حقيقة المسيح12


وقال كوينيو " ويذكر الهنود موت كرشنا بأشكال متعددة أهمها أنه مات معلقا على شجرة سمر بها بضربة حرة " .وقال مكس مولر : " البوذيون يزعمون أن بوذا قال : دعوا كل الآثام التي ارتكبت في هذا العالم تقع علي كي يخلص العالم " .وقال وليمس : " الهنود تقول : ومن رحمته – أي بوذا – تركه للفردوس ، ومجيئه إلى الدنيا من أجل خطايا بني الإنسان وشفائهم ، كي يبررهم من ذنوبهم ويزيل عنهم القصاص الذي يستحقونه " .وقال موري: " يحترم المصريون أوزيريس ويعدونه أعظم مثال لتقديم النفس ذبيحة لينال الناس الحياة " .وقالت الآنسة هجصون: " كان الميليتيون يمثلون الإله إنسانا مصلوبا مقيد اليدين والرجلين بحبل على خشبة وتحت رجليه صورة حمل ، والسوريون يقولون إن تموز الإله المولود البكر من عذراء ، تألم من أجل الناس ويدعونه المخلص والفادي المصلوب ، وكانوا يحتفلون في يوم مخصوص في السنة تذكارا لموته ، فيصنعون صنما على أنه هو ، يضعونه على فراش ويندبونه ، والكهنة ترتل قائلة : ثقوا بربكم فإن الآلام التي قاساها قد جلبت لنا الخلاص " .
وقالت نيت : " كان الوثنيون يدعون أبوللو الراعي الصالح وكذلك دعوا عطارد الراعي الصالح ، وكرشنا مخلص الهنود دعوة الراعي الملوكاني الصالح " .وقال داون : " كان الفداء بواسطة التألم والموت لمخلص إلهي قديم العهد جدا عند الصينيين ، وإن أحد كتبهم المقدسة المدعو يبكيك يقول عن تيان أنه القدوس الواحد ، ذو الفضائل السماوية والأرضية ، وأنه سيعيد الكون إلى البر ، وأنه يعمل ويتألم كثيرا ، ولابد له من اجتياز تيار عظيم تدخل أمواجه إلى نفسه ، وأنه الوحيد القادر على أن يقدم للرب ذبيحة تليق به " ، ويضيف : " وكان الوثنيون يدعون بروميثيوس مخلصا ، كما يدعونه أيضا الإله الحي صديق البشر المقدم نفسه ذبيحة لخلاص الناس " ثم يضيف كذلك : " ورواية صلب القراسيون الهائلة التي كتبها أسيوس في أثينا قبل المسيح عليه السلام بخمسمائة عام هي أقدم شعر باق إلى هذا الحين بخصوص الصلب ، أما الحيل والخدع المذكورة فيها فمأخوذة عن روايات قديمة العهد جدا ، وليس لها مثيل في إحداث التأثر على إحساس الناظرين ، ولا يوجد من سبقه إلى بيان ووصف ما قد قاساه ذلك الإله المزعوم من الآلام ، ولا يتمالك الناظر إلى تمثيل روايته من الانفعال العظيم ، وكيف كان تأثير أولئك الذين كانوا يعتقدون بألوهية بطل هذه الرواية الذي هو خليلهم وخالقهم ونافعهم ومخلصهم ، وقد جلب عليهم خصامهم الآثام والآلام التي احتملها ، والأحزان التي قاساها كلها من أجل خلاصهم ، وبسبب ذنوبهم جرح وبداعي ظعيانهم سحق ، وتحمل القصاص لنجاتهم ، وبضربه وجلده شفوا ن ولقد اضطهد وتألم وامتهن ولم يتململ ، وصبره العظيم ظهر حينما كانت كهنة إله الشر تسمر يديه ورجليه بجبل قوقاسوس ، وليس له شبه أو مثيل إلا الكمال الذي أجراه وهو معلق ويداه ممدودتان بشكل الصليب خدمة للناس وحبا لهم ، وهذه الخدمة جلبت عليه هذا الصلب المخيف ، وحينما كان يقاسي عذاب وعناء تلك المكيدة اعترف صديقه أوسينوس الصياد أنه لم يقدر على إقناعه لمصالحة المشترى وترك خلاص الناس ، ثم تركه أوسينوس الصياد وفر هاربا ، ولم يبق معه أحد يعاين سكرات موته إلا جماعة من المرتلين الأحباب ، المخلصين الذين ناحوا عليه ، واستطاعوا أن يزيلوا من قلبه حب البشر " . 

ثالثا : دعوى الصلب الباطل والرد عليها :
قال تعالى في محكم كتابه : ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (النساء:158،157) .وهذا هو حكم الله علام الغيوب ، وليس لنا بعد حكم الله تعالى رأي أو اجتهاد ، ولكن من قبيل مخاطبة الضالين من نصارى اليوم الذين لا يؤمنون بخاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم ولا بما نزل عليه من اليقين نستعين على إثبات عدم صلب المسيح عليه السلام ، بذكر التناقض الكبير بين روايات الأناجيل المزورة الموجودة اليوم بين أيديهم في كتابهم المسمى بـ (العهد الجديد) وسنبين الاختلافات الغريبة بين حوادث هذه الروايات ، الشيء الذي يشعر بعدم سلامة الحكاية عن الصلب ، ويظهر اضطرابها واعوجاجها وتفكك أجزائها ، ويوجب البحث في علة التحريف وأسباب الخلط والتشويه ، وسنبين أسباب ذلك كله .
ولو أننا سلمنا أن هنالك من صلب حقيقة في ذاك الزمن ، ولو فرضنا جدلا أن رواية أصحاب الأناجيل وكاتبيها وناسخيها يؤخذ منها الاتفاق على حادثة من حوادث الصلب ، فلسنا نسلم في كون المصلوب كان ابن مريم ، بل سنثبت على ضوء ما أشرنا إليه كون المصلوب هو غير المسيح عليه السلام يقينا ، وسنورد الأدلة القاطعة من الأناجيل المحرفة عينها على كون المسيح عليه السلام لا يمكن أن يكون قد مسته أيدي اليهود ، أو أنه هو الذي سمروا على الخشبة يديه ، وفعلوا به ما أوردوه في أناجيلهم المزورة من الإهانة والعبث .

1 – تناقض الأناجيل المزورة والتي يؤمن بها نصارى اليوم واختلافها في وصف حادثة الصلب :
وسنذكر هنا بعض التناقض الغريب في حكاية الصلب الذي يؤمنون به ، وسنذكر الروايات الغريبة التي ينسبونها لله عز وجل وسنبين كيف نستطيع أن نبرئ ساحة المسيح عليه السلام من حكاية مضطربة كهذه ، بل من قصة فيها كل هذا الاختلاف .
أ – رواية حادثة القبض على ابن مريم عليهما السلام :
ذكر إنجيل متى ما ترجمته : إن اليهود استأجروا أحد الحواريين ليرشدهم عن المسيح عليه السلام فأعطاهم علامة أن يقبضوا على الذي يقبله ، فلما أقبل ومن معه : " فللوقت تقدم يسوع ، وقال : السلام يا سيدي وقبله فقال له يسوع : يا صاحب لماذا جئت ؟ حينئذ تقدموا وألقوا الأيادي على يسوع وأمسكوه " (متى 26 : 47-50) .
ويذكر إنجيل يوحنا هذه الحادثة بشكل آخر يناقض ويخالف كل المخالفة ما رواه إنجيل متى ، فقد قال : " فأخذ يهوذا الجند وخداما من عند رؤساء الكهنة والقديسين إلى هناك بمشاعل ومصابيح وسلاح فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه وقال لهم : من تطلبون ؟ فأجابوه يسوع الناصري فقال لهم يسوع أنا هو وكان يهوذا مسلمه أيضا واقفا معهم فلما قال لهم : إني أنا هو رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض فسألهم أيضا من تطلبون ؟ فقالوا : يسوع الناصري أجاب يسوع : وقد قلت لكم إني أنا هو فإن كنتم تطلبونني فدعوا هؤلاء يذهبون " (يوحنا 18 : 3-8) .
ب – من كان يحمل الصليب :
يذكر إنجيل لوقا (23 : 26) ما ترجمته : " ولما مضوا به أمسكوا سمعان رجلا قرويا كان آتيا من الحقل ووضعوا عليه الصليب ليحمله خلف يسوع " ، بينما يذكر إنجيل يوحنا (19 : 17) ما ترجمته : " فأخذوا يسوع ومضوا به فخرج وهو حامل صليبه إلى الموضع الذي يقال له موضع الجمجمة ويقال له بالعبرانية جلجشة حيث صلبوه " وهذا التباين الواضح في تحديد شخصية من كان يحمل الصليب كاف لإضعاف هذه الروايات كلها وإلقاء الشك عليها .
جـ – ماذا كان عنوان علة المصلوب ؟ :
يذكر إنجيل متى أن العنوان الذي كان مكتوبا على الصليب أم فوقه هو (يسوع ملك اليهود) ، ويذكر إنجيل مرقص أنه كان (ملك اليهود) ، بينما يذكر إنجيل لوقا أنه كان (هذا ملك اليهود) ، ويذكر إنجيل يوحنا أنه كان (يسوع الناصري ملك اليهود) ، فليت شعري ما هو العنوان الحقيقي الذي كان مكتوبا على الصليب أو فوقه ؟
د – متى كان المصلوب على الصليب ؟ :
تذكر كل من أناجيل متى ومرقص ولوقا أن المسيح كان على الصليب نحو الساعة السادسة ، ويعارضهم إنجيل يوحنا في ذلك بذكره أن المسيح لم يكن وقتئذ على الصليب ، بل كان في حضرة (بيلاطس) (يوحنا 19 : 14) .
هـ – ماذا قدم للمصلوب ؟ :
يذكر إنجيل مرقص (15 : 23) أن جند بيلاطس " أعطوا المسيح خمرا ممزوجة بمر ليشرب فلم يقبل " ، بينما يذكر إنجيل متى (27 : 34) أنهم " أعطوه خلا ممزوجا بمرارة ليشرب فلما ذاق لم يرد أن يشرب " ويدون إنجيل يوحنا (19 : 28-30) أن يسوع قال : " أنا عطشان وكان إناء موضوعا مملوءا خلا فملئوا أسفنجة من الخل ووضعوها على زوفا وقدموها إلى فمه أخذ يسوع الخل قال : قد أكمل " .فالأول يقول إن الذي قدم إليه خمر ومر ولم يقبلها ، ويقول الثاني إن الذي قدم إليه خل ومر لما ذاقها ثم ردها ، والثالث يقول إن المقدم إليه هو الخل ، طلبه يسوع وشربه ، فمن فيهم الصادق ومن الكذاب ؟
و – ماذا قال المصلوب ؟ :
جاء في إنجيل متى ما ترجمته : " ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا : إيلي إيلي لما شبقتني ، أي : إلهي إلهي لماذا تركتني " (متى 27 : 46) ، ويذكر إنجيل مرقص (15 : 34) أنه صرخ قائلا : " إلوى إلوى لم شبقتني " الذي تفسيره " إلهي إلهي لماذا تركتني " ، بينما يذكر إنجيل لوقا ما ترجمته : " ونادى يسوع بصوت عظيم وقال : يا أبتاه في يديك أستودع روحى " ، فأي هذه النصوص أصح أم أنها كلها كاذبة مختلقة من خيال كاتبيها ؟
ز – حال الرجلين المصلوبين مع المصلوب :
يذكر إنجيل متى (27 : 44) أن المسيح عليه السلام صلب مع لصين ، وكان اللصان يعيرانه ، وذكر إنجيل لوقا ما ترجمته (23 : 39) : " وكان واحد من المذنبين المعلقين يجدف عليه قائلا : إن كنت أنت المسيح فخلص نفسك وإيانا فأجاب الآخر وانتهره قائلا : أولا أنت تخاف الله إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه ، أما نحن فبعدل لأننا ننال استحقاق ما فعلنا وأما هذا فلم يفعل شيئا ليس في محله ، ثم قال ليسوع : اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك فقال له يسوع : الحق أقول لك إنك اليوم تكون معي في الفردوس " .ويروي إنجيل مرقص (15 : 37) أن المسيح عليه السلام صلب مع لصين ولم يذكر أنهما كان يعيرانه ، أو أن أحدهما كان يعيره والآخر يمدحه ، بينما يروي إنجيل يوحنا أنهم صلبوه مع اثنين ولم يبين حالهما .
ح – من ذهب إلى القبر وماذا حدث وقتئذ ومتى كان ذلك ؟ :
يذكر إنجيل متى (28 : 1) ما ترجمته : " وبعد السبت عند فجر أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية ومريم الأخرى لتنظر القبر وإذا زلزلة عظيمة حدثت لأن ملاك الرب نزل من السماء وجاء ودحرج الحجر عن الباب وجلس عليه " .ويذكر إنجيل مرقص (16 : 1) ما ترجمته : " وبعد ما مضى السبت اشترت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة حنوطا ليأتين ويدهنه وباكر جدا في أول الأسبوع أتين إلى القبر إذ طلعت الشمس وكن يقلن فيما بينهن من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر فتطلعن ورأين أن الحجر قد دحرج لأنه كان عظيما جدا ولما دخلن القبر رأين شابا جالسا عن اليمين لابسا حلة بيضاء فاندهشن " .بينما يروي إنجيل لوقا (24 : 1) ما ترجمته : " ثم في أول الأسبوع أول الفجر ، أتين إلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددته ومعهن أناس ، فوجدن الحجر مدحرجا عن القبر فدخلن ولم يجدن جسد الرب يسوع ، وفيما هو محتارات في ذلك إذ رجلان وقفا بهن بثياب براقة " .
فتأمل الاختلاف والتناقض الغريب في رواية الحادثة الواحدة حيث يقول الأول : إن من ذهب إلى القبر هما مريم المجدلية ومريم الأخرى ، ويقول الثاني : إنهن ثلاثة لا اثنتان والثالثة هي سالومة ، ويقول الثالث : إنهن نساء عديدات ولم يعينهن (لوقا 23 : 55) وذكر أن معهن أناس .ثم يقول الأول : إنهما حين أتيتا القبر حدثت زلزلة عظيمة والآخران يظهر من كلامهما واضحا أنه لم تحصل ثمة زلزلة .ثم يقول الأول : إنهما حين جاءتا إلى القبر ، نزل ملاك الرب أمامهما ودحرج الحجر وجلس عليه ، ويقول الثاني : إنهن وجدن الحجر موضوعا على القبر فقلن لأنفسهن : من يدحرج الحجر ؟ فرأين الحجر قد دحرج ، ثم يقول الأول : إن ملاك الرب جلس على الحجر ، ويقول الثاني : إنه كان جالسا في القبر على اليمين ، ويقول الثالث : إنهن لقين رجلين في القبر بثياب براقة .ثم يذكر إنجيل مرقص أن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة ذهبن إلى القبر إذ طلعت الشمس ، ويذكر إنجيل يوحنا أنه لم تكن إلا امرأة واحدة هي مريم المجدلية وقد أتت " إلى القبر باكرا والظلام باق " (يو 20 : 1) .
ولأذكر بعد ذلك بقية ما ورد في إنجيل يوحنا ، لترى كيف يخالفهم هو الآخر مخالفة فائقة إذ يدون ما ترجمته : " وفي أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكرا والظلام باق ، فنظرت الحجر مرفوعا عن القبر ، فركضت وجاءت إلى سمعان بطرس وإلى التلميذ الآخر الذي كان يسوع يحبه ، وقالت : أخذوا السيد من القبر ولسنا تعلم أين وضعوه .. أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجا تبكي وفيما هي تبكي انحنت إلى القبر فنظرت ملاكين بثياب بيض جالسين واحد عن الرأس والآخر عند الرجلين حيث كان جسد يسوع موضوعا فقالا لها : يا امرأة لماذا تبكين ؟ " (يو 20) .ويزعم المسيحيون أن الله تعالى هو الذي روى هذا التناقض (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) ، ويحذرهم الله تعالى من التقول على الحق تبارك وتعالى ، ومن الاتجار بالدين فيقول عز من قائل : ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (البقرة:79)



ط – الخلاف في رؤية المسيح عليه السلام بعد ذلك :
يذكر إنجيل متى ما ترجمته : أن ملكا لاقى المرأتين وأخبرهما أن المسيح عليه السلام قام من الأموات " فخرجتا سريعا من القبر بخوف وفرح عظيم راكضتين لتخبر التلاميذ ، وفيما هما منطلقتان لتخبرا تلاميذه إذ يسوع لاقاهما وقال : سلاما لكما ، فتقدمتا وأمسكتا بقدميه وسجدتا له فقال لهما يسوع : لا تخافا اذهبا قولا لإخوتي أن يذهبوا إلى الجبل وهناك يرونني " .بينما يذكر إنجيل لوقا أن ملكين قابلا النساء ، وذكراهن بقول المسيح عليه السلام أنه سيقوم فرجعن من القبر وأخبرن التلاميذ فلم يصدقوهن ، وحسب هذه الرواية لم يقابلن المسيح عليه السلام مطلقا .ويختلف إنجيل يوحنا في الرواية كذلك فيقول : إن المرأة قابلت المسيح أثناء وجودها مع الملكين عند القبر ، وأنه قال لها : " قولي لهم أني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم " .
هذه بعض أمثلة أضربها للتناقض الشائن بين الأناجيل ، ويضيق بي المقام إذا حاولت ذكرها جميعا ، فأترك للقارئ الرجوع إلى تلك الكتب المشار إليها ليرى بنفسه أنها لا يمكن أن تكون من وحي الله تعالى .

2 – إثبات أن المصلوب كان بالقطع شخصا آخر غير المسيح عليه السلام :
قبل أن نسير في إثبات كون المصلوب غير المسيح عليه السلام ، يجب أولا أن ننتهي إلى أحد أمرين : فإما أن نقول إن الله تعالى هو الذي روى هذه القصة فننسب إليه الخطأ والاختلاف والتناقض وهو محال لأن الله تعالى منزه عن كل خطأ ، أو نسلم بكون هذه القصة ما رواها إلا أناس عاديون ، لم يروا شيئا ، بل ذكروا ما سمعوه من عامة اليهود ، الذين كانوا وحدهم حاضرين واقعة الصلب ، وأنهم دونوا ما وصل إليهم من المتناقضات بدون فحص أو تدقيق ن وهو الأقرب إلى المعقول ، والذي لا يمكن أن يكون سواه .
إنه لا جدال مطلقا في كون المسيح عليه السلام لم يكتب حادثة الصلب وأنه لا يمكن أن يكون في إنجيله شيء مما حدث بعد صلبه (إن كان قد صلب ، أو سلمنا به جدلا) فكيف تتأتى نسبة هذه الحكاية لله تعالى ، وادعاء أن هذه الرواية من بعض إنجيل المسيح ؟إن ما سقناه من الأخطاء والمتناقضات وسائر الاختلافات ، لم نرد به إلا إثبات وجود الشك في رواية الصلب ، وإننا إذا أضفنا إلى ذلك عدم وصول نبأ الصلب إلينا بالتواتر الخالي من التناقض والاضطراب ، وضح لنا وجوب بحث هذه الحكاية واستخلاص الحقيقة منها .
إن شروط التواتر هو استواء الطرفين فيه والواسطة ، وذلك أن ينقل الجم الغفير عن الجم الغفير عن الذين شاهدوا المشهود به وهو هنا المصلوب ، وعلموا به ضرورة ، حتى إذا اختل شيء من ذلك فلا تواتر مطلقا .إن عندنا من الأسباب ، بل وفي الأناجيل الأربعة التي يؤمن بها نصارى اليوم من البيانات ما يظهر لنا أن الكهنة قد عملوا على القبض على أحد العامة ، لامتناع المسيح عليه السلام عليهم ، وفراره منهم ، وقاموا بصلب هذا الذي شبه لهم وهم يعتقدون أنه المسيح عليه السلام ، وأنهم تواطئوا على الكذب ليدعوا الظفر ، وليوهموا الناس أنهم قدروا على عدوهم وظفروا بخصمهم ، مع اتخاذهم الخطة الحازمة ، واستعدادهم الاستعداد الكافي وإنك لتستطيع تقدير ذلك مما يلي :
أ – تروي الأناجيل المزورة التي يؤمن بها نصارى اليوم أن المسيح عليه السلام حين ذهب الناس للقبض عليه كان في عدد قليل من تلاميذه ، حتى إذا ما هاجمه الذين أرسلوا للقبض عليه " تركه التلاميذ كلهم وهربوا " (إنجيل متى 26 : 56) .وعلى ذلك لا يعلم المسيحيون من هو الذي قبض عليه ، ولا تعتبر شهادتهم لغيابهم.
ب – تروي تلك الأناجيل المزورة الموجودة بين أيدي نصارى اليوم أن اليهود لم يستطيعوا القبض على المسيح نهارا خوفا من أتباعه ، فأخذوه ليلا عند افتراق الناس عند الفصح .
جـ – لم يصلب المقبوض عليه في المكان المعد للصلب ، بل صلب في مكان معزول غير مطروق ، وهو بستان فخاري اشتروه خاصة لذلك (إنجيل متى 27 : 7) .
د – وأنهم لم يتركوا المصلوب غير ست ساعات من النهار ، وقد اهتموا بإخفائه بهذه السرعة ، وادعوا أن أتباعه هم الذين سرقوه .
فنرى أننا نستطيع أن نستخلص من ذلك أن اليهود ما قبضوا على ابن مريم أو صلبوه ، بل المصلوب كان شخصا سواه ، مع علم رؤسائهم بذلك ، وتيقنهم أن المسيح امتنع عليهم ، وأن الله تعالى قد أعماهم عنه .. وصدق الله العظيم إذ يقول : ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ (النساء:157),ولا أرى هنالك ثمة شك في كون الله تعالى ألقى شبه المسيح عليه السلام على سواه ، وظهر ابن مريم بصورة مخالفة حتى بدا غريبا على أصحابه المقربين فسلم وقتل اليهود الشبه ن وأثبت الدليل القطعي على ذلك فيما يلي :
هـ – ثبوت تغير شكل المسيح وهيئته :
لقد ورد في الأناجيل المزورة التي يؤمن بها نصارى اليوم أن المسيح عليه السلام تغير شكله ، وتبدلت هيئته حتى خفي عن أتباعه ، وتعذرت معرفته على أصحابه ، فمن ذلك ما ذكر إنجيل يوحنا من أن مريم المجدلية " التفتت إلى الوراء ، فنظرت يسوع واقفا ولم تعلم أنه يسوع ، قال لها يسوع : يا امرأة لماذا تبكين ؟ من تطلبين ؟ فظنت تلك أنه البستاني فقالت له : يا سيد إن كنت أنت قد حملته فقل لي أين وضعته وأنا آخذه " (يوحنا 20 : 15،14) .
فانظر كيف لم تعرف مريم المسيح عليه السلام ، وقد كانت من أحب النساء إليه (يوحنا 11 : 1 ، 5) وهي التي وصفتها الأناجيل بأنها دهنت قدمي يسوع ومسحت قدميه بشعرها (يو 12 : 3) وهي نفسها التي اتهمتها الأناجيل المحرفة بجريمة الزنا ، وذكرت تلك الأناجيل المزورة أنها أحضرها رؤساء اليهود متلبسة بجريمتها ، فلم يقم المسيح عليه السلام عليها الحد وأحبها كما ذكرت .
وكان كذلك من تغير شكل المسيح عليه السلام ، ما جعله يخفى على أخص أصحابه وتلاميذه ، فقد جاء في إنجيل يوحنا (21 : 1 ، 7) أن المسيح عليه السلام أظهر نفسه للتلاميذ فلم يعرفوه " ولما كان الصبح وقف يسوع على الشاطئ ، ولكن التلاميذ لم يكونوا يعلمون أنه يسوع ، فقال لهم يسوع أيا غلمان ألعل عندكم إداما ؟ أجابوا : لا ، فقال لهم ألقوا الشبكة إلى جانب السفينة الأيمن فتجدوا ، فألقوا ولم يعودوا يقدرون أن يجذبوها من كثرة السمك ، فقال ذلك التلميذ الذي كان يسوع يحبه لبطرس : هو الرب (أي أنه لم يعرفه بشكله بل بالمعجزة) فلما سمع سمعان بطرس إنه ائتزر بثوبه لأنه كان عريانا وألقى نفسه في البحر " .
وقد روى إنجيل لوقا كذلك كيف تغيرت هيئة المسيح عليه السلام قبل حادثة الصلب فقال يحكي عن المسيح عليه السلام : " وفيما هو يصلي صارت هيئة وجهه متغيرة ولباسه مبيضا لامعا وإذا رجلان يتكلمان معه وهما موسى وإيليا ... الخ " (لوقا 9 : 29) .وذكر إنجيل متى (17 : 2،1) ما ترجمته : " وبعد ستة أيام أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا أخاه ، وصعد بهم إلى جبل عال منفردين وتغيرت هيئته قدامهم .