أدنى الأرض في القرآن الكريم


 

ثبت علميا بقياسات عديدة أن أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا هو غور البحر الميت‏ ,‏ ويقع البحر الميت في أكثر أجزاء الغور انخفاضا‏ ,‏ حيث يصل مستوي منسوب سطحه إلي حوالي أربعمائة متر تحت مستوي سطح البحر‏ ,‏ ويصل منسوب قاعه في أعمق أجزائه إلي قرابة الثمانمائة متر تحت مستوي سطح البحر‏ ,‏ وهو بحيرة داخلية بمعني أن قاعها يعتبر في الحقيقة جزءا من اليابسة‏ .‏وغور البحر الميت هو جزء من خسف أرضي عظيم يمتد من منطقة البحيرات في شرقي إفريقيا إلي بحيرة طبريا‏ ,‏ فالحدود الجنوبية لتركيا‏ ,‏ مرورا بالبحر الأحمر‏ ,‏ وخليج العقبة‏ ,‏ ويرتبط بالخسف العميق في قاع كل من المحيط الهندي‏ ,‏ وبحر العرب وخليج عدن‏ ,‏ ويبلغ طول أغوار وادي عربة ـ البحر الميت ـ الأردن حوالي الستمائة كيلومتر‏ ,‏ ممتدة من خليج العقبة في الجنوب إلي بحيرة طبريا في الشمال‏ ,‏ ويتراوح عرضها بين العشرة والعشرين كيلومترا‏ .‏
ويعتبر منسوب سطح الأرض فيها أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا حيث يصل منسوب سطح الماء في البحر الميت إلي‏402‏ مترا تحت المستوي المتوسط لمنسوب المياه في البحرين المجاورين‏:‏ الأحمر والأبيض المتوسط‏ ,‏ وهو أخفض منسوب أرضي علي سطح اليابسة كما يتضح من الأرقام التالية ‏:‏ منسوب سطح الأرض في وادي عربة‏=355‏ ـ‏400‏ م تحت مستوي سطح البحر‏ .‏
منسوب أعمق نقاط قاع البحر الميت‏=794‏ م تحت مستوي سطح البحر‏ .‏
منسوب سطح الماء في البحر الميت‏=402‏ تحت مستوي سطح البحر‏.‏
مستوى سطح الأرض في غور الأردن‏=212‏ ـ‏400‏ م تحت مستوي سطح البحر.‏
منسوب سطح الماء في بحيرة طبريا‏=209‏ م تحت مستوي سطح البحر‏ .‏
منسوب قاع بحيرة طبريا‏=252‏ م تحت مستوي سطح البحر‏ .‏
منسوب سطح الأرض في قاع منخفض القطارة في شمال صحراء مصر الغربية‏=133‏م تحت مستوي سطح البحر‏ .‏
منسوب سطح الأرض في قاع وادي الموت‏/‏ كاليفورنيا‏=86‏ م تحت مستوي سطح البحر‏ .‏
منسوب سطح الأرض في قاع منخفض الفيوم‏/‏مصر‏=45‏ م تحت مستوي سطح البحر.‏

ويتراوح عمق الماء في الحوض الجنوبي من البحر الميت بين الستة والعشرة أمتار‏ ,‏ وهو بذلك في طريقه إلي الجفاف‏ ,‏ ويعتقد انه كان جافا إلي عهد غير بعيد من تاريخه‏ ,‏ وكان عامرا بالسكان‏ ,‏ وأن منطقة الأغوار كلها من وادي عربة في الجنوب إلي بحيرة طبريا في الشمال كانت كذلك عامرة بالسكان منذ القدم حيث عرف البحر الميت في الكتابات التاريخية القديمة‏ ,‏ ووصف بأسماء عديدة من مثل بحر سدوم بحيرة لوط بحيرة زغر‏ ,‏ البحر النتن‏ ,‏ بحر عربة‏ ,‏ بحر الأسفلت والبحر الميت‏ ,‏ وذلك لأن المنطقة اشتهرت بخصوبة تربتها‏ ,‏ ووفرة مياهها فعمرتها القبائل العربية منذ القدم‏ ,‏ واندفعت إليها من كل من العراق والجزيرة العربية وبلاد الشام ومنهم قوم لوط‏ (عليه السلام‏)‏ الذين عمروا خمس مدن في أرض الحوض الجنوبي من البحر الميت هي‏:‏ سدوم‏ ,‏ وعمورة‏ ,‏ وأدمة‏ ,‏ وصوبييم‏ ,‏ وزغر‏ ,‏ وقد ازدهرت فيها الحياة إلي أواخر القرن العشرين قبل الميلاد ودمرت بالكامل في عقاب إلهي أنزل بها وجاء خبر عقابها في القرآن الكريم بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) : ﴿ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾ (‏هود‏:82)‏ .
والأرض في حوض البحر الميت ـ بصفة عامة ـ وفي الجزء الجنوبي منه بصفة خاصة والتي تعرف باسم الأرض المقلوبة تتميز بالحرارة الشديدة‏ ,‏ وبتفجر كل من العيون المائية‏ ,‏ والأبخرة الكبريتية الحارة فيها‏ ,‏ وبتناثر كتل الأسفلت التي كثيرا ما كانت تطفو علي سطح مياه البحر الميت إلي عهد غير بعيد‏ .‏وقرى قوم لوط التي كانت تشغل أرض الحوض الجنوبي من البحر الميت‏ ,‏ والتي دمرت بالكامل بأمر من ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ لا علاقة لها بالحركات الأرضية التي شكلت تلك الأغوار من قبل حوالي‏25‏ مليون سنة مضت‏ ,‏ ولكن بعد تدميرها بالعقاب الإلهي دخلت المنطقة برحمة من الله‏ (تعالى‏)‏ في دورة مطيرة غسلت مياهها ذنوب الآثمين من قوم لوط‏ ,‏ وغمرت منطقة قراهم لتحولها إلي الحوض الجنوبي من البحر الميت‏ ,‏ والذي يتجه اليوم إلي الجفاف مرة أخري ليصير أرضا يابسة‏ .‏
وخلاصة القول إن منطقة أغوار وادي عربة ـ البحر الميت ـ الأردن تحوي اخفض أجزاء اليابسة علي الإطلاق‏ ,‏ والمنطقة كانت محتلة من قبل الروم البيزنطيين في عصر البعثة النبوية الخاتمة‏ ,‏ وكانت هذه الإمبراطورية الرومانية يقابلها ويحدها من الشرق الإمبراطورية الفارسية الساسانية‏ ,‏ وكان الصراع بين هاتين الإمبراطوريتين الكبيرتين في هذا الزمن علي أشده‏ ,‏ ولابد أن كثيرا من معاركهما الحاسمة قد وقعت في أرض الأغوار‏ ,‏ وهي أخفض أجزاء اليابسة علي الإطلاق‏ ,‏ ووصف القرآن الكريم لأرض تلك المعركة الفاصلة التي تغلب فيها الفرس علي الروم ـ في أول الأمر بأدنى الأرض ـ وصف معجز للغاية لأن أحدا من الناس لم يكن يدرك تلك الحقيقة في زمن الوحي‏ ,‏ ولا لقرون متطاولة من بعده‏ ,‏ وورودها بهذا الوضوح في مطلع سورة الروم يضيف بعدا آخر إلى الإعجاز التنبؤي في الآيات الأربع التي استهلت بها تلك السورة المباركة ألا وهو الإعجاز العلمي فبالإضافة إلي ما جاء بتلك الآيات من إعجاز تنبؤي شمل الأخبار بالغيب‏ ,‏ وحدد لوقوعه بضع سنين‏ ,‏ فوقع كما وصفته وكما حددت له زمنه تلك الآيات فكانت من دلائل النبوة‏ ,‏ فان وصف ارض المعركة بالتعبير القرآني أدني الأرض يضيف إعجازا علميا جديدا‏ ,‏ يؤكد أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق وأن النبي الخاتم الذي تلقاه كان موصولا بالوحي‏ ,‏ ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض‏.
وكما كانت هذه الآيات الكريمة من دلائل النبوة في زمن الوحي لإخبارها بالغيب فيتحقق‏ ,‏ فهي لا تزال من دلائل النبوة في زماننا بالتأكيد على أن المعركة الفاصلة قد تمت في أخفض أجزاء اليابسة علي الإطلاق‏ ,‏ وهي أغوار البحر الميت وما حولها من أغوار ويأتي العلم التجريبي ليؤكد تلك الحقيقة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين‏ .‏وعلي كتاب التاريخ الذين تأرجحوا في وضع المعركة الفاصلة في هزيمة الروم علي أرض القسطنطينية‏ ,‏ أو علي الأرض بين مدينتي أذرعات وبصرى من أرض الشام‏ ,‏ أو علي أرض أنطاكية‏ ,‏ أو علي أرض دمشق‏ ,‏ أو أرض بيت المقدس‏ ,‏ أو أرض مصر‏ (الإسكندرية‏)‏ أن يعيدوا النظر في استنتاجاتهم‏ ,‏ لأن القرآن الكريم يقرر أن هزيمة الروم علي أيدي الفرس كانت علي الأرض الواقعة بين شرقي الأردن وفلسطين وهي أغوار وادي عربة ـ البحر الميت ـ الأردن التي أثبت العلم أنها أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا‏ ,‏ والتي ينطبق عليها الوصف القرآني بأدنى الأرض انطباقا تاما ودقيقا‏ .‏
وعلى الذين قالوا إن معنى أدنى الأرض هو أقرب الأرض من بلاد فارس‏ ,‏ أو من بلاد العرب‏ ,‏ أو هي أطراف بلاد الشام‏ ,‏ أو بلاد الشام‏ ,‏ أو أنطاكية‏ ,‏ أو دمشق‏ ,‏ أو بيت المقدس أو غيرها أن يعيدوا النظر في ذلك‏ ,‏ لأن حدود الإمبراطوريتين كانت متلاحمة مع بعضهما بعضا من جهة ومع بلاد العرب من جهة أخري‏ ,‏ وعليه فلا يعقل أن يكون المقصود بتعبير أدني الأرض في هذه الآيات الكريمة هو القرب من بلاد فارس أو بلاد العرب‏ ,‏ فقط‏ ,‏ وان كانت أرض الأغوار هي أقرب الأرض إلي بلاد العرب‏ ,‏ بل هي في الحقيقة جزء من أرض شبه الجزيرة العربية‏ .‏ فسبحان الذي أنزل هذا التعبير المعجز أدنى الأرض ليحدد أرض المعركة ثم ليثبت العلم التجريبي بعد أكثر من اثني عشر قرنا أن الأغوار الفاصلة بين أرض فلسطين المباركة والأردن هي أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا ومن هنا كانت جديرة بالوصف القرآني أدنى الأرض‏ ,‏ وجديرة بأن تكون أرض المعركة التي هزم فيها الروم‏ ,‏ وذلك لقول الحق‏ (عز من قائل‏ ) :‏ ﴿ الـم * غُلِبَتِ الرُّومُ * ‏فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * ‏فِي بِضْعِ سِنِينَ لله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ (الروم‏:1‏ ـ‏5) .