته ، وتزييف دينه والتجديف عليه .
لم يدع بولس لنفسه النبوة لئلا يعلوا عليه رسول كالمسيح عليه السلام ، إذ كان الناس وقتئذ لا ينكرون رسالة عيسى عليه السلام ، ثم جعل بولس المسيح عليه السلام إلها حتى لا يقال إنه – أي بولس – إنما هو رسول لرسول ، ثم ادعى لنفسه الرسالة خالصة من دون الناس ليجعل لنفسه حق التشريع ، وليتاح له نقض تعاليم عيسى وهدم النصرانية الحقيقية التي أساسها التوحيد الخالص دون سواه .

ثالثا : ظهور أعداد كبيرة من الأنبياء الكذبة في زمن بولس :
حتى نميز الخبيث من الطيب ، ونفرق بين الحق والباطل لابد لنا من فحص رسالة بولس وبحثها وعرض أمرها على محكمة العقل ، ولعل من أهم أسباب ذلك هو وجود سيل جارف وجيش كبير من الكذابين أدعياء النبوة من الذين ظهروا في عصر بولس .
فأما انتشار خروج الأنبياء الكذبة وقتئذ ، فيبينه ما جاء في الإنجيل المنسوب إلى يوحنا والذي ترجمته : " فلا تؤمنوا أيها الأحياء بكل روح من الأرواح بل امتحنوا الأرواح حتى تعلموا هل هي من عند الله أم لا ، لأن كثيرا من الأنبياء الكذبة برزوا على هذا العالم " (1 يوحنا 4 : 1) ، ومثله ما جاء في رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنتس (2 كو 11 : 12) مما ترجمته : " لأن مثل هؤلاء هم رسل كذبة فعلة ماكرون مغيرون شكلهم إلى شكل رسل المسيح " أي أنهم كانوا يدعون أنهم رسله كذبا ونفاقا .
وليست مسألة الرسالة بالأمر الهين الذي يستطيع أي امرئ أن يدعيها لنفسه متى أراد ، خصوصا على الحالة التي ذكرها بولس ، بل إن الرسالة أمر عظيم الشأن ، كبير الأهمية ، إن لها شروطها الخاصة ، وعلاماتها المميزة ، وأسبابها العقلية الوجيهة ، ولنذكر هنا أهم هذه الشروط ، ولنبين في الوقت نفسه نصيب بولس منها مستندين على ما جاء به العهد الجديد ، إن هذه الشروط هي :
1 – أن يكون مدعي الرسالة من أصل شجرة النبوة :
ومن جزعها الأساسي الذي امتد من آدم إلى نوح إلى إبراهيم عليهم السلام ، ثم تفرع إلى فرعين أحدهما يبتدئ بإسحق وينتهي بابن مريم عليهما السلام ، وبرفعه وعدم تعقيبه توقفت النبوة في هذا الفرع ، والفرع الآخر يبتدئ من إسماعيل عليه السلام حتى ينتهي إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ختمت ببعثته الرسالات السماوية ، وانتهت كل النبوات ، وربما كان من أجل ذلك قضاء الله تعالى بوفاة أولاده الذكور كلهم في حياته صلى الله عليه وسلم .
فهل لبولس في هذا الأصل من نصيب ؟ وهل له به صلة نسب من بعيد أو قريب ؟ إن كافة كتب المسيحية تجهل تاريخه جهلا تاما ، ولا تعلم شيئا عن مولده أو حياته أو تاريخ كتابته لرسائله ، ولم يستطع كتاب (مرشد الطالبين) أن يذكر عنه إلا كونه قد مات في عهد نيرون ، ولم يستطع أن يقول عن سيرته شيئا إلا أنه كان كافرا ثم ادعى التنصر ، وذلك استخراجا من كتبه نفسها ، واستنادا على ما جاء فيها .
فهل يمكن للعقل أن يتصور أن الله تعالى يرسل رسولا كان كافرا من قبل الرسالة ؟ ولم يحدث ذلك مطلقا لأحد من الأنبياء أو الرسل المعروفين عند المسلمين ، ولا يصدق المسلم أن يبعث الله تعالى رسولا له هذه الصفة ويكون قد قضى العمر الطويل في الجهل والظلم والفساد .
وأقول هنا عند المسلمين لأن كلا من اليهود والمسيحيين ولو أنهم لا يوجد عندهم دليل على كفر أحد من الرسل قبل الرسالة ، إلا أنهم يتهمون معظم الرسل والأنبياء بالكفر والزندقة والفحش والزنا والجحود بعد الرسالة مما ينضح بها كتابا العهدين القديم والجديد ومما سأبينه إن شاء الله تعالى عند الكلام في مبحث (الفداء والصلب) .
فالرسول في الإسلام يشترط فيه أن يأتي من أصل جزع النبوة كما قدمنا ، ليكون حائزا على المثل الأعلى لكمال الأخلاق ، متوفرا فيه الاستعداد التام لقبول الوحي السامي ، وحائزا على الصفات الوراثية الممتازة مما يمكنه من صون كرامة النبوة وأمانة الرسالة ، والمحافظة على ذلك كله بعوامل الاكتساب والتعليم الراقي والتأديب عن طريق الوحي الإلهي .
فهل يمكن ليهودي مجهول الأصل والهوية كان عميلا للحكومة الرومانية في اضطهاد أتباع السيد المسيح عليه السلام وإذلالهم والزج بهم في السجون والمعتقلات وفي تقتيلهم وتعذيبهم ونفيهم من البلاد ، أن يدعي النبوة فجأة بعد حياة حافة بالإجرام فيصدقه الناس ؟
وصدق الله العظيم إذ يقول في أمثال هؤلاء : ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج:46) .

2 – أن يؤيد مدعي النبوة بالمعجزات :
يشترط فيمن يدعي النبوة أن يأتي بالمعجزات الخارقة لنواميس الكون ، المخالفة لسنن الطبيعة ، وبدهي أن يعارض النبي بها قومه ويلزمهم بوساطتها الحجة ويقيم لهم بها الدليل .
فهل أتى بولس بمعجزة ما ؟! لم يرو عن بولس أنه أتى بمعجزة واحدة يثبت بها رسالته ، بل لقد ذكر في أعمال الرسل أن بولس كان قد أصيب بالعمى فأته إليه رجل اسمه (حنانيا) فطلب له الشفاء مما ترجمته : " فللوقت وقع من عينيه شيء كأنه قشور فأبصر في الحال وقام واعتمد " (أعمال 9 : 18) ، " ولما جاء شاول (بولس) إلى أورشليم حاول أن يلتصق بالتلاميذ وكان الجميع يخافونه غير مصدقين أنه تلميذ " (أعمال 9 : 26) ، وذلك بالرغم من ادعائهم بكونهم مملوئين جميعا من الروح القدس (أي الأقنوم الثالث من الثالوث الذي اخترعه بولس اختراعا) .
ولكي تعلم المعجزات التي يشترط أن يأتي بها أتباع المسيح كما أوردتها الأناجيل الأربعة التي يؤمن بها نصارى اليوم أذكر لك ما جاء عن المسيح في إنجيل متى (10 : 1) : " ثم دعا تلاميذه الاثني عشر وأعطاهم سلطانا على أرواح نجسة حتى يخرجوها ويشفوا كل مرض وكل ضعف " .
وكذلك ما جاء في نفس الإنجيل متى (10 : 8) على لسان السيد المسيح من قوله : " اشفوا مرضى طهروا برصا أقيموا موتى أخرجوا الشياطين " وكذلك قول إنجيل لوقا على لسان السيد المسيح : " هاأنا أعطيكم سلطانا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شيء " (لوقا 10 : 19) ، وقوله في إنجيل مرقص (3 : 15) : " ويكون لهم سلطان على شفاء الأمراض وإخراج الشياطين " ، وقوله : " ودعا الاثني عشر وابتدأ يرسلهم اثنين اثنين وأعطاهم سلطانا على الأرواح النجسة " (مرقص 6 : 7) .بل إن معجزات أتباع المسيح عليه السلام كما توردها تلك الأناجيل المحرفة هي نفس معجزات يسوع ، بل إن تلك الأناجيل المحرفة تزعم أن تابع المسيح عليه السلام يستطيع أن يأتي بمعجزات هي أعظم من معجزاته وذلك مما جاء في إنجيل يوحنا من مثل قوله : " الحق الحق أقول لكم من يؤمن بي فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضا ويعمل أعظم منها " (يوحنا 14 : 12) .
ولقد جعلت الأناجيل المحرفة من شروط الإيمان بالسيد المسيح عليه السلام عمل المعجزات ، بل لقد قررت أن من كان في قلبه ذرة من الإيمان بالمسيح عليه السلام يمكنه خرق سنن الكون ، وتغيير نواميسه وهذا قوله كما جاء في إنجيل متى : " فالحق الحق أقول لكم لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل ولا يكون شيء غير ممكن لديكم " (متى 17 : 20) ، وكذلك قوله الذي جاء في إنجيل مرقص : " لأني الحق أقول لكم إن من قال لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر ولا يشك في قلبه بل يؤمن أن ما يقوله يكون فمهما قال يكون له " (مرقص 11 : 23) .
فهل روي عن بولس رواية مؤكدة أنه شفى مريضا أو أحيا ميتا أو نقل الجبال من أماكنها وطرحها في البحار ؟
وإذا قيل أنه ربما عمل مثل هذه المعجزات ولكنها لم تصل إلينا أخبارها ، قلنا إن هذه النظرية خاطئة ولا نستطيع اتخاذها سندا في أي قضية من القضايا الصغيرة ، فما بالك بأكبر القضايا التي تتناول دعوى كل من النبوة والرسالة ؟ وما بالك بالذين آمنوا بدعوى بولس النبوة والرسالة دون أدنى دليل منطقي أو حجة مقبولة ؟ وهؤلاء يصفهم القرآن الكريم بقول الحق تبارك وتعالى : ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ﴾ (النجم:28) .