حقيقة المسيح11


ومن ذلك يتضح أن شرك التثليث الذي نفثه شياطين الإنس والجن في عقول وقلوب من يسمون أنفسهم بالمسيحيين لم يكن أمرا جديدا مستحدثا في المسيحية التي شكلها اليهودي شاول المسمى باسم بولس ، وفرضها بسطوة سلطانه الإمبراطور الروماني الوثني قسطنطين ، بل كانت صورة مشتركة بين جميع الأمم السابقة التي انحرفت عن طريق الهداية الربانية وأشركت في عبادة ربها غير الله ، ويرد الحق تبارك وتعالى على نصارى اليوم في محكم كتابه بقوله : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (التوبة:30) .ويقول عز من قائل : ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة:171) .

المبحث الخامس
بطلان عقيدتي الخطيئة والكفارة (الفداء) ونفي صلب المسيح عليه السلام
في هذا المبحث سنتكلم عن عقيدتي ........ هل بعث المسيح حقيقة ليفدي العالم من ........ السلام ، وهل صلب ابن مريم حقيقة....... ولبيان هاتين العقيدتين أقسم الكلام فيهما إلى قسمين :

أولا : دعوى عقيدة الخطيئة والفداء :
هذه العقيدة من وضع متأخري رجال الدين المسيحي ......... في دعوى الكنيسة أن الجنس البشري قد ....... وأن هذه الوصمة قد نالته من جراء أكل آدم من الشجرة ......... بإيعاز من الحية ، فأصبح على ذلك مستحقا لعنة الله ....... بالهلاك الأبدي في الجحيم .
وبجانب ذلك يذكر رؤساء الكنائس المسيحية أن رحمة الله تعالى شاءت تخليص هذا العالم والتجاوز عن ذلك الذنب الموروث والذي يسمونه الخطيئة الأصلية (Peccatum Original) ، فوجب تقديم الترضية اللازمة لله ، ويقولون أنه لما كان هلاك الناس هو شيء يقتضيه النظام الإلهي ، ولما كان المحكوم عليه بالموت يجب تنفيذ الحكم عليه ، أو تقديم غيره ، أو تطوع سواه بدلا عنه، فقد سمح الله بتضحية ابنه (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) على الصليب كفارة عن الناس ، وبالرغم من ذلك فإنهم يدعون أنه لا ينجو إلا من آمن بهذه الدعوى ، واتخذها له عقيدة .
وعوى الفداء تدل بداهة العقل على بطلانها ، ولكن بما أن جمهور المسيحيين يؤمن بها ، أراني مضطرًا إلى إثبات الأدلة التي تنفي نزول الله تعالى وتجسيده لتعذيب نفسه كفارة عن العالم ، من أجل خطأ ارتكبه آدم عليه السلام ، وألخص هذه الأدلة فيما يلي :
1 – لا يؤخذ الأبناء بجرائم الآباء :
في كل النظم الوضعية وحتى في كتبهم المحرفة الأبناء لا يؤخذون بجرائم الآباء ، فمن ذلك ما جاء في سفر حزقيال : " النفس التي تخطئ هي تموت ، الابن لا يحمل من إثم الأب والأب لا يحمل من إثم الابن بر البار عليه يكون وشر الشرير عليه يكون " (حزقيال 18 : 2) ومثله ما جاء في (تثنية 14 : 16) : " لا يقتل الآباء عن الأولاد ولا يقتل الأولاد عن الآباء كل إنسان بخطيئته يقتل " ومثله : " سيجازى كل واحد حسب أعماله " (رومية 1 : 6) .وكل ذلك يثبت أن خطيئة آدم لا تتعدى نفسه ، ولا يقع إثمه على غيره ، ولا يتحمل خطأه سواه .
2 – إذا كانت معصية آدم عليه السلام قد أوجبت تضحية الله بابنه الوحيد (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) ، فما بالك بالفواحش والمنكرات التي نسبوها للأنبياء والمرسلين ؟
يقول المسيحيون أن في خطيئة آدم عليه السلام من القبح والفحش ، ما أوجب اللعنة الإلهية عليه وعلى سائر نسله من بعده ، ومن جملتهم الأنبياء والمرسلون ، فإذا كانت خطيئة آدم عليه السلام ، وهي أكله من الشجرة المحرمة أدت إلى تضحية الله بابنه الوحيد (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) وتحمله العذاب دون البشر ، فما بالك بالمنكرات والفواحش التي ارتكبها – على زعمهم – الأنبياء والرسل ؟ ألا تدعو هذه المعاصي – ولا تعد معصية آدم بجانبها شيئا – أن يضحي الله تعالى بأقنوم آخر كفارة عنها ؟
وأرى هنا أن أذكر أمثلة مما نسبوه للأنبياء والرسل في كتبهم المحرفة ليقيس القارئ عليها ما اقترفه آدم من نسيان ، وأكله من الشجرة المحرمة ، فأقول :
أ – في سفر التكوين ورد الادعاء الباطل بأن نوحا عليه السلام كان يسكر ويكشف عن عورته ويلعن كنعان ظلما :
يدعي سفر التكوين بأن نوحا شرب الخمر وسكر ، وتعرى ، فرآه حام ولده الأصغر ، فأخبر أخويه بذلك ، فذهبا وسترا عورة أبيهما ، فلما انتبه نوح من الخمر ، دعا على كنعان بن حام فقال : " ملعون كنعان " ، وطلب من الله تعالى أن يكون عبدا لعبيد إخوته .
ب – في سفر التكوين ورد الادعاء الباطل بأن إبراهيم عليه السلام يقبل أن يهتك فرعون عرض زوجته طمعا في المال :
يدعي مزورو سفر التكوين أن إبراهيم عليه السلام دخل مصر بدون أمر الله تعالى ، وهو يعلم أن بها ملكا يهتك عرض النساء ، وأنه رضي أن ينال فرعون من زوجته ما يشتهي ، وأنه ارتاح لذلك ، وأنه أخذ أجر ذلك غنما وبقرا وحميرا وعبيدا .
جـ – في سفر التكوين ورد كذلك الادعاء الباطل بأن إسحاق يفعل ما فعل إبراهيم أبوه :
فقد كتب مزورو سفر التكوين أن إسحاق أقام في جداء " وسأله أهل المكان عن امرأته فقال هي أختي لأنه خاف أن يقول امرأته لعل أهل المكان يقتلونني من أجل رفقة لأنها كانت حسنة المنظر " (تكوين 26 : 7) .
د – في سفر التكوين ورد الكذب الفاضح في حق نبي الله لوط عليه السلام أنه كان يسكر ويزني بابنتيه (شرفه الله وشرفهما) :
أتجد فاحشة في الوجود أشنع من أن يزني الوالد بابنته الكبيرة في الليلة الأولى والصغيرة في الليلة التي تليها ؟ إنك تجد بيان ذلك مفصلا في سفر التكوين في حق نبي من أنبياء الله تعالى بالنص التالي : " وصعد لوط من صوغر وسكن في الجبل ، وابنتاه معه ، لأنه خاف أن يسكن في صوغر فسكن في المغارة هو وابنتاه ، وقالت البكر للصغيرة أبونا قد شاخ ، وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض ، هلم يسقي أبانا خمرا ونضطجع معه ، فنحيي من أبينا نسلا ، فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة ، ودخلت واضطجعت مع أبيها ، ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها ، وحدث في الغد أن البكر قالت للصغيرة : إني قد اضطجعت البارحة مع أبي ، نسقيه خمرا فادخلي اضطجعي معه ، فنحيي من أبينا نسلا ، فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة أيضا ، وقامت الصغيرة واضطجعت معه ، ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها ، فحبلت ابنتا لوط من أبيهما ، فولدت البكر ابنا ودعت اسمه مواب ، وهو أبو الموابيين إلى اليوم ، والصغيرة أيضا ولدت ابنا ودعت اسمه بن عمى ، وهو أبو بني عمون إلى اليوم " (تكوين 19 : 30-27) .
هـ – ورد في كل من سفر (التثنية والأعداد) الادعاء الباطل بأن موسى وهارون عليهما السلام كانا يسكران ويخونان الله تعالى ولا يقدسانه ولا يصدقانه :
يروى في العهد القديم وهو كتاب مزور ومحرف عن التوراة أن الله تعالى عاقب موسى عليه السلام بالموت ، وكذلك هارون من قبل ، لأنهما خاناه ولم يقدساه ولم يصدقاه .
ويروون كذلك أن موسى عليه السلام طلب من الله تعالى أن يعفيه من الرسالة وأنه رفضها ، وأن هارون صنع عجلا لبني إسرائيل ليعبدوه دون الخالق الواحد القهار .
و – ورد في سفر صمويل من العهد القديم الادعاء الباطل بأن داود عليه السلام كان يزني ويقتل وأن الله عاقبه بابن زنا بنساء أبيه النبي على مرأى من جميع الناس :
يتهم كاتبو العهد القديم نبي الله داود عليه السلام بالزنا ، فقد رووا أنه زنا بامرأة أعجبه حسنها ، فحملت منه سفاحا ، وأنه أرسل زوجها إلى الحرب وأمر بقتله هناك ، وأنه أحب ابنه من الزنا حبا شديدا فأراد الله تعالى أن يعاقبه ، فأوعده بأن يسلط ابنا لابنه يزني بجميع نسائه على مرأى من جميع بني إسرائيل ن وقد نفذ الله توعده وزنى أبشالوم بجميع نساء داود على مرأى من جميع الناس ، وترى هذه القصة الغريبة الفاحشة مفصلة في سفر صمويل الثاني (11 : 1-27 ، 12 : 12،11 ، 16 : 22)
ز – ورد في سفر (الملوك الأول) من العهد القديم الادعاء الباطل بأن نبي الله تعالى سليمان عليه السلام كان يكفر ويعبد الأوثان ويجري وراء النساء :
كذبا يتهم مزورو العهد القديم نبي الله سليمان بن داود عليهما السلام بالفحش ، والفسق ، والفجور ، والكفر ، والزندقة ، وعدم الاهتمام بأوامر الله تعالى ، وأنه عبد أوثانا وأصناما وآلهة أخرى ، كل ذلك بالرغم من كون الله تعالى – بحسب زعمهم – ظهر له مرتين ، أوصاه في هذا الأمر ألا يتبع آلهة أخرى فلم يحفظ ما أوصاه به الرب ... الخ ، ونص ذلك في الهامش .
فبربك هل هناك نسبة بين معصية آدم عليه السلام وهذه المعاصي الجسيمة التي يزعم مسيحيو ويهود اليوم أن عددا من الأنبياء والمرسلين قد ارتكبها ؟! وإذا كان أكل آدم عليه السلام من الشجرة المحرمة أوجب نزول الله تعالى وتقديم نفسه (أو ابنه الوحيد) كفارة عن البشر كما يزعمون ، فما بالك بما نسبوه كذبا إلى عدد من الأنبياء والمرسلين من المعاصي والآثام ؟!
هل توجب هذه المعاصي نزول أحد أقانيمهم ليكفر عنها ؟! أو هل يوجب ذلك نزول الثلاث أقانيم التي يزعمون ؟!!
3 – قتل الناس إلههم وإهانته أكبر من معصية آدم :
لو جاز – جدلا – أن الله تعالى يطالب بني آدم بذنب أبيهم ، فليس فيما يدعون من صلب المسيح عليه السلام ما يمكن أن يمحو ذلك الذنب ، بل إن في ذلك ما يضيف خطيئة أخرى ، فسيطالب الجنس البشري بجريمة اليهود الذين قتلوا من يدعي المسيحيون أنه إلههم أو الأقنوم الثاني منه كما يزعمون ظلما وعدوانا .
إن من المعقول أن معصية آدم لا تساوي شيئا مطلقا إذا قيست بمعصية الناس إذا كانوا حقيقة قد صلبوا ربهم كما يزعمون ، حين أتى إليهم ، وقبل الهوان واللعن والعذاب من أجل خلاصهم كما تفصل ذلك الديانة المسيحية المحرفة .
4 – يدعي إنجيل متى أن المسيح عليه السلام ضن على امرأة بالمساعدة فهل يمكن أن يبذل حياته تكفيرا عن ذنوب الناس ؟ :
روى إنجيل متى (15 : 28،27) عن المسيح عليه السلام فقال : " ثم خرج يسوع من هناك وانصرف إلى نواحي صور وصيداء وإذا امرأة كنعانية خارجة من تلك التخوم إليه قائلة : ارحمني يا سيدي يا ابن داود ابنتي مجنونة جدا فلم يجبها بكلمة فتقدم تلاميذه وطلبوا إليه قائلين : اصرفها لأنها تصيح ، فأجاب وقال : لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة فأتت وسجدت قائلة : يا سيد أعني فأجاب وقال : ليس حسنا أن يؤخذ خبر البنين ويطرح للكلاب فقالت : نعم يا سيد والكلاب أيضا تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابهاحينئذ أجاب يسوع وقال لها : يا امرأة عظيم إيمانك ليكن لك ما تريدين " .
فهل يقدم المسيح عليه السلام نفسه تكفيرا عن ذنوب الناس ، ويقبل القتل والصلب والإهانة من البشر ، كل ذلك عن طيب خاطر ، مع أنه ثبت من الإنجيل أنه ضن على المرأة بالمساعدة ، وأنه قابلها بالتحقير والسباب ، ولم يقبل مساعدتها إلا بعد هذا الإلحاح ، ووساطة تلاميذه الذين طلبوا منه مساعدتها لا للخير ، وإنما لأنهم أرادوا التخلص منها ومن صياحها ؟
5 – تسليم المسيحيين بكون دعوى الكفارة لم تتحقق :
يدعي المسيحيون أن الله تعالى قال لآدم عليه السلام : إن أكلت من هذه الشجرة موتا تموت ، ويفسرون (موتا تموت) بأن الله تعالى يعني أن يدخل آدم عليه السلام وذريته الجحيم ، ولكن تفسيرهم هذا يؤخذ منه أنه الله تعالى لم تنفذ إرادته بزعمهم (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) لأن الأقنوم الثاني قد نجاهم كما يدعون ، ثم إن معظم الناس لا يؤمنون بالفداء ، وذلك – بحسب عقيدتهم – يسبب دخولهم الجحيم ، فما معنى أن المسيح عليه السلام نجى العالم من الخطيئة حتى استحقوا دخول الجنان ؟!
يذكر إنجيل يوحنا عن المسيح عليه السلام ما ترجمته : " وهو كفارة لخطايانا ، ليس لخطايانا فقط ، بل لخطايا كل العالم أيضا " (1 يوحنا : 2 : 2) ، فكيف يكون المسيح عليه السلام كفارة لكل العالم ، مع أن في العالم الملايين من عبدة الأوثان واللاديينيين ، ويوجد كذلك في العالم الملايين من المسلمين الذين لا يؤمنون إلا بالتوحيد الحقيقي ، وينزهون الله تعالى عما لا يليق به من الصفات التي ينسبها إليه المسيحيون ، بل لم يتوعد المسيء والمخطئ والعاصي بالعذاب ويهدد بدخول النار ؟
إن الذي يرتكب أكبر الخطايا ، لا يمكن أن يعذب في عقيدة المسيحيين مادام المسيح عليه السلام – كما يقولون – لم يرسل إلا ليجعل الناس آمنين من شر العقاب ، فما معنى العبادة والطاعة إذن ؟!!إن الذي يعتقد من بني البشر – جهلا وباطلا وزورا وبهتانا – أن الله تعالى ترك كبرياءه وملكوته ، وعزته من أجل ذلك الإنسان ، وأنه تعالى قبل النزول عن مكانته وعليائه ، وأنه رضخ لخلقه واستسلم لهم وتحمل الإهانة للتكفير عن ذنوب الناس ونجاتهم من عذاب النار ، إن الذي يعتقد ذلك لا يهمه أن يأتي بأكبر الفواحش ، ويرتكب أفظع المنكرات ، ولا يخاف ذلك الإله الذي تصوره قد اتصف بالضعف حتى يصلب ، والجنون في حب البشر حتى يضحي بنفسه من أجلهم ، ولمن يفعل ذلك أسوة سيئة فيمن ذكرت كتبهم المحرفة عن الرسل والأنبياء الذين صوروا باطلا في ما يسمى بالعهد القديم بأحط الصفات وأرذل الخلال .
وإذا كانوا يقولون إنهم وحدهم الناجون ، لم يتحقق قول يوحنا أن المسيح عليه السلام كفارة عن العالم ، وإذا قالوا بصدق قول يوحنا كذبوا حيث ادعوا هلاك غير المسيحي ، وكفر كل فريق منهم الآخر ، وحيث تعارض الدليلان ، فلا اعتبار لهما ، ولا كفارة إذن على ذلك ولا فداء .
أ – إن مجرد التفكير في الشر دون وقوعه لا يوجب العقاب :
وعلى ذلك فإن عقيدة الفداء لا يمكن أن يقبلها العقل مطلقا ، إذ كيف يفدي إنسان إنسانا غيره ؟ أو كيف يعاقب الإنسان ويحكم عليه بالموت الأبدي لأن فيه ميلا إلى الشر ، ولأنه نزاع بطبيعته إلى اقتراف الآثام ، إن مجرد الميل إلى الشر بدون الوقوع فيه لا يوجب حكما بالمعصية ، إنما المعصية هي الوقوع الفعلي فيها ، فلا يمكن أن يقضي العدل الإلهي على الناس بالفناء لأن فيهم من ينزع إلى مخالفة الله تعالى ، لقد جاء المسيح عليه السلام ومضى والإنسان لا تزال فيه هذه الغريزة ، فهل معنى ذلك أن البشرية محتاجة إلى عدد هائل من أمثال المسيح عليه السلام لغسل خطاياها ، وأن التوبة لا تجدي في ذلك سبيلا ؟
ب – لا يعذب الله تعالى ذاته :
إن الله تعالى لا يخلق لذاته العذاب الذي أعد للعاصين من عباده (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) فلقد خلق الله تعالى المحسن والمسيء ، وأوجد الصالح والطالح ، وأعد لأحدهما الثواب وللآخر العقاب ، أما الادعاء الباطل أن الله تعالى لا يعرف طبيعة خلقه ، وأنه ما كان يقصد أن يخلق فيهم الشر ، وأنه فوجئ بالمعصية – كما يدعي سفر التكوين المحرف حيث يقول : " فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه ، فقال الرب : أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته ، الإنسان مع بهائمه ودبابات وطيور السماء ، لأني حزنت أني عملتهم " (تكوين 6 : 6،5) .
جـ – أن الله تعالى لا ينقسم على ذاته :
يذكر إنجيل متى قولا منسوبا إلى السيد المسيح عليه السلام قاله للفريسيين حين زعموا أنه يخرج الشياطين بواسطة (بعلزيل) رئيسهم هذه ترجمته : " إن كان الشيطان يخرج الشيطان فقد انقسم على ذاته " (متى 12 : 26) ، فإذا كان المسيح عليه السلام يستنكر على الشيطان انقسامه على ذاته ، فكيف تجرأ نصارى اليوم بالادعاء على الله تعالى أنه (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) منقسم على ذاته إلى ثلاثة أقانيم ؟ وكيف يتجرءون في نسبة ذلك الهراء إلى السيد المسيح عليه السلام ؟
د – هل يخطئ الإنسان فيتعذب خالقه ؟ :
وإذا فرضنا جدلا أن الإنسان قد ورث عن آدم المعصية – وهو افتراض لا يمكن لأي عقل سوي أن يقبله – فما ذنب عيسى عليه السلام الذي يدعون عليه كذبا أنه إله وابن إله (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) ؟ ما ذنبيه ليتعذب ، ويهان ، ويشتم ، ويتفل عليه ، ويتهكم به الناس ، ويضرب ، ويصلب ، ويقتل قتلة الأشرار المجرمين كما يزعم من يدعي أنه يتبعه من المسيحيين ؟
هـ – هل فدى الله تعالى آدم ببعض آدم ؟ :
وإذا قيل أن اللاهوت المضفي كذبا على السيد المسيح عليه السلام لم يتعذب أثناء عملية الصلب المفتراة ، بل الذي تعذب هو ناسوت المسيح عليه السلام ، قلنا إما أن يكون ناسوت المسيح عليه السلام جزءا من الله (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) فيكون العذاب قد وقع على الله كما قدمنا ، وهو غير جائز عقلا ، أو يكون ناسوت المسيح عليه السلام جزءا من آدم كسائر البشر الذي توالد منه ، فيكون آدم قد فدى ببعضه ، وإن كان في الإمكان أن يفدي الناس بأحد منهم كان ذلك وحده يبطل عقيدة الفداء ، ولا يكون هناك معنى لنزول الله تعالى أو لتجسده أو لنزول ابنه الوحيد (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) لقيامه بالكفارة ، إذ أن عقيدة المسيحيين كما بينا لا تنص على كون الله تعالى انتقم من الناس في شخص أحدهم ، أو قبل فداء واحد منهم عن الآخرين.وإما أن يكون العذاب قد وقع على ناسوت المسيح عليه السلام ولاهوته معا (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) ، ولا يخرج حكم ذلك عما قدمنا ، فيثبت بذلك بطلان جواز دعوى الفداء .إن ادعاء المسيحيين الباطل بالتثليث وببنوة المسيح عليه السلام لله (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) وبالكذب على المسيح عليه السلام بأنه صلب ليس له معنى إلا هذا الاستنتاج السخيف بأن إلها يذبح ابنه الإله ، وهنا نقول لهم فما دخل البشر ؟!
ورد في رؤيا يوحنا (13 : 8) أنه كان في الأزل قبل وجود الكائنات ، ثلاث وجودات أزلية هي : كاهن ، وخروف مذبوح ، وروح القدس " أي الله والمسيح المصلوب والروح القدس " (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) فمن ذبح الخروف غير أحد الكائنين الآخرين ؟! فأية علاقة بين البشر وما تفعله الآلهة فيما بينهم إذا سلمنا جدلا بهذا الخيال المريض الذي يمكن أن يتصور وجود آلهة بجوار الإله الخالق (تعالى الله عن الشبيه وعن الشريك) ؟!!
6 – المسيح عليه السلام لم يدع أنه جاء ليخلص الناس من خطيئة آدم عليه السلام:
إن المسيح عليه السلام وجميع الأنبياء والرسل قبله لم يذكروا لنا شيئا مطلقا عن هذا الذنب المغروس ، وإلا فهاهي التوراة المحرفة التي بين أيديهم ، وهاهي الأناجيل المزورة التي يؤمنون بها ، هاهي أمامهم ولم يذكر في أحدها أن بني آدم وصموا بذنب لم يقترفه أحدهم .يدعي المسيحيون أن المسيح عليه السلام هو الله (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) وأنه ما نزل في هذا العالم ، وما انحط إلى مستوى البشر إلا ليخلص الناس من ذلك الذنب المزعوم ، فإذا كان هذا هو السبب الوحيد الذي أرسل من أجله المسيح عليه السلام ، فلم لم يقل عنه شيئا !! ولم يبينه ؟!!لقد كان المسيح عليه السلام معلم الشعب ، فإذا كان نزل للفداء فكان عليه أن يشرح ما جاء من أجله خاصة ، وما كان هنالك أدنى داع للتعليم والتهذيب والإرشاد إلى الطريق الذي يدخل الجنة ، مادام محض مجيئه يكفي لخلاصهم وخلاص العالم معهم .

ثانيا : أصل عقيدة الخطيئة والفداء :
تحت هذا العنوان سأذكر بعض ما رواه صاحب (العقائد الوثنية) نقلا عن مشاهير المؤرخين :
قال هوك : " ويعتقد الهنود الوثنيون بتجسد أحد الآلهة وتقديم نفسه ذبيحة فداء عن الناس من الخطيئة " .وقال مورنيور وليمس : " ويعتقد الهنود الوثنيون بالخطيئة الأصلية ، ومما يدل على ذلك ما جاء في تضرعاتهم التي يتوسلون بها بعد الكياتري وهي : إني مذنب ومرتكب الخطيئة وطبيعتي شريرة وحملتني أمي بالإثم فخلصني يا ذا العين الحندقوقية يا مخلص الخاطئين يا مزيل الآثام والذنوب " .وقال القس جورج كوكس : " ويصفون – أي الهنود – كرشنا بالبطل الوديع المملوء لاهوتا لأنه قدم شخصه ذبيحة ويقولون أن عمله هذا لا يقدر عليه أحد سواه " .