﴿وَقَالَ المَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ‏﴾‏ (يوسف‏:43)


هذه الآية الكريمة جاءت في بدايات الثلث الثاني من سورة يوسف وهي سورة مكية‏,‏ وعدد آياتها إحدي عشرة ومائة بعد البسملة‏,‏ وقد تفردت باستعراض قصة هذا النبي الصالح بتفاصيلها‏,‏ والذي جاء ذكره عليه السلام في كل من سورتي الأنعام وغافر‏,‏ بينما جاءت سير غيره من أنبياء الله ورسله إما مجملة في جزء من سورة‏,‏ أو مفصلة علي مراحل في عدد من السور‏,‏ علما بأن سبعا من سور القرآن الكريم تحمل أسماء غيره من أنبياء الله ورسله من أمثال‏:‏ نوح‏,‏ هود‏,‏ إبراهيم‏,‏ يونس‏,‏ طه‏,‏ يس‏,‏ محمد‏(‏ صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏),‏ أو أسماء جماعة أو فرد من الصالحين من أمثال‏:‏ آل عمران‏,‏ مريم‏,‏ ولقمان‏(‏ رضي الله تعالي عنهم‏)‏ أو بعض صفات الصالحين من أمثال‏:‏ سورتي الأنبياء و المؤمنون‏.‏
ويبدو ـ والله تعالي أعلم ـ أن الحكمة من وراء إجمال قصة سيدنا يوسف عليه السلام في سورة واحدة هي تثبيت خاتم الأنبياء والمرسلين صلي الله عليه وسلم في وقت من أوقات الشدائد التي لقيها من كفار و مشركي العرب‏,‏ بعد وفاة كل من زوجته الوفية أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد ـ رضي الله عنها ـ وعمه أبي طالب وكانا ـ بعد الله تعالي ـ سندي رسول الله صلي الله عليه وسلم في الدنيا أمام اضطهاد كفار قريش له خاصة‏,‏ وللمسلمين‏(‏ عامة‏)‏ في مكة المكرمة‏,‏ وكان قد زاد الموقف حدة تخلي أهل الطائف عن مناصرته صلي الله عليه وسلم‏,‏ وتآمر الكفار والمشركين في مكة علي قتله‏,‏ أو سجنه‏,‏ أو نفيه بعد بيعتي العقبة الأولي والثانية‏;‏ وبعد سيادة الشعور العام بتعاظم خطر الإسلام والمسلمين‏,‏ وتكوين قاعدة لهم بالمدينة المنورة وكان رسول الله صلي الله عليه وسلم قد أمر بالاستعداد للهجرة‏,‏ وعز عليه مفارقة مكة المكرمة ـ أشرف بقاع الأرض وأحبها إلي الله ورسوله ـ وما ساوره صلي الله عليه وسلم في ذلك الوقت العصيب من مشاعر الوحشة والغربة‏,‏ والانقطاع عن الكعبة المشرفة‏,‏ وعن الأهل والأحباب‏,‏ الذين بقيت منهم بقية في مكة وإن كان أغلب أصحابه قد هاجروا بالفعل إلي المدينة المنورة‏.‏

وسط هذه الشدائد والابتلاءات والمحن أنزلت سورة يوسف علي رسول الله صلي الله عليه وسلم تروي قصة أخ له من أنبياء الله السابقين‏,‏ وهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم‏..‏ علي نبينا وعليهم جميعا من الله أفضل الصلاة وأزكي التسليم‏..‏ وقد عاني من الابتلاءات والمحن ما كان في سرده شيء من التثبيت لخاتم الأنبياء والمرسلين صلي الله عليه وسلم‏,‏ ولصحابته الكرام ـ عليهم رضوان الله ـ ولكل مسلم من بعدهم إلي يوم الدين‏.‏
فمنذ نعومة أظفاره مر نبي الله يوسف عليه السلام بقدر من الابتلاءات لا يقوي علي حملها كثير من الناس‏,‏ ابتداء بكيد إخوته له‏,‏ وتآمرهم عليه ثم إلقاؤهم به في غيابة الجب وهو طفل صغير‏,‏ وما صاحبه في هذا الوضع المخيف من رعب ووحشة وحزن‏,‏ بعد الرعاية الفائقة التي كان قد تعود عليها في ظل والديه‏,‏ ثم محنة انتشاله من قاع البئر‏,‏ وبيعه رقيقا‏,‏ ينقله مالكوه من يد إلي يد‏,‏ بغير إرادة منه‏,‏ ولا مشورة معه‏,‏ وهو النبي ابن النبي ابن النبي ابن النبي‏,‏ ثم محنة افتتان زوجة العزيز به‏,‏ وولهها وهيامها بحبه‏,‏ ومحاولتها فتنته عن فطرته السوية التي فطره الله تعالي عليها‏,‏ ومحنة ما جمعت له من نسوة تستعين بهن علي فتنته‏,‏ ومحنة السجن دون ذنب أو خطيئة‏,‏ ثم الابتلاء بعد ذلك بالجاه والسلطان والسعة في الرزق‏,‏ والتمكين في الأرض بالقيام علي خزائن مصر‏,‏ ثم الابتلاء بلقائه مع إخوته الذين سبق لهم أن ظلموه وجاروا عليه بالكيد له‏,‏ وانتهاء بالابتلاء الكبير الذي تمثل في تحقق رؤياه القديمة وسجود أبويه وإخوته له علي العرش بعد أن جمع الله شملهم علي أرض مصر الطيبة‏.‏
وقد صبر يوسف صلي الله عليه وسلم علي جميع هذه الابتلاءات والمحن صبر المؤمن بالله‏,‏ الموقن بإلوهيته‏,‏ وربوبيته‏,‏ ووحدانيته وتجلد تجلد الصابر المحتسب‏,‏ طلبا لمرضاة الله‏,‏ وتسليما لقضائه‏,‏ ورضا بقدره‏,‏ وإيمانا بأنه الخير كل الخير‏,‏ رغم كل ما لاقي من شدائد ومحن‏,‏ وهكذا يجب أن يكون كل مسلم‏.‏
ومما يثير الإعجاب حقا أن هذه الابتلاءات والشدائد والمحن التي مر بها سيدنا يوسف عليه السلام لم تعقه لحظة عن دعوته إلي الإسلام الخالص‏,‏ القائم علي توحيد الله‏,‏ وتنزيهه عن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ حتي في أشد ساعات الابتلاء والامتحان صعوبة‏,‏ ويذكر لنا القرآن الكريم رده علي زميليه في السجن حيث يقول‏:‏
﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ﴾ ‏(‏ يوسف‏:39).‏

وبهذا الإيمان الراسخ بالله الواحد القهار خرج نبي الله يوسف عليه السلام من كل هذه الابتلاءات والمحن والشدائد وهو أصلب عودا‏,‏ وأقوي علي مجابهة الحياة‏,‏ وأكثر إخلاصا وتجردا لعبادة الله وحده‏,‏ وحبا له‏,‏ وتفانيا في إرضائه‏,‏ ولذلك كانت أكبر أمنياته في لحظة الانتصار أن يتوفاه الله مسلما‏,‏ وفي ذلك يقول لنا القرآن الكريم في ختام قصة يوسف عليه السلام‏:‏
﴿ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقاًّ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ البَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ * رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ (يوسف‏:99‏ ـ‏101) .

وهكذا كان في قصة نبي الله يوسف عليه السلام أجمل مواساة لخاتم الأنبياء والمرسلين صلي الله عليه وسلم في الابتلاءات والمحن والشدائد التي مر بها قبل الهجرة‏,‏ وأعظم تطمين له بحتمية الانتصار علي أعداء الله وأعدائه‏,‏ وأجمل بشري بقرب التمكين له في الأرض كما سبق وأن مكن الله ـ تعالي ـ لنبيه يوسف عليه السلام بعد ما مر به من الابتلاءات‏.‏ ومثل هذه البشريات لا تدركها إلا القلوب العامرة بالإيمان بالله والمطمئنة بمعيته سبحانه وتعالي والمسلمة بقدر الله وقضائه‏,‏ والموقنة بأن فيه الخير كل الخير حتي لو بدا لنا بمقاييسنا البشرية المحدودة أنه ليس في صالحنا‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏
﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ * وَلأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾ ( يوسف‏:56‏ ـ‏57).
وفي الآية الأخيرة إشارة واضحة إلي ضآلة شأن الدنيا إذا قورنت بالآخرة‏,‏ وتأكيد علي أن كل محنة وابتلاء وشدة يمر بها المؤمن في هذه الحياة الدنيا هي من أجل تزكية نفسه‏,‏ وتطهير بدنه‏,‏ وتكفير سيئاته‏,‏ ورفع درجاته‏,‏ وزيادة أجره ولذلك فإن سورة يوسف التي بدأت برؤياه وانتهت بتحقيق تلك الرؤيا ختمت بقول الحق ـ تبارك وتعالي ـ مخاطبا خاتم الأنبياء والمرسلين صلي الله عليه وسلم‏:‏
﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ القُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ * لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ (يوسف‏:108‏ ـ‏111‏)
وجاءت قصة نبي الله يوسف عليه السلام في ثمان وتسعين آية‏,‏ وختمت بخطاب إلي رسول الله صلي الله عليه في عشر آيات وقدم لها ربنا ـ تبارك وتعالي ـ بثلاث من الآيات كانت أولاها
﴿ الـر تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ المُبِينِ ﴾ (يوسف:1‏) .‏
والحروف المقطعة الثلاثة‏(‏ الر‏)‏ تكررت خمس مرات في مطلع خمس من سور القرآن الكريم‏,‏ وجاءت مرة سادسة مع إضافة الحرف م‏(‏ المر‏).‏ وهذه الحروف الهجائية المقطعة التي جاءت بأربع عشرة صيغة‏,‏ في مطلع تسع وعشرين سورة من سور القرآن الكريم في أحد الآراء‏,‏ أو سبع وعشرين سورة في رأي آخر‏,‏ تعتبر من أسرار هذا الكتاب العزيز الذي فوض كثير من المفسرين العلم فيها إلي الله ـ تعالي ـ وحاول بعضهم إيجاد تفسير لها‏,‏ فمنهم من رأي أنها رموز إلي كلمات أو معان‏,‏ أو أعداد معينة‏,‏ ومنهم من رأي أنها أسماء للسور‏,‏ أو أنها قصدت لإظهار التحدي بالقرآن الكريم‏,‏ وللدلالة علي إعجازه‏,‏ أو قصد منها تنبيه السامع‏,‏ أو جعلها فواتح للكلام‏,‏ ومنهم من يري أن هناك روابط معنوية بين الحروف المقطعة وسورها‏,‏ أو روابط رياضية بين تلك الحروف المقطعة وعدد مرات ورودها في السورة‏,‏ بمعني وجود قانون رياضي يربط توزيع الحروف في سور هذا الكتاب العزيز الذي نزل منجما‏:‏ آية آية‏,‏ أو بضع آيات بضع آيات‏,‏ وفي حالة قصار السور وفي بعض الحالات النادرة جاءت السورة كاملة‏,‏ ومن المفسرين من يري أن الله ـ تعالي ـ أراد بتلك الحروف المقطعة شهادة علي صدق خاتم أنبيائه ورسله صلي الله عليه وسلم لنطقه بأسماء الحروف ـ وهو الأمي ـ والأمي ينطق بأصوات الحروف ولا يعرف أسماءها‏,‏ لأن النطق بأسماء الحروف لا يعرف إلا بالتعلم والمران‏,‏ ومن العلماء من يري الجمع بين هذه الرؤي كلها‏,‏ مع إمكانية إضافة غيرها إليها‏.‏

والحروف المقطعة الثلاثة‏(‏ الر‏)‏ التي استهلت بها سورة يوسف عليه السلام كأنها تخاطب العرب ـ وهم في قمة الفصاحة والبلاغة وحسن البيان ـ فتقول لهم إن كلامكم يتركب من تلك الحروف الهجائية وأمثالها‏,‏ وكذلك القرآن الكريم كله‏,‏ وقد تحداكم ربكم أن تأتوا بقرآن مثله‏,‏ أو بعشر سور من مثله‏,‏ أو حتي بسورة واحدة من مثله ففشلتم وعجزتم عن ذلك مما يجعل هذا الكتاب المبين حجة عليكم أجمعين‏,‏ ولذلك جاءت الآية الثانية من سورة يوسف بقول الله سبحانه وتعالي‏:‏
﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِياًّ لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (يوسف:‏ 2).‏
ووجه الخطاب في الآية الثالثة إلي خاتم الأنبياء والمرسلين صلي الله عليه وسلم وذلك بقول الحق تبارك وتعالي‏:‏
﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا القُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغَافِلِينَ ﴾ (يوسف‏:3).‏
وذلك لأن قصة نبي الله يوسف عليه السلام كانت بالنسبة إلي خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ من أنباء الغيب كما أشار الله تعالي إلي ذلك في عشر آيات من هذه السورة المباركة‏,‏ فلم يكن رسولنا الخاتم صلي الله عليه وسلم يعلم شيئا عنها قبل أن يتنزل عليه الوحي بها‏,‏ فقد عاش موسي ـ عليه السلام ـ في مصر من‏(1730‏ ق‏.‏ م‏.)‏ إلي‏(1580‏ ق‏.‏ م‏)‏ وبعث المصطفي ـ صلي الله عليه وسلم ـ سنة‏(610‏ م‏)‏ أي كان بينهما‏2340‏ سنة ولم تكن الغالبية الساحقة من أهل الأرض تذكر شيئا عن قصة نبي الله يوسف باستثناء قلة نادرة من أحبار اليهود الذين كانوا مبعثرين في جيوب قليلة من الجزيرة العربية‏,‏ وكان أغلبهم من البدو الجهلاء قليلي العلم‏,‏ أو من الأميين الذين لا يقرأون‏.‏
والمقارنة بين قصة سيدنا يوسف عليه السلام كما جاءت في القرآن الكريم‏,‏ وكما جاءت في العهد القديم توضح الفارق الشاسع بين كلام الله وكلام البشر‏,‏ والتشابه في القصة الكريمة مرده إلي وحدة المصدر السماوي‏,‏ والاختلاف في الأسلوب والمحتوي والتفاصيل مرده إلي قدر هائل من التحريف الذي تعرضت له رسالة سيدنا موسي ـ علي نبينا وعليه من الله السلام‏.‏
هذا وسوف نعرض ان شاء الله ـ تعالي ـ في المقالين القادمين لركائز العقيدة والإشارات الكونية في سورة يوسف‏,‏ ثم نوضح ومضة الإعجاز التاريخي في الآية الكريمة التي اتخذناها عنوانا لهذا المقال‏.‏



‏260‏ـ ب ﴿ وَقَالَ المَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (يوسف‏:43)
هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في بدايات الثلث الثاني من سورة يوسف وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها‏(111)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سبق لنا استعراض هذه السورة المباركة‏,‏ ونركز هنا علي عدد من ركائز العقيدة والإشارات الكونية في سورة يوسف‏.‏

من ركائز العقيدة
‏(1)‏ الإيمان بأن القرآن الكريم هو كلام الله ـ سبحانه وتعالي ـ الموحي به إلي خاتم أنبيائه ورسله‏(‏ صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين‏)‏ بلسان عربي مبين كي يفهمه العرب ويطبقوه أمرا واقعا في حياتهم‏,‏ ويبلغوا به غيرهم من الأمم أصحاب اللغات الأخري‏,‏ لأنه أنزل للناس جميعا‏,‏ ولأنه الكتاب المبين عن الدين الحق‏,‏ الواضح الدلالة لكل من استرشد بهديه الرباني الخالص‏,‏ والذي علمه ربنا ـ تبارك وتعالي ـ لأبينا آدم لحظة خلقه‏,‏ وأنزله علي سلسلة طويلة من أنبيائه ورسله‏,‏ وآتمه وحفظه في رسالته الخاتمة المنزلة ـ علي خاتم أنبيائه ورسله ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏,‏ والتي تعهد بحفظها تعهدا مطلقا فحفظت علي مدي أربعة عشر قرنا أو يزيد‏,‏ وسوف تحفظ إلي ما شاء الله رب العالمين‏.‏‏

(2)‏ التسليم بأن قصة نبي الله يوسف‏(‏ عليه السلام‏)‏ لم تكن معروفة لرسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ قبل الوحي بها إليه‏,‏ ولم يكن أحد من العرب يعرف شيئا عنها‏,‏ فضلا عن تفاصيلها‏,‏ سوي آحاد من أهل الكتاب‏.‏ وقصة سيدنا يوسف في القرآن الكريم هي من الشهادات الناطقة بصدق هذا الكتاب العزيز‏,‏ وبنبوة النبي الخاتم الذي تلقاه‏,‏ وبأنه‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ كان موصولا بالوحي‏,‏ ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض‏,‏ وهنا تتضح الحكمة الربانية من جعل خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ لا يعرف القراءة والكتابة‏,‏ كما ثبت ذلك بقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ في سورة العنكبوت مخاطبا هذا الرسول الخاتم‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏):‏
﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ المُبْطِلُونَ﴾‏(‏ العنكبوت‏:48).‏

‏(3)‏ التصديق بأن رؤي الأنبياء حق‏,‏ وأن الله ـ تعالي ـ يعلم من يشاء من عباده الصالحين تأويل الرؤي‏.‏‏

(4)‏ اليقين بأن الشيطان للإنسان عدو مبين‏,‏ وأنه يترصد بوسوسته جميع بني آدم حتي أبناء الأنبياء والمرسلين‏,‏ كما حدث مع إخوة يوسف‏(‏ عليه السلام‏).‏‏

(5)‏ الاقتناع بأن المساواة بين الأبناء ضرورة فطرية‏,‏ ولازمة تربوية‏,‏ لأن المبالغة في حب الوالدين أو حب أحدهما لأحد الأبناء يدفع الآخرين من الأبناء إلي كراهيته والحقد عليه‏,‏ والكيد له كما حدث مع إخوة يوسف وهم في بيت النبوة‏.‏‏

(6)‏ الإيمان بأن الله ـ تعالي ـ قادر علي أن يمكن لمن يشاء من عباده في الأرض‏,‏
وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ‏(‏ يوسف‏:21),‏ والإيمان بهذه الحقيقة يجعل الإنسان راضيا بقضاء الله وقدره‏,‏ ومثبتا في حالات النوازل والمحن والابتلاءات‏,‏ وممنوعا من ظلم الآخرين‏,‏ لأن الظالمين لا يفلحون‏.‏‏

(7)‏ التسليم بأن جميع أنبياء الله قد دعوا إلي عبادة الله ـ تعالي ـ وحده‏,‏ وحاربوا الكفر والشرك‏;‏ إيمانا بالله الواحد القهار‏,‏ ودعوا أممهم إلي التوحيد الخالص له‏,‏ بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد‏,‏ كما دعوا إلي تنزيهه ـ سبحانه وتعالي ـ عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ وذلك لأن الله ـ تعالي ـ قد أمر بألا يعبد سواه‏,‏ ولكن أكثر الناس لا يؤمنون بالله إلا وهم مشركون‏,‏ علي الرغم من تسليمهم بأنه ـ سبحانه وتعالي ـ هو فاطر السماوات والأرض‏,‏ وخالق كل شيء‏,‏ وذلك من دس الشياطين ووسوساتها إليهم‏,‏ لذلك يوجه الحق ـ تبارك وتعالي ـ الخطاب إلي خاتم أنبيائه ورسله بقوله ـ عز من قائل ـ‏:‏
﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ‏(‏ يوسف‏:103).‏

‏(8)‏ التصديق بأن الإسلام القائم علي التوحيد الخالص لله‏,‏ وإسلام الوجه طواعية واختيارا له ـ سبحانه‏,‏ والخضوع لأوامره خضوعا كاملا‏,‏ واجتناب نواهيه اجتنابا تاما‏,‏ واتباع هديه اتباعا دقيقا‏,‏ وذلك بعبادته ـ تعالي ـ بما أمر وبحسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض بعمارتها‏,‏ وإقامة عدل الله فيها‏,‏ هذا الإسلام هو الدين القيم‏,‏ الذي علمه لأبينا آدم لحظة خلقه‏,‏ وأنزله علي جميع أنبيائه ورسله‏,‏ ولذلك لا يرتضي ربنا ـ تبارك وتعالي ـ من عباده دينا سواه
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ‏(‏ يوسف‏:68).‏‏

(9)‏ الإيمان بأن النفس الإنسانية أمارة بالسوء إلا من رحم ربي وهو الغفور الرحيم‏,‏ وعلي كل عاقل ألا يتبع نفسه هواها‏,‏ وأن يعلم أنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين‏.‏‏

(10)‏ التسليم بأن للعلم قيمة عليا في الإسلام‏,‏ وعلي العلماء ألا يغتروا بعلمهم لأن الله ـ تعالي ـ قد جعل فوق كل ذي علم عليم‏,‏ وأنه ـ تعالي ـ لطيف لما يشاء‏,‏ وأنه هو العليم الحكيم‏.‏‏

(11)‏ التصديق بأن الساعة لا تأتي إلا بغتة‏,‏ وأنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون‏.‏

الإشارات الكونية في سورة يوسف‏(‏ عليه السلام‏)‏
جاء في سورة نبي الله يوسف‏(‏ عليه السلام‏)‏ عدد غير قليل من الإشارات الكونية التي نوجز منها ما يلي‏:‏‏
(1)‏ دون أدني قدر من التكلف‏,‏ لأن القرآن الكريم لا يحتاج ذلك‏,‏ أقول إنه ليس من قبيل المصادفة أن يكون عدد اخوة يوسف‏(‏ عليه السلام‏)‏ أحد عشر‏,‏ ويكون عدد الكواكب في مجموعتنا الشمسية بالعدد نفسه‏,‏ وأن يري يوسف في رؤياه أحد عشر كوكبا والشمس والقمر له ساجدين‏,‏ وتتحقق هذه الرؤيا بسجود اخوته وأبويه له يوم جمعهم الله ـ تعالي ـ جميعا علي أرض مصر‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏
﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (‏يوسف‏:4).
 
‏(2)‏ تسمية حاكم مصر في زمن سيدنا يوسف‏(‏ عليه السلام‏)‏ بلقب الملك‏,‏ علما بأن حكام مصر كانوا يلقبون عادة بلقب‏(‏ فرعون‏)‏ الذي جاء‏(74)‏ مرة في القرآن الكريم‏.‏

‏(3)‏ الإشارة إلي واقعة تاريخية وقعت بمصر من قبل بعثة المصطفي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بأكثر من عشرين قرنا مؤداها مرور سبع سنوات من الخصب العام‏,‏ تلتها سبع سنوات عجاف من القحط والجفاف والجدب‏,‏ تلاها عام زالت فيه تلك الشدة‏,‏ ونزل الغيث‏,‏ وعم الرخاء‏,‏ وقد أثبتت دراسات الآثار المصرية القديمة صدق ذلك‏.‏‏

(4)‏ التوصية الإلهية التي ألهمها ربنا ـ تبارك وتعالي ـ لعبده يوسف‏(‏ عليه السلام‏)‏ بترك القمح المخزون من أعوام الرخاء لأعوام الشدة في سنابله‏,‏ وقد أثبتت التجارب أن تخزين المحاصيل الزراعية ذات السنابل من مثل القمح‏,‏ والشعير‏,‏ والأرز والذرة والشيلم والشوفان‏,‏ هي الطريقة المثلي في حفظها لمدد طويلة دون فساد‏,‏ أو تسوس‏,‏ أو نقص في محتواها الغذائي‏.‏‏

(5)‏ وصف عيني سيدنا يعقوب‏(‏ عليه السلام‏)‏ بأنهما ابيضتا من الحزن‏,‏ وهو ما يعرف اليوم باسم الماء الأبيض‏,‏ وهو عبارة عن عتامة تحدث لعدسة العين تمنع دخول الضوء جزئيا أو كليا إليها حسب درجة العتامة‏,‏ وقد تحدث بسبب الحزن الشديد المصاحب بالبكاء‏,‏ أو لكبر السن‏,‏ أو بسببهما معا‏,‏ وفي ذلك يقول الحق ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏
﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ‏(‏ يوسف‏:84).‏‏
(6)‏ الإشارة إلي أن عرق الإنسان به من المركبات الكيميائية ما يمكن من شفاء عتامة عدسة العين‏(‏ الماء الأبيض‏),‏ وهو ما توصل إليه الأستاذ الدكتور عبدالباسط سيد محمد الأستاذ بالمركز القومي للبحوث بالدقي ـ القاهرة‏,‏ بعد أن قام بجمع عدد من العدسات المعتمة‏(‏ التي تم استخراجها من عيون عدد من المرضي بالماء الأبيض وذلك بعمليات جراحية‏)‏ ونقعها في بعض المركبات الكيميائية المعزولة من عرق الإنسان فوجد أنها تحدث حالة من الشفافية التدريجية لتلك العدسات‏,‏ ووجد أن العامل المؤثر في ذلك هو أحد المركبات الكيميائية لعرق الإنسان‏,‏ واسمه العلمي الجواندين وأمكن تحضير هذا المركب مختبريا‏,‏ وإنتاج قطرة للعيون منه حصل بها علي براءة اختراع أوروبية‏,‏ وأخري أمريكية في عامي‏1991‏ و‏1993‏ علي التوالي‏,‏ وقد استوحي هذا العالم المصري فكرة تلك القطرة من قول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ علي لسان عبده ونبيه يوسف‏(‏ عليه السلام‏)‏ ما نصه‏:‏
﴿ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ‏(‏ يوسف‏:93).‏
وإن كانت هذه الواقعة من المعجزات‏,‏ والمعجزات لا تفسر بالقوانين العلمية المكتسبة‏.‏

‏(7)‏ الإشارة إلي أن بالسماوات والأرض من الآيات الحسية ما يشهد لله الخالق ـ سبحانه وتعالي ـ بطلاقة القدرة‏,‏ وببديع الصنعة‏,‏ وإحكام الخلق‏,‏ وقد أثبتت الدراسات العلمية ذلك‏,‏
وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (‏ يوسف‏:105).‏
وكل واحدة من هذه الإشارات العلمية والتاريخية تحتاج إلي معالجة خاصة بها‏,‏ لذلك فسوف أقصر حديثي في المقال القادم إن شاء الله ـ تعالي ـ علي النقطة الثانية من القائمة السابقة والمتعلقة بدقة الرواية القرآنية للواقعة‏,‏ بوصف حاكم مصر في زمن وجود نبي الله يوسف‏(‏ عليه السلام‏)‏ بها بلقب الملك‏,‏ وليس بتعبير الفرعون الذي ساد من قبل زمن يوسف ومن بعده‏.‏



‏260‏ـ ج ﴿ وَقَالَ المَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (يوسف‏:43)
هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في بدايات الثلث الثاني من سورة يوسف‏,‏ هي سورة مكية‏,‏ وآياتها‏(111)‏ بعد البسملة‏),‏ وقد سبق لنا استعراض هذه السورة المباركة‏,‏ وتلخيص ما جاء فيها من أسس العقيدة‏,‏ والإشارات الكونية‏,‏ ونركز هنا علي الدلالات التاريخية والعلمية التي جاءت في الآية الثالثة والأربعين من سورة يوسف‏,‏ وهي الآية التي اتخذناها عنوانا لهذا المقال‏:‏

من الدلالات التاريخية والعلمية للآية الكريمة
أولا‏:‏ في قوله ـ تعالي ـ‏:‏ وَقَالَ المَلِكُ...:
يعجب قارئ القرآن الكريم من وصف حاكم مصر في زمن نبي الله يوسف‏(‏ عليه السلام‏)‏ بلقب الملك الذي جاء في خمسة مواضع من سورة يوسف‏,‏ بينما جاء وصفه في زمن موسي‏(‏ عليه السلام‏)‏ بلقب فرعون مصر أو الفرعون‏,‏ وقد أورد القرآن الكريم لقب فرعون أربعة وسبعين‏(74)‏ مرة في عرض قصة نبي الله موسي‏(‏ عليه السلام‏),‏ والسبب في ذلك أن نبي الله يوسف‏(‏ عليه السلام‏)‏ عاش في مصر أيام حكم الهكسوس‏(‏ أي الملوك الرعاة‏),‏ وذلك في الفترة من‏(1730‏ ق‏.‏م‏)‏ إلي‏(1580‏ ق‏.‏م‏),‏ وكان حكام الهكسوس يلقبون بالملوك وليس بالفراعنة‏,‏ بينما عاش نبي الله موسي‏(‏ عليه السلام‏)‏ في زمن رمسيس الثاني من الأسرة التاسعة عشرة المعروف باسم فرعون الاضطهاد‏,‏ أو فرعون التسخير‏,‏ الذي حكم مصر في الفترة من‏(1301‏ ق‏.‏م‏)‏ إلي‏(1234‏ ق‏.‏م‏),‏ ومات ونبي الله موسي في مدين عند أصهاره نبي الله شعيب‏(‏ عليه السلام‏)‏ وآله‏,‏ وخلف رمسيس الثاني ولده الثالث عشر منفتاح‏(‏ أو منفتا‏)‏ المعروف باسم فرعون الخروج‏,‏ وحكم مصر في الفترة من‏(1234‏ ق‏.‏م‏)‏ إلي‏(1224‏ ق‏.‏م‏),‏ ومات غارقا في أثناء مطاردته لنبي الله موسي‏(‏ عليه السلام‏)‏ كما أخبر القرآن الكريم‏.‏ومع العلم بأن الذين خرجوا مع موسي من بني إسرائيل تاهوا أربعين سنة‏,‏ وأن وفاة موسي‏(‏ عليه السلام‏)‏ جاءت بعد انتهاء فترة التيه بقليل‏,‏ لأن من الثابت أنه لم يدخل أرض فلسطين‏,‏ فإن وفاته كانت في حدود سنة‏(1184‏ ق‏.‏م‏),‏ وبما أنه عاش في مدين عشر سنوات‏,‏ وعاش في بيت فرعون قرابة عشرين سنة‏,‏ فإن مولده‏(‏ عليه السلام‏)‏ كان في حدود سنة‏(1264‏ ق‏.‏م‏),‏ أي أنه عاش نحو ثمانين سنة‏(1264‏ ق‏.‏م‏)‏ إلي‏(1184‏ ق‏.‏م‏),‏ وفي هذه الفترة كان يطلق علي حكام مصر لقب الفراعنة‏,‏ ومن هنا جاء ذكرهم في القرآن الكريم بهذا اللقب‏.‏

أما نبي الله يوسف‏(‏ عليه السلام‏),‏ فقد عاش في حدود الفترة من‏(1730‏ ق‏.‏م‏)‏ إلي‏(1580‏ ق‏.‏م‏),‏ وكان حاكم مصر ملكا من العمالقة يعرف باسم الريان بن الوليد‏,‏ كما ذكره مؤرخو العرب‏,‏ ووجد اسمه منقوشا علي بعض الآثار المصرية القديمة‏(‏ انظر مؤتمر تفسير سورة يوسف للشيخ عبدالله العلمي‏),‏ وكان ذلك في الأسرة الخامسة عشرة‏,‏ أو السادسة عشرة لدولة الهكسوس الرعاة في مصر‏,‏ وكانت السلالة السابقة عليها في حكم مصر‏,‏ وهي الأسرة الرابعة عشرة من الفراعنة المصريين‏,‏ الذين حكموا في وادي النيل سنة‏(2000‏ ق‏.‏م‏),‏ بينما كانت السلالة الرعوية المعروفة باسم شاسو أو الهكسوس‏,‏ أي البدو الرعاة‏,‏ يتنقلون في شرقي مصر علي حدود البادية فيما يعرف اليوم باسم محافظة الشرقية‏(‏ أرض جاسان في الكتب القديمة‏),‏وكانوا يتكلمون لغة سامية متفرعة عن اللغة العربية‏,‏ وكانت قريبة جدا منها‏,‏ وكان الهكسوس يترقبون ضعف الفراعنة ليغزوهم‏,‏ وكان الفراعنة حريصين علي مسالمتهم والاستعانة بهم في حروبهم لشجاعتهم‏,‏ وشدتهم‏,‏ وجلدهم‏,‏ وقوة أبدانهم‏,‏ شأن البدو في كل العصور‏,‏ وظل الصراع بين ملوك الرعاة وفراعنة مصر حتي سنحت الفرصة لهؤلاء الرعاة بالانتصار عليهم‏,‏ فاستولوا علي دلتا مصر وحكموها باسم ملوك الهكسوس في أثناء فترة الاضطرابات والفتن في أواخر عهد الأسرة الرابعة عشرة‏,‏ واستعمروا الوجه البحري كله وبعض أجزاء صعيد مصر‏,‏ واستولوا علي مدينة‏(‏ منف أو منفيس‏)‏ وولوا علي الأراضي التي احتلوها ملكا من بينهم‏,‏ وانحسر حكم الفراعنة إلي جنوب مصر‏,‏ الذي كانت عاصمته مدينة طيبة الأقصر‏,‏ وحكم الهكسوس أغلب شمال مصر‏,‏ ودامت سيطرتهم عليه لنحو خمسة قرون‏,‏ حتي قام الفراعنة بإسقاط ملكهم في أوائل القرن السادس عشر قبل الميلاد‏,‏ وعاد الفراعنة لحكم كل من شمال وجنوب مصر من جديد‏,‏ موحدين أرض مصر تحت حكمهم مرة ثانية‏.‏

وفي فترة دخول نبي الله يوسف‏(‏ عليه السلام‏)‏ إلي مصر كانت مملكة الهكسوس في دور انحسارها الذي تقلصت مساحتها فيه إلي مثلث تألفت رءوسه من مينيا القمح وبوبسطة القريبة من مدينة الزقازيق‏,‏ وبلدة صان الحجر‏.‏ولم يجد يوسف‏(‏ عليه السلام‏)‏ صعوبة في التحدث مع الهكسوس الذين كانوا يتكلمون لغة سامية قريبة من لغته‏,‏ ومن هنا تأتي ومضة الإعجاز التاريخي في الآية الكريمة التي نحن بصددها في قول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏ وقال الملك‏...‏ ولم يقل‏:‏ وقال فرعون‏,‏ لأن يوسف‏(‏ عليه السلام‏)‏ لم يعمل لدي أحد من فراعنة مصر‏,‏ الذين كان ملكهم في زمن وجوده بمصر قد انحسر إلي جنوب البلاد‏,‏ وكانت عاصمتهم طيبة الأقصر‏,‏ وكانت لغتهم الهيروغليفية المصرية القديمة التي لم يكن يوسف‏(‏ عليه السلام‏)‏ يعرفها‏.‏وهذه اللمحة المعجزة ـ علي بساطتها ـ هي من جملة البراهين علي أن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه علي ذاته العلية‏,‏ في نفس لغة وحيه‏(‏ اللغة العربية‏),‏ وتعهد بهذا الحفظ تعهدا مطلقا ليبقي القرآن الكريم شاهدا علي الخلق أجمعين إلي يوم الدين بأنه كلام رب العالمين‏,‏ وشاهدا للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة‏.‏

وهذا الوصف الدقيق لحاكم مصر في زمن نبي الله يوسف ـ عليه السلام ـ بوصف الملك هو من الأدلة الناطقة علي الدقة المطلقة لكل حرف‏,‏ وكلمة‏,‏ وآية أوردها القرآن الكريم‏,‏ ولكل قاعدة عقدية‏,‏ أو أمر تعبدي‏,‏ أو دستور أخلاقي‏,‏ أو تشريع سلوكي‏,‏ أو خبر تاريخي‏,‏ أو إشارة علمية‏,‏ أو خطاب إلي النفس الإنسانية أو غير ذلك من القضايا المحكمة التي جاءت في ثنايا الآيات المتعلقة بركائز الدين الأساسية من العقيدة‏,‏ والعبادة‏,‏ والأخلاق‏,‏ والمعاملات في هذا الكتاب العزيز‏.‏ومن الثابت أن رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بعث خاتما للأنبياء والمرسلين في سنة‏(610‏ م‏),‏ أي بعد أكثر من‏(2200‏ سنة‏)‏ من وفاة أخيه يوسف بن يعقوب‏(‏ عليهما السلام‏),‏ فمن غير الله الخالق ـ سبحانه وتعالي يمكن أن يكون قد أخبره بتفاصيل قصة يوسف‏(‏ عليه السلام‏)‏ بهذه الدقة والشمول‏,‏ والإيجاز المعجز دون ترك شيء من التفاصيل ـ؟ وإن قيل إنه كان لليهود بعض الجيوب في الجزيرة العربية علي عهده‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ فإن التاريخ يثبت أن غالبية هؤلاء اليهود كانوا من البدو الذين لم يكونوا علي قدر كاف من الثقافة الدينية أو الدنيوية‏,‏ وكانت صحفهم قد تعرضت للكثير من التغيير‏,‏ وإن بقيت بها بعض بقايا الحق القديم‏.‏

ثانيا‏:‏ في قوله ـ تعالي ـ علي لسان ملك مصر‏:﴿..إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾‏:‏
هذه الرؤيا المنامية رآها ملك مصر علي عهد نبي الله يوسف‏(‏ عليه السلام‏)‏ في زمن حكم الهكسوس الرعاة العماليق لشمال مصر‏,‏ وانحسار حكم الفراعنة إلي الجنوب‏,‏ وكانت عاصمتهم طيبة الأقصر‏.‏ولكون المصطفي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ لم يكن يحسن القراءة أو الكتابة‏,‏ وكان ذلك لحكمة يعلمها الله ـ سبحانه وتعالي ـ منها ألا يصدق علي هذا الرسول الخاتم دعاوي النقل عن كتب السابقين‏,‏ وفي ذلك يقول له ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏
﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ المُبْطِلُونَ﴾ ‏(‏ العنكبوت‏:48).‏
والمتتبع لقصة نبي الله يوسف‏(‏ عليه السلام‏),‏ كما جاءت في القرآن الكريم يدرك بوضوح وحدة رسالة السماء المنطلقة من وحدانية الخالق ـ سبحانه وتعالي ـ‏,‏ كما يدرك دقة حفظ الوحي السماوي في صورته الخاتمة كما جاءت في القرآن الكريم الذي تعهد ربنا ـ تبارك وتعالي ـ بحفظه فحفظ علي مدي يزيد علي أربعة عشر قرنا في نفس لغة وحيه‏(‏ اللغة العربية‏),‏ وسيظل محفوظا كذلك إلي ما شاء الله تحقيقا لوعده الذي قطعه علي ذاته العلية‏.‏ فقال ـ عز من قائل ـ‏:‏
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر‏:9).‏

ثالثا‏:‏ في قوله ـ تعالي ـ‏:﴿.. يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾
من المسلمات أنه لا يوجد ملك بدون حاشية له‏,‏ وقد عبر القرآن الكريم عن هذه الحاشية بتعبير الملأ‏,‏ أي الجماعة‏,‏ وجمعه أملاء‏,‏ والملأ جماعة يجتمعون علي رأي فيملأون العيون بمجرد الاستماع إليهم‏,‏ أو هم علي قدر من الهيبة بحيث يملأون العيون بمجرد النظر إليهم‏,‏ وعلي ذلك يكون ملأ بمعني مالئ أو مليء أو مملوء‏,‏ لأن لفظة ملأ لا تطلق إلا علي النخبة المختارة من مثل الحاشية التي تختار لبلاط الملوك من العلماء‏,‏ والحكماء‏,‏ والأدباء‏,‏ وأهل الرأي في كل أمر من الأمور‏.‏ومن المنطقي أن يتوجه الملك أول ما يتوجه بالسؤال إلي خاصته وحاشيته في كل أمر من الأمور التي تعرض له‏,‏ ولذلك قال ـ تعالي ـ علي لسان ملك مصر‏:
﴿.. يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ ‏(‏يوسف‏:43).‏
فالحمد لله علي نعمة الإسلام العظيم‏,‏ والحمد لله علي نعمة القرآن الكريم‏,‏ والحمد لله علي بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏),‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.