حقيقة المسيح6


عندما ولد المسيح عليه السلام بغير نطفة أب ، بإرادة الله تعالى الذي إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون ، وسمعت العامة من اليهود وغيرهم بهذه الولادة الشاذة ، وأقرت بهذه المعجزة الخارقة ، تحيرت أفكارهم ، وأخذ جنانهم ، وصدمت عقولهم ، ولطول الأمد بينهم وبين موسى عليه السلام ، لما فعلته الخمسمائة والألف سنة التي فصلت بينه وبينهم من تقسية قلوبهم ونسيانهم لروح التشريع الإلهي ، ولما أتى به الرؤساء الدينيون لليهود من تشويه للحقائق التي أوحي بها إلى موسى عليه السلام ، وتضييع معالم الناموس ، ولشك الكثيرين وقتئذ في الأديان ، واضطراب الأفكار الدينية في فلسطين من تسلط الوثنية على البلاد ، ولتمكن الرومان الكفرة عليهم ، ولتأثر الناس عامة بالهيئات الحاكمة ، ولخضوع أفكارهم لأفكار الفئة المسيطرة على البلاد ، وللتقليد الذي تنزع إليه الأمم المحكومة للأمم ذات السيادة طمعا في الجاه ، وحبا في التزلف والتملق والرياء ، كل هذه الحالات الفكرية المضطربة ، والانفعالات النفسية المختلفة ، كانت تنوء تحتها عامة الناس وقتئذ ، فجعلت بعضهم يشذ في تفكيره أو يجنح إلى تصديق المحالات .
والعامة يتزعمهم أحدهم مادام يفوقهم في ناحية من نواحي الذكاء ، أو قد يؤثر فيهم ذو دهاء منهم فيقودهم كما أراد ، ويسيرهم كما يشاء ، والشعوب إذا ما وثقت في امرئ ما ، فهي رهن إشارته وطوع إرادته ، ولو اختار لهم أوعر الطرق ، وأردأ المسالك والمنافذ .
والعامة كذلك سريعو الانقلاب ، شديدو التأثر ن كثيرو النسيان ، قد يتركون الصالح للطالح ، وقد يسلكون وعر الطريق دون سلسها .
وكثيرون أيام ابن مريم كانوا متأثرين بالفكرة الوثنية ، بل لقد وجد الرومان – وهم أمة وثنية – من مصلحتهم تشويه الحقيقة ووضع بذور الفتنة ، وبث مبادئ الوثنية بين الناس ، وساعدهم على ذلك ما جاء على يد المسيح عليه السلام من المعجزات الخارقة كإحياء الموتى ، بل إن الطريقة التي جاء بها ابن مريم نفسه ساعدتهم على ترويج خرافة الألوهية البشرية ن ثم تدرجت الخرافة عند الناس شيئا فشيئا حتى أصبح الظن عندهم يقينا ، وغدت الإشاعة لديهم حقيقة .
ولم يستطع الرومان بلوغ أربهم إلا بعد رفع المسيح عليه السلام ، وحينئذ اتسع نطاق دعايتهم ، ونالوا بعض مشتهياتهم ، حتى إذا ما جاء عهد قسطنطين الإمبراطور الوثني تم لهم ما يبغون من نشر الوثنية ، والتغلب على حقيقة الوحدانية مما سيأتي بيانه في مبحث التثليث ودعواه الباطلة .
ولقد ألفت في الوثنية كتب كثيرة ، وأدخل التحريف في آيات الإنجيل ، وادعى بعض الناس الرسالة كذبا على الله ، وكثر مدعوها بعد المسيح عليه السلام كثرة لم يسمع بمثلها في التاريخ ، وادعوا ألوهية المسيح عليه السلام ، ونادوا ببنوته لله تعالى ، ولكن الحق يرد على تلك الفرية بقوله عز من قائل :
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * بدِيعُ   السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (البقرة:117،116) .
وسنقسم الكلام في هذا المبحث إلى قسمين : فأما الأول فسنتناول فيه جميع أدلة المسيحيين على الدعوى الباطلة بألوهية المسيح عليه السلام ، وسنتبعها بالبحث والاستقصاء . وأما القسم الثاني فسنبين فيه استحالة هذه الألوهية المزعومة ، بل وسنستدل من كتبهم نفسها ومن الأقوال المنسوبة إلى السيد المسيح عليه السلام فيها ، إلى كون ابن مريم لا يمكنه إلا أن يكون بشرا رسولا .
أولا : هل من دليل على الادعاء الباطل بألوهية المسيح عليه السلام ؟
وفي هذا القسم سنذكر أدلة المسيحيين على ادعائهم الباطل بتصور المسيح عليه السلام إلها ، وسنبين أن استنادهم عليها شيء مناقض لكتبهم نفسها ، مناقض لما روي فيها عن المسيح عليه السلام ، بل مناقض للعقل ، ومعارض للمنطق السليم ، وهذه الأدلة التي يستندون عليها تنحصر كلها في كون المسيح عليه السلام وجد بغير نطفة أب ، وكون إحياء الموتى كان من معجزاته ، ثم بعض آيات من الأناجيل المحرفة ، وهذه كلها أفصلها فيما يأتي :
1 – إن خلق المسيح عليه السلام من غير نطفة أب بقدرة الله لا يمكن أن يتخذ ذريعة للادعاء الباطل بألوهيته :
إن خلق المسيح عليه السلام من غير نطفة أب لا يمكن مطلقا أن يكون دليلا على ألوهيته ، إذ أن جميع المخلوقات من النباتات والحيوانات والطيور والحشرات بل إن جميع الجراثيم والفطريات أوجدها الله تعالى في الأصل من غير أب أو أم بل الأقرب إلى ذلك آدم أبو البشرعليه السلام الذي يصفه الحق تبارك وتعالى بقوله :
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (آل عمران:59) .
وإن حواء نفسها خلقت بعكس الطريقة التي خلق بها ابن مريم إذ أتت من طريق الذكر وحده دون الأنثى .
بل لقد ذكرت كتب المسيحية أن شخصا يدعى ملكي صادق وجد " بلا أب بلا أم بلا نسب بلا بداءة أيام له ولا نهاية حياة " (عبرانيين 7 : 3) ، والمسيح عليه السلام وجد من أم بغير أب ، وله نسب ، وله بداية حياة من ولادته ونهاية حياة حين وفاته ورفعه ، فيسقط الادعاء الباطل بأن عدم وجود الأب دليل الألوهية ، وقد كان يوحنا يقول للجموع : " ولا تبتدئوا تقولون في أنفسكم لنا إبراهيم أبا فإن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولادا لإبراهيم ... " (لوقا 3 : 8) .
وفي ذلك يرد الله تعالى على ادعاءاتهم الباطلة بقوله عز من قائل :
﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (مريم:35) .
2 – إن إحياء المسيح عليه السلام للموتى بإذن الله تعالى لا يمكن أن يتخذ ذريعة للادعاء الباطل بألوهيته :
تذكر الأناجيل التي يؤمن بها نصارى اليوم أن غير المسيح عليه السلام قد أحيا الموتى ، وإذا اعتبروا إحياء الموتى دليلا على الألوهية ، لكان أولى بها كل من (حزقيال) و(إيليا) و(إليسع) الذين تنسب إليهم أناجيلهم المحرفة إحياء الموتى فتدعي أن (حزقيال) قد أحيا جيشا عظيما جدا جدا (حزقيال 37 : 1-10) ، كما تدعي أن (إيليا) قد أحيا طفلا (ملوك أول 17 : 17-24) وأن (إليسع) قد أحيا طفلا كذلك (ملوك ثاني 4 : 22-27) ، ثم أتى بمعجزة أكبر وهي إحياء جثة ألقيت في قبره بعد موته (ملوك ثاني 13 : 21) .
فأين معجزات عيسى عليه السلام من معجزات هؤلاء وهو الذي لم يحي غير اثنين أو ثلاثة من الأموات بإذن الله تعالى ، وذلك لكون الثالثة فتاة قال عنها المسيح عليه السلام كما جاء في إنجيل متى أنها : " لم تمت لكنها نائمة " (متى 9 : 24) .
وأين معجزات عيسى عليه السلام من تلك التي أجراها الله تعالى على يد موسى عليه السلام الذي أحيا الجماد فجعل العصا حية تسعى بإذن الله تعالى ، أليس تحويل الجماد إلى جسم حي ثم سلب الروح منه بعد ذلك وإعادته إلى جماد معجزة أعظم من رد روح إلى جسم كانت فيه حياة من قبل ؟
بل إن تلاميذ المسيح عليه السلام أنفسهم (كما تدعي الأناجيل المزورة) كان في وسعهم إحياء الموتى وعمل معجزات تفوق معجزات المسيح عليه السلام نفسه كما بينا في المبحث الأول .
وإنك لترى الأناجيل المزورة التي يؤمن بها نصارى اليوم تعترف بكون المعجزات التي صنعها السيد المسيح عليه السلام ليست إلا بأمر الله سبحانه وتعالى وبإذن منه ، ومن ذلك ما رواه إنجيل متى عن الناس حين رأوا معجزات المسيح عليه السلام والذي ترجمته : " فلما رأى الجموع تعجبوا ، ومجدوا الله الذي أعطى الناس سلطانا مثل هذا " (متى 9 : 8) ، وما رواه من اعتراف المسيح عليه السلام نفسه بأن المعجزة من الله تعالى ، وذلك من القول المنسوب إليه والذي ترجمته : " كل شيء قد دفع إليّ من أبي " (متى 11 : 27) .
وإنه لغريب من المسيحيين أن يعتبروا المعجزات دليلا على الألوهية مع أن كتبهم التي يؤمنون بها تنكر كون المعجزة دليلا على النبوة فضلا عن الألوهية التي يدعونها كذبا لابن مريم عليهما السلام ، فقد جاء في إنجيل متى قول المسيح عليه السلام : " سيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة ويعطون آيات عظيمة وعجائب حتى يضلوا لو أمكن المختارين أيضا " (متى 24 : 24) ، وكذلك قوله : " كثيرون سيقولون في ذلك اليوم يا رب يا رب أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا شياطين وباسمك صنعنا قوات كثيرة ، فحينئذ أصرح لهم إني لم أعرفكم قط اذهبوا عني يا فاعلي الإثم " (متى 7 : 23،22) .
فإذا كان الآثم المنافق يستطيع أن يأتي بالخوارق فعلى أي قياس يمكننا أن نميز بين الأنبياء والأشرار ؟! وإذا كان الحال كذلك فهل نستطيع اعتبارا معجزات ابن مريم دليلا على ألوهيته المزعومة ؟!
وقد كان المسيح أحيانا كثيرة لا يقوى على عمل المعجزة ، ولا يستطيع أن يأتي بالخوارق ، وذلك لمما يدل على كونه لا يصنع بإرادته شيئا ، بل إن الله تعالى هو الذي يفعل ما شاء متى شاء ، ولقد ذكر إنجيل مرقص أن عيسى عليه السلام لما جاء على وطنه " لم يقدر ان يصنع هناك ولا قوة واحدة " (مرقص 6 : 5) .
وتروي الأناجيل المزورة التي يؤمن بها نصارى اليوم أن المسيح قال إنه لم يأت بمعجزة ما ، وإنه لن تكون منه خارقة في جيله (متى 12 : 39،38) و(متى 16 : 4) ولقد بينا ذلك بيانا وافيا من قبل في هذا الكتاب مما لا ضرورة لإعادته وتكراره .
ومع تأكيد القرآن الكريم على أن الله تعالى قد أعطى المسيح ابن مريم عليهما السلام معجزة إحياء الموتى بإذن الله ، فإن (العهد الجديد) ينفي معجزة إحياء الموتى وذلك بشهادته أن المسيح عليه السلام هو أول من قام من الموت ، ولم يحي أحد من الموت قبله ، وذلك بالنص الذي ترجمته : " إن يؤلم المسيح يكن هو أول قيامة الأموات " (أعمال 36 : 27) ، أي أن المسيح عليه السلام صلب – على زعمهم – ومات ثم قام بعد ذلك ، وهو أول من عاش بعد موته ، ومعنى ذلك أنه لم تحصل معجزة الإحياء قبل قيامة المسيح عليه السلام على حد تعبيرهم ، ولم تحصل بعدها كذلك .
3 – إن لفظا آب وابن اللذين اخترعهما رجال الكنيسة بعد المسيح عليه السلام بعدة قرون هما نتاج سوء الترجمة من الآرامية والعبرية إلى اليونانية القديمة :
إن لفظا آب وابن من الألفاظ الشائعة في الأناجيل المزورة التي يومن بها نصارى اليوم ، لذلك نرى من الواجب بحث هذه التسمية بحثا مستقلا ، حتى يمكننا توجيهها التوجيه الصحيح لها ، ويمكننا تحديد معناها أو معرفة حقيقة ما ترمي إليه .
إن تسمية المسيح عليه السلام في هذه الأناجيل المزورة بكنية (ابن الله) ، وإطلاق لفظ (آب) على الله جل وعلا ، دعا الكنيسة – في ظل الشرك الذائع ، والوثنيات اليونانية القديمة المسيطرة ، والادعاءات الباطلة بتعدد الآلهة إلى اتخاذ ذلك دليلا على البنوة الحقيقية ، وحداها إلى اعتبار المسيح عليه السلام ابن الله حقا (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) ، ومن ذلك قول بولس عن المسيح عليه السلام في (رومية 1 : 4) : " وتعينابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات " وقوله في (2 كو 1 : 3) : " مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح " (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) .
ولكننا إذا بحثنا في الأناجيل المحرفة والمنتحلة التي يؤمن بها نصارى اليوم وجدنا هذه التسمية عامة تطلق على غير ابن مريم كذلك ، فقد روى إنجيل متى عن المسيح أنه كان يقول : ط طوبى لصانعي السلام لأنهم ابناء الله يدعون " (متى 5 : 9) ، وكذلك قوله : " لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات " (متى 5 : 45) ، ومثله قوله في (متى 6 : 9) : " فصلوا أنتم هكذا أبانا الذي في السماوات " وكذلك قول إنجيل يوحنا : " يا أيها الأحياء نحن أولاد الله " (1 يوحنا 3 : 2) ، ويشبهه قول إنجيل لوقا إن " آدم ابن الله " (لو 3 : 38) (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) .
فالأناجيل المزورة التي يؤمن بها نصارى اليوم تسمي المسيح عليه السلام (ابن الله) وتطلق على سواه كذلك هذا الاسم كما بينا ، فبدهي أن لفظ (ابن) ليس معناه البنوة الحقيقية ، سيما وأن إنجيل لوقا يذكر أن المسيح عليه السلام هو " ابن أتوش ابن شيث بن آدم بن الله " (لو 3 : 38) (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) .
فنرى من ذلك أن لفظ (ابن) المضاف إليه لفظ الجلالة قد استعمل مجازا وقصد به لفظ (حبيب) على سبيل الاستعارة ، أو على سبيل الحقيقة ولقد قال تعالى :
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (آل عمران:31)
ويؤيد هذا ما روي عن المسيح عليه السلام من قوله لأتباعه : " لكني قد سميتكم أحباء لأني أعلمتكم بكل ما سمعته من أبي " (يوحنا 15 : 15) .
ويرد الحق تبارك وتعالى على ذلك الادعاء الباطل بقوله :
﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً﴾ (النساء:172) .
وإنك لترى من المجازات في الأناجيل استعمال لفظ (رب) بمعنى (معلم)وذلك كقول إنجيل يوحنا على لسان اثنين من التلاميذ لابن مريم : " ربي الذي تفسيره يا معلم أين تمكث " (يوحنا 1 : 38) .
وكيف نستطيع أن نقول إن المسيح عليه السلام ابن الله تعالى الذي يصف ذاته العليا بقوله :
﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ (الإخلاص:4،3) .
إن كتب المسيحيين التي يتداولونها بينهم اليوم ويدعون إلى الإيمان بها تقول إن أتباع المسيح جميعهم ولدوا من الله تعالى ، وذلك كما جاء في (1 يو 5 : 1) : " كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح فقد ولد من الله " ومثله ما جاء في (1 يو 4 : 7) : " فكل من يحب فقد ولد من الله " فلا مشاحة هنالك في وجوب تأويل الولادة بالعبودية كي تطابق العقل ، ولقد جاء في إنجيل يوحنا ما يفسر ذلك وهو قوله : " لأجل هذا أظهر ابن الله لكي ينقض أعمال إبليس ، كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية ، لأن زرعه يثبت فيه ولا يستطيع أن يخطئ لأنه مولود من الله " (1 يو 3 :9) (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) .
ويرد القرآن الكريم عليهم بقول الحق تبارك وتعالى :
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ٌ﴾ (الأنبياء:26) .
وبقوله تعالى :
﴿بََدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام:101) .
وإننا إذا تركنا التأويل عند مصادمة العقل لظاهر الكلام ، لاعتبرنا إبليس أبا للناس مع كونهم أولاد آدم عليه السلام ، لما جاء في إنجيل يوحنا من قول منسوب إلى المسيح عليه السلام ترجمته : " أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا " (يو 8 : 44) ، وكذلك قوله : " بهذا أولاد الله ظاهرون وأولاد إبليس ... " (1 يو 3 : 10)
ويفهم من الأناجيل المحرفة التي يؤمن بها نصارى اليوم أن المسيح كان يخاف أن يأخذ الناس لفظ (ابن) على علاته أو يقف ذهنهم عن التفكير في حقيقته ، أو ينقادوا إلى ظاهر معناه ، فكان ينهاهم عن تسميته بهذا الاسم خوفا من الخلط والضلال ، وإنك لترى إنجيل لوقا يذكر أن المسيح عليه السلام كان ينهر الشياطين والمردة ويحاول منعهم من تضليل الناس بتسميته ابن الله ، خوفا من جهل العامة وعدم تميزهم وخشية اعتقادهم بظاهر الكلام الذي ينافي العقل ويخالف حقيقة الأمر .
ولبيان ذلك أذكر ما حكاه الإنجيل المنحول إلى لوقا مما ترجمته : " وكانت شياطين أيضا تخرج من كثيرين وهي تصرخ وتقول : أنت المسيح ابن الله ، فانتهرهم ولم يدعهم يتكلمون لأنهم عرفوه أنه المسيح " (لوقا 4 : 41) .
وإني أعلم أن بعض الناس قد يقول إن قول الإنجيل المنسوب إلى لوقا : " لأنهم عرفوه أنه المسيح " قد يكون قيدا للمعنى ، وأن المسيح عليه السلام انتهرهم تواضعا ، لكن المقام ليس ذلك مطلقا ، فمقتضى الحال يوجب التصريح بالحقيقة ، ولو كان المسيح عليه السلام هو ابن الله تعالى بالمعنى الذي يريدونه ، لما نهر الشياطين المضلة التي ليس التبليغ من شأنها عن تكنيته بالكنية اللازمة ، ولقد قال تعالى :
﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف:27) .
إن لفظ (آب) بمد الهمزة يخالف كل المخالفة لفظ (أب) ويدل كذلك على معنى مغاير للفظ الثاني ، ولقد ذكر أحد الآباء الدومنيكان في مقدمة الجزء الثاني من كتاب (التمرنة) المطبوع في الموصل أن لفظ (آب) بمد الهمزة معناه (الله) ، ويثبت ذلك قول إنجيل يوحنا على لسان المسيح عليه السلام : " إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم " (يوحنا 20 : 17) .
وإن لفظ (Father) الإنجليزي الذي ترجموا به لفظ (آب) والذي ينطق بالعربية (فاذر) ، وكذلك لفظ (Vater) الألماني ، و(Pater) (باتر) اللاتيني ، و(بدر) الفارسي ، و(باتزا) اليوناني يشبه لفظ (فاطر) العربي وهو من صفات الله الخالق ، الذي أبدع الخلق بعلمه وحكمته وقدرته والذي ليس له شريك في ملكه ، ولقد قال تعالى : ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام:14) .
وهكذا ترى مما سبق أن الخلط في ادعاء البنوة الحقيقية لله (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) أو الألوهية التي يزعمونها لنبي الله عيسى عليه السلام من تسميته (ابن الله) أو من تسمية الله بالـ (آب) ناشئ من الخلط في الترجمة من لغة إلى أخرى ، ثم ما لبث أن دخلت الشياطين من الإنس والجن لحرف الدين عن أصوله وإيقاع الناس في قضية الشرك بالله تعالى وهي من القضايا المدمرة للدين ، وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (الأنبياء:26) .
ويقول سبحانه وتعالى :
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام:101) .
4 – إن عددا من الأقوال التي يستندون عليها في دعاواهم الباطلة كما ورد في الأناجيل المزورة لا يمكن أن تكون سندا لمثل تلك الدعاوى الباطلة :
هناك بعض جمل خاصة في الأناجيل المزورة التي يؤمن بها نصارى اليوم يريد المسيحيون أن يتخذوها سندا في دعواهم الباطلة بألوهية المسيح ، وسوف نذكر هذه الأقوال ثم نبين استحالة إمكان أخذها بظاهرها وضرورة تأويلها ، وإلا اختلط الحابل بالنابل ، وصارت الناس كلها حسب الظاهر الذي يأخذون به آلهة – والعياذ بالله تعالى – مع إيماننا الكامل بأن الأناجيل التي يؤمن بها نصارى اليوم لا علاقة لها بإنجيل عيسى عليه السلام وأنها كتبت بعده بعدة قرون بأقلام مختلفة ، في أماكن متعددة ، وأزمنة متفاوتة ، وأنها ظلت يحذف منها ويضاف إليها عبر الأزمنة حتى أيامنا الراهنة وتتلخص الجمل المزورة في الأناجيل الراهنة فيما يلي :
أ – " أنا في الآب والآب في " :
يروي إنجيل يوحنا عن المسيح عليه السلام أنه قال : " أنا والآب واحد ومن رآني فقد رأى أبي " (يوحنا 10 : 30) ، ويروي أنه قال كذلك : " الذي رآني فقد رأى الآب ، فكيف تقول أنت أرنا الآب ، ألست تومن أني أنا في الآب والآب في ، الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي ، لكن الآب الحال فيّ هو يعمل الأعمال " .
فلو كان قوله : " أنا والآب واحد " أو " إني أنا في الآب " دليل الاتحاد والحلول لأصبح جميع الحواريين مثله سواء بسواء وذلك لقوله لهم كما ورد في إنجيل يوحنا (14 : 20) : " في ذلك اليوم تعلمون أني أنا في أبي ، وأنتم فيَّ وأنا فيكم " ، ولتساوي عيسى عليه السلام وأهل أفسس كذلك في الاتحاد والحلول ، كما هو مذكور في (أفسس 4 : 6) : " إله وأب واحد للكل الذي على الكل وبالكل وفي كلكم " ، ولصار أهل كورنثيوس آلهة كذلك كما جاء في (1 كو 6 : 19) : " أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله وأنكم لستم لأنفسكم ".
فنرى هنا كيف أننا لا نستطيع الأخذ بظاهر الكلام ، وإلا لأصبح عيسى عليه السلام والحواريون وجميع أهل أفسس وكورنثيوس آلهة كذلك ، حسب ظاهر ما قيل .
وأما القول المنسوب إلى ابن مريم عليهما السلام والذي ترجمته : " ومن رآني فقد رأى أبي " إذا صح فلا يمكن الأخذ كذلك بظاهره حيث تمتنع رؤية الله جل وعلا في الدنيا .
فنرى بذلك ضعف الرأي القائل بالأخذ بظاهر ما جاء في الأناجيل المحرفة التي يؤمن بها نصارى اليوم منسوبا إلى المسيح عليه السلام بل يجب التأويل إذا سلمنا تجاوزا بأن تلك الجمل أو شيئا قريبا من دلالاتها قد صدر عن المسيح عليه السلام ويكون معنى قول عيس عليه السلام هو : " إني رسول الله إليكم وما أخبركم به إنما هو من الله تعالى يوحي إليّ به ، فمن أطاعني فقد أطاع الله تعالى ، ومن عصاني فقد عصاه " .
ولا يكون المسيح عليه السلام على ذلك إلا نبيا رسولا أرسله الله تعالى لهداية اليهود بعد أن ضلوا ضلالا بعيدا ، ويثبت ذلك قول إنجيل بطرس : " أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا هذه الأقوال : يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب ، وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم أيضا تعلمون " (أعمال 2 : 22) .

ب – " أنا من فوق ، أنا لست من هذا العالم " :

يروي إنجيل يوحنا عن المسيح عليه السلام أنه قال : " أنتم من أسفل أما أنا فمن فوق ، أنتم من هذا العالم ، أما أنا فلست من هذا العالم " (يوحنا 8 : 23) ، فلو كان قوله : " إنه من فوق وإنه ليس من هذا العالم " دليلا على الألوهية المزعومة لتساوي في ذلك مع الحواريين لقوله لهم كما هو وارد في نفس الإنجيل : " لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته ، ولكن لأنكم لستم من العالم لذلك يبغضكم العالم " (يوحنا 15 : 16) .
فترى أن قوله : " أنتم من أسفل ... الخ " إذا صح فمعناه على الأرجح : " أنكم تبتغون عرض الحياة الدنيا وأما أنا فأعمل للآخرة " وكذلك قوله للحواريين : " لستم من العالم " معناه : " لستم من الذين عموا عن الآخرة " فالتعبير في إنجيل يوحنا يشير إلى أن المسيح عليه السلام بذلك يقول للحواريين أنه وإياهم يطلبون الآخرة ويعملون عملها " لستم من العالم كما إني أنا لست من العالم " (يوحنا 17 : 16) .

جـ – " عمانويل الذي تفسيره : الله معنا " :

يتمسك المسيحيون بقول إنجيل متى (1 : 23) : " العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه عمانويل الذي تفسيره الله معنا " ويزعمون أن ذلك دليل على ألوهية المسيح عليه السلام المزعومة، ولكن ما هي الصلة بين الجملة (الله معنا) وبين المسيح عليه السلام ؟ إن جملة (الله معنا) هي جملة اسمية مفيدة معناها (الله موجود معنا) وموجود في كل مكان ، فهل يسمى المسيح عليه السلام (الله موجود معنا) وهو المعروف باسم المسيح عيسى بن مريم ؟!
وإننا إذا فرضنا جدلا أن (عمانويل) معناه (الله) فقط وليس (الله موجود معنا) فلا يمكن أن نتخذ من تسمية المسيح بالله دليلا على كونه هو الله جل شأنه ، فإن كتبهم المزورة والتي يؤمنون بها تطلق اسم الله على الملائكة وليسوا بآلهة ، وتطلق اسم الله كذلك على الأنبياء وليسوا بألهة كذلك ، بل إنه كتبهم تطلق اسم الله على جميع البشر بل تطلق اسم الله على إبليس نفسه (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) وليس إبليس هو الله بداهة .
فأما إطلاق اسم (الله) تجاوزا على الملائكة فيظهر جليا عند مراجعة سفر القضاة ، فمنه ما ترجمته : " ولم يعد ملاك الرب يتراءى لمنوح وامرأته حينئذ عرف منوح أنه ملاك الرب فقال منوح لامرأته : نموت موتا لأننا قد رأينا الله " (قضاة 13 : 21) ، فسمى منوح الملك تجاوزا (الله) (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) .
وكذلك سمي الملك أو الرجل الذي صارعه يعقوب إلى الفجر (الله) وسمى الأخير نفسه كذلك ، حين سأل يعقوب : " فقال له : ما اسمك ؟ فقال : يعقوب ، فقال له : لا يدعى اسمك فيما بعد يعقوب بل إسرائيل لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت " إلى قوله : " فدعا يعقوب اسم المكان فنيئيل قائلا لأني نظرت الله وجها لوجه ونجيت نفسي " (تك 32 : 24-30) .
ولا نستطيع طبعا اعتبار الذي غلبه يعقوب في المصارعة حتى الفجر هو (الله) ولا كان الله من الضعف بحيث يغلبه أحد من البشر (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) .
وأما إطلاق اسم (الله) تجاوزا على الأنبياء وعدوانا وإجراما فيبينه ما جاء في سفر الخروج من أن الله تعالى قال لموسى عليه السلام : " أنا جعلتك إلها لفرعون وهرون اخوك يكون نبيا " (خر 7 : 1) .
وأما إطلاق اسم الله تعالى على الناس خاصتهم وعامتهم فيبينه ما جاء في (المزمور 82 : 6) : " أنا قلت إنكم آلهة وبنو العلي كلكم " .
وأما إطلاق اسم الله تعالى على إبليس (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) ، فقد جاء في (2 كو 4 : 3) : " ولكن إذا كان إنجيلنا مكتوما فإنما هو مكتوم في الهالكين الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين ... الخ " .
فبما أن هؤلاء جميعا يطلق عليهم اسم (الله) كابن مريم نفسه ، فإما يعتبرون جميعا آلهة حسب المعنى الظاهر وهو محال عقلا أو يؤول الظاهر ويكون لفظ (الله) بمعنى سيد أو غيره أو يكون هذا الخلط في الأناجيل المنحولة من هيمنة الأفكار الوثنية ، وشطط الترجمات من الآرامية والعبرية إلى اليونانية القديمة وغيرها من اللغات الأوروبية ، ومن الانحرافات البشرية التي يصفها الحق تبارك وتعالى بقوله :
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (الأنعام:21) .
د – " وكانت الكلمة الله " :
مما تستند الكنيسة عليه في دعواها الباطلة بألوهية المسيح ما ورد في إنجيل يوحنا (1 : 1) مما ترجمته : " في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكانت الكلمة الله ".
أما قولهم : " وكانت الكلمة الله " إذا صح فإن فيه حتما تحريف بالنقصان ، وتكون بذلك الجملة : " وكانت الكلمة أمر الله " أي بأمره ، ويثبت ذلك من القول المنسوب إلى السيد المسيح في إنجيل يوحنا (8 : 40) والذي ترجمته : " ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله " ، ومثله ما جاء في (ثيموثاوس 2 : ) مما ترجمته : " لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس : الإنسان يسوع المسيح " .
وبما أن قولهم : " في البدء كان الكلمة ... الخ " يتعارض مع الآيتين التاليتين له وجب تأويل الأول لمنافاته للعقل ، ومعارضته للحقيقة ، ويكون معنى كلام إنجيل يوحنا إذا كان صحيحا هو : " في البدء كان عيسى كلمة عند الله وكانت الكلمة عيسى أمر الله أي بأمره وقدرته وكلمته التي هي كن " وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى :
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (الأنعام:21) .