"وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ" (الحج:27)


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في مطلع الثلث الثاني من سورة "الحج"‏,‏ وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها ثمانٍ وسبعون‏(78)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الإسم لورود الأمر الإلهي فيها إلي نبي الله إبراهيم بالآذان في الناس بالحج‏,‏ وهي السورة الوحيدة التي جمعت بين سجدتين من سجدات التلاوة‏.‏ ويدور المحور الرئيسي للسورة حول عدد من التشريعات والعقائد الإسلامية‏. وقد سبق لنا استعراض سورة "الحج" وما جاء فيها من تشريعات إسلامية، ومن ركائز العقيدة والإشارات العلمية ونركز هنا على أوجه الإعجاز في الآية الكريمة التي اتخذنها عنوانا لهذا المقال.

من أوجه الإعجاز في الآية الكريمة
أولا‏:‏ في قوله تعالي
:﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ﴾:
الحج يعني قصد مكة المكرمة لأداء عبادة الطواف‏,‏ والسعي‏,‏ والوقوف بعرفة‏,‏ وما يتبع ذلك من مناسك يؤديها كل مسلم‏,‏ بالغ‏,‏ عاقل‏,‏ حر مستطيع‏,‏ ولو مرة واحدة في العمر‏,‏ وذلك استجابة لأمر الله‏,‏ وابتغاء مرضاته‏,‏ والحج هو أحد أركان الإسلام الخمسة‏,‏ وفرض من الفرائض المعلومة من الدين بالضرورة‏,‏ وحق لله ـ تعالي ـ علي المستطيعين من عباده ذكورا وإناثا لقوله تبارك وتعالي ـ‏:‏﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ ﴾(‏ آل عمران‏:97).‏والحج هو عبادة من أجل العبادات وأفضلها عند رب العالمين لما رواه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ سئل أي الأعمال أفضل؟ قال‏:" إيمان بالله ورسوله‏,‏ قيل‏:‏ ثم ماذا ؟ قال‏:‏ ثم جهاد في سبيل الله‏,‏ قيل ثم ماذا؟ قال‏:‏ ثم حج مبرور ـ أي الذي لا يخالطه إثم"‏.(‏ أخرجه الإمام أحمد‏).‏
وأصل‏(‏ العبادة‏)‏ الطاعة‏,‏ والتعبد هو التنسك‏.‏ والطاعة المبنية علي أساس من الطمأنينة العقلية والقلبية الكاملة لا تحتاج إلي تبرير‏,‏ ولكن إذا عرفت الحكمة من ورائها أداها العبد بإتقان أفضل‏,‏ وكان سلوكه في أدائها أنبل وأجمل‏,‏ ويظهر ذلك أكثر ما يظهر في أداء فريضة الحج‏,‏ وذلك لشدة الزحام‏,‏ ولمحدودية كل من الوقت والمكان‏,‏ ولكثرة التكاليف الشرعية في هذه الفترة المحدودة‏,‏ ولكن إذا فهمت الحكمة من أداء هذه الفريضة العظيمة أداها العبد أحسن الأداء وأكمله‏,‏ وأعان غيره من إخوانه علي أدائها‏,‏ وذلك بحسن الفهم‏,‏ والالتزام بالنظم‏,‏ والإيثار علي النفس‏,‏ تقربا إلي الله ـ تعالي ـ وتضرعا‏,‏ وحبا في عون عباد الله والمبادرة إلي نجدتهم‏,‏ واعتبار ذلك من تمام أداء هذه العبادة التي يساويها خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ بالجهاد‏,‏ وذلك بقوله الشريف
‏:‏ "جهاد الكبير والضعيف والمرأة‏:‏ الحج" رواه‏(‏ النسائي‏).‏

ومن مقاصد الحج ما يلي‏:‏
‏(‏أ‏)‏ تعريض كل من حج البيت ـ ولو لمرة واحدة في العمر ـ لكرامة أشرف بقاع الأرض في أشرف أيام السنة‏:‏
فالله ـ تعالي ـ خلق كلا من المكان والزمان‏,‏ وجعلهما أمرين متواصلين‏,‏ فلا يوجد مكان بلا زمان‏,‏ ولا زمان بلا مكان‏,‏ وكما فضل الله بعض الرسل علي بعض‏,‏ وبعض الأنبياء علي بعض‏,‏ وبعض أفراد البشر علي بعض‏,‏ فضل ـ سبحانه وتعالي ـ بعض الأزمنة علي بعض‏,‏ وبعض الأماكن علي بعض‏.‏ فمن تفضيل الأزمنة جعل ربنا ـ تبارك وتعالي ـ يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع‏,‏ وجعل شهر رمضان أفضل شهور السنة‏,‏ وجعل الليالي العشر الأخيرة من هذا الشهر الفضيل‏.‏ أشرف ليالي السنة‏,‏ وجعل أشرفها علي الإطلاق ليلة القدر التي جعلها الله ـ تعالي ـ خيرا من ألف شهر‏.‏ ومن بعد رمضان يأتي فضل أشهر الحج‏,‏ ومن بعدها تأتي بقية الأشهر الحرم‏.‏
ومن الأيام جعل ربنا ـ تبارك وتعالي ـ أشرفها الأيام العشرة الأولي من شهر ذي الحجة‏,‏ وجعل أشرفها علي الإطلاق يوم عرفة‏,‏ وفي ذلك يروي عن جابر ـ رضي الله عنه ـ أنه قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏:‏ ما من أيام عند الله أفضل من عشر ذي الحجة‏,‏ فقال رجل‏:‏ هذا أفضل أم عدتهن جهادا في سبيل الله؟ قال صلي الله عليه وسلم‏:‏ هن أفضل من عدتهن جهادا في سبيل الله‏,‏ وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة‏,‏ ينزل الله ـ تبارك وتعالي ـ إلي السماء الدنيا‏,‏ فيباهي بأهل الأرض أهل السماء فيقول‏:‏ انظروا إلي عبادي‏.‏ جاءوني شعثا غبرا ضاحين جاءوا من كل فج عميق يرجون رحمتي ولم يروا عذابي فلم ير يوم أكثر عتيقا من النار من يوم عرفة‏,‏ ولذلك كان الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم‏.‏
ومن تفضيل الأماكن‏,‏ فضل ربنا ـ تبارك وتعالي ـ مكة المكرمة وحرمها الشريف علي جميع بقاع الأرض‏,‏ ومن بعدها فضل مدينة رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ ومن بعدها فضل بيت المقدس‏,‏ كما جاء في العديد من أحاديث رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ فإذا اجتمع فضل المكان وفضل الزمان‏,‏ تضاعفت البركات والأجور إن شاء الله‏.‏ومن هنا كان من حكم فريضة الحج ـ بالإضافة إلي كونها طاعة للأمر الإلهي ـ تعريض كل مسلم بالغ عاقل حر‏,‏ مستطيع ـ ذكرا كان أو أنثي‏,‏ ولو لمرة واحدة في العمر ـ لبركة أشرف بقاع الأرض ـ الحرم المكي الشريف ـ في بركة أشرف أيام السنة ـ الأيام العشرة الأولي من ذي الحجة ـ ولذلك قال ـ تعالي ـ‏:‏ ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ ﴾ (‏ آل عمران‏:97).‏
وقال المصطفي ـ صلي الله عليه وسلم‏:‏ "هذا البيت دعامة الإسلام‏,‏ فمن خرج يؤم هذا البيت من حاج أو معتمر‏,‏ كان مضمونا علي الله إن قبضه أن يدخله الجنة‏,‏ وإن رده رده بأجر وغنيمة"‏.‏
وروي كل من الإمامين البخاري ومسلم عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏:‏ "العمرة إلي العمرة كفارة لما بينهما‏,‏ والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة‏".‏وروي كل من الإمامين الترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أنه قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏:‏ "تابعوا بين الحج والعمرة‏,‏ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة‏,‏ وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة"‏.‏
(‏ب‏):‏ ـ تذكير الحاج بمرحلية الحياة‏,‏ وبحتمية الرجوع إلي الله ـ تعالي ـ‏:‏
علي الرغم من حقيقة الموت الذي كتبه الله ـ تعالي ـ علي جميع خلقه والذي يشهده أو يسمع به كل حي في كل لحظة‏,‏ وعلي الرغم من إيماننا ـ نحن معشر المسلمين ـ بحتمية البعث والحساب والجزاء‏,‏ ثم الخلود في الحياة القادمة‏,‏ إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏,‏ وهي من الأصول الإسلامية التي أكدها القرآن الكريم وروتها أحاديث خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ إلا أن دوامة الحياة ومشاغلها تكاد تنسي الناس هذه الحقائق التي هي من صلب الدين‏.‏وعلي الرغم من أن الموت ليس انتهاء إلي العدم المحض والفناء التام‏,‏ لأن الروح لا تبلي‏,‏ بل تصعد إلي بارئها‏,‏ ويبلي الجسد ويتحلل‏,‏ وتبقي منه فضلة يعاد بعثه منها وهي عجب الذنب كما سماها رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ إلا أن الموت يبقي مصيبة ـ كما سماه القرآن الكريم ـ ويبقي الأخطر من مصيبة الموت غفلة الناس عنه‏,‏ وإعراضهم عن ذكره‏,‏ وقلة تفكيرهم فيه‏,‏ وانصرافهم عن العمل له‏,‏ وانشغالهم بالدنيا حتى أنستهم إياه أو كادت‏.‏
وهنا تأتي شعيرة الحج لتخرج الناس من دوامة الحياة ـ ولو لفترة قصيرة ـ وتذكرهم بحتمية العودة إلي الله ـ تعالي وذلك علي النحو التالي‏:‏
‏(1)‏ غسل الإحرام يذكر الحاج بغسله ميتا وهو لا يملك لنفسه شيئا بين أيدي مغسله‏,‏ وهو رمز للتطهر من الذنوب والآثام‏.‏
‏(2)‏ الإحرام يذكر الحاج بالخروج من الدنيا بلا أدني زينة أو ملك‏,‏ كما يذكره بالكفن الذي سوف يلف فيه جسده بعد تغسيله‏.‏
‏(3)‏ النية عهد بين العبد وربه بالاستقامة علي منهج الله‏.‏
‏(4)‏ الوقوف عند الميقات يذكر الحاج بأجله الذي حدده الله ـ تعالي له‏,‏ والذي يقول فيه‏:
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (‏ آل عمران‏:145).‏
والانتقال من الحل إلي الحرم عبر الميقات يذكر بالانتقال من الدنيا إلي الآخرة عبر الموت والتلبية نداء إلي الله‏,‏ واستنجاد برحمته‏,‏ واحتماء بحماه‏.‏
‏(5)‏ والطواف حول الكعبة المشرفة يذكر بضرورة الانتظام مع حركة الكون في خضوعه لأوامر الله ـ تعالي ـ وانصياعه لقوانين هذا الخالق العظيم وسننه في عبادة وذكر دائمين‏,‏ كما أن بداية الطواف ونهايته تؤكدان بداية الأجل ونهايته‏,‏ وهي حقيقة يغفل عنها كثير من الناس‏.‏
‏(6)‏ والصلاة في مقام إبراهيم تذكر بجهاد الأنبياء والمرسلين‏,‏ وبمقام الصالحين عند رب العالمين‏.‏
‏(7)‏ والشرب من ماء زمزم يؤكد قدرة رب العالمين التي لا حدود لها‏,‏ ولا عائق يقف في سبيلها من أجل إكرام عباده الصالحين‏.‏
‏(8)‏ والسعي بين الصفا والمروة يذكر بأم إسماعيل ـ عليها وعليه السلام ـ وهي تركض بين هذين الجبلين‏;‏ بحثا عن الماء لصغيرها‏,‏ ونتيجة لإخلاصها‏.‏ ولثقتها في ربها أكرمها الله ـ تعالي ـ بجبريل يضرب الأرض بجناحه‏,‏ أو بعقبه فيفجر ماء زمزم من صخور مصمطة لا مسامية لها‏.‏
‏(9)‏ والنفرة إلي مني ثم إلي عرفات تذكر بيوم البعث في زحامه وشدته‏.‏
‏(10)‏ والوقوف بعرفات يذكر بالحشر وبالعرض الأكبر بين يدي الله ـ تعالي‏.‏
‏(11)‏ والمبيت بالمزدلفة يذكر بآلاف الأنبياء ومئات المرسلين الذين حجوا من قبل‏,‏ والذين نزلوا بهذا المنزل‏;‏ تأكيدا لوحدة الدين‏,‏ وللأخوة بين أنبياء رب العالمين‏,‏ وإحياء السنة خاتمهم ـ صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏.‏
‏(12)‏ والنحر يذكر بفداء الله لنبيه إسماعيل‏;‏ إكراما لطاعته وطاعة أبيه إبراهيم ـ عليهما السلام ـ لأوامر رب العالمين‏,‏ وإحياء لسنة خاتم الأنبياء والمرسلين‏.‏
‏(13)‏ والحلق أو التقصير يرمز للتطهر من الذنوب والآثام‏.‏
‏(14)‏ ورمي الجمار تأكيد حتمية انتصار العبد المؤمن علي الشيطان في هذا الصراع‏,‏ والرجم رمز لذلك الانتصار‏,‏ وعهد مع الله ـ تعالي ـ علي تحقيقه‏.‏
‏(15)‏ والتحلل من الإحرام وطواف كل من الإفاضة والوداع رمز لانتهاء هذه الشعيرة العظمي‏,‏ وعودة إلي دوامة الحياة من جديد بذنب مغفور‏,‏ وعمل صالح مقبول‏,‏ وتجارة مع الله ـ تعالي ـ لن تبور‏.‏ومن هنا كان واجب كل عائد من أداء فريضة الحج أن يبدأ مع ربه صفحة جديدة‏,‏ إطارها الفهم الصحيح لرسالة الإنسان في هذه الحياة‏:‏ عبدا لله ـ تعالي ـ يعبده بما أمر‏,‏ ويجاهد بصدق من أجل حسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض بعمارتها‏,‏ وإقامة دين الله وعدله علي سطحها‏,‏ والدعوة إلي هذا الدين بالكلمة الطيبة والحجة الواضحة والمنطق السوي‏.‏
‏(16)‏ وفي تحرك جموع الحجاج من كل عرق ولون وجنس ولغة ـ في موكب واحد لأداء هذه الفريضة الكبري‏;‏ تأكيد وحدة الجنس البشري المنبثق من أب واحد وأم واحدة‏,‏ هما آدم وحواء ـ عليهما من الله السلام ـ وتأكيد كذلك علي وحدة رسالة السماء ـ وهي الإسلام العظيم ـ وعلي الأخوة بين الأنبياء‏,‏ وعلي وحدانية رب السموات والأرض‏.‏
‏(17)‏ والحج يمثل أول صورة من صور المؤتمرات الدولية قبل أن تعرفها المنظمات العالمية‏.‏

ثانيا‏:‏ في قوله تعالي:﴿...‏ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ... ﴾:‏
في هذا النص القرآني الكريم إعجاز إنبائي بغيب لم يكن متوقعا في زمن الوحي ولا لقرون متطاولة من بعده‏,‏ ويتمثل ذلك في فيض الحجاج والمعتمرين إلي بيت الله الحرام بالملايين في كل عام منذ بعثة المصطفي ـ صلي الله عليه وسلم ـ إلي اليوم وحتى قيام الساعة‏.‏
فلم يكن بمقدور أحد من الخلق أن يتخيل استجابة المؤمنين من عباد الله الصالحين لدعوة نبي الله إبراهيم ـ عليه السلام ـ والتي أمره الله ـ تعالي ـ بالأذان بها من قبل حوالي أربعة آلاف سنة‏,‏ ثم ينساها الناس في أزمنة الجهالة والانحطاط‏,‏ ثم تتجدد الدعوة علي ألسنة عدد من الأنبياء والمرسلين من بعد إبراهيم ـ عليه وعليهم السلام ـ ثم ينساها الناس‏,‏ ثم تتجدد الدعوة وتتجسد في بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ـ إلي اليوم‏,‏والذي أنبأ باستمرارها إلي ما شاء الله ـ تعالي ـ فيتقاطر الحجاج والمعتمرون بالملايين في كل عام من جميع أنحاء الأرض وقلوبهم تهفو إلي أداء هذه الفريضة المقدسة‏,‏ ومنهم الفقراء المعدمون الذين لا يجدون وسيلة إلي تحقيق ذلك إلا السير علي الأقدام الآلاف من الكيلومترات حتى يبلغوا بيت الله الحرام‏,‏ ومنهم الذين يركبون الدواب لهذه الآلاف من الكيلومترات حتى تجهد وتنهك قواها‏,‏ والنص القرآني فيه كناية عما يعانيه المسافر لأداء فريضة الحج من مشقة ومجاهدة مهما تطورت وسائل المواصلات‏,‏ واستبدل بالأقدام وظهور الأنعام‏,‏ القطارات والسيارات والسفن والطائرات‏,‏ ومهما تطورت وسائل الاتصال‏,‏ومهما انتشر العمران في مناطق الحج المباركة وما حولها‏.‏ وهنا يتساوي الفقراء والأغنياء وعوام الناس وأمراؤهم‏.‏وهذا النص القرآني الكريم‏...‏ يأتوك رجالا وعلي كل ضامر‏...‏ يبقي من صور الإعجاز الإنبائي الغيبي في كتاب الله‏,‏ ظل يتحقق علي مدي الأربعة عشر قرنا الماضية في تزايد متواصل وسوف يبقي كذلك إلي ما شاء الله تعالي‏,‏ وفيه من الشهادة علي صدق القرآن الكريم وإعجازه ما لا ينكره إلا جاحد‏.‏

ثالثا‏:‏ في قوله تعالي‏: ﴿...‏ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾:‏‏
(‏الفج‏)‏ في اللغة هو الشق بين جبلين‏,‏ ويستعمل في وصف الطريق الواسع‏,‏ لأن الأصل في الأرض أنها بدأت بتضاريس معقدة للغاية‏,‏ ثم سخر الله ـ تعالي ـ عوامل التعرية المختلفة للصخور في شق الفجاج والسبل‏,‏ كما ساعد علي ذلك العديد من العوامل الداخلية من مثل الطي والتصدع والخسف‏.‏ وجمع‏(‏ الفج‏)(‏ الفجاج‏),‏ ووصف الفج بالعميق كناية عن البعد‏,‏ وإشارة إلي كروية الأرض لأن الأصل في العمق هو البعد إلي أسفل كعمق البئر‏,‏ ومع بعد المسافة الأفقية علي سطح مكور كسطح الأرض فإن العمق يزداد بازدياد تلك المسافة الأفقية‏,‏
وفي ذلك إشارة إلي كل من كروية الأرض والمسافات البعيدة التي يفد حجاج بيت الله منها لأداء فريضة الحج لأن المسافات القصيرة علي سطح مكور تبدو للناظر كأنها مستوية‏.‏
وقدوم ملايين المسلمين لأداء فريضة الحج في كل عام من مختلف بقاع الأرض هو تحقيق عملي للوصف القرآني‏(‏ من كل فج عميق‏)‏ وشهادة للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق‏,‏ فالحمد لله الذي أنزل القرآن الكريم بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه علي ذاته العلية‏,‏ في نفس لغة وحيه‏(‏ اللغة العربية‏)‏ علي مدي أربعة عشر قرنا أو يزيد‏,‏ وتعهد ـ سبحانه ـ بهذا الحفظ تعهدا مطلقا حتى يبقي القرآن الكريم حجة الله علي عباده إلي قيام الساعة وشهادة للرسول الخاتم بالنبوة وبالرسالة فصلي الله وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏