هموم الأمة في عام مضى


الدكتور زغلول النجار: المسلمـون أعطوا الفرصة لأعدائـهم لإبقائهم في التخلف

حول هموم الأمة الإسلامية في عام مضى , وطموحات شعوبها في تحقيق الوحدة لمواجهة المحتل , والتغلب على ما يواجهها من تحديات.. دار هذا الحوار مع الدكتور زغلول النجار, المفكر الإسلامي ورئيس لجنة الإعجاز العلمي في المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمصر وأستاذ علوم الأرض ومدير معهد "مارك فيلد" في بريطانيا.. والذي أكد أن أمتنا أمة واحدة, فرّقتها الخلافات, برغم العوامل والمقومات التي تجمع شعوبها, ساعد في ذلك وألح عليه الاحتلال الأجنبي الذي حرص علي إجهاض أي محاولة للاتحاد!! كما رسم في حديثه الطريق, وحدد الشروط اللازمة لتحقيق الوحدة والنهضة للأمة الإسلامية..
عام القتل
كيف يري الدكتور زغلول النجار عام 2007 المنصرم؟
- لقد كان عام القتل والدم المسفوك, فوق خريطتنا التي صارت حمراء, وليست كما كانت صفراء بلون رمال الصحراء, أو خضراء بلون الزرع والأشجار.. من العراق إلى السودان, ومن فلسطين إلى الصومال, دارت معارك طاحنة وصراعات دامية.. لقد راهن مجرمو الحرب وصقور العنف المتحكمون في القرار الأمريكي على الإفراط في استخدام القوة العسكرية الطاحنة القاهرة, كفيل بإخضاع العراق شعبًا وأرضًا ووطنًا, بعد نجاحهم السريع في إسقاط الرئيس المخلوع صدام حسين في أبريل عام 2003 لكن الرهان سقط في وحل الورطة الكبرى والمقتلة العظمى.. والأمر مشابه في فلسطين الذبيحة, حيث شهد العام المنصرم ذروة كبرى من ذرى القتل الصهيوني المنفلت, لكل ما هو فلسطيني.
وفي أقصى الجنوب , لا يزال الصومال يراوح مكانه , خطوة للأمام نحو التصالح الوطني , وخطوتان للخلف نحو الاقتتال الأهلي , أما السودان فقد شهد ما يشبه ذلك تقريبًا, خطوة للأمام نحو الاتفاق بين أهل الشمال وأهل الجنوب , وخطوتان للخلف بانفجار مخزون العنف في دارفور غربًا , وربما يشتعل الموقف في الشرق والشمال بأكثر مما هو متوقع.. ما زالت عوامل الغضب والتمرد قائمة, وما زالت جهود التصالح الوطني متعثرة, وما زالت التدخلات الأجنبية ناشطة سافرة..
عام 2007 كان عام فتنة, وهي أشد من القتل, فتنة بأشكالها وألوانها, الدينية والطائفية والعرقية, إن كان بعض العابثين يحركونها من خارج الحدود, فالأصل والأساس ينبع من هنا, من تحت أقدامنا, ويتسرب من بين أيدينا, فهذه أرض ظلت على مدى التاريخ رقعة يتعايش فيها أجناس وثقافات وديانات وحضارات في ظل التسامح , كما تصارعت أحيانًا في ظل التهميش وتراكم التفرقة.. وأمامنا مرة أخرى ساحات مفتوحة يلعب فيها المتعصبون والجهلاء في الداخل , والطامعون المحرضون في الخارج لعبتهم الكبرى , لتمزيق الأوطان وتفتيت الشعوب وتفكيك الدول, بحروب طائفية أو دينية أو عرقية, وانظر إلى ما يجري في العراق, وانظر إلى محاولات تحريك الفتنة الطائفية في مصر, ثم انظر إلى السودان..

عام الطيش الأمريكي  
 
وما هي ملامح العام الجديد؟
يظل الاندفاع في استخدام القوة المفرطة في إخضاع دول المنطقة دولة وراء الأخرى, ملمحًا أساسيًا من ملامح السياسة الأمريكية في العام الجديد, كذلك زيادة دعم الاحتلال الإسرائيلي وتوفير مظلة أمان لسياسته العدوانية الشرسة, مقابل زيادة ابتزاز العرب والمسلمين حتى الاستسلام المطلق, والتضييق على الحريات العامة والمدنية في العالم أجمع بحجة مكافحة الإرهاب, على عكس ما تدعيه الإدارة الأمريكية من العمل على نشر الديمقراطية وفرض الإصلاح وتقويض الحكومات المستبدة!

أنا متفائل
 
ألا يدع ذلك إلى اليأس والانبطاح؟
- بالعكس..رغم ضخامة هذه التحديات فالمواجهة تتطلب ألا نسقط السلاح من أيدينا, والسلاح الفعال هنا هو سلاح الإيمان والإسلام الذي استخدمه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواجهة طغيان الفرس والروم منذ 1400 سنة , وأنا من المتفائلين بأن الأمة لو أرادت أن تأخذ بزمام الأمور من جديد فإن هذا لا يحتاج منها سوى 25 عامًا فقط , وهو وقت يسير من عمر الأمم , على أن تعتز الأمة بحضارتها وإسلامها, وأن تعتز بالتراث الذي لديها, وألا تقلد غيرها من الأمم الأخرى , وأن تحذر كل الحذر من ثقافة الاستسلام التي يروج لها الآن على ساحة الإعلام العربي أناس يحتلون مواقع بارزة تمكنهم من مخاطبة الرأي العام وبث دعاواهم والترويج لها وهم يقفون ضمن الصفوف الأولى لطوابير المهزومين ويدعون إلى الانبطاح ويسوغون موالاة أعداء الأمة والتفريط في قضاياها وحقوقها. رغم ضخامة التحديات إلا أن الإسلام ينتشر الآن في كل بلاد العالم, وهو الدين الثاني في فرنسا والدين الثالث في ألمانيا, والإحصائيات الأخيرة تؤكد أن الأمريكان الشباب هم أكثر المعتنقين للإسلام, والأمة المسلمة بذاتها متدينة, وهذا ما تؤكده الأعداد الغفيرة من الحجاج والمعتمرين من كل بلدان الأمة, ونحن عندما ننظر إلى المساجد نجد أن أغلب المصلين من الشباب ويغيظ الكفار منظر المصلين في رمضان, وهذا دليل على أن الأمة ماضية إلى خير كثير.. والرسول الكريم بشرنا بذلك حين قال: " انه سيدخل هذا الدين على ما دخل عليه الليل والنهار" وعلمت أن أحد القساوسة في روسيا قد أسلم وكتب كتابًا باللغة الروسية تحت عنوان "الطريق المباشر إلى الله" وهذا جعل الآلاف من الروس يعتنقون الإسلام.

الدخول في الإسلام
 
بماذا تفسر اعتناق الملايين في الدول الغربية وأمريكا للإسلام؟
- لأن الإسلام دين الفطرة التي فطر الله عليها الناس وهو يأخذ بقلوب الناس وعقولهم, وما عرضت على الغربيين محاضرة في الإعجاز في القرآن ورفضها أحد أبدًا.. على الأقل تجعلهم يفكرون, ونحن نريد من الناس أن يتفكروا في القرآن الكريم, ولو من قبيل الاطلاع, وسبق أن حضر إليَّ طبيب أمريكي أسلم بعدما قرأ إعجاز قوله تعالى :﴿ الـم *ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ (البقرة:1-2)ولم يقرأ من القرآن إلا ترجمة هذه الآية, وقال لي: إنني لو كتبت خطابًا نصف صفحة في أول النهار ثم قرأتها في آخره لغيرت فيها.. فما بالك بهذا الخطاب الإلهي الذي نزل منذ أكثر من 1400 عام ويُتلى يوميًا ولا يستطيع قارئ أن يضيف فيه أو ينقص!!
ومن هنا فإنه لا بد من عرض هذا الإعجاز على الناس في هذا الزمان, لأننا في عصر العلم, وفي وقت لا يؤمن فيه الكثيرون بالغيبيات, ويؤمنون بالأدلة المادية الملموسة على وجود الله, والوسيلة في ذلك هي الإشارات العلمية العديدة التي وردت في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

الصحوة ومشكلاتها
 يثير البعض تحفظات كثيرة على الصحوة الإسلامية التي يشهدها العالم في هذه المرحلة.. فما رأيكم؟
-
بعض وسائل الإعلام تحاول تشويه الصورة الإيجابية للصحوة, وهناك بعض السياسيين الذين لا خبرة لهم بالإسلام يخافون من هذه الصحوة, ولكن في الحقيقة لا بد أن يعرف الجميع أن الإسلام يلبي كل مطالب المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية, وأتعجب ممن يقولون: إن التمسك بالدين يعني التخلف والانغلاق, وأقول لهم: تعلموا المبادئ الإسلامية وبعد ذلك قولوا رأيكم في الإسلام. وللشباب: التزموا بتعاليم دينكم الحنيف الذي يدعو إلى الحب والتسامح وحسن الخلق, وابتعدوا عن العنف والغلو, ولتكن الحكمة والموعظة الحسنة هي شعاركم في الدعوة إلى الله, كما أدعو الشباب إلى القراءة, فبالعلم النافع تتقدم الأمم, ولا بد أن تأخذوا فتاواكم من أهل العلم المتخصصين.

مخاطر
 
ما هي المخاطر التي تهدد وحدة الأمة الإسلامية؟
- الأخطار التي تهدد وحدة الأمة الإسلامية اليوم بل وتهدد وجودها تفوق التصور, وبخاصة في عصر العولمة, وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م, والمسلمون بكل أسف يعطون الفرصة للآخرين للتمكن منهم ومن ثرواتهم وإبقائهم في حالة تخلف مستمر. وأهم العوامل التي تمكن الآخرين من المسلمين تتمثل في الفرقة والتنازع والصراعات المدمرة بين المسلمين أنفسهم, سواء كان ذلك في أمور السياسة أو الدين أو بسبب الفوارق الطبقية أو العرقية, وقد جاء التحذير الإلهي قاطعًا في قوله تعالي: ﴿ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: 46)
ولا شك أن الخلافات المذهبية في أمور الدين والتعصب لها والتناحر من أجلها تعد من العقبات الخطيرة في سبيل وحدة الأمة الإسلامية.. وقد آن الأوان لأن يدرك المسلمون أن الإسلام في جوهره لا يعرف التصنيفات المعتادة إلى سنة وشيعة ومتصوفة وسلفية وأشعرية ومعتزلة وغير ذلك من مسميات , كانت من أسباب الصراعات في الماضي. فعلى الأمة أن تجتمع على ما تتفق عليه ويعذر المسلمون بعضهم بعضًا فيما اختلفوا فيه, فالجميع مسلمون والحمد لله , والقرآن لا خلاف عليه بينهم, وعلى المسلمين أن يدركوا أن الأخطار التي تهددهم في عالم اليوم لا تفرق بين سني وشيعي ولا سلفي وصوفي ولا بين حنفي وحنبلي أو مالكي أو شافعي أو زيدي, فالجميع مستهدفون بوصف واحد هو أنهم مسلمون, وهذا أمر يؤكد ضرورة توحيد صفوفهم ونسيان خلافاتهم المذهبية. إن الوحدة الإسلامية اليوم أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى, وخاصة بعد ثورة المعلومات والاتصالات والثورة التكنولوجية.

شروط
 
هل توجد شروط ضرورية ولازمة لتحقيق وحدة الأمة والتغلب على ما يواجهها؟
- التوعية الدينية السليمة تُعد شرطًا أساسيًا لقيام الوحدة الإسلامية المنشودة على أسس سليمة, حيث إن الفهم الحقيقي لتعاليم الإسلام من شأنه أن يؤكد الأخوة الدينية والإنسانية بين المسلمين, ويؤكد كذلك الأخوة الإنسانية بينهم وبين غيرهم من الأمم والشعوب من منطلق أن الناس جميعًا قد خُلقوا من نفس واحدة, وذلك يجعل الطريق نحو الوحدة الإسلامية ممهدًا لا عوائق فيه.
ومن شروط الوحدة الإسلامية أيضًا التعاون العلمي والوحدة الثقافية, والعلم في الإسلام عبادة وفريضة -كما جاء في الحديث النبوي- يسير جنبًا إلى جنب مع الأخلاق, ولا ينفصل عنها بأي حال من الأحوال, وكما أن العبادات توحد مشاعر المسلمين فإن العلم أيضًا الذي هو رحم بين أهله, من شأنه أن يوحد ليس فقط بين مشاعر المسلمين, بل إنه يوحد أيضًا بين طاقتهم وإبداعاتهم, ومن ثم يتعاونون جميعًا من أجل خدمة الدين. إن بلوغ الأهداف المرجوة يعتمد في المقام الأول على ترسيخ جذور الوحدة الثقافية بين شعوب الأمة الإسلامية, فقد حافظت الوحدة الثقافية على الهوية الإسلامية قرونًا عديدة, ونحن اليوم أشد ما نحتاج فيه إلى حماية هويتنا الإسلامية من الذوبان والضياع في عصر طغت فيه موجات العولمة مروجة لأنماط ثقافية واجتماعية غريبة على المجتمع المسلم.. ويبقى شرط ثالث وهو التعاون الاقتصادي فليس مقبولاً أن يكون حجم التجارة البينية بين دول العالم الإسلامي أقل من 8% من حجم تجارة العالم الإسلامي مع بقية دول العالم!! إن العالم الإسلامي في حاجة ماسة إلى بناء اقتصاد قوي يحمي بلاد المسلمين من شر الأزمات ويوفر للمسلمين حياة كريمة في عالم اليوم والغد.

 نقلا عن :صوت الحق والحرية