" وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ " (الطارق:11).


هذه الآية الكريمة التي جاءت في منتصف سورة الطارق هي من آيات القسم في القرآن الكريم ‏,‏ والقسم في كتاب الله يأتي من قبيل تنبيهنا إلى أهمية الأمر المقسوم به‏ ,‏ لأن الله‏ ـ‏ تعالى ‏ـ‏ غني عن القسم لعباده كما سبق وأن ذكرنا ‏.‏
والقسم هنا بالسماء وبصفة خاصة من صفاتها وهي أنها ذات الرجع‏ ,‏ وفي ذلك قال قدامى المفسرين إن رجع السماء هو المطر‏ ,‏ وأنه سمي رجعاً لأن بخار الماء يرتفع أصلاً من الأرض إلى السماء ، حيث يتكثف ويعود إلي الأرض مطراً بإذن الله‏ ,‏ في عملية دائمة التكرار والإعادة‏ ,‏ ولفظة الرجع هنا مُستمَدة من الفعل رجع بمعنى عاد وآب، ولذا سمي المطر رجعاً كما سمي أوباً ‏.‏
ومع تسليمنا بصحة هذا الاستنتاج يبقى السؤال المنطقي ‏:‏ إذا كان المقصود بالتعبير رجع السماء هو المطر فقط فلماذا فضل القرآن الكريم لفظة الرجع على لفظة المطر؟ ولماذا لم يأت القسم القرآني بالتعبير والسماء ذات المطر بدلا من والسماء ذات الرجع ؟
واضح الأمر ـ والله تعالى أعلم ـ أن لفظة الرجع في هذه الآية الكريمة لها من الدلالات ما يفوق مجرد نزول المطر ـ على أهميته القصوى لاستمرارية الحياة على الأرض ـ مما جعل هذه الصفة من صفات السماء محلاً لقسم الخالق  ـ سبحانه وتعالى ، وهو الغني عن القسم ـ تعظيماً لشأنها وتفخيماً ‏.‏ فما هو المقصود بالرجع في هذه الآية الكريمة ؟
يبدو ـ والله تعالى أعلم ـ أن من معاني الرجع هنا الارتداد أي أن من الصفات البارزة في سمائنا أنها ذات رجع أي ذات ارتداد‏ ,‏ بمعنى أن كثيراً مما يرتفع إليها من الأرض ترده إلى الأرض ثانية‏ ,‏ وأن كثيراً مما يهبط عليها من أجزائها العليا يرتد ثانية منها إلى المصدر الذي هبط عليها منه‏ ,‏ فالرجع صفة أساسية من صفات السماء‏ ,‏ أودعها فيها خالق الكون ومُبدعِه‏ ,‏ فلولاها ما استقامت على الأرض حياة‏ ,‏ ومن هنا كان القسم القرآني بها تعظيماً لشأنها‏ ,‏ وتنبيهاً لنا لحكمة الخالق ‏ـ سبحانه وتعالى ـ من إيجادها وتحقيقها‏ !!!‏

الرجع في اللغة العربية : من صور الرجوع إلى الأرض .
يقال‏ : (‏رجع يرجع رجوعا‏)‏ بمعنى عاد يعود عودا‏ً ,‏ و‏(‏رجعه‏)‏ غيره أو ‏(‏أرجعه‏)‏ بمعنى أعاده ورده‏ ,‏ و‏(‏الرجوع‏)‏ العودة إلى ما كان منه البدء‏ ,‏ ويقال ‏(‏رجعه‏ ,‏ يرجعه رجعا‏) .‏
كما يقال‏ (‏رجع يرجع رجعا وترجيعا‏)‏ بمعنى رد يرد رداً‏ ,‏ فالرجع لغة هو العود‏ ,‏ والارتداد‏ ,‏ والرد‏ ,‏ والانصراف والإفادة‏ ,‏ والإعادة‏ ,‏ ولذلك يقال للمطر رجعاً لرد الهواء ما تناوله من ماء الأرض بطريقة مُستمِرة‏ ,‏ كما يقال للغدير رجعاً بنسبته إلى المطر الذي ملأه‏ ,‏ أو لتراجع أمواجه وتردده في مكانه، ويستند في ذلك إلي قول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
" وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ " أي ذات المطر، وقيل فيها أيضاً أي ذات النفع‏ .‏
ويقال ‏(‏رجع يرجع ترجيعا‏)‏ أي ردد يردد ترديدا‏ًً , (‏فالترجيع‏)‏ ترديد الصوت في الحلق في القراءة وفي الغناء‏ ,‏ وتكرير القول مرتين فصاعدا‏ً ,‏ ومنه ‏(‏الترجيع‏)‏ في الأذان‏ ,‏ وكل شيء يرَدَّد فهو‏ (‏رجع‏)‏ و‏(‏رجيع‏)‏ ومعناه‏ (‏مرجوع‏)‏ أي مردود‏ ,‏ و‏(‏الرجع‏)‏ أيضا صدى الصوت‏ ,‏ ويقال ‏(‏راجع‏)‏ أي عاود‏ ,‏ و‏(‏المراجعة‏)‏ المعاودة‏ ,‏ ويقال‏  (‏راجعه‏)‏ الكلام أي رد عليه‏، و‏(‏الرجعة‏)‏ العودة من الطلاق‏ ,‏ والعودة إلي الدنيا بعد الممات‏ .‏
يقال ‏(‏رجعت‏)‏ عن كذا ‏(‏رجعا‏)‏ و‏(‏رجوعا‏ًً)‏ أي رفضته بعد قبوله‏ ,‏ و‏(‏رجعت‏)‏ الجواب أي رددت عليه‏ ,‏ و‏(‏المرجع‏)‏ و‏(‏الرجعى‏)‏ الرجوع والعود، أو مكان العود وذلك من مثل قوله ـ‏ تعالى ـ :‏
" إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً "‏ وقوله‏ ـ‏ سبحانه ـ : "‏ إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى " وقوله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ :‏ " لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ " أي يرجعون عن الذنب أو يعودون إلى الله‏  ـ‏ تعالى ـ‏ وهدايته الربانية‏ ,‏ وقوله‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ : " فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ " من الرجوع أو من رجع الجواب‏ ,‏ وقوله ـ‏ تبارك اسمه‏ ـ :‏ " يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ القَوْلَ " وقوله‏ ـ تعالى جده‏ ـ :‏ " ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ " .
ويقال : ليس لكلامه‏ (‏مرجوع‏)‏ أي مردود أو جواب‏ ,‏ ودابة لها ‏(‏مرجوع‏)‏ أي لها مردود بمعنى أنه يمكن بيعها بعد استخدامها‏ .‏
و‏(‏الراجع‏)‏ المرأة يموت عنها زوجها فترجع إلى أهلها ‏(‏أما المطلقة فيقال لها مردودة‏) .‏
وفي قوله ـ‏ تعالى‏ ـ :‏
" يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ القَوْلَ " أي يتلاومون ‏.
و‏(‏الاسترجاع‏)‏ الاسترداد‏ ,‏ و‏(‏التراجع‏)‏ الارتداد إلى الخلف أو الرجوع عن الأمر‏ ,‏ يقال‏ (‏استرجع‏)‏ فلان منه الشيء أي أخذ منه ما كان قد دفعه إليه‏ ,‏ و‏(‏استرجع‏)‏ عند المصيبة أي قال‏:‏ " إنا لله وإنا إليه راجعون‏ " .‏
و‏(‏الرجيع‏)‏ الاستفراغ أو الرفث ويُستخدم كناية عن أذى البطن عند كل من الإنسان والحيوان‏ ,‏ وهو من‏ (‏الرجوع‏)‏ ويكون بمعنى الفاعل‏ ,‏ أو من‏ (‏الرجع‏)‏ ويكون بمعنى المفعول، و‏(‏الرجيع‏)‏ من الكلام المردود إلى صاحبه أو المُكرَّر‏ .

المفسرون ورجع السماء :
ذكر ابن كثير ـ يرحمه الله‏ ـ أن رجع السماء هو المطر‏ ,‏ ذكره ابن عباس‏ ـ‏ رضي الله عنهما‏ ـ ,‏ وعنه أيضاً أن ‏(‏الرجع‏)‏ هو السحاب فيه المطر‏ ,‏ وأشار ابن كثير أيضا إلى رأي قتادة‏ ـ يرحمه الله‏ ـ‏ في‏ :
"‏ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ‏ "‏ أنها ترجع رزق العباد كل عام‏ ,‏ ولولا ذلك لهلكوا وهلكت مواشيهم‏ " ,‏ وذكر الصابوني ـ أمد الله في عمره‏ ـ‏ نفس المعاني ‏،‏ ويؤكد صاحب الظلال‏ ـ‏ يرحمه الله ـ على هذا المعنى بقوله : " الرجع المطر ترجع به السماء المرة بعد المرة " ‏.‏
وذكر مخلوف ـ‏ يرحمه الله ـ :
"وَالسَّمَاءِ " أي المظلة‏ , " ‏ذَاتِ الرَّجْعِ " أي المطر‏ ,‏ وسمي رجعاً لأن السحاب يحمل الماء من بخار البحار والأنهار‏ ,‏ ثم يُرجعه إلى الأرض مطرا‏ًً ؛‏ أو لأنه يعود ويتكرر‏ ,‏ من رَجَعَ‏ :‏ إذا عاد‏ ,‏ ولذا يسمي أوبا‏ًً ,‏ لرجوعه وتكرره "‏ ,‏ وكذلك ذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم أن القسم هنا بالسماء ذات المطر الذي يعود ويتكرر ‏.‏

الفعل رَجَعَ في القرآن الكريم :
رد الفعل ‏(‏رجع‏)‏ بمشتقاته في القرآن الكريم مائة وأربع مرات‏ (104)‏ في الصيغ التالية ‏:‏
‏(رجع‏ ,‏ رجعتم‏ ,‏ رجعك‏ ,‏ رجعنا‏ ,‏ رجعناك‏ ,‏ رجعوا‏ ,‏ أرجع‏ ,‏ ترجعونها‏ ,‏ ترجعوهن‏ ,‏ يرجع‏ ,‏ يرجعون‏ ,‏ ارجع‏ ,‏ أرجعنا‏ ,‏ ارجعوا‏ ,‏ ارجعون‏ ,‏ ارجعي‏ ,‏ رجعت‏ ,‏ ترجع‏ ,‏ ترجعون‏ ,‏ يرجع‏ ,‏ يرجعون‏ ,‏ يتراجعا‏ ,‏ رجع‏ ,‏ الرجع‏ ,‏ رجعه‏ ,‏ الرجعى‏ ,‏ راجعون‏ ,‏ مرجعكم‏ ,‏ مرجعهم) .‏
وجاءت لفظة رجع فيها ثلاث مرات على النحو التالي‏ :‏
" أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ " ‏(‏ق‏:3) ‏، " إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ " ‏(‏الطارق‏:8)‏ ، " وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ " (‏الطارق‏:11)‏ .
وكلها بمعني الرجوع‏ ,‏ والعودة‏ ,‏ والارتداد‏ ,‏ والرد‏ ,‏ والإعادة‏ ,‏ وهو ما يمكن أن يعيننا في فهم دلالة الرجع في قوله ‏ـ تعالى‏ ـ :‏
" وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ " ,‏ وهو معنى أوسع وأشمل من مجرد رجوع ماء الأرض المُتبخِّر من سطحها ومن تنفس إنسها وحيواناتها ونتح نباتاتها‏ ,‏ وإلا لكان القسم بالسماء ذات المطر ‏.‏

السماء في اللغة العربية :
(‏السماء‏)‏ لغةً : اسم مُشتَق من‏ (‏السمو‏)‏ بمعنى الارتفاع والعلو‏ ,‏ تقول‏: (‏ سما‏ ,‏ يسمو‏ ,‏ سمواً‏) ,‏ فهو سامٍ بمعنى علا‏ ,‏ يعلو‏ ,‏ علوا‏ًً ,‏ فهو عالٍ أو مُرتفِع‏ ,‏ لأن السين والميم والواو أصل يدل على الارتفاع والعلو‏ ,‏ يقال ‏: (‏سموت وسميت‏)‏ بمعنى علوت وعليت للتنويه بالرفعة والعلو‏ ,‏ وعلى ذلك فإن سماء كل شيء أعلاه ومن هنا قيل‏ :‏ " كل ما علاك فأظلك فهو سماء‏ " .‏
ولفظة‏ (‏السماء‏)‏ في العربية تُذكَّر وتُؤنَّث ـ‏ وإن كان تذكيرها يُعتبر شاذا‏ًً ـ ,‏ وجمعها‏ (‏سماوات‏)‏ كما جاء في القرآن الكريم، وهناك صيغ أخري لجمعها ولكنها غريبة ‏.‏
وانطلاقاً من هذا التعريف اللغوي قيل لسقف البيت ‏(‏سماء‏)‏ لارتفاعه‏ ,‏ وقيل للسحاب‏ (‏سماء‏)‏ لعلوه‏ ,‏ واستعير اللفظ للمطر بسبب نزوله من السحاب‏ ,‏ وللعشب لارتباط نبته بنزول ماء السماء ‏.‏
والسماء دينا هي كل ما يقابل الأرض من الكون‏ ,‏ والمراد بها ذلك العالم العلوي من حولنا، والذي يضم الإجرام المُختلِفة من الكواكب والكويكبات‏ ,‏ والأقمار والمُذنَّبات‏ ,‏ والنجوم والبروج‏ ,‏ وغيرها من مختلف صور المادة والطاقة التي تملأ الكون بصورة واضحة جلية أو مُستتِرة خفية ‏.‏
وقد خلق الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ السماء ـ وهو سبحانه خالق كل شيء ـ ورفعها بغير عمد نراها‏ ,‏ وجعل لها عُمَّاراً من الملائكة ومما لا نعلم من الخلق‏ ,‏ وحرسها من كل شيطان مارد من الجن والإنس‏ ,‏ فهي محفوظة بحفظه‏ ـ تعالى ـ إلى أن يرث الكون بما فيه ومن فيه‏ .‏

السماء في القرآن الكريم :
كرر ورود لفظة ‏(‏السماء‏)‏ في القرآن الكريم ثلاثمائة وعشر مرات‏ ,‏ منها مائة وعشرون بالإفراد ‏(‏السماء‏) ,‏ ومائة وتسعون بالجمع‏ (‏السماوات‏) ,‏ والجمع في غالبيته إشارة إلى كل ما حول الأرض من خلق أي إلى الكون في جملته‏ ,‏ والإشارات المُفرَدة منها ثمان وثلاثون‏ (38)‏ يُفهم من مدلولها الغلاف الغازي للأرض بسحبه ورياحه وكسفه‏ ,‏ واثنتان وثمانون ‏(82)‏ يُفهم منها السماء الدنيا غالباً والكون أحياناً ‏.‏
وقد جاءت الإشارة القرآنية إلى السماوات والأرض وما بينهما في عشرين موضعاً من كتاب الله‏ ,‏ وأغلب الرأي أن المقصود بما بين السماوات والأرض هو الغلاف الغازي للأرض بصفة عامة‏ ,‏ والجزء الأسفل منه ‏(‏نطاق المناخ‏)‏ بصفة خاصة‏ ,‏ وذلك لقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
" وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ‏" (‏البقرة‏:164) ‏، والسحاب يتحرك في نطاق المناخ الذي لا يتعدى سُمْكه ‏16‏ كيلو مترا فوق مستوى سطح البحر عند خط الاستواء‏ ,‏ والذي يحوي أغلب مادة الغلاف الغازي للأرض(75%‏ بالكتلة‏)‏ والقرآن الكريم يشير إلى إنزال الماء من السماء في أكثر من آية‏ ,‏ وواضح الأمر أن المقصود بالسماء هنا هو السحاب أو النطاق المحتوي على السحاب والمعروف علمياً بنطاق المناخ‏ .‏

العلوم الكونية ورجع السماء :
إذا كان المقصود بالسماء ذات الرجع في سورة الطارق هو الغلاف الغازي للأرض بنطاق من نطاقاته‏ ـ‏ نطاق الطقس‏ ـ‏ أو بكل نطقه‏ ,‏ فإن دراسة ذلك الغلاف الغازي قد أكدت لنا أن كثيراً مما يرتفع من الأرض إليه من مختلف صور المادة والطاقة‏ (‏مثل هباءات الغبار المتناهية الدقة في الصغر‏ ,‏ بخار الماء‏ ,‏ كثير من غازات أول وثاني أكسيد الكربون‏ ,‏ أكاسيد النيتروجين‏ ,‏ النشادر‏ ,‏ الميثان وغيرها‏ ,‏ الموجات الحرارية كالأشعة تحت الحمراء‏ ,‏ والراديوية كموجات البث الإذاعي‏ ,‏ والصوتية‏ ,‏ والضوئية والمغناطيسية وغيرها‏)‏ كل ذلك يرتد ثانية إلى الأرض راجعاً إليها ‏.‏
كذلك فإن كثيراًَ مما يسقط على الغلاف الغازي للأرض من مختلف صور المادة والطاقة يرتد راجعاً عنها بواسطة عدد من نطق الحماية المختلفة التي أعدها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ لحمايتنا وحماية مختلف صور الحياة الأرضية من حولنا‏ .‏
وإذا كان المقصود بالسماء ذات الرجع في هذه السورة المُبارَكة هو كل السماء الدنيا التي زينها‏  ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ بالنجوم والكواكب، فإن علوم الفلك قد أكدت لنا أن كل أجرام السماء قد خلقها الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ من الدخان الكوني‏ ـ‏ دخان السماء‏ ـ‏ الذي نتج عن عملية الانفجار العظيم التي يسميها القرآن الكريم عملية الفتق أو فتق الرتق‏ ,‏ وأن كل أجرام السماء الدنيا تمر في دورة حياة تنتهي بالعودة إلى دخان السماء عن طريق الانفجار أو الانتثار‏ ,‏ لتتخلق من هذا الدخان السماوي أجرام جديدة لتعيد الكرَّة في دورات مُستمِرة من تبادل المادة والطاقة بين أجرام السماء ودخانها ‏(‏المادة المُنتشِرة بين النجوم في المجرة الواحدة‏ ,‏ المجرات وتجمعاتها المُختلِفة‏ ,‏ وفي السدم وفي فسحة السماء الدنيا‏ ,‏ وربما في كل الكون الذي لا نعلم منه إلا جزءاً يسيراً من السماء الدنيا‏) .‏
وهذه صورة مُبهرِة من صور الرجع التي لم يدركها العلماء إلا بعد اكتشاف دورة حياة النجوم في العقود المُتأخِّرة من القرن العشرين‏،‏ وسواء كان المقصود بالسماء ذات الرجع إحدى الصورتين السابقتين أو كليهما معا فهو سبق قرآني مُبهِر بحقيقة كونية لم يدركها العلماء إلا منذ عشرات قليلة من السنين، وذلك مما يشهد للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق‏ ,‏ ويشهد لخاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بأنه كان موصولاً بالوحي ومُعلَّماً من قبل خالق السماوات والأرض ‏.‏



نُطُق الغلاف الغازي للأرض :
 
تحاط الأرض بغلاف غازي يُقدَّر سُمْكه بعدة آلاف من الكيلو مترات‏ ,‏ ويتناقص فيه الضغط مع الارتفاع من واحد كيلو جرام على السنتيمتر المكعب تقريبا‏ (1.0336‏ كج‏/‏ سم‏3)‏ عند مستوى سطح البحر إلى قرابة الصفر عند ارتفاع ستين كيلو متراً تقريباً فوق مستوى سطح البحر ‏.‏
ويقسِّم هذا الغلاف الغازي للأرض على أساس من درجة حرارته إلى عدة نطق من أسفل إلى أعلى على النحو التالي ‏:‏

(1)‏ نطاق التغيرات الجوية ‏(نطاق الطقس أو نطاق الرجع) (Troposphere) :
 ويمتد من سطح البحر إلى ارتفاع ‏16‏ كيلو متراً فوق خط الاستواء ‏ ,‏ ويتناقص سُمْكه إلى نحو عشرة كيلو مترات فوق القطبين، وإلى أقل من ذلك فوق خطوط العرض الوسطى‏ (7‏ ـ ‏8‏ كيلو مترات‏)‏، وعندما يتحرك الهواء من خط الاستواء في اتجاه القطبين يهبط فوق هذا المنحنى الوَسَطِي فتزداد سرعته‏ ,‏ وتجبر حركة الأرض في دورانها حول محورها من الغرب إلى الشرق كتل الهواء في التحرك تجاه الشرق بسرعة فائقة تُعرف باسم (التيار النفاث)
(The Jet Stream)، وتنخفض درجة الحرارة في هذا النطاق باستمرار مع الارتفاع حتى تصل إلى ستين درجة مئوية تحت الصفر في قمته‏؛ وذلك نظراً للابتعاد عن سطح الأرض الذي يمتص‏47%‏ من أشعة الشمس ، فترتفع درجة حرارته، ويعيد إشعاع الحرارة على هيئة أشعة تحت حمراء إلى الغلاف الغازي للأرض‏ ,‏ خاصة إلى بخار الماء وجزيئات ثاني أكسيد الكربون الجويين‏ ,‏ ومن هنا تنخفض درجة حرارة نطاق التغيرات الجوية مع الارتفاع للبعد عن مصدر الدفء وهو سطح الأرض‏ .‏
وعندما يتجمع هواء بارد فوق هواء ساخن يجعل كتل الهواء غير مُستقِرة فيهبط الهواء البارد إلى أسفل‏ ,‏ بينما يصعد الهواء الساخن إلى أعلى مُحدثاً تيارات حمل مُستمِرة في هذا النطاق أعطته اسم (Troposphere)، أو نطاق الرجع كما يعبر عنه الأصل اليوناني للكلمة ‏.‏
ولولا الانخفاض المُطرِد لدرجات الحرارة في هذا النطاق السفلي من نطق الغلاف الغازي للأرض لفقدت الأرض مياهها بمجرد اندفاع أبخرة تلك المياه من فوهات البراكين ولاستحالت الحياة على الأرض‏ .‏

‏(2)‏ نطاق التطبق (The Stratosphere) :
ويمتد من فوق نطاق التغيرات الجوية إلى ارتفاع حوالي خمسين كيلومتراً فوق مستوى سطح البحر‏ ,‏ وترتفع فيه درجة الحرارة من ستين درجة مئوية تحت الصفر في قاعدته إلى الصفر المئوي في قمته‏ ,‏ ويعود السبب في ارتفاع درجة الحرارة إلى امتصاص وتحويل الأشعة فوق البنفسجية القادمة من الشمس بواسطة جزيئات الأوزون التي تتركز في قاعدة هذا النطاق ‏(‏حول ارتفاع يتراوح بين ‏18‏ كم و‏30‏كم‏)‏ مُكوِّنة طبقة خاصة تُعرف بطبقة‏ ,‏ أو نطاق الأوزون (
Ozonosphere) .

(3)‏ النطاق المتوسط(The Mesosphere) :
ويمتد من فوق نطاق التطبق إلى ارتفاع ‏80‏ ـ‏90‏ كيلو متراً فوق مستوى سطح البحر‏ ,‏ وتنخفض فيه درجة الحرارة لتصل إلى مائة وعشرين درجة مئوية تحت الصفر‏ .‏

‏(4)‏ النطاق الحراري (The Thermosphere) :
ويمتد من فوق النطاق المتوسط إلى عدة مئات من الكيلومترات فوق مستوى سطح البحر‏ ,‏ وترتفع فيه درجة الحرارة باستمرار إلى خمسمائة درجة مئوية عند ارتفاع مائة وعشرين كيلو متراً فوق مستوى سطح البحر‏ ,‏ وتبقى درجة الحرارة ثابتة عند هذا الحد إلى أكثر من ألف كيلو متر فوق مستوى سطح البحر‏ ,‏ ولكنها تقفز إلى ‏1500‏ درجة مئوية في فترات نشاط البقع الشمسية ‏.‏
وفي جزء من هذا النطاق‏ ـ‏ من ارتفاع مائة كيلو متر إلى أربعمائة كيلو متر فوق مستوى سطح البحر‏ ـ تتأين جزيئات الغاز‏ ـ‏ أي تُشحن بالكهرباء‏ ـ‏ بفعل الأشعة فوق البنفسجية والسينية القادمة من الشمس‏ ,‏ ولذا يُسمى باسم النطاق المُتأيِّن
(
The Ionosphere) .
وفوق نطاق التأين يُعرف الجزء الخارجي من النطاق الحراري باسم النطاق الخارجي _
(The Exosphere  ،ويقل فيه الضغط حتى يتداخل في دخان السماء أو ما يعرف بالفضاء الخارجي ‏.‏

‏(5)‏ أحزمة الإشعاع (The Radiation Belts ) :
هي عبارة عن زوجين من الأحزمة الهلالية الشكل التي تزداد في السُمْك حول خط الاستواء‏ ,‏ وترق رقة شديدة عند القطبين‏ ,‏ وتحتوي على أعداد كبيرة من البروتونات والإليكترونات التي اصطادها المجال المغناطيسي للأرض ‏، ويتركز الزوج الداخلي من هذه الأحزمة حول ارتفاع ‏3200‏ كيلو متر فوق مستوى سطح البحر‏ ,‏ بينما يتركز الزوج الخارجي من هذه الأحزمة حول ارتفاع ‏25000‏ كيلو متر فوق مستوى سطح البحر‏ .‏

من صور رجع السماء :
اعتبار المقصود من السماء في الآية الكريمة والسماء ذات الرجع هو الغلاف الغازي للأرض نجد الصور التالية من رجع السماء ‏.‏
‏(1)‏ الرجع الاهتزازي للهواء ‏(الأصوات وصداها‏) :‏
تحتوي الطبقة الدنيا من الغلاف الغازي للأرض ـ‏ نطاق التغيرات الجوية‏ ـ ‏على ‏75%‏ من كتلة ذلك الغلاف، ويتكون أساساً من غاز النيتروجين‏ (78%‏ حجماً‏) ,‏ والأوكسجين‏ (21.95%‏ حجما‏ًً)‏ وآثار خفيفة من بخار الماء‏ ,‏ وثاني أكسيد الكربون‏ ,‏ والأوزون‏ ,‏ وبعض هباءات الغبار‏ ,‏ وآثار أقل تركيزاً من الإيدروجين‏ ,‏ الأرجون‏ ,‏ الهيليوم ‏ ,‏ وبعض مركبات الكبريت ‏.‏ وكلٌ من التركيب الكيميائي والصفات الفيزيائية لهذا النطاق أساسي لوجود الحياة الأرضية ‏ ,‏ ومهم للاهتزازات المُحدِثة للأصوات وصداها‏ ,‏ فعندما تهتز أحبالنا الصوتية تحدث اهتزازاتها ضغوطاً في الهواء تنتشر على هيئة أمواج تتحرك في الهواء في كل الاتجاهات من حولنا‏ ,‏ فتتلقى طبلة الأذن لأفراد آخرين تلك الاهتزازات فيسمعونها بوضوح‏ ,‏ ولولا التركيب الكيميائي والصفات الفيزيائية المُحدَّدة لذلك النطاق ما سمع بعضنا بعضاً ولاستحالت الحياة .‏

فالصوت لا ينتقل في الفراغ‏ ,‏ وذلك لعدم وجود جزيئات الهواء القادرة على نقل الموجات الصوتية، وتتحرك الموجات الصوتية في الهواء بسرعة ‏1200‏ كيلو متر في الساعة عند مستوى سطح البحر‏ ,‏ وتزداد سرعة الصوت كلما زادت كثافة الوسط الذي يتحرك فيه ,‏ وتقل بقلة كثافته‏ ,‏ ففي الماء تتضاعف سرعة الصوت أربع مرات تقريباً عنها في الهواء ‏ ,‏ وفي النطق العليا من الغلاف الغازي للأرض تتناقص حتى لا تكاد تسمع‏ ,‏ ولذلك يتخاطب رواد الفضاء مع بعضهم بعضا بواسطة الموجات الراديوية التي يمكنها التحرك في الفراغ وعندما تصطدم الموجات الصوتية بأجسام أعلي كثافة من الهواء‏ ,‏ فإنها ترتد على هيئة صدي للصوت الذي له العديد من التطبيقات العملية ‏.‏
والرجع الاهتزازي للهواء على هيئة الأصوات وصداها هو أول صورة من صور رجع السماء ‏ ,‏ ولولاه ما سمع بعضنا بعضا وما استقامت الحياة على الأرض ‏.‏

‏(2)‏ الرجع المائي‏ :
‏ يغطي الماء أكثر ـ قليلاً ـ من ‏71%‏ من المساحة الكلية للكرة الأرضية‏ ,‏ وتبلغ كميته ‏1.36‏ مليار كيلو متر مكعب‏ (‏منها‏97.2%‏ في المحيطات والبحار‏ , 2.15% ‏على هيئة جليد حول القطبين وفي قمم الجبال‏ , 0.65%‏ في المجاري المائية المختلفة من الأنهار والجداول وغيرها‏ ,‏ وفي كل من البحيرات العذبة وخزانات المياه تحت سطح الأرض) ‏.‏
وهذا الماء اندفع كله أصلاً من جوف الأرض عبر ثورات البراكين ‏ ,‏ وتكثف في الأجزاء العليا من نطاق التغيرات الجوية، والتي تتميز ببرودتها الشديدة‏ ,‏ فعاد إلى الأرض ليجري أنهاراً على سطحها‏ ,‏ ويفيض إلى منخفضاتها ,‏ ثم بدأ في حركة دائبة بين الأرض والطبقات الدنيا من الغلاف الغازي حفظته من التعفن ومن الضياع إلى طبقات الجو العليا ‏.‏
وماء الأرض يتبخر منه سنويا ‏380000‏ كيلو متر مكعب أغلبها‏ ـ 320000‏ كم‏3 ـ يتبخر من أسطح المحيطات والبحار والباقي‏ ـ 60000‏ كم‏3 ـ‏ من سطح اليابسة‏ ,‏ وهذا البخار تدفعه الرياح وتحمله السحب إلى الطبقة الدنيا من الغلاف الغازي للأرض‏ ,‏ حيث يتكثف ويعود إلى الأرض مطراً أو ثلجاً أو بَرَدَاً ‏ ,‏ وبدرجة أقل على هيئة ندى أو ضباب‏ .‏
وحينما ترجع أبخرة المياه من الجو إلى الأرض بعد تكثفها يجري قسم منها في مختلف أنواع المجاري المائية على اليابسة‏ ,‏ وتصب هذه بدورها في البحار والمحيطات ‏ ,‏ كما يترشح جزء منها خلال طبقات الأرض ذات النفاذية ليُكوِّن المياه تحت السطحية ‏ ,‏ وهناك جزء يعاود تبخره إلى الجو مرة أخري ‏.‏
والمياه تحت السطحية ذاتها في حركة دائبة، حيث تشارك في تغذية بعض الأنهار والبحيرات والمستنقعات ‏ ,‏ وقد تخرج إلى سطح الأرض على هيئة ينابيع‏ ,‏ أو ينتهي بها المطاف إلى البحار والمحيطات‏ .‏
وماء المطر يسقط على المحيطات والبحار بمعدل ‏284000‏ كيلو متر مكعب في السنة‏ ,‏ وعلى اليابسة بمعدل ‏96000‏ كيلو متر مكعب في السنة وذلك في دورة مُعجِزة في كمالها ودقتها‏ ,‏ ومن صور ذلك أن ما يتبخر من أسطح المحيطات والبحار في السنة يفوق ما يسقط فوقها، وأن ما يسقط من مطر على اليابسة سنوياً يفوق ما يتبخر منها والفارق في الحالتين متساوٍ تماماً فيفيض إلى البحار والمحيطات ليحفظ منسوب المياه فيها عند مستوى ثابت في الفترة الزمنية الواحدة ‏.‏
هذه الدورة المُعجِزة للمياه حول الأرض هي الصورة الثانية من صور رجع السماء‏ ,‏ ولولاها لفسد كل ماء الأرض‏ ,‏ ولتعرض كوكبنا لحرارة قاتلة بالنهار ‏ ,‏ ولبرودة شديدة بالليل .


‏(3)‏ الرجع الحراري إلي الأرض وعنها إلي الفضاء بواسطة السحب‏ :
يصل إلى الأرض من الشمس في كل لحظة شروق كميات هائلة من طاقة الشمس‏ ,‏ ويعمل الغلاف الغازي للأرض كدرع واقية لنا من حرارة الشمس أثناء النهار‏ ,‏ كما يعمل لنا كغطاء بالليل يمسك بحرارة الأرض من التشتت ، فذرات وجزيئات الغلاف الغازي للأرض تمتص وتشتت وتعيد إشعاع أطوال موجات محددة من الأشعة الشمسية في كل الاتجاهات‏ .‏
ومن الأشعة الشمسية القادمة إلى الأرض يُمتص ويشتت ويُعاد إشعاع ‏53%‏ منها بواسطة الغلاف الغازي للأرض‏ ,‏ وتمتص صخور وتربة الأرض ‏47%‏ منها‏ ,‏ ولولا هذا الرجع الحراري إلى الخارج لأحرقت أشعة الشمس كل صور الحياة على الأرض‏ ,‏ ولبَخِّرت الماء وخلخلت الهواء‏ .‏
وعلي النقيض من ذلك فإن السحب التي ترد عنا ويلات حرارة الشمس في نهار الصيف هي التي ترد إلينا أشعة الدفء بمجرد غروب الشمس‏ (98%)،‏ فصخور الأرض تدفأ أثناء النهار بحرارة الشمس بامتصاص ‏47%‏ من أشعتها فتصل درجة حرارتها إلى ‏15‏ درجة مئوية في المتوسط، وبمجرد غياب الشمس تبدأ صخور الأرض في إعادة إشعاع حرارتها على هيئة موجات من الأشعة تحت الحمراء التي تمتصها جزيئات كلٍ من بخار الماء وثاني أكسيد الكربون فتدفئ الغلاف الغازي للأرض‏ ,‏ كما تعمل السحب على إرجاع غالبية الموجات الطويلة‏ (98%)‏ إلى سطح الأرض ، وبذلك تحفظها من التجمد بعد غياب الشمس‏ .‏
ولو لم يكن للأرض غلاف غازي لتشتتت هذه الحرارة إلى فسحة الكون وتجمدت الأرض وما عليها من صور الحياة في نصف الكرة المُظلِم بمجرد غياب الشمس‏ .‏
وهذا الرجع الحراري بصورتيه إلى الخارج وإلى الداخل مما يحقق صفة الرجع لسماء الأرض ‏.‏

‏(4)‏ رجع الغازات والأبخرة والغبار المرتفع من سطح الأرض‏ :
‏ عندما تثور البراكين تدفع بملايين الأطنان من الغازات والأبخرة والأتربة إلى جو الأرض الذي سرعان ما يرجع ذلك إلى الأرض‏ ,‏ كذلك يؤدي تكون المنخفضات والمرتفعات الجوية إلى دفع الهواء في حركة أفقية تنشأ عنها الرياح التي يتحكم في هبوبها ‏ـ‏ بعد إرادة الله تعالى‏ ـ عدة عوامل منها مقدار الفرق بين الضغط الجوي في منطقتين متجاورتين ‏ ,‏ ومنها دوران الأرض حول محورها من الغرب إلى الشرق‏ ,‏ ومنها تنوع تضاريس الأرض والموقع الجغرافي للمنطقة ‏.‏
والغالبية العظمى من المنخفضات الجوية تتحرك مع حركة الأرض‏ ـ‏ أي من الغرب إلي الشرق‏ ـ‏ بسرعات تتراوح بين ‏20‏ و‏30‏ كيلو متراً في الساعة، وعندما تمر المنخفضات الجوية فوق اليابسة تحتك بها فتبطؤ حركتها قليلاً وتحمل بشيء من الغبار الذي تأخذه من سطح الأرض ‏ ,‏ وإذا صادف المنخفض الجوي في طريقه سلاسل جبلية مُعترِضة فإنه يصطدم بها مما يزيد على إبطاء سرعتها ويقوي من حركة صعود الهواء إلى أعلي‏ ,‏ ولما كان ضغط الهواء يتناقص بالارتفاع إلى واحد من ألف من الضغط الجوي العادي عند سطح البحر إذا وصلنا إلي ارتفاع ‏48‏ كيلو مترا فوق ذلك السطح ‏ ,‏ وإلي واحد من مائة ألف من الضغط الجوي إذا وصلنا إلى ارتفاع ألف كيلو متر فوق سطح البحر، فإن قدرة الهواء على الاحتفاظ بالغبار المحمول من سطح الأرض تضعُف باستمرار مما يؤدي إلى رجوعه إلى الأرض، وإعادة توزيعه على سطحها بحكمة بالغة‏ ,‏ وتعين على ذلك الجاذبية الأرضية‏ .‏


‏(5)‏ رجع الأشعة فوق البنفسجية بواسطة طبقة الأوزون ‏:‏
تقوم طبقة الأوزون في قاعدة نطاق التطبق بامتصاص وتحويل الأشعة فوق البنفسجية القادمة مع أشعة الشمس بواسطة جزيئات الأوزون ‏(‏أ‏3)‏ وترد نسبا كبيرة منها إلى خارج ذلك النطاق‏ .‏


‏(6)‏ رجع الإشارات الراديوية بواسطة النطاق المُتأيَّن ‏:‏
في النطاق المُتأيَّن‏ ـ‏ بين‏100‏ و‏400‏ كم فوق مستوي سطح البحر‏ ـ تمتص الفوتونات النشيطة القادمة مع أشعة الشمس مثل الأشعة السينية ، فتؤدي إلى رفع درجة الحرارة وزيادة التأين‏ ,‏ ونظراً لانتشار الإليكترونات الطليقة في هذا النطاق، فإنها تعكس الإشارات الراديوية _‏ ذات الأمواج الطويلة ‏_‏ وتردها إلى الأرض فتيسر عمليات البث الإذاعي، والاتصالات الراديوية، وكلها تمثل صوراً من الرجع إلى الأرض‏ .‏

‏(7)‏ رجع الأشعة الكونية بواسطة كل من أحزمة الإشعاع والنطاق المغناطيسي للأرض‏ :‏
يمطر الغلاف الغازي للأرض بوابل من الأشعة الكونية الأولية التي تملأ فسحة الكون فتردها ‏ ,‏ إلى الخارج كلٌ من أحزمة الإشعاع والنطاق المغناطيسي للأرض، فلا يصل إلى سطح الأرض منها شيء ، ولكنها تؤدي إلى تكون أشعة ثانوية قد يصل بعضها إلى سطح الأرض ، فتؤدي إلى عدد من ظواهر التوهج والإضاءة في ظلمة الليل مثل ظاهرة الفجر القطبي‏ .‏
والأشعة الكونية بأنواعها المختلفة تتحرك بمحاذاة خطوط المجال المغناطيسي للأرض ، والتي تنحني لتصب في قطبي الأرض المغناطيسيين ‏؛‏ وذلك لعجزها عن عبور مجال الأرض المغناطيسي‏ ,‏ ويؤدي ذلك إلى رد المزيد من الأشعة الكونية القادمة إلى خارج نطاق الغلاف الغازي للأرض، وهي صورة من صور الرجع‏ .‏
هذه الصور المُتعدِّدة لرجع الغلاف الغازي للأرض لم تُعرف إلا في العقود المُتأخِّرة من القرن العشرين‏ ,‏ ووصف السماء بأنها ذات رجع في القرآن الكريم من قبل ألف وأربعمائة من السنين هو شهادة صدق بأن القرآن الكريم كلام الله الخالق ، وأن سيدنا محمدا‏ً -‏ صلى الله عليه وسلم‏ - الذي تلقى هذا الوحي الحق هو خاتم أنبياء الله ورسله‏ ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ‏ ، وأنه‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ كان موصولا ًبالوحي ، ومُعلَّماً من قِبل خالق السماوات والأرض‏ .‏