" أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ وَالْبَاطِلَ" (الرعد17)


" أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ   (‏الرعد‏:17) .‏

هذا المثل القرآني الرائع يشبه الباطل الدنيا بالزبد الذي يطفو فوق أسطح السيول المتدفقة بالماء في الأودية الضيقة والواسعة علي حد سواء‏ ,‏ أو بما يشبهه من الزبد الذي يطفو فوق أسطح المعادن الفلزية النفيسة والنافعة حينما يتم صهرها مع بعض المواد لتنقيتها من الشوائب العالقة بها‏ ,‏ وفي الحالتين يتضح أن الزبد الذي يحمله السيل‏ (غثاء السيل‏) ,‏ والزبد الذي يطفو فوق أسطح الفلزات المصهورة‏ (خبث الفلزات‏)‏ لا قيمة لهما‏ ,‏ ولا فائدة في أي منهما‏ ,‏ وكلاهما نهايته النبذ والإلقاء‏ . .‏ وكذلك الباطل‏ ...!!‏
وفي المقابل يشبه هذا المثل القرآني الحق بما يمكث في الأرض مما ينتفع به الناس في الحالتين ‏:‏ ففي حالة السيول الجارية في الأودية ينتفع الناس بمائها ـ والماء سر من أسرار الحياة ـ كما ينتفعون بما يحمله السيل من ثروات معدنية كبيرة تترسب بالتدريج على طول الوادي الذي يندفع فيه السيل‏ ,‏ وذلك مع تباطؤ سرعة جريان الماء المتدفق في الأودية وتناقص قدرته علي الحمل‏ ,‏ فتترسب هذه المعادن كل حسب حجم حبيباته وكثافته النوعية ‏:‏ الأثقل فالأقل كتلة بالتدريج حتى يتم تمايز حمولة تلك السيول من المعادن‏ ,‏ وتركيز كل منها في مناطق محددة من مجاري السيول‏ ,‏ وتعرف هذه الترسيبات المعدنية باسم رسوبيات القرارة‏ (
Placer Deposits) ,‏ وكثير من الثروات الأرضية تتجمع بمثل هذه الطريقة لوجودها أصلا بنسب ضئيلة في صخور الأرض‏ ,‏ ويتم ذلك بتكرار هذه العملية لمرات عديدة عبر آلاف السنين إن لم يكن عبر آلاف بل عشرات الآلاف من القرون‏ ,‏ وهذه حقيقة لم تكن معروفة وقت تنزل القرآن الكريم‏ ,‏ ولا لقرون متطاولة من بعد نزوله‏ ,‏ ولذلك ركز الأقدمون من المفسرين على أن ما يمكث في الأرض بعد ذهاب غثاء السيل‏ (أي زبده‏)‏ جفاء هو الماء‏ ,‏ وما يستفاد به منه في حياة الناس من شرب‏ ,‏ وسقيا للحيوانات‏ ,‏ وري للنباتات والمزروعات‏ ..‏
وفي حالة خامات الفلزات النفيسة منها كالذهب والفضة والبلاتين‏ ,‏ والمفيدة كالحديد والنحاس والرصاص والقصدير وغيرها فإنه يضاف إلى تلك الخامات بعض المواد التي تساعد علي انصهارها‏ ,‏ وعلى تنقيتها مما فيها من شوائب‏ ,‏ وهذه المواد المساعدة من مثل الحجر الجيري‏ ,‏ والرمل‏ ,‏ وثاني أكسيد المنجنيز وغيرها تتحد مع ما بتلك الفلزات من شوائب عند صهرها وتطفو بها فوق سطح الفلز المنصهر مكونة ما يعرف باسم خبث الفلزات‏ ,‏ وهذا الخبث ينفصل تماما عن الفلز المنصهر الصافي‏ ,‏ وحينما يترك ليتبرد يتجمد علي هيئة طبقة زجاجية سوداء‏ ,‏ مليئة بالفقاعات الهوائية‏ ,‏ تشبه إلى حد بعيد غثاء السيل وما يحمل معه من شوائب‏ ,‏ وبانفصال طبقة الخبث يصبح الفلز في درجة عالية من الصفاء والنقاء‏ ,‏ وبهذا يشبه القرآن الكريم الحق في صفائه ونقائه‏ .‏
والتشبيه في الحالتين‏:‏ تشبيه الباطل بالزبد الجافي‏ ,‏ وتشبيه الحق بما يمكث في الأرض فينتفع به الناس جاء على قدر من الدقة اللغوية والعلمية‏ ,‏ والإحاطة والشمول بالمعني المقصود لم تكن متوافرة لأحد من الخلق وقت تنزل القرآن الكريم ولا لأكثر من عشرة قرون بعد تنزله‏ ..‏ مما يقطع بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق‏ ,‏ ويشهد بالنبوة والرسالة للنبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقاه‏ (صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏) .‏
فمن الأمور الثابتة اليوم أن دورا من الأدوار المنوطة بماء الأرض ـ والماء أصلا هو سر من أسرار الحياة ـ منذ اللحظة الأولى لانبثاقه من داخل الأرض إلى خارجها‏ (خلال فترة دحوها‏)‏ وبدأ دورته حول الأرض هو شق المجاري المائية والأودية‏ ,‏ وتسوية سطح الأرض‏ ,‏ والتعاون على تعرية الصخور ونحتها‏ ,‏ وتفتيت مكوناتها‏ ,‏ وإذابة ما يقبل الذوبان من تلك المكونات وحمله إلى مياه البحار والمحيطات‏ ,‏ وترك الباقي على هيئة تربة الأرض‏ ,‏ أو حمله أيضا إلى البحار والمحيطات والبحيرات والمنخفضات على هيئة الرسوبيات التي تتضاغط تدريجيا لتكون الصخور الرسوبية‏ .‏
ومن المعروف أن صخور الأرض تتكون من المعادن‏ ,‏ وأن تلك المعادن تتباين في تركيبها الكيميائي‏ ,‏ وفي صفاتها الفيزيائية‏ (الفطرية‏)‏ فمنها ما يتحمل عمليات التعرية ويقاومها فيبقي لفترة طويلة‏ ,‏ ومنها ما لا يقوى على ذلك فيبلي بسرعة فائقة‏ ,‏ ومنها ما هو عالي الكثافة فيرسب في الماء‏ ,‏ ومنها ما هو أقل كثافة من الماء فيحمله الماء إلى مسافات بعيدة ويظل عالقا به لفترات طويلة‏ ,‏ وحينما تحمل السيول الجارفة هذا الفتات الصخري منحدرة به من قمم الجبال الشاهقة إلى سفوحها الهابطة والسهول المحيطة بها‏ ,‏ قد تنتهي به إلى قيعان البحار والمحيطات أو إلى دالات داخلية في قلب السهول والسهوب الصحراوية‏ ,‏ وتقوى السيول على حمل الفتات الصخري طالما كانت مندفعة بسرعات عالية‏ ,‏ ولكن حينما تضعف سرعة التيار المائي تتناقص قدرته علي حمل الفتات الصخري فيبدأ في ترسيبه في مجري الوادي الذي يتحرك فيه السيل بالتدريج حسب كتلة ما يحمل من فتات‏ ,‏ وبهذه الطريقة يتمايز هذا الفتات الصخري حسب حجم حبيباته‏ ,‏ والكثافة النوعية لكل منها‏ ,‏ فالمعادن ذات الكثافة العالية والحبيبات الخشنة تترسب أولا‏ ,‏ ويليها بالتدريج المعادن ذات الكثافة الأقل وحجم الحبيبات الأدق‏ ,‏ وتؤدي عملية التمايز إلى تركيز عدد من جواهر الأرض كالألماس والياقوت والزمرد‏ ,‏ والزبرجد والعقيق والفيروز وغيرها وعدد من الخامات الفلزية النفيسة من مثل الذهب والفضة والبلاتين وغيرها والنافعة من مثل الحديد والنحاس والرصاص والقصدير والزنك والمنجنيز والكروم والنيكل وغيرها‏ ,‏ علي هيئة تجمعات رسوبية في قيعان الأودية التي مرت بها تلك السيول‏ ,‏ ولعل هذا هو من دلالات قول الحق تبارك وتعالى ‏: ....‏ وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض‏ ..‏ وليس الماء فقط كما تصور السابقون من المفسرين‏ ..‏
كذلك في قول الحق‏ (سبحانه وتعالى ‏) " :..
فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ‏ .. ‏" نرى أنه بالإضافة إلى حجم الوادي ضيقا وسعة‏ (وبالتالي قلة في كم الماء المندفع فيه وكثرة‏)‏ لعل من المقصود أيضا هو الطريق الذي يسلكه الماء مارا بمناطق ممعدنة أو غير ممعدنة؟ وبأي نوع وقدر من التمعدن؟ لأن هذا من تقدير الله كما نوعا‏ . أما المواد الخفيفة والغثائية التي تحملها فقاقيع الهواء المتكونة بسبب سرعة اندفاع الماء في الوادي علي هيئة زبد السيل أو غثائه‏ ,‏ فيتكون من الأتربة الدقيقة‏ ,‏ وبقايا المعادن المسحوقة أو الرقيقة‏ ,‏ والقش‏ ,‏ وغيره من فتات النباتات‏ ,‏ مما لا قيمة له‏ ,‏ ولا نفع منه‏ ,‏ ولذا يجمع تحت اسم غثاء السيل ويعبر به عن كل تافه وحقير‏ .‏ويحمل السيل غثاءه فوق سطح مائه حتى يلقي به علي جوانب الوادي أو دلتاه الداخلية أو في عرض البحر فلا يكاد يبقي له من أثر‏ ..!!‏
وعلى ذلك فإن عوامل التعرية ـ وبخاصة الماء‏ (سائلا ومتجمدا‏)‏ ـ قد لعبت‏ ,‏ ولا تزال تلعب‏ ,‏ دورا مهما في تهيئة الأرض لكي تكون صالحة للعمران‏ ,‏ ومن أهم هذه الأدوار ـ بالإضافة إلى كون الماء مصدرا من مصادر الحياة وسرا من أسرار الله فيها ـ هو دور الماء في تفتيت الصخور‏ ,‏ وتكوين التربة والرسوبيات المختلفة‏ ,‏ وفرز ما فيها من معادن غير قابلة للذوبان في الماء‏ ,‏ ومقاومة لعمليات البري والتفتيت‏ ,‏ وتركيزها عبر نقلها من مكنوناتها في داخل الصخور بعد تفتيتها‏ ,‏ وحملها بواسطة السيول‏ ,‏ وترسيبها في مجاري الأودية والأنهار ودالاتها‏ ,‏ وعلى شواطئ البحار وفي مستنقعاتها‏ ,‏ مع تباطؤ سرعة جريان السيل‏ ,‏ وتناقص قدرة الماء على الحمل‏ ,‏ ومن هنا كانت تسمية تلك الرسوبيات باسم رسوبيات القرارة‏ ,‏ أما على شواطئ البحار فتقوم عمليات المد والجزر بحمل الخفيف من المعادن وتركيز الثقيل منها على الشواطئ تحت مسمى الرمال السوداء‏ .‏
ويعد كل من الذهب والفضة والقصدير من الثروات الأرضية المهمة التي تركز في رسوبيات القرارة‏ ,‏ وتستخرج من رواسب الأودية‏ ,‏ ومن قيعان ودالات بعض الأنهار‏ ,‏ ولذا تعتبر رسوبيات القرارة من المصادر التعدينية الهامة والميسرة على وجه الأرض‏ .‏
وقد قامت السيول المائية في القديم ـ ولا تزال تقوم ـ بإزالة ما بطريقها من نباتات‏ ,‏ وحملها إلى عدد من البحيرات الداخلية‏ ,‏ والمستنقعات‏ ,‏ وشواطئ البحار‏ ,‏ حيث تم طمرها بالرسوبيات‏ ,‏ وتفحمها بمعزل عن الهواء مكونة طبقات من الفحم ذات القيمة الاقتصادية العالية‏ ,‏ وبزيادة الحرارة على تلك الطبقات الفحمية في بعض المناطق تحولت إلى الغاز الطبيعي‏ ,‏ وهو أيضا ذو قيمة اقتصادية عالية‏ .‏
كذلك فإن العديد من صور الحياة الهائمة والسابحة في مياه البحار وفي دالات الأنهار‏ ,‏ تهبط حين تموت إلى قيعان البحار حيث تطمر بالرسوبيات‏ ,‏ وتدفن في الأعماق‏ ,‏ فتتحلل تلك البقايا مكونة كلا من النفط والغاز المصاحب له‏ ,‏ واللذين لا تخفى أهميتهما اليوم على عاقل‏ .
أما ما يحمل ماء السيول من عناصر ومركبات مذابة فيه فإنها تترسب أيضا بالتفاعلات الكيميائية في مجاري الأودية والأنهار ودالاتها‏ ,‏ وفوق قيعان البحار والبحيرات على هيئة عدد من الركازات المعدنية المهمة التي منها ‏:‏ الحجر الجيري‏ ,‏ الفوسفات‏ ,‏ البوتاس‏ ,‏ الكبريت‏ ,‏ الملح‏ ,‏ الجبس‏ ,‏ الأنهيدرايت‏ ,‏ البوكسايت‏ (ثالث أكسيد الألومنيوم‏) ,‏ الماجنيزايت‏ (كربونات المغنيسيوم‏)‏ وغيرها‏ .‏ولعل هذا كله مما يمكن ضمه تحت مدلول النص القرآني المعجز‏ . .‏ وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال‏ .‏
هذه الدقة في التعبير‏ ,‏ والشمول والإحاطة في الدلالة على عدد من العمليات الأرضية التي لم يصل الإنسان إلى فهمها إلا بعد مجاهدة استغرقت عشرات الآلاف من العلماء لمئات السنين‏ ..‏ ورودها في كتاب الله الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة من السنين بهذا الأسلوب المعجز ـ وقد جاءت في مقام التشبيه مما يشهد للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه‏ ..‏
ويشهد للنبي الخاتم الذي تلقاه بأنه كان موصولا بالوحي‏ ,‏ ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض‏ ..‏ فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين‏ .‏