" هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ " (يونس:5).


هذه الآية الكريمة جاءت في بدايات سورة يونس‏ ,‏ وهي سورة مكية‏ ,‏ آياتها ‏109‏ بدون البسملة‏ ,‏ وقد سميت باسم نبي الله يونس‏ ـ‏ على نبينا وعليه من الله السلام ـ ؛‏ وذلك لورود ذكره‏ ,‏ وذكر قومه‏ ,‏ وقبول الله لتوبتهم‏ ,‏ ورفعه العذاب عنهم بعد أن كاد يقع بهم‏ ,‏ وفي ذلك دعوة للعاصين أن يتداركوا أنفسهم بتوبة نصوح إلى رب العالمين قبل فوات الأوان ‏...!!‏
والمحور الرئيسي للسورة يدور حول قضية الإيمان بالله رباً‏ ,‏ واحداً‏ ,‏ أحداً‏ ,‏ بغير شريك ولا شبيه ولا منازع‏ ,‏ وبالإسلام ديناً واحداً‏ ,‏ أنزله الله ـ تعالي ـ على فترة من الرسل‏ ,‏ وأتمَّه وأكمله في بعثة النبي الخاتم والرسول الخاتم سيدنا محمد بن عبد الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ ,‏ والذي لا يكمل إيمان العبد بالله إلا أن يؤمن بنبوة هذا الرسول الخاتم وبرسالته‏ ,‏ وبالكتاب الذي أُنزل إليه‏ ,‏ وبكافة كتب الله السابقة ورسله وأنبيائه السابقين‏ ,‏ وبالبعث‏ ,‏ والحساب‏ ,‏ والجنة والنار‏ ,‏ وكلها من ركائز العقيدة الإسلامية‏ .‏
وتخص سورة يونس الإيمان بالقرآن الحكيم على أنه ركيزة الركائز في قضية الدين‏ ,‏ وذلك بصفته آخر الكتب السماوية‏ ,‏ وأتمها‏ ,‏ وأكملها‏ ,‏ والكتاب الوحيد من بينها الذي تعهد ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ‏ بحفظه فحُفظ كلمة كلمة‏ ,‏ وحرفاً حرفاً بنفس لغة وحيه‏ ـ‏ اللغة العربية‏ ـ‏ على مدى أربعة عشر قرنا أو يزيد‏ ,‏ وإلى أن يرث الله‏ ـ تعالى ـ‏ الأرض ومن عليها‏ ,‏ ليبقى معجزة هذه الرسالة الخاتمة إلى قيام الساعة‏..!!!‏ واستهلت سورة يونس بالحروف المقطعة الثلاث‏
"‏ الـر ‏" ,‏ والحروف المقطعة التي جاءت في مطلع تسع وعشرين سورة من سور القرآن الكريم ، وتضم أسماء نصف عدد حروف الهجاء العربية الثمانية والعشرين‏ ,‏ تعتبر من أسرار القرآن الكريم التي لم تُكتشف بعد‏ ,‏ وإن كانت هناك محاولات عديدة بُذلت من أجل ذلك‏ ,‏ وإن اكتفى البعض بتفويض الأمر فيها إلى الله ‏.‏
وبعد هذا الاستهلال تشير سورة يونس إلى القرآن الكريم بقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ :‏ "
الـر تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ الحَكِيمِ " ‏ (يونس‏:1)‏ ، ثم تتعجب الآيات من استنكار كفار مكة لاختيار الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ لرجل منهم كي يحمل رسالة الله الخاتمة إلى العالمين‏ ,‏ فاتهموه‏ ـ‏ شرَّفه الله تعالى ـ‏ بالسحر‏ ـ تماماً كما يتهمه كفار اليوم وملاحدته ومشركوه‏ ـ ..!‏

وتؤكد سورة يونس في سياقها أن إرسال الرسل وإنزال الرسالات سنة من سنن الله في خلقه‏ ,‏ كما قال‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ في سورة فاطر مُخاطِباً خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ .
" إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ "‏ (فاطر‏:24)‏ .
وتؤكد السورة الكريمة أن الله‏ ـ تعالى‏ ـ هو خالق السماوات والأرض‏ ,‏ وخالق كل شيء‏ ,‏ ومن ثم فهو ـ سبحانه ـ المُستحق للخضوع له بالعبادة والطاعة وحده لأنه‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ هو الخالق‏ ,‏ الرازق‏ ,‏ المحيي‏ ,‏ المميت‏ ,‏ وهو الذي إليه مرجع كل الخلائق‏ ,‏ ثم يوفيهم حسابهم كلٌ بحسب عمله في هذه الحياة‏ .‏

وتستشهد سورة يونس بعدد من آيات الله في الآفاق وفي الأنفس على ألوهيته‏ ,‏ وربوبيته‏ ,‏ ووحدانيته‏ ,‏ وعلى طلاقة قدرته في إبداعه لخلقه‏ ,‏ وكمال حكمته في تدبير كل أمر من أمور هذا الخلق ‏.
‏ وتعرض السورة الكريمة في أكثر من موقع منها إلى الفوارق الهائلة بين كلٍ من المؤمنين والكافرين‏ ,‏ وبيَّن مصائرهم في يوم الدين‏.‏ وتصف جانباً من جوانب النفس البشرية في حالات الرخاء والشدة‏ ,‏ وتحذِّرهم من بأس الله الذي يأتي بغتة‏ ,‏ وتذكر بهلاك أقوام من القرون البائدة لما ظلموا وتجاوزوا حدود ما شرع الله‏ ,‏ وتشير إلى تلقي كفار قريش للقرآن الكريم بشيء من الصلف‏ ,‏ والكبر‏ ,‏ والرفض‏ ,‏ والمناوأة‏ ـ‏ تماماً كما يفعل كفار اليوم وملاحدته ومشركوه‏ ـ ، وإلى إصرارهم على الشرك بالله‏ ـ‏ تماماً كما يفعل مشركو اليوم‏ ـ ,‏ وتذكرهم بيوم القيامة‏ ,‏ وبحتمية الرجوع إلى الله‏ ـ‏ تعالى ـ ,‏ وبالوقوف بين يديه للحساب‏ ,‏ وتهوِّن من أمر الدنيا وتحذِّر من أهوال الآخرة‏ ,‏ وتذكِّر بأن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ هو رب هذا الكون ومليكه ومُدبِّر أمره‏ ,‏ وأنه‏ ـ سبحانه‏ ـ‏ هو الرزاق ذو القوة المتين ‏.‏
وتعرض السورة الكريمة لموقف مشركي الجزيرة العربية، وهو نفسه موقف مشركي اليوم‏ ,‏ من رسالة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ ,‏ وترد على الذين ادعوا ـ والذين لا يزالون يدعون كذباً ونفاقاً وزوراً ـ أن الرسول الخاتم هو الذي كتب القرآن الكريم‏ ,‏ مُؤكِّدة أن هذا الذكر الحكيم لا يمكن أن يُفترى‏ ,‏ أي لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏ ,‏ وأنه جاء مُصدِّقاً لما أُنزل قبله من كتب سماوية‏ ,‏ ومُهيمِناً عليها بكماله وتمامه وحفظه‏ ,‏ وأنه يحوي تفاصيل الدين كما أنزله رب العالمين‏ ,‏ وفي ذلك يرد القرآن الكريم على هؤلاء الأفَّاكين باستفهام استنكاري تقريعي يقول فيه ربنا ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏
" أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ " (يونس‏:38)‏ .
وتؤكد هذه السورة الكريمة أن من الناس من يؤمن بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق‏ ,‏ وأن منهم من لا يؤمن بذلك‏ ,‏ وأن الله ‏ـ‏ تعالى ـ‏ الذي أنزله هو أعلم بالمفسدين‏ .‏ كذلك تعرض سورة يونس لمواقف الكافرين من مشاهد الآخرة‏ ,‏ وتلوم الذين يتجرأون على الله ـ تعالى ـ بالتحليل والتحريم دون إذن منه‏ ـ سبحانه وتعالى ـ ,‏ كما ترد على الذين يدَّعون على الله‏ ـ تعالى ـ أنه قد اتخذ ولدا‏ًً ـ‏ تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا‏ً ـ بهذا الرد الإلهي القاطع‏ :‏
" قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ . قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ . مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إلىنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ " ‏(يونس‏:68‏-‏70)‏ .
ولبيان سنة الله في نصرة المؤمنين وإهلاك الكافرين‏ ,‏ أوردت سورة يونس جوانب من قصص عدد من أنبياء الله، وتفاعل أقوامهم معهم من مثل نوح‏ ,‏ وموسى‏ ,‏ وهارون‏ ,‏ ويونس ـ على نبينا وعليهم من الله السلام‏ ـ .‏
وتختتم السورة الكريمة بتوصية رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بالتمسك بشريعة الله‏ ,‏ والصبر على ما يمكن أن يلقى من أذى في سبيل ذلك‏ ,‏ والخطاب مُوجَّه إلى كل مسلم سائر على خطي رسول الله‏ ,‏ وإلى كل مسلمة إلى يوم الدين‏ ,‏ لأن هذا الطريق ما سلكه أحد إلا ولقي من العنت ما لقيه رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ وصحابته الكرام‏ ,‏ ويلقاه الدعاة إلى يوم الدين‏ ,‏ ولذلك يأتي ختام السورة بهذه الدعوة المُبارَكة‏ :‏
" قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ . وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إليكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ " ‏(‏يونس‏:109,108)‏ .

الآيات الكونية التي استشهدت بها سورة يونس عديدة نوجزها فيما يلي‏ :‏
‏(1)‏ خلق السماوات والأرض في ستة أيام‏ ـ‏ أي في ست مراحل متتالية‏ ـ .‏
‏(2)‏ أن الله ـ تعالى ـ هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده‏ .‏
‏(3)‏
" هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ‏ " .
‏(4)‏
" لَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ " ‏.‏
‏(5)‏ هو الذي وهب السمع والبصر وقدم خلق الأول على الآخر، و يُخرج الحي من الميت ، ويُخرج الميت من الحي ويدبر الأمر)‏ .‏
‏(6)‏ وصف الليل بأنه للسكن ووصف النهار بأنه مُبصِر ‏.‏
‏(7)‏ الإشارة إلى مثقال الذرة، وإلى أن هناك ما هو أصغر وما هو أكبر منه ‏.‏
‏(8)‏ الإشارة إلى نجاة فرعون ببدنه ليكون لمن خلفه آية‏ .‏
‏(9)‏ التحدي بالقرآن الكريم ، وبعجز الخلق أجمعين عن أن يأتوا بسورة من مثله‏ .‏
وسوف نقتصر هنا على مناقشة النقطة الثالثة فقط من هذه القائمة الطويلة‏ ,‏ وقبل الدخول في ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين في شرح هذه الآية الكريمة‏ .

من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله ـ تعالى ـ :‏ " هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ‏" (يونس‏:5) .‏
ذكر ابن كثير‏ ـ‏ يرحمه الله‏ ـ‏ ما نصه ‏:‏ " يخبر ـ تعالى ـ عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه‏ ,‏ وأنه جعل الشعاع الصادر عن جرم الشمس ضياء‏ ,‏ وجعل شعاع القمر نوراً‏ ,‏ هذا فن وهذا فن آخر‏ ,‏ ففاوت بينهما لئلا يشتبها‏ ,‏ وجعل سلطان الشمس بالنهار‏ ,‏ وسلطان القمر بالليل‏ ,‏ وقدَّر القمر منازل‏ ,‏ فأول ما يبدو صغيرا‏ًً ,‏ ثم يتزايد نوره وجرمه حتى يستوسق ويكمل إِبْدَارَهُ‏ ,‏ ثم يشرع في النقص حتى يرجع إلى حالته الأولى في تمام شهر‏ ,‏ كقوله ـ تعالى ـ‏ :
" وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ القَدِيمِ " (يس آية:39) ،‏ وقوله ـ تعالى ـ ‏: "‏ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً " , (‏وقدَّره‏)‏ أي القمر "‏ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ "فبالشمس تُعرف الأيام‏ ,‏ وبسير القمر تُعرف الشهور والأعوام‏ , "‏ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ ‏"‏ أي لم يخلقه عبثاً، بل له حكمة عظيمة في ذلك وحجة بالغة‏ ,‏ كقوله ـ تعالى ـ : " وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً " (ص آية:27) ,‏ وقال ـ تعالى ـ : "‏ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إلينَا لاَ تُرْجَعُونَ " (المؤمنون:115) ,‏ وقوله ‏: "‏ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ " ـ أي نبين الحجج والأدلة ـ‏ "‏ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ‏" ..‏
وجاء في تفسير الجلالين‏ ـ رحم الله كاتبيه برحمته الواسعة ـ‏ ما نصه‏ :
"‏ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً ‏" ذات ضياء‏ ... " وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ ‏" من حيث سيره‏ "‏ منازل‏ "‏ ثمانية وعشرين منزلاً في ثمان وعشرين ليلة من كل شهر‏ ,‏ ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوماً‏ ,‏ أو‏:‏ ليلة إن كان تسعة وعشرين يوما‏ًً " لتعلموا‏ " بذلك ‏" عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ‏"‏ المذكور ‏"‏ إِلاَّ بِالْحَقِّ ‏" لا عبثا‏ًً ـ‏ تعالى عن ذلكـ "‏ يُفَصِّلُ ‏"‏ بالياء والنون‏:‏ يبين ‏"‏ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ "‏ يتدبرون ‏.‏
‏ وذكر صاحب الظلال‏ ـ‏ رحمه الله رحمة واسعة‏ ـ‏ ما نصه ‏:‏
"‏ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً ‏"‏ فيها اشتعال . "‏ وَالْقَمَرَ نُوراً ‏" ..‏ فيه إنارة . "‏ وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ ‏"‏ ينزل في كل ليلة منزلاً يكون فيه علي هيئة خاصة‏ ,‏ كما هو مشهود في القمر ... "‏ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ "..‏ ولا تزال المواقيت والمواعيد تُضبط بالشمس والقمر لكافة الناس ‏.‏ هل هذا كله عبث؟ هل هذا كله باطل؟ هل هذا كله مصادفة؟ كلا لا يكون كل هذا النظام‏ ,‏ وكل هذا التناسق‏ ,‏ وكل هذه الدقة التي لا تتخلف معها حركة‏ ,‏ لا يكون هذا كله عبثاً ولا باطلاً ولا مصادفة عابرة : "‏ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ ‏" ..‏ الحق قوامه‏ ,‏ والحق أداته‏ ,‏ والحق غايته‏ ,‏ والحق ثابت راجح راسخ‏ ,‏ وهذه الدلائل التي تشهد به واضحة قائمة دائمة ‏: "‏ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ "..‏ فالمشاهد التي تعرض هنا في حاجة إلى العلم لإدراك التدبير الكامن وراء المشاهد والمناظر ‏.‏
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏ ـ رحم الله كاتبه برحمته الواسعة‏ ـ ما نصه‏ :
"‏ جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً ‏"‏ شروع في بيان أدلة كمال قدرته ـ تعالى ـ وعظيم حكمته وتدبيره‏ ,‏ رداً علي مُنكِري البعث ‏.‏ أي هو الذي جعل الشمس ذات ضياء في النهار‏ ,‏ والقمر ذا نور في الليل‏ ,‏ وقدَّر سير القمر في منازله الثمانية والعشرين في كل شهر‏ ,‏ تقديراً بديعاً مُحكَماً‏ ,‏ ليعرف بذلك ابتداء الشهور والسنين وانتهاءها وعددها والحساب بالأوقات من الأشهر والأيام‏ .‏ وبذلك تنتظم مصالح في العبادات والمعاملات وسائر الشئون المعاشية‏ .. " وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً " يتعاقبان دائما بحسب طلوع الشمس وغروبها‏ ,‏ ويتفاوتان بحسب الأمكنة طولاً وقصراً ‏. "‏ وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ ‏"‏ صير القمر ذا منازل يسير فيه ا‏.‏
وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ ـ جزاهم الله خير الجزاء ـ‏ ما نصه‏ : "‏ وربكم الذي خلق السماوات والأرض والذي جعل الشمس تشع الضياء‏ ,‏ والقمر يرسل النور‏ ,‏ وجعل للقمر منازل ينتقل فيها‏ ,‏ فيختلف نوره تبعا لهذه المنازل‏ ,‏ لتستعينوا بهذا في تقدير مواقيتكم‏ ,‏ وتعلموا عدد السنين والحساب‏ ,‏ وما خلق الله ذلك إلا بالحكمة‏ ,‏ وهو ـ سبحانه ـ يبسط في كتابه الآيات الدالة على ألوهيته، وكمال قدرته لكي تتدبروها بعقولكم، وتستجيبوا لما يقتضيه العلم‏ .‏
وجاء في تعليق الخبراء بالهامش ما يلي ‏: " ...‏ الشمس جرم سماوي ملتهب مضيء بذاته‏ ,‏ وهو مصدر الطاقات على الأرض ومنها الضوء والحرارة بينما القمر جرم غير مضيء بذاته بل يعكس أو يرد ما يقع عليه من ضوء الشمس فيبدو مُنيراً‏ .‏
وذكر صاحب صفوة التفسير‏ ـ جزاه الله خيرا ـ‏ ما نصه‏ :
" هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً ‏"‏ الآية للتنبيه علي دلائل القدرة والوحدانية، أي هو ـ تعالى ـ بقدرته جعل الشمس مضيئة ساطعة بالنهار كالسراج الوهاج‏ " وَالْقَمَرَ نُوراً ‏" أي وجعل القمر منيراُ بالليل وهذا من كمال رحمته بالعباد‏ ,‏ ولما كانت الشمس أعظم جرماً خصت بالضياء‏؛‏ لأنه هو الذي له سطوع ولمعان .
 قال الطبري ‏: "‏ المعني أضاء الشمس وأنار القمر
‏ "‏ وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ ‏"‏ أي قدر سيره في منازل وهي البروج‏"‏ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ‏" أي لتعلموا أيها الناس حساب الأوقات‏ ,‏ فبالشمس تعرف الأيام‏ ,‏ وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام. "‏ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ ‏"‏ أي ما خلق ـ تعالى ـ ذلك عبثاً بل لحكمة عظيمة‏ ,‏ وفائدة جليلة. " يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ‏" أي يبين الآيات الكونية ويوضحها لقوم يعلمون قدرة الله‏ ,‏ ويتدبرون حكمته‏ ,‏ قال أبو السعود ‏:‏ أي يعلمون الحكمة في إبداع الكائنات‏ ,‏ فيستدلون بذلك على شئون مبدعها ـ جل وعلا‏ ـ . ‏



الدلالة العلمية للآية الكريمة :
أولاً‏:‏ في التفريق بين كلٍ من الضياء والنور ‏:‏
الضوء‏ (‏الضياء‏)‏ هو الجزء المرئي من الطاقة الكهرومغناطيسية‏ (‏الكهربية ‏/‏ المغناطيسية‏)‏، والتي تتكون من سلسلة متصلة من موجات الفوتونات التي لا تختلف عن بعضها البعض إلا في طول موجة كل منها‏ ,‏ وفي معدل ترددها‏.
وتتفاوت موجات الطيف الكهرومغناطيسي في أطوالها بين جزء من مليون مليون جزء من المتر بالنسبة إلى أقصرها وهي أشعة جاما‏ ,‏ وبين عدة كيلومترات بالنسبة إلى أطولها وهي موجات الراديو ‏(‏المذياع أو الموجات اللاسلكية‏) ,‏ ويأتي بين هذين الحدين عدد من الموجات التي تترتب حسب تزايد طول الموجة من أقصرها إلى أطولها‏ :‏ الأشعة السينية‏ ,‏ والأشعة فوق البنفسجية‏ ,‏ والضوء المرئي‏ ,‏ والأشعة تحت الحمراء‏ .‏
وعين الإنسان لا تستطيع أن تلتقط من هذه الموجات سوى الضوء المرئي ـ أطوال تتراوح بين ‏7000 ,4000‏ أنجستروم ـ‏ والأنجستروم يساوي جزءاً من عشرة بلايين جزء من المترـ‏ وطول الموجة يتناسب تناسباً عكسياً مع ترددها‏ ـ‏ أي عدد مرات ارتفاع الموجة وانخفاضها في الثانية الواحدة‏ ـ ,‏ وحاصل ضرب هاتين الكميتين يساوي سرعة الضوء‏ ـ ‏حوالي‏300 ,000‏ كيلو متر في الثانية‏ ـ،‏ وموجات الضوء المرئي أسرع من موجات الراديو بحوالي بليون مرة‏ ,‏ وبالتالي فإن أطوال موجاتها أقصر ببليون مرة من أطوال موجات الراديو ‏.‏

والضوء الأبيض هو عبارة عن خليط من موجات ذات أطوال محددة عديدة متراكبة على بعضها البعض‏ ,‏ ويمكن تحليلها بإمرارها في منشور زجاجي أو غير ذلك من أجهزة التحليل الطيفي‏ ,‏ وقد أمكن التعرف على سبع من تلك الموجات، أقصرها هو الطيف البنفسجي‏ ـ ويقترب طول موجته من‏4000‏ أنجستروم‏ ـ ,‏ وأطولها هو الطيف الأحمر ‏ـ‏ ويقترب طول موجته من‏7000‏ أنجستروم‏ ـ ,‏ وبينهما البرتقالي‏ ,‏ والأصفر‏ ,‏ والأخضر‏ ,‏ والأزرق‏ .‏ وغير ذلك من الألوان المُتدِّرجة في التغير فيما بين تلك الألوان السبع‏ ,‏ وإن كانت عين الإنسان لا تستطيع أن تميز منها سوي هذه الألوان السبعة‏ .‏
وتنتج طاقة الشمس من عملية الاندماج النووي ، والتي يتم فيها اتحاد أربعةٍ من نوى ذرات الأيدروجين لتنتج نواة واحدة من نوى ذرات الهيليوم‏ ,‏ وينطلق الفرق بين مجموع كتلة الأربع نوى لذرات الإيدروجين وكتلة نواة الهيليوم علي هيئة طاقة‏ (‏تساوي‏0 ,0282‏ وحدة ذرية لكل تفاعل‏)‏ وهذه الطاقة الناتجة عن تلك العملية يكون أغلبها على هيئة أشعة جاما‏ (‏حوالي ‏96%)‏، وجزء قليل علي هيئة النيوترينوات‏
  (Neutrinos)  ـ‏ في حدود ‏4% ـ ,‏ وسُرعان ما تتحول أشعة جاما إلى حرارة، بينما تهرب النيوترينوات في الحال وتفقد‏ .

وتشير الدراسات الشمسية إلى أن هذا النجم المتواضع قد بدأ بتركيب كيميائي يغلب عليه عنصرا الإيدروجين‏ (‏حوالي‏90%) ,‏ والهيليوم‏ (‏حوالي ‏9%)‏ مع آثار طفيفة من عناصر أخرى مثل الكربون‏ ,‏ النتروجين والأوكسجين‏ (‏في حدود ‏1%) .‏
وبالتركيز التجاذبي لتلك الكتلة الغازية بدأت درجة حرارتها في الارتفاع‏ ,‏ وعند وصول الحرارة إلى المليون درجة مئوية بدأت عملية الاندماج النووي في التفاعل، وانطلقت الطاقة النووية للشمس التي رفعت درجة حرارة لبها إلى أكثر من ‏15‏ مليون درجة مئوية‏ ,‏ ورفعت درجة حرارة سطحها إلى ستة آلاف درجة مئوية‏.‏
وعملية الاندماج النووي في داخل الشمس عملية معقدة للغاية ، ولا داعي للدخول في تفاصيلها هنا حتى لا يغيب عنا الهدف من هذا المقال‏ ,‏ ولكن محصلة هذه العملية هي الارتفاع بنسبة الهيليوم في قلب الشمس من ‏9%‏ إلى حوالي ‏30% ,‏ وإنتاج طاقة الشمس المتمثلة في الطيف الكهرومغناطيسي‏ ,‏ الذي زود الأرض وغيرها من أجرام المجموعة الشمسية بأغلب الطاقة التي تحتاجها ‏.‏
والطيف المرئي من مجموعة أطياف الطاقة الكهرومغناطيسية المنطلقة من الشمس هو المعروف باسم ضوء الشمس‏ ,‏ وعلى ذلك فالضوء عبارة عن تيار من الفوتونات المنطلقة من جسم مُشتعِل‏ ,‏ مُلتهِب‏ ,‏ مُتوقِّد بذاته سواء كان ذلك بفعل عملية الاندماج النووي ـ كما هو حادث في داخل الشمس‏ ,‏ وفي داخل غيرها من نجوم السماء ـ‏ ,‏ أو من جسم مادي يستثار فيه الإليكترونات بعملية التسخين الكهربائي أو الحراري‏ ,‏ فيقفز الإليكترون من مستوى عالٍ في الطاقة إلى مستوى أقل‏ ,‏ والفارق بين المستويين هو كمية الطاقة المنبعثة ‏(QuantumEnergy)علي هيئة ضوء وحرارة‏ ,‏ وتكون سرعة تردد موجات الضوء الناشئ مُساوِية لسرعة تحرك الشحنات المتذبذبة بين مستويات الذرة المختلفة من مثل الإليكترونات‏ .‏
وعلى ذلك فإن مصادر الضوء هي أجسام مادية لها حشد هائل من الجسيمات الأولية المُستثارة بواسطة رفع درجة الحرارة من مثل الإليكترونات وغيرها من اللبنات الأولية للمادة‏ ,‏ وأهم مصادر الضوء بالنسبة لنا‏ ـ‏ أهل الأرض‏ ـ‏ هي الشمس ، ووقودها هو عملية الاندماج النووي‏ .‏
والمصابيح الكهربائية تنتج الضوء عن طريق تسخين سلك من معادن الإشعاع‏ ,‏ وكلما ارتفعت درجة الحرارة زادت كمية الضوء المشع وارتفعت معدلات تردد موجاته‏ .‏

وبنفس الطريقة يحترق فتيل السراج بإشعاله بواسطة احتراق الزيت ‏(‏من مثل زيت الزيتون‏)‏ ، أو النفط‏ (الكيروسين‏)‏، أو الكحول ، فيشع بواسطة الترددات التي يمتصها‏ ,‏ وكلما ارتفعت درجة حرارته زادت قدرته على إشعاع الضوء‏ ,‏ وذلك بزيادة كمية الضوء الصادر منه‏ ,‏ وارتفاع معدلات تردده ‏.‏
وعلى ذلك فإن الجسم المادي عندما يسخن فإنه يشع بمقدار الطاقة التي يمتصها برفع درجة حرارته بأية واسطة متاحة‏ .‏

وتختلف الصفات البصرية للمواد في درجات الحرارة الفائقة‏ ,‏ وذلك لأن ذبذبة أي من الفوتونات أو الإليكترونات تتم بعنف شديد، فتتداخل موجات الطيف الكهرومغناطيسي ‏(‏ومنها موجات الضوء المرئي‏)‏ مع بعضها البعض تداخلاً كبيراً مما يؤدي إلى حدوث الكثير من الظواهر غير المُتوقَّعة‏ ,‏ وذلك لأن الموجات الكهرومغناطيسية مرتبطة ارتباطاً وثيقا بمصادرها وكواشفها ‏.‏
وضوء الشمس عند مروره في الطبقات الدنيا من الغلاف الغازي للأرض يتعرض للعديد من عمليات الامتصاص والتشتت والانعكاس على كلٍ من هباءات الغبار‏ ,‏ وقطيرات الماء وبخاره‏ ,‏ وجزيئات الهواء الموجودة بتركيز عالٍ نسبياً في هذا الجزء من الغلاف الغازي للأرض، فيظهر بهذا اللون الأبيض المُبهِج الذي يميز فترة النهار ‏.

كذلك يتعرض ضوء الشمس للعديد من عمليات التشتت والانعكاس عندما يسقط علي سطح القمر المكسو بالعديد من الطبقات الزجاجية الرقيقة ، والناتجة عن ارتطام النيازك بهذا السطح‏ ,‏ والانصهار الجزئي للصخور علي سطح القمر بفعل ذلك الارتطام‏ .‏ فالقمر‏ ـ وغيره من أجرام مجموعتنا الشمسية‏ ـ‏ هي أجسام مُعتِمة باردة لا ضوء لها، ولكنها يمكن أن تري لقدرتها على عكس أشعة الشمس فيبدو منيرا‏ ,‏ وهذا هو الفرق بين ضوء الشمس ونور القمر ‏.‏ فنور القمر ناتج عن تشتيت ضوء الشمس على سطحه بواسطة القوى التي يبذلها الحقل الكهرومغناطيسي على الشحنات الكهربية التي تحتويها كل صور المادة ‏.‏ فالحقل الكهرومغناطيسي المتذبذب لضوء الشمس الساقط يحدث قوة دورية ضاغطة على كل شحنة إليكترونية مما يجعلها تقوم بحركة متناسقة مع تردد موجات الطيف الأبيض‏ .‏
ومن الثابت علمياً أن شحنة متذبذبة تشع في جميع الاتجاهات‏ ـ فيما عدا اتجاه حركتها‏ ـ‏ مما يبرر عمليات تشتت الضوء‏ ,‏ وهي عمليات تعتمد علي عدد وحجم‏ ,‏ وبنية‏ ,‏ وهيئة واتجاهات‏ ,‏ وتفاعل كل من الجسيمات القائمة بمثل هذه العمليات من التشتت مع بعضها البعض‏ ,‏ والصفات الحرارية ‏/‏ الديناميكية للوسط الذي تتشتت فيه‏ .‏
 ومن المعروف أن تردد الضوء الساقط يتفق تماما مع تردد الشعاع الساقط مع تباعد قليل بين خطوط الأطياف المختلفة بسبب حركة الجسم المشتت للضوء الساقط عليه‏ ,‏ ولذلك تأتي خطوط أطياف الشعاع المُشتت بشكل أضعف من خطوط أطياف الشعاع الساقط من أشعة الشمس ‏.‏

القرآن الكريم يفرق بين الضياء والنور :
انطلاقاً من هذه الحقائق العلمية التي تمايز بين الضوء الصادر من جسم مُشتعِل‏ ,‏ مُلتهِب‏ ,‏ مضي بذاته‏ في درجات حرارة عالية‏ ـ‏ قد تصل إلى ملايين الدرجات المئوية كما هو الحال في قلب الشمس‏ ـ وبين الشعاع المنعكس من جسم بارد يتلقى شعاع الضوء فيعكسه نوراً‏ ,‏ ركز القرآن الكريم علي التمييز الدقيق بين ضياء الشمس ونور القمر‏ ,‏ وبين كون الشمس سراجاً وكون القمر نوراً .
فقال ‏ـ‏ عز من قائل‏ ـ :
" ‏‏هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ " ‏(يونس‏:5)‏
وقال‏ ـ‏ تبارك اسمه‏ ـ :‏
" أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً . وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً " ‏(نوح‏:16,15) ،‏ وقال‏ ـ سبحانه‏ ـ : " تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً " (الفرقان‏:61)‏ ، وقابل الظلمات بالنور وليس بالضياء في آيات كثيرة من مثل قوله‏ ـ تعالى ـ : " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ " ‏(‏الأنعام‏:1)‏ ، ووصف الشمس بأنها سراج وبأنها سراج وهاج فقال‏ ـ سبحانه وتعالى ـ :‏ " وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً " ‏(‏النبأ‏:13) .‏
وحينما وصف خاتم أنبيائه‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بأنه سراج‏ ـ بمعنى أنه مضيء بذاته‏ ـ‏ وأضاف إلى وصف السراج أنه منير فقال‏ ـ عز سلطانه‏ ـ :
" يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً . وَدَاعِياً إلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً " ‏(‏الأحزاب‏:46 ,45)‏
‏ وحينما وصف النار وصفها بالضياء ووصف أشعتها الساقطة علي من حولها بالنور فقال‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ :
" مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ " ‏ (‏البقرة‏:17) ، ‏ ووصف أشعة البرق بأنها ضوء فقال‏ ـ‏ وهو أصدق القائلين‏ ـ : " يَكَادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا " (‏البقرة‏:20)‏ .
ووصف‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ الزيت بأنه يضئ ووصف سقوط ضوئه علي ما حوله بالنور فقال‏ ـ‏ تعالى ـ :
" المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏ " (‏النور‏:35)‏ ، وقال عن غيبة الشمس‏ : " قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إلى يَوْمِ القِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ " (القصص‏:71)‏ .
هذه الدقة البالغة في التفريق بين الضوء المنبعث من جسم مُلتهِب‏ ,‏ مُشتعِل‏ ,‏ مضيء بذاته‏ ,‏ وبين سقوط هذا الضوء على جسم مظلم بارد ، وانعكاسه نوراً من سطحه لا يمكن أن يكون لها مصدر من قبل ألف وأربعمائة سنة إلا الله الخالق‏ ,‏ فهذا الفرق الدقيق لم يدركه العلماء إلا في القرنين الماضيين‏ ,‏ ولا يزال في زماننا كثير من الناس لا يدركونه‏ .‏
فسبحان الذي أنزل القرآن الكريم‏ ,‏ أنزله بعلمه‏ ,‏ على خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ ,‏ وتعهد بحفظه، فحُفظ على مدى أربعة عشر قرناً أو يزيد بنفس لغة الوحي‏ ـ‏ اللغة العربية‏ ـ‏ دون زيادة حرف واحد‏ ,‏ أو نقص حرف واحد‏ ,‏ وأبقى فيه تلك الومضات النورانية من حقائق الكون وسنن الله فيه شاهدة على صدقه‏ ,‏ وحجة على أهل عصرنا، وأهل كل عصر يأتي من بعده إلى قيام الساعة‏ ,‏ فاعتبروا يا أولي الألباب‏!!‏ .
والحمد لله على نعمة الإسلام‏ ,‏ والحمد له على نعمة القرآن‏ ,‏ والحمد لله على إرسال النبي الخاتم والرسول الخاتم‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ " شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً . وَدَاعِياً إلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً " فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين ‏.