"يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ" (البقرة:189)


هذا النص القرآني الكريم جاء في بدايات الثلث الأخير من سورة "البقرة"، وهي سورة مدنية، وآياتها (286) بعد البسملة، وعلى ذلك فهي أطول سور القرآن الكريم على الإطلاق. ويدور المحور الرئيسي للسورة حول عدد من الأحكام الشرعية- شأنها في ذلك شأن كل السور المدنية- وقد تخلل ذلك استعراض عدد من القضايا التعبدية، والضوابط الأخلاقية والسلوكية، والركائز العقدية.هذا وقد سبق لنا استعراض سورة "البقرة"، ولا أرى حاجة إلى تكرار ذلك من أجل التركيز على الدلالة العلمية للنص القرآني الكريم الذي اخترناه عنوانا لهذا المقال ، وقبل الوصول إلي ذلك أري ضرورة استعراض أقوال عدد من المفسرين في شرح هذا النص القرآني الكريم‏.‏

من أقوال المفسرين
في تفسير قوله ـ تعالي ـ‏:‏
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾ (‏ البقرة‏:189)‏‏ ذكر ابن كثير‏(‏ رحمه الله‏)‏ ما مختصره‏:‏ سأل الناس رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ عن الأهلة فنزلت هذه الآية‏..‏ يعلمون بها حل دينهم‏,‏ وعدة نسائهم‏,‏ ووقت حجهم‏,‏ وقال الربيع‏:‏ بلغنا أنهم قالوا‏:‏ يارسول الله لم خلقت الأهلة؟ فأنزل الله‏:‏ ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ... ﴾,‏ يقول‏:‏ جعلها الله مواقيت لصوم المسلمين وإفطارهم‏,‏ وعدة نسائهم‏,‏ ومحل دينهم‏,‏ وعن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏:‏ جعل الله الأهلة مواقيت للناس‏,‏ فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته‏,‏ فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما رواه الحاكم في المستدرك‏.‏‏ وجاء في الجلالين‏(‏ رحم الله كاتبيه‏)‏ ما نصه‏:(‏ يسألونك‏)‏ يا محمد‏(‏ عن الأهلة‏)‏ جمع هلال‏,‏ لم تبد دقيقة‏,‏ ثم تزيد حتي تمتلئ نورا‏,‏ ثم تعود كما بدأت‏,‏ ولا تكون علي حالة واحدة مثل الشمس؟‏(‏ قل‏)‏ لهم‏(‏ هي مواقيت‏)‏ جمع ميقات‏(‏ للناس‏)‏ يعلمون بها أوقات زرعهم ومتاجراتهم‏,‏ وعدد نسائهم‏,‏ وصيامهم وإفطارهم‏(‏ والحج‏)‏ عطف علي‏(‏ الناس‏),‏ أي‏:‏ يعلم بها وقته‏,‏ فلو استمرت علي حالة واحدة لم يعرف‏....‏وذكر صاحب الظلال ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ ما مختصره‏:..." قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ‏",‏ مواقيت للناس في حلهم وإحرامهم‏,‏ وفي صومهم وفطرهم‏,‏ وفي نكاحهم وطلاقهم وعدتهم‏,‏ وفي معاملاتهم وتجاراتهم وديونهم‏,‏ وفي أمور دينهم وأمور دنياهم علي سواء‏...‏
من الدلالات العلمية للنص الكريم:
جاء ذكر القمر في القرآن الكريم سبعاً وعشرين مرة‏,‏ كما جاءت الإشارة إلى مراحله المختلفة تحت مسمى الأهلِّة مرة واحدة‏,‏ ويكون مجموع ذلك ثمانٍ وعشرين مرة، وهي أيام رؤية القمر من فوق سطح الأرض في كل شهر‏,‏ وعدد منازله اليومية‏,‏ ولا يمكن أن يأتي هذا التوافق الدقيق بمحض الصدفة؛ لأن مثل هذه المقابلات في القرآن الكريم أكثر من أن تحصى‏,‏ وهذه المقابلات لو خدمت خدمة إحصائية دقيقة لأصبحت من أوضح جوانب الإعجاز في القرآن الكريم ‏.وهذه الآيات يمكن تصنيفها إلى المجموعات التسع التالية‏:‏
‏(1)‏ آيتان تصفان القمر في رؤيتين من رؤى اثنين من رسل الله‏,‏ إحداهما في حال اليقظة، والأخرى في المنام ‏(‏الأنعام‏:77,‏ يوسف‏:4)‏ .
‏(2)‏ آيتان تصفان الشمس والقمر مرة بأنهما حسباناً ‏ـ‏ أي وسيلة لحساب الزمن‏ ـ‏ والأخرى بأنهما بحسبان ـ أي يجريان بحساب دقيق مقدر معلوم‏ . (‏الأنعام‏:96؛‏ الرحمن‏:5)‏ .
‏(3)‏ إحدى عشرة آية‏,‏ منها ما يتحدث عن خلق كلٍ من الشمس والقمر‏,‏ وسجودهما لله ـ تعالى ـ وتسخيرهما بأمره ليكونا في خدمة خلق الله إلى أجل مسمى‏,‏ واعتبارهما آيتين من آيات الله‏,‏ ومنها ما ينهى عن السجود لهما‏,‏ ويأمر بالسجود لخالقهما وحده ‏(‏الأعراف‏:54,‏ الرعد‏:2؛ إبراهيم‏:33؛‏ النحل‏:12؛‏ الأنبياء‏:33؛ الحج‏:18؛ العنكبوت‏:61؛ لقمان‏:29؛ فاطر‏:13؛‏ الزمر:5؛‏ فصلت‏:37)‏.
‏(4)‏ آيتان تؤكدان طبيعة كلٍ من الشمس والقمر‏,‏ وتفرقان بينهما بأن الشمس ضياءً‏,‏ والقمر نوراً.  (‏يونس‏:5,‏ نوح‏:16) .‏
‏(5)‏ ثلاث آيات تتحدث عن منازل القمر وأطواره‏,‏ وعن أحد تلك الأطوار‏ (‏البقرة‏189؛ يس‏:39؛ الانشقاق‏:18)‏ .
‏(6)‏ آية واحدة تشير إلى دوران كلٍ من الشمس والقمر والأرض في مدار محدد له ‏(‏يس‏:40) .‏
‏(7)‏ آية واحدة تثبت معجزة انشقاق القمر لرسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم . (‏القمر‏:1)‏.
‏(8)‏ آيتان يقسم في كلٍ منهما ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ بالقمر تعظيماً لإبداع خلقه؛ لأن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ غني عن القسم لعباده ‏(‏المدثر‏:32,‏ الشمس‏:2)‏ .
‏(9)‏ آيتان تتحدثان عن نهاية القمر في يوم القيامة‏ (‏القيامة‏:9,8) .‏

منازل القمر في القرآن الكريم :
عرف الناس منذ القدم دورة القمر من المحاق إلى المحاق، أو من الهلال إلى الهلال‏,‏ واستخدموها في تحديد الزمن‏,‏ والتأريخ للأحداث‏,‏ بدءًا من الهلال الوليد، إلى التربيع الأول، ثم الأحدب الأول، ثم البدر، وبعد هذا الاكتمال تبدأ مساحة النور على سطح القمر في التناقص بالتدريج لتمر بالأحدب الثاني ثم التربيع الثاني ثم الهلال المتناقص حتى يدخل القمر في طور المحاق، واعتبرت كل مرحلة من هذه المراحل منزلة من منازل القمر. كذلك لاحظ الفلكيون أن القمر في دورته تلك يقع في كل ليلة من ليالي الشهر القمري بين ثوابت من النجوم أو من تجمعاتها الظاهرية‏,‏ وسموا كلاً منها منزلاً من منازل القمر‏,‏ وعرفوا أن عدد تلك المنازل ثمانية وعشرين بعدد الليالي التي يُرى فيها القمر .‏ويشير القرآن الكريم إلى منازل القمر بقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ القَدِيمِ‏ (‏يس:‏39) .‏وقوله‏ -‏عز من قائل‏-:‏ ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏ ﴾ (‏يونس‏:5)‏وقوله‏ -سبحانه‏- :‏ ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ‏﴾ (‏البقرة‏:189)‏ .

منازل القمر في علم الفلك :
القمر هو أقرب أجرام السماء إلى الأرض إذ يبلغ متوسط بعده عنا 384.400كم ويدور القمر حول الأرض في مدار حلزوني شبه دائري يبلغ طوله حوالي 2.4 مليون كيلو متر تقريبا، بسرعة تقدر في المتوسط بـ (3675) كم في الساعة فيتم هذه الدورة في 29.5 يوما من أيام الأرض، وهذه المدة تعرف باسم الشهر القمري.وفي أثناء هذه الدورة يقع القمر على خط واحد بين الأرض والشمس فيواجه الأرض بوجه مظلم تماماً‏,‏ وتسمى هذه المرحلة باسم مرحلة الاقتران‏,‏ ويعرف القمر فيها باسم المحاق‏,‏ وتستغرق هذه المرحلة ليلة إلى ليلتين تقريبا‏ًً,‏ ثم يبدأ القمر في التحرك ليخرج من هذا الوضع الواصل بين مراكز تلك الأجرام الثلاثة، فيولد الهلال الأول (الوليد) الذي يحدد بمولده بداية شهر قمري جديد‏,‏ ويستمر الهلال لليومين الأولين من الشهر القمري، ثم هو بعد ذلك قمراً . ويقع هذا الهلال الوليد في أول منزل من منازل القمر‏,‏ ويمكن رؤيته بعد ساعات من ميلاده إذا أمكن مكثه لمدة لا تقل عن عشر دقائق بعد غروب الشمس‏‏ وكان الجو على درجة من الصفاء تسمح بذلك ‏.‏
وباستمرار تحرك القمر في دورته البطيئة حول الأرض تزداد مساحة الجزء المنير من وجهه المقابل لكوكبنا بالتدريج حتى يصل إلى التربيع الأول في ليلة السابع من الشهر القمري‏,‏ ثم إلى الأحدب الأول في ليلة الحادي عشر‏,‏ ثم البدر الكامل في ليلة الرابع عشر‏,‏ وفيها تكون الأرض بين الشمس من جهة‏,‏ والقمر من الجهة الأخرى.‏ وبخروج القمر عن هذا الوضع تبدأ مساحة الجزء المنير من وجهه المقابل للأرض في التناقص بالتدريج، فيتحول إلى مرحلة الأحدب الثاني في حدود ليلة الثامن عشر‏,‏ ثم إلى التربيع الثاني في ليلة الثالث والعشرين‏,‏ ثم إلى الهلال الثاني (المتناقص) في ليلة السادس والعشرين من الشهر القمري‏,‏ ويستمر في هذه المرحلة لليلتين حتى يصل إلى مرحلة المحاق في آخر ليلة أو ليلتين من الشهر القمري حين يعود القمر إلى وضع الاقتران بين الأرض والشمس من جديد‏ .‏
وتعرف مراحل القمر تلك باسم منازل القمر، كما يطلق تعبير المنازل على البروج التي يقع فيها القمر بالنسبة إلى الناظر إليه من فوق سطح الأرض؛ لأن القمر يقطع في كل يوم من أيام الشهر القمري حوالي ‏12‏ درجة من درجات دائرة البروج‏ (360‏ درجة على ‏29,5‏ يوم ‏=12,2‏ درجة)‏ ؛ وعلى ذلك فإنه يقع في كل ليلة من ليالي الشهر القمري في منزل من المنازل التي تحددها ثوابت من النجوم أو من تجمعاتها الظاهرية حول دائرة البروج‏,‏ وهذه المنازل ثمانية وعشرون منزلاً بعدد الليالي التي يُرى فيها القمر‏,‏ وتعرف باسم منازل القمر .‏ولما كان القمر في جريه السنوي مع الأرض حول الشمس يمر عبر البروج السماوية الاثنى عشر التي تمر بها الأرض في كل سنة من عمرها‏,‏ والتي تحدد بواسطتها شهور السنة الشمسية‏,‏ فإن كل منزل من منازل القمر اليومية يحتل مساحة في برج من هذه البروج‏ .‏ونتيجة لميل مستوى مدار القمر حول الأرض على مستوى مدار الأرض حول الشمس بمقدار‏ (5‏ درجات‏,8‏ دقائق‏)‏ ، فإن المسار الظاهري لكلٍ من الشمس والقمر على صفحة السماء من نقطة شروق كلٍ منهما إلى نقطة غروبه يبدو متقارباً بصفة عامة‏,‏ وإن تبع القمرُ الشمسَ في أغلب الأحوال ‏.‏وبصرف النظر عن دوران الأرض حول محورها من الغرب إلى الشرق أمام الشمس‏,‏ ودوران القمر حول الأرض في نفس الاتجاه، فإن كلاً من الشمس والقمر يظهران في الأفق مرتفعين من جهة الشرق‏,‏ وغائبين في جهة الغرب‏,‏ وإن كان أغلب ظهور القمر هو بالليل لصعوبة رؤيته في وضح النهار‏ .
والقمر يسير في اتجاه الشرق بمعدل نصف درجة تقريباً في المتوسط في كل ساعة ‏(360‏ درجة‏/29,5‏ يوم من أيام الشهر القمري‏=12,2‏ درجة‏) 24‏ ساعة في اليوم‏=0,51‏ درجة في الساعة‏),‏ بينما تقطع الشمس درجة واحدة في اليوم تقريبا‏ًً لأن مجموع زوايا دائرة البروج‏ =360‏ درجة مقومة على ‏365,25‏ يوم ‏(من أيام السنة الشمسية‏) =0,99‏ ـ درجة‏/‏ يوم تقريباً‏).‏ وبالرغم من أن القمر يبقى في سباق دائم مع الشمس‏,‏ إلا أنه يتأخر كل يوم في غروبه من ‏40‏ إلى ‏50‏ دقيقة عن اليوم السابق‏‏ تبعاً لاختلاف كلٍ من خطوط الطول والعرض ‏.‏
فالهلال الجديد يولد ويُرى في الأفق الغربي بعد غروب الشمس بقليل‏,‏ ويأخذ ظهور القمر في التأخر عن غروب الشمس فيُرى في طور التربيع الأول في وسط السماء‏,‏ ويتأخر ظهوره لفترة أطول بعد الغروب في مرحلة الأحدب الأول‏,‏ ويُرى وهو أقرب إلى الأفق الشرقي‏,‏ وفي مرحلة البدر يتفق ظهور القمر في الأفق الشرقي مع غياب الشمس في الأفق الغربي لوجودهما على استقامة واحدة مع الأرض‏,‏ وبعد الخروج عن هذه الاستقامة يأخذ القمر في التباطؤ في الظهور يوماً بعد يوم بمعدل خمسين دقيقة في المتوسط حتى يصل مجموع التأخير في ظهوره إلى حوالي خمس ساعات بعد غروب الشمس، وذلك في طور التربيع الثاني‏,‏ ويستمر التباطؤ في ظهور القمر حتى يُرى الهلال الثاني في وضح النهار‏,‏ وفي طور المحاق الذي لا يُرى فيه القمر من فوق سطح الأرض -؛ ‏لوقوعه بينها وبين الشمس‏- يغيب القمر مع مغيب الشمس تماماً لوجودهما على استقامة واحدة‏ .

وبمجرد خروج القمر من مرحلة المحاق ورؤية الهلال الوليد بعد غروب الشمس ، يولد شهر قمري جديد مع بدء إشراق الشمس على جزء من وجه القمر المقابل للأرض‏,‏ والذي كان يعمه ليل القمر في وقت الاقتران‏.‏ ويتفاوت زمن اقتران ‏الشمس والقمر‏ بسبب أن كلاً من مدار القمر حول الأرض، ومدار كلٍ من الأرض والقمر حول الشمس ليس تام الاستدارة، بل على شكل بيضاوي‏ ـ‏ أي على هيئة قطع ناقص‏ ـ ومن قوانين الحركة في مدار القطع الناقص أن السرعة المحيطية تخضع لقانون يسمى باسم قانون تكافؤ المساحات مع الزمن‏,‏ وهذا القانون يقتضي اختلاف مقدار السرعة على طول المحيط‏,‏ فعندما يقترب القمر من الأرض تزيد سرعته المحيطية فتزداد بالتالي القوة الطاردة - النابذة‏ - المركزية بينهما للحيلولة دون ارتطام القمر بالأرض وتدميرهما معا‏ًً,‏ وعلى العكس من ذلك فإنه عند ابتعاد القمر في مداره البيضاوي عن الأرض فإن سرعته المحيطية تتناقص وإلا انفلت من عقال جاذبية الأرض إلى نهاية لا يعلمها إلا الله ‏.‏وتتراوح سرعة دوران القمر في مداره بين ‏3888‏ كيلو متراً في الساعة‏وبين 3483‏ كيلو مترا في الساعة‏ (‏بمتوسط‏3675‏ كيلو مترا في الساعة‏) .‏ كذلك تتفاوت سرعة سبح الأرض في فلكها حول الشمس بين ‏29.274‏ كيلو متر في الثانية‏ وبين 30.274‏ كيلو متر في الثانية‏ .‏ وبجمع الفرق بين أعلى وأقل سرعتين لكلٍ من القمر في مداره‏ والأرض في مدارها ، يتضح أنه يقابل الفرق في أطول الأشهر القمرية بين ‏(27.3215)‏ يوماً في مدة الدورة النجمية للقمر‏, (29.5306)‏ يوماً في دورته الاقترانية‏ .والدورة النجمية للقمر حول الأرض تحسب باعتبار أن الأرض ثابتة لا تتحرك حتى يتم القمر دورته الكاملة حولها‏,‏ والدورة الاقترانية للقمر تأخذ في الحسبان دوران الأرض حول محورها مع دوران القمر حول محوره ‏.‏

من أوجه الإعجاز العلمي في الآية الكريمة :
‏‏ نظراً للارتباط الشديد بين مراحل أشكال القمر المتتالية من الهلال الوليد إلى التربيع الأول إلى الأحدب الأول‏,‏ إلى البدر الكامل‏,‏ ثم الأحدب الثاني‏,‏ ثم التربيع الثاني‏,‏ ثم الهلال المتناقص إلى المحاق‏,‏ إلى الهلال الوليد للشهر القمري الجديد‏,‏ وبين منازل القمر الثمانية والعشرين، وهي مواقعه اليومية المتتالية في السماء بالنسبة إلى نجوم، تبدو مواقعها قريبة ظاهرياً فإن التعبير : (منازل القمر) يمكن إطلاقه على مراحل القمر المتتالية، وعلى منازله المتوافقة مع تلك المراحل‏ ـ‏ أي مواقعه المتتالية في السماء‏ ـ‏ باعتبار المنازل جمع ‏(‏منزل‏)‏ وهو المنهل والدار‏ .والقمر يبدأ ميلاده بهلال متنامٍ يستمر لثلاثة أيام‏,‏ ثم يتدرج في النمو حتى يصبح بدراً كاملاً‏,‏ ثم يعاود التناقص في الحجم حتى يصير كالعرجون القديم‏,‏ ثم يختفي لمدة يوم أو يومين في مرحلة المحاق‏,‏ وتتكرر هذه الدورة في كل شهر قمري حتى يرث الله الأرض ومن عليها‏ .‏وضوء الشمس يغمر نصف القمر باستمرار، فينعكس من فوق سطحه المظلم نوراً ينير ظلمه ليل الأرض‏,‏ وكل ما يستطيع أهل الأرض إدراكه من هذا النور يختلف من يوم إلى آخر تبعاً لموضع كلٍ من الأرض والقمر والشمس في صفحة السماء‏ .والجزء المرئي من نور القمر قبل اكتماله بدراً يعرف باسم‏ (‏قوس النور‏),‏ أما البدر الكامل فيعرف باسم‏ (‏دائرة النور‏),‏ ونظراً لترنح القمر في دورانه حول محوره‏,‏ ولضخامة حجم الشمس بالنسبة إلى حجم القمر، فإن ضوء الشمس ينير أكثر من نصف سطح القمر بقليل‏,‏ ولذلك فإنه يمكن أن يُرى خيطاً رفيعاً من النور يحيط بالقمر عند ميلاد الهلال‏ الأول (الوليد) .‏والدائرة التي يراها سكان الأرض من القمر تعرف باسم دائرة الرؤية‏,‏ والمساحة التي يمكن لهم رؤيتها من القمر ‏(‏قوس النور‏)‏ هو نتيجة العلاقة الوضعية بين كلٍ من دائرة النور ودائرة الرؤية‏,‏ وهما يتطابقان في كل من مرحلة البدر والمحاق‏,‏ ويتعامدان في كل من التربيع الأول والأخير‏,‏ وبين هذين الموضعين يتحرك القمر عبر مراحل وسطية من التربيع إلى الهلال، وبالعكس‏.
‏وتقدير هذه المنازل القمرية فيه من الدلالة على طلاقة القدرة الإلهية ما فيه لأهميته في معرفة الزمن‏,‏ وتقديره‏,‏ وحسابه باليوم والأسبوع ، والشهر والسنة‏,‏ وفي التأريخ للعبادات والأحداث والمعاملات والحقوق‏,‏ ولما فيه من تأكيد على ضبط سرعة القمر ضبطاً دقيقاً من أجل الحيلولة دون ارتطامه بالأرض فيفنيها وتفنيه‏,‏ أو انفلاته من عقال جاذبيتها فينتهي إلى نهاية لا يعلمها إلا الله‏,‏ وفي نفس الوقت الارتباط الدقيق بين سرعة دوران كلٍ منهما حول محوره‏,‏ فإذا زادت إحداهما قلَّت الأخرى بنفس المعدل‏ .‏ولما كانت سرعة دوران الأرض حول محورها في تناقص مستمر بمعدل جزء من الثانية في كل قرن من الزمن‏ فإن سرعة دوران القمر في تزايد مستمر بنفس المعدل تقريباً، مما يؤدي إلى تباعد القمر عن الأرض بمقدار ثلاثة سنتيمترات في كل سنة‏,‏ وهذا التباعد سوف يخرج القمر في يوم من الأيام من إسار جاذبية الأرض ليدخله في نطاق جاذبية الشمس فتبتلعه تحقيقاً للخبر القرآني الذي يقول فيه ربنا ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
﴿ فَإِذَا بَرِقَ البَصَرُ *‏ وَخَسَفَ القَمَرُ‏ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴾ (‏القيامة‏:7‏-‏9)‏ كذلك فإن وصف الأهلة بأنها مواقيت للناس والحج هو وصف معجز؛ لأن (الهلال ) وجمعه (أهلة) هو القمر الوليد في أول وثاني ليلة من عمره، ثم يقال له بعد ذلك (القمر) ويقال: (أهَلَّ) (الهلال) بمعنى ولد وتمت رؤيته، و (اسْتَهَلَّ) (الهلال) طلب رؤيته لحظة ميلاده، و(الإهلال) هو رفع الصوت بكلمة التوحيد عند رؤية الهلال، ثم استعمل لرفع الصوت في كل حال، وبه شبه إهلال الصبي لحظة ميلاده أي صباحه، وفي قول ربنا - تبارك وتعالى-: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ﴾ (البقرة:173) أي ما ذكر عليه اسم غير اسم الله -تعالى-، ومنه (الإهلال) بالحج أو بالعمرة ونحوهما.وفي هذا النص القرآني تأكيد على دقة ميلاد الهلال كعلامة لبداية الشهر القمري، على أن الشهر القمري أكثر دقة من الشهر الشمسي لقرب القمر منا، ولانضباط حركته بالنسبة للأرض، وكذلك قال-تعالى- ﴿ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ (البقرة:189) .
أما علاقة الأهلة بالحج فمرده إلى أن الله - تعالى- قد حَرَّم- بعلمه المحيط- أربعة من الأشهر القمرية هي "ذو القعدة"، و "ذو الحجة"، و"المحرم"، وشهر"رجب". وكان العرب في الجاهلية – مع تعظيمهم لحرمة تلك الأشهر الأربعة سيرا على ما بقى لديهم من حنيفية إبراهيم- عليه السلام- تلعب بهم الأهواء أحيانا لتغييرها فيجعلون الشهر الحلال حراما والحرام حلالا إذا احتاجوا إلى الاقتتال في أي من الأشهر الحرم ، ويقولون : شهر بشهر، ليوافقوا عدد الأشهر التي حرمها الله، ولا يملك التحليل والتحريم إلا الله ؛ ولذلك سمي هذا بالنسيء ووصف بأنه زيادة في الكفر. ثم جاء رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ليخطب المسلمين في يوم النحر من حجة الوداع ليؤكد للناس على أن الشهر كان ذا الحجة وأن اليوم كان العاشر منه فقال " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاث متواليات : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان " (أخرجه البخاري) .
فألغى بذلك الفوضى التي كانت ممارسة النسيء قد أحدثتها ولذلك قال النص الكريم الذي نحن بصدده : ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾ (البقرة:189) .ولا يملك تصحيح ذلك إلا نبي مرسل موصول بالوحي ومعلم من قبل السماء.فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.