﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ الحجر:95


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في خواتيم سورة "الحجر"، وهي سورة مكية، وآياتها (99) بعد البسملة، وقد سُمِّيت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى "أصحاب الحجر"، وهم قوم نبي الله صالح – عليه السلام – وذـلك في الآيات (80– 84) من هذه السورة المباركة.
وتبدأ سورة "الحجر" بالحروف المُقطَّعة الثلاثة (الر) التي جاءت في مطلع خمسٍ من سور القرآن الكريم؛ هي (يونس، هود، يوسف، إبراهيم، الحجر)، كما جاءت مرةً سادسةً بإضافة الحرف (م) لتصبح (المر)؛ وذلك في مطلع سورة "الرعد". وقد سبق لنا استعراض قضية الحروف المُقطَّعة بما يغني عن تكرار ذلك هنا.
وبعد هذا الاستهلال تمتدح سورة "الحجر" القرآن الكريم، مهدِّدةً الكفار لانصرافهم عن الإسلام, ومتوعدةً إياهم بنزول عقاب الله تعالى بهم في الدنيا والآخرة؛ وذلك بقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ & رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ & ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمْ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ & وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ & مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ (الحجر: 1– 5)، ثم تستنكر الآيات تطاول الكفار والمشركين على خاتم الأنبياء والمرسلين r  وتنطُّعهم واستكبارهم على الحق الذي جاء به, وطلبهم ملائكةً تبلغهم عن الله - تعالى - الذي يجزم بأن الملائكة لا تنزل إلا بالحق، أي بالرسالة أو بالعذاب.
وتؤكِّد الآيات تعهُّد الخالق – سبحانه وتعالى - بحفظ القرآن الكريم تعهُّدًا مطلقًا، كما تؤكِّد بشرية جميع المرسلين, وتستنكر تطاول الكفار والمشركين على رسل الله، على الرغم من علمهم بما نزل بالكفار من قبلهم، وفي ذلك تقول الآيات:﴿ وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ & لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ & مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ & ِإنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ & وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ & وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ & كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ & لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ (الحجر: 6– 13).
ثم تنتقل سورة "الحجر" إلى تأكيد أن الكفار والمشركين مهما رأوا من الآيات فلن يؤمنوا بها، مستعرضةً عددًا من آيات الله في الكون (الآيات 15– 27) للتدليل على حقيقة الألوهية والربوبية والوحدانية المطلقة للخالق العظيم فوق جميع خلقه، وعلى حتمية البعث والحشر والحساب والجزاء، ولكنَّ الكافرين لا يعتبرون.

وبعد ذلك تنتقل الآيات إلى عرض جانب من قصة خلق أبينا آدم – عليه السلام – وموقف الشيطان منه ومن ذريته؛ فمنهم من يتبعه من الضالين فيهوي بهم إلى نار جهنم، ومنهم من يستعصي على غوايته من عباد الله المتقيــن, فيدخلهم الله – تعالى - جنات النعيم (الآيات 28– 48).
وتأمر الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين – صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين – أن يبلِّغ العباد بأن الله – تعالى – هو الغفور الرحيم، وأن عذابه هو العذاب الأليم (الآيتان: 49, 50)، كما تأمره أن يبلِّغهم بقصص عددٍ من أنبياء الله السابقين لبعثته الشريفة؛ تأكيدًا لوحدة رسالة السماء، وللأخوة بين الأنبياء، ولصدق رسالته r، ولصلته بوحي السماء؛ وذلك تثبيتًا للمؤمنين على إيمانهم، ودعوةً للعقلاء أن يؤمنوا بنبوته، ومن هؤلاء الأنبياء: إبراهيم، لوط، صالح، وشعيب (على نبينا وعليهم من الله السلام). ووضَّحت الآيات كيف عاقب الله – تعالى – المعاندين الكافرين من أمم هؤلاء الأنبياء والمرسلين (الآيات 51– 84). وتختتم سورة "الحجر" بتوجيه الخطاب مرةً أخرى إلى رسول الله r، مؤكِّدةً خلق السماوات والأرض بالحق، وحتمية الساعة، وأن الله – تعالى – هو خالق كل شيء، وفضل كلٍّ من الفاتحة والقرآن العظيم فتقول:﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ & إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ & وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ & لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ & وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ & كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ & الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ & فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ & عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ & فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ & إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ & الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ & وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ & فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ & وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر: 85– 99).

والخطاب إلى رسول الله r خطابٌ إلى جميع المسلمين، المؤمنين بصدق بعثته الشريفة، وعلى ذلك فإن الأوامر إلى هذا الرسول الخاتم كما جاءت في ختام سورة "الحجر" وفي غيرها من سور القرآن الكريم هي أوامر لجميع المسلمين، وفيها من التكريم لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – ما هو حقٌّ لمقامه بصفته خاتم الأنبياء والمرسلين، والنذير المبين الذي ليس من بعده نبي ولا رسول، وفيها من التعظيم لفاتحة الكتاب الكريم وللقرآن كله ما يليق بكلام رب العالمين, وفيها اللوم على الذين يجتزئون القرآن الكريم فيؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعضه, أو يستشهدون بما يجتزئونه منه ويكفرون بمجموع رسالته القائمة على التوحيد الخالص لله – تعالى – وعلى تنزيهه – جل وعلا – عن جميع صفات خلقه، وعن كل وصف لا يليق بجلاله؛ ولذلك وصفتهم الآيات في ختام سورة "الحجر" بوصف ﴿...الْمُقْتَسِمِينَ & الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ أي المتحالفين على الباطل الذين آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض، وتهدِّدهم الآيات بقول الحق – تبارك وتعالى لخاتم أنبيائه ورسله: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ & عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وتشير الآيات إلى أن أهل الكفر والشرك والضلال سوف يظلون أبد الدهر يتطاولون على دين الله وكتابه ورسوله كما تطاولوا في القديم، ويتطاولون في أيامنا هذه، وهو من الإعجاز الإنبائي لكتاب الله؛ ولذلك فإن الآيات في خواتيم سورة "الحجر" توجِّه الخطاب إلى رسول الله r، مهدِّدةً الكفار والمشركين فتقول: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ & إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ & الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. وفي مواساة رقيقه منرب العالمين لخاتم أنبيائه ورسله r تختتم سورة "الحجر"، بقول الحق تبارك وتعالى له: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ & فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ & وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.
والأمر من الله – تعالى – إلى خاتم أنبيائه ورسله هو أمرٌ لجميع المؤمنين برسالته, وكأن القرآن الكريم يتنزَّل اليوم للرد على مسيء الرسوم الكاريكاتيرية في الدنمارك وفي غيرها من دول الغرب المشرك, وللرد على غيرهم من شياطين الإنس من أمثال الشيطان الهولندي الذي أساء إلى القرآن الكريم بفيلمٍ حقيرٍ وضعه على شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت)، وأمثاله ممن يغيظهم المدُّ الإسلامي في عالم اليوم, والمسلمون في حالٍ من الضعف لا أعتقد أنهم قد مرُّوا بمثله من قبل؛ مما يشهد لهذا الدين الخاتم بأنه دين الله الحق الذي علَّمه لأبينا آدم – عليه السلام – لحظة خلقه, وأنزله على سلسله طويلة من أنبيائه ورسله - صلى الله وسلم وبارك عليهم أجمعين – ولذلك تعهد ربنا – تبارك وتعالى - بحفظه تعهُّدًا مطلقًا حتى يبقى القرآن الكريم شاهدًا للرسول الخاتم الذي تلقَّاه بالنبوة والرسالة، ويبقى حجةَ الله على الخلق أجمعين إلى يوم الدين.

من ركائز العقيدة في سورة "الحجر":
1) الإيمان بالله - تعالى – وبملائكته, وكتبه, ورسله، وبخاتم الأنبياء والمرسلين, وبالقرآن الكريم الذي أوحي إليه من رب العالمين, وبأنه كتاب مبين, وبأن الله – تعالى – هو الغفور الرحيم, وأن عذابه هو العذاب الأليم, وأنه – سبحانه وتعالى – هو الخلاَّق العليم؛ فلا يخلق غيره, ولا يخفى شيء عن علمه.
2) اليقين بأن الإسلام هو دين الله الذي علَّمه لأبينا آدم – عليه السلام – لحظة خلقه, وأنزله على سلسلة طويلة من الأنبياء والمرسلين, ثم أكمله وأتمَّه وحفظه في بعثة الرسول الخاتم r؛ ولذلك تتوق النفوس إلى هذا الدين الإلهي بالفطرة، حتى نفوس أعدادٍ من الكفار والمشركين الذين باعوا أنفسهم للشياطين فصدُّوهم عنه.
3) التصديق بأن الكفار والمشركين يأكلون ويتمتعون كما تأكل الأنعام, ويلهيهم الأمل عن مصيرهم الأسود في الدنيا قبل الآخرة؛ حيث الفشل في حياتهم, ثم في الآخرة النار مثوى لهم.
4) التسليم بأن هلاك كل أمة من أمم الكفر والشرك والضلال له في علم الله كتاب محدَّد معلوم, لا تستبقه ولا تتأخر عنه, أي أن الله – تعالى – ما أهلك أمة من الأمم العاصية إلا بعد قيام الحجة عليها, وانتهاء الأجل المحدَّد لها.
5) الإيمان بأن النبي العربي سيدنا محمد بن عبد الله r هو خاتم الأنبياء والمرسلين, وأنه تلقَّى الوحي بالقرآن الكريم من لدن رب العالمين؛ ولذلك تعهَّد الله – تعالى – بحفظه فحُفِظَ على مدى أربعة عشر قرنًا ماضيًا, وسوف يظل محفوظًا بحفظ الله إلى ما شاء الله، وبما أن هذا النبي العربي هو خاتم النبيين فقد جعله الله – تعالى – قمة الكمال البشري؛ مما أثار حفيظة الكفار والمشركين فتطاولوا عليه في القديم والحديث, وعارضوا دعوته وهو النذير المبين, وطالبوه بإنزال الملائكة, وملائكة السماء لا تنزل إلى الأرض إلا بالحق, أي بالرسالة والرحمة, أو بالعذاب والهلكة.
6) التصديق بأن الكفار والمشركين في كل العصور هم الذين تطاولوا على أنبياء الله ورسله, واستهزءوا بدعوتهم؛ انطلاقًا من ضلالاتهم, ومن استحواذ الشياطين عليهم حتى أعمت قلوبهم إلى حدِّ عدم الاعتبار بعقاب الكافرين ممن سبقوهم.
7) اليقين بأن غالبية الكفار والمشركين لن يؤمنوا بالله العلي العظيم ولو عرضت عليهم آيات السماء والأرض آيةً آيةً، على كثرتها ووضوح دلالاتها وحجتها.
8) التسليم بأن الله – تعالى – هو خالق كل شيء, وأن عنده علم كل شيء, وبأنه هو الذي يحيي ويميت, وأن كل شي هالك إلا وجهه, وأنه – تعالى – هو وارث الأرض ومَن عليها, وباعث الأموات من أجداثهم, وحاشرهم إليه للحساب والجزاء في يوم الحساب.
9) الإيمان بأن الله – تعالى – خلق الإنسان من صلصال كالفخار, وخلق الجان من قبل من نار السموم, وبأن الله – سبحانه وتعالى – قد أسجد الملائكة لأبينا آدم – عليه السلام – وبأن الشيطان ملعون إلى يوم الدين, ومطرود من رحمة رب العالمين؛ ولذلك توعَّد بني آدم بالإضلال والغواية إلا عباد الله المخلصين منهم.
10) اليقين بأن الجنة حق, وأنها هي دار المتقين, وبأن النار حق, وبأنها هي قرار الكافرين.
11) التصديق بكل ما جاء به القرآن الكريم من أخبار الأولين.
12) التسليم بأن خلق السماوات والأرض وما بينهما قد تمَّ بالحق، أي حسب قوانين وسنن ثابتة لا تتخلَّف, ولا تتعطَّل ولا تتوقَّف إلا أن يشاء الله.
13) الإيمان بأن الساعة آتية لا ريب فيها.
14) التصديق بالقرآن الكريم كله دون اجتزاء؛ لأن إنكار آية واحدة منه يمثِّل إنكارًا لمعلومٍ من الدين بالضرورة, وهو كفر لا شكَّ فيه.
15) اليقين بأن الله – تعالى – قد تكفَّل بالدفاع عن خاتم أنبيائه ورسله r؛ فلن يفلت من عقاب الله متطاولٌ على مقام هذا الرسول الخاتم الذي جعله الله – تعالى – إمامًا للمتقين, وسيدًا للخلق أجمعين, وتجسيدًا للكمال البشري في أعلى صوره.

 من الإشارات الكونية والتاريخية في سورة "الحجر":
1) تأكيد حفظ القرآن الكريم من كلٍّ من الضياع أو التحريف, وقد حُفظ كاملاً في نفس لغة وحيه (اللغة العربية) على مدًى تجاوز أربعة عشر قرنًا, وسوف يبقى القرآن محفوظًا إلى ما شاء الله؛ لأن العهد الإلهي بحفظه عهدٌ مطلقٌ, أي غير مُقيَّد بزمن محدَّد ( الآية رقم 9).
2) الإشارة إلى كلٍّ من رقة طبقة نهار الأرض، وظلمة السماء, وإلى بنائها المحكم, ووصف الحركة فيها بالعروج (الآية رقم 15).
3) وصف بروج السماء الدنيا بأنها زينة للناظرين, وتأكيد حفظها من كل شيطان رجيم (الآيتان 16، 17).
4) الإشارة إلى شيء من وظيفة الشهب (الآية 18).
5) إثبات كروية الأرض بالوصف (مددناها), ووصف الجبال بأنها رواسٍ لها, ونعت جميع صور الإنبات فيها بالاتزان الدقيق (الآية رقم 19).
6) تأكيد تكفُّل الله – تعالى – برزق كل حي (الآية رقم 20).
7) إثبات أن خزائن كل شيء بيد الله – تعالى – وأنه لا ينزلها إلى الأرض إلا بقدر معلوم؛ وذلك من أجل حفظ التوازن فيها (الآية رقم 21).
8) الإشارة إلى أن الله – تعالى- جعل من الرياح ما يحمل إلى السحب نوى التكثيف لبخار الماء المحمول فيها, حتى ينزل على هيئة المطر الذي يسقيه الخلق أجمعين, ووصف تلك الرياح بأنها (لواقح), وتأكيد أن الله – تعالى – هو الذي هيَّأ الظروف الأرضية لخَزْن جزءٍ من ماء السماء في تربة وصخور قشرة الأرض, ولا يقدر على ذلك غيره (الآية رقم 22).
9) تأكيد أن الله – سبحانه و تعالى – هو خالق كل شيء, وهو الذي يحيي ويميت, والذي يرث الكون بكل من فيه وما فيه (الآية رقم 23).
10) وصف خلق الإنسان من صلصال من حمأ مسنون (الحجر 26– 28).
11) إثبات عددٍ من قصص الأنبياء وأممهم من مثل قصة نبي الله إبراهيم (الآيات رقم 51– 60), وقصة قوم لوط (الآيات 61– 77), وأصحاب الأيكة، وهم قوم نبي الله شعيب (الآيتان 78, 79), وأصحاب الحجر، وهم قوم نبي الله صالح (الآيات 80– 84).
12) الإشارة إلى قلب الأرض رأسًا على عقب بقرى قوم لوط (الآية رقم 74), وهذه الآية لا تزال باقيةً إلى اليوم وإلى أن يشاء الله.
13) تأكيد خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق, وما في ذلك من إشارةٍ إلى مركزية الأرض من السماوات, وإلى أن الغلاف الغازي للأرض ليس من الأرض بالكامل, ولا من دخان السماء بالكامل, ولكنه خليط من مادتَي الأرض والسماء، وتأكيد ضبط القوانين والسنن الحاكمة للكون إلى أن يشاء الله, وأن الساعة آتيه لا محالة (الآية رقم 85).
14) الجزم بأن الله – تعالى – هو خالق كل شيء (الآية رقم 86).
15) الإشارة إلى عهد الله – تعالى- بكفاية خاتم أنبيائه ورسله r ما تعرَّض له، ولا يزال يتعرَّض له، من تطاول المتطاولين, واستهزاء المستهزئين, وقد تحقَّق ذلك بالفعل، ولا يزال يتحقق اليوم وإلى يوم الدين, وكلٌّ من التاريخ والواقع المَعيش يثبت ذلك ويؤكِّده (الآية رقم 95).
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها؛ ولذلك فسوف أركِّز في المقال القادم، إن شاء الله، على النقطة الأخيرة من القائمة السابقة.

الجزء الثانى من المقال فى الصفحة رقم2



هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في خواتيم سورة " الحجر " , وهي سورة مكية , وآياتها تسع و تسعون (99 ) بعد البسملة , وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيــها إلى " أصحاب الحجر " وهم قوم نبي الله صالح – عليه السلام – وذلك في الآيـــات ( 80- 84) من هذه السورة المباركة . وقد سبق لنا استعراض سورة " الحجر"  وما جاء فيها من ركائز العقيدة والإشارات الكونية , ونركز هنا على وعد الله – تعالى- بالدفاع عن خاتم أنبيائه ورسله - r- بقوله العزيز  :)              إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ(                                     ( الحجر : 95).

من الإعجاز التاريخي والإنبائي في الآية الكريمة
أولاً: حماية الله – تعالى- لرسوله من المستهزئين من كفار قريش:
أخرج الحافظ البزار – رحمه الله – عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – أنه قال مَر رسول الله - r- فغمزه بعضهم , فجاء جبريل_ أحسبه قال فغمزهم -  فوقع في أجسادهم كهيئة الطعنة فماتوا . وفي توضيح ذلك قال محمد بن إسحاق : كان هؤلاء المستهزئون خمسة نفر , وكانوا ذوي مكانة في قومهم , من بني أسد بن عبد العزى ( أبو زمعة الأسود بن المطلب) , وكان رسول الله - r- فيما بلغني – قد دعا عليه لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه , فقال: ( اللهم اعم بصره وأثكله ولده), ومن بني زهرة ( الأسود بن عبد يغوث ) , ومن بني مخزوم ( الوليد بن المغيرة) , ومن بني سهم ( العاص بن وائل) , ومن خزاعة ( الحارث بن الطلاطلة ) , فلما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله - r- الاستهزاء أنزل الله – تعالى- قوله العزيز : ) فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ & إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ & الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إِلـهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( وهو تهديد شديد ووعيد أكيد من الله – تعالى- لكل متطاول على مقام رسول الله - r- من الملاحدة والكفار الذين تنكروا لخالقهم العظيم , ومن المشركين الذين جعلوا مع الله – تعالى- معبوداً آخر بافتراءات لا سند لهم فيها ولا حجة , إلا ما انقادوا له من غمزات الشياطين , وكذبهم , وغوايتهم.
وقال إبن إسحاق أن جبريل أتى رسول الله - r- وهؤلاء الخمسة المتطاولون على رسول الله يطوفون بالبيت, فقام وقام رسول الله - r- إلى جنبه , فمر به الأسود بن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء, فعمى , ومر به الأسود بن عبد يغوث , فأشار  إلى بطنه , فاستسقى ( بطنه ) فمات منه حبناً ( أي : نتيجة لانتفاخ البطن من الاستسقاء) ؛ ومر به الوليد بن المغيرة , فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله, كان قد أصابه قبل ذلك بسنين , فانتقض به جرحه؛ ( أي تجدد بعد ما برئ ) فقتله , ومر به العاص بن وائل , فأشار إلى أخمص قدمه؛ ( أي ما لم يصب الأرض من باطن قدمه ) , ثم خرج على حمار له يريد الطائف فربض به على شبارقة ( أو شبرقة؛ وهي شجرة عاليه ذات أشواك) فدخلت في أخمص رجله شوكة فقتلته ؛ ومر به الحارث بن الطلاطلة , فأشار إلى رأسه , فامتخض قيحاً , فقتله . وهكذا أهلك الله – تعالى – هؤلاء الخمسه الذين تطاولوا على مقام سيد المرسلين.

ثانياً: حماية الله – تعالى – لرسوله من جهل أبي جهل وأمثاله: 
تروي لنا كتب السيرة أن أبا جهل تطاول على رسول الله -
r- قائلاً : واللات والعزى لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على عنقه , ولأعفرن وجهه بالتراب. فما أن اقترب قليلاً من رسول الله - r- ليفعل به ما حلف عليه حتى رجع يهرول , وهو يتقي وجهه بيديه , فقال له الكفار : مالك يا أبا الحكم ؟ قال: رأيت بيني وبينه خندقاً من نار , ورأيت أجنحة وهولاً تكاد تتخطفني . فبلغ ذلك رسول الله - r- فقال : " لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضوا " وفي ذلك نزل قول ربنا – تبارك وتعالى - : ) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى & عَبْدًا إِذَا صَلَّى & أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى & أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى & أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى & أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى & كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ & نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ & فَلْيَدْعُ نَادِيَه & سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ & كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ( ( العلق : 9- 19 ) .   وبالمثل يروي ابن إسحاق أن رسول الله - r- مر بكل من الوليد بن المغيرة, وأميه بن خلف , وأبي جهل بن هشام , فهمزوه , و أستهزاوا به , فأنزل الله – تعالى- قوله الحق : ) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون(  ( الأنبياء : 41). كذلك روى ابن إسحاق أن رجلاً من أراش ( أو إراشه) قدم إلى مكة بإبل له , فابتاعها منه أبو جهل , فمطله بأثمانها. فأقبل الآراشي و وقف على ناد من قريش, ورسول الله -r- في ناحية المسجد جالس, فقال: يا معشر قريش, من رجل يؤدينــي ( أي يعينني على أخذ حقي) على أبى الحكم بن هشام , فإني رجل غريب, ابن سبيل , وقد غلبني على حقي؟ فقال له أهل ذلك المجلس : أترى ذلك الرجل الجالس؛ ( يعنون رسول الله – صلى الله عليه وسلم -) اذهب إليه فإنه يؤديك عليــه ( وقالوا ذلك إستهزاءً برسول الله لما يعلمون مما بينه وبين أبي جهل من العداوة) فأقبل الأراشي حتى وقف إلى رسول الله -r- فقال له : يا عبدالله إن أبا الحكم ابن هشام قد غلبني على حق لي قِبلَهُ, وأنا رجل غريب, ابن سبيل, وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يؤديني عليه؛ ( أي يأخذ لي حقي منه) فأشاروا لي إليك, فخذ لي حقي منه , يرحمك الله, قال - r- : انطلق إليه , وقام معه, فلما رآه المشركون قام معه, قالوا لرجل ممن معهم : اتبعه, فأنظر ماذا يصنع! قال: وخرج رسول الله - r- حتى جاء بيت أبي جهل فضرب عليه بابه , فقال أبو جهل : من هذا ؟ قال - r- محمد , فاخرج إلي, فخرج إليه, وما في وجهه من رائحة ( أي بقية من روح؛ أي مرتعداً خائفاً ما في وجهه قطرة من دم ) قد انتقع أو امتقع لونه؛ أي تغير ) , فقال له -r- : أعط هذا الرجل حقه, قال : نعم , لا تبرح حتى أعطيه الذي له , قال الراوي: فدخل ثم خرج إليه بحقه , فدفعه إليه , ثم انصرف رسول الله - r- , وقال للأراشي إلحق بشأنك , فأقبل الأراشي على ذلك المجلس , فقال: جزاه الله خيراً , فقد والله أخذ لي حقي.
وعاد الرجل الذي بعثه المشركون ليراقب الموقف إليهم , فقالوا له : ويحك! ماذا رأيت ؟ قال: عجباً من العجب, والله ما هو إلا أن ضرب عليه محمد بابه , فخرج إليه وما معه روحه ( من شدة الفزع ) فقال له: أعط هذا حقه , فقال : نعم, لا تبرح حتى أخرج له حقه , فدخل ثم خرج إليه بحقه, فأعطاه إياه. ثم لم يلبث أبو جهل أن جاء , فقالوا له : ويلك! مالك؟ والله ما رأينا مثل ما صنعت قط! قال : ويحكم, والله ما هو إلا أن ضرب عليّ بابي, وسمعت صوته , فملئت رعباً, ثم خرجت إليه, وإن فوق رأسه لفحلاً من الإبل , ما رأيت مثل هامته, ولا قصرته ( أي عنقه) , ولا أنيابه لفحل قط, والله لو أبيت لأكلني. وقد كان أبو جهل بن هشام – مع عداوته لرسول الله - r- وبغضه إياه, وشدته عليه, يذله الله – تعالى- له إذا رآه كما روى ابن إسحاق.

ثالثاً: انتقام الله – تعالى- من أبي لهب وآل بيته وأمثاله انتصارا لرسول الله:
1 - تروى كتب السيرة أنه لما نزل الوحي بقول ربنا – تبارك وتعالى-:  ) وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى & مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى & وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى & إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى & عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى & ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى & وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى & ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى & فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (  ( النجم : 1- 9 ) . 
جاء عتيبة بن أبي لهب إلى رسول الله - r- قائلاً – في كفر ووقاحة وتبجح : أنا أكفر بالنجم إذا هوى, وبالذي دنا فتدلى.
ثم بالغ في وقاحته , وقلة أدبه فشق قميص رسول الله -r- , وحاول أن يتفل في وجهه الشريف فلم يصبه, فدعا عليه النبي – صلوات الله وسلامه عليه- قائلاً : " اللهم سلط عليه كلباً من كلابك " فانصرف عتيبة ساخراً مستهزئاً. ومرت الأيام حتى خرج عتيبة مع نفر من قريش في تجارة إلى بلاد الشام , وفي الطريق نزلوا في مكان يقال له الزرقاء ( وهو مدينه كبيرة في الأردن اليوم ) , وبعد أن استراحوا وضعوا العشاء, ولما جلسوا لتناوله طاف بهم أسد من الأسود , وزأر عليهم فارتعدت فرائص عتيبة , فقال له أصحابه: من أي شي ترتعد ؟ فو الله ما نحن وأنت إلا سواء! فقال لهم : إن محمداً قد دعا علي , وما ترد له دعوة , ولا أصدق منه لهجة!! ومن شدة رعب عتيبة لم يدخل يده في الطعام . وعندما جاء وقت النوم أحاط القوم أنفسهم ومتاعهم , وجعلوا عتيبة في وسطهم وناموا. ثم جاء الأسد يشم رؤوسهم رجلاً رجلاً وهم يغطون في نوم عميق حتى انتهى إلى عتيبة بن أبي لهب فهشمه هشمة كانت إياها, وقام القوم فزعين من نومهم على صرخة عتيبة , فقال وهو بآخر رمق : ألم أقل لكم إن محمداً أصدق الناس لهجة , يا ويلي وويل أخي !! هو والله آكلي كما دعا علي محمد , قتلني وهو بمكة وأنا ببلاد الشام , وقد استجيب دعاؤه ..!! ومات عتيبة .
2 – كذلك تروي لنا كتب السيرة أن  " أبا لهب بن عبد المطلب" و امرأته " أم جميل بنت حرب بن أمية" كانا من أشد الناس عداءً لرسول الله -r- , فكانت " أم جميل " تحمل الشوك فتطرحه على طريق رسول الله - r- حيث يمر, فأنزل الله - تعالى – فيهما قوله الحق: )   تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ & مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ & سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ & وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ & فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ (             ( المسد : 1 – 5).
ويروي ابن إسحاق أن " أم جميل " حين سمعت ما نزل فيها , وفي زوجها من القرآن , أتت رسول الله - r- وهو جالس في المسجد الحرام عند الكعبة ومعه أبو بكر الصديق , وفي يدها فهر من حجارة ( والفهر هو حجر على مقدار ملء الكف) , فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن رسول الله - r- فلم تعد ترى إلا أبا بكر , فقالت: يا أبا بكر : أين صاحبك؟ فقد بلغني أنه يهجوني, والله لوجدته لضربت بهذا الفهر فاه, ثم انصرفت بعد أن تفوهت بشعر بذيء , فقال أبو بكر : يا رسول الله أما تراها رأتك ؟ فقال ما رأتني , لقد أخذ الله ببصرها عني.
3 – وكان أمية بن خلف إذا رأى رسول الله -
r- همزه ولمزه فأنزل الله – تعالى – فيه:
) وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ & الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ & يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ & كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ & وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ & نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ & الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ & إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ & فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ (                                                           ( الهمزة : 1 – 9).
4 – و روى ابن هشام أن رسول الله -r- كان إذا جلس مجلساً فدعا فيه إلى الله – تعالى - , وتلا فيه شيئاً من القرآن الكريم خلفه في مجلسه إذا قام النضر بن الحارث فحدثهم عن ملوك فارس ثم يقول : والله ما محمد بأحسن حديثاً مني , وما حديثه إلا أساطير الأولين , اكتتبها كما اكتتبتها , فأنزل الله – تعالى – فيه :
§         ) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا & قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (      ( الفرقان : 5 – 6) .
§         وأنزل ربنا كذلك قوله العزيز : ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ & الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ & وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ & إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ & كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ & كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ & ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ & ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ (                   ( سورة المطففين : 10 – 17 ) .

5 – وروى ابن إسحاق أن رسول الله - r - جلس يوماً في المسجد الحرام مع الوليد بن المغيرة , فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم , وفي المجلس غير واحد من قريش , فتكلم الرسول الخاتم – صلوات الله وسلامه عليه – فعرض له النضر بن الحارث , ورد عليه الرسول حتى أفحمه , ثم قرأ عليه وعليهم قول الحق – تبارك وتعالى- : ) إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ & لَوْ كَانَ هَؤُلَاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ & لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ(             ( الأنبياء: 98 -100).
وقال ابن إسحاق : ثم قام رسول الله -r- , وأقبل عبد الله بن الزّبعَري السهمي حتى جلس , فقال له الوليد : والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفاً وما قعد؛ ( أي ما استطاع أن يقارع حجته أو يرد عليه ) وقد زعم محمد أنّا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم ؛ فقال عبد الله بن الزعبري: أما والله لو وجدته لخصمته, فسلوا محمداً: أكل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده ؟ فنحن نعبد الملائكة, واليهود تعبد عزيرا, والنصارى تعبد عيسى بن مريم ؛ فعجب الوليد, ومن كان معه في المجلس من قول ابن الزبعري, ورأوا أنه قد أحتج وخاصم , فذكر ذلك لرسول الله - r - فقال : ( إن كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده, إنهم إنما يعبدون الشياطين, ومن أمرتهم " الشياطين" بعبادته) . فأنزل الله-  تعالى – في ذلك قوله العزيز : ) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ & لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ (   ( الأنبياء : من 101 , 102 ) .
وتأتي هذه الوقائع وأمثالها انطلاقاً من هذا الوعد الإلهي المطلق الذي قطعه ربنا – تبارك وتعالى – على ذاته العليه فقال لخاتم أنبيائه ورسله - r- : ) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ & الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إِلـهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ & وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ & فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ & وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِين(  ( الحجر : 95 – 99 ).
وهذا الوعد الإلهي قد تحقق في حياة رسول الله - r- كما أسلفنا في الأحداث التي اخترناها من بين المئات , كما سوف تحقق في مئات من الحالات بعد وفاته يتحقق في الحاضر والمستقبل وفاء لوعد الله الذي لا يتخلف . ووفاؤه في القديم هو من صور الإعجاز التاريخي, ووفاؤه في الحاضر والمستقبل هو من صور الإعجاز الإنبائي في كتاب الله . وعلى ذلك فليس من قبيل الحدس أو الأمل بل هو من قبيل اليقين القاطع أن يتنزل عقاب الله الرادع بكل من تطاول على دين الله , وكتابه ورسوله من أمثال الشيطان " فستر جورد" رسام الكاريكاتير في صحيفة يولاندز بوسطن الدنماركيه وكل من حاكى صوره المسيئة من الإعلاميين, والشيطان الكندي " آندي دوناتو" , والشيطان الأمريكي " روبرت دورنان" والشيطان الهولندي " جيرت فيلدرز" صاحب فيلم " الفتنه" والشيطان الإيراني إحسان جامي صاحب فيلم " الإساءة لأمهات المؤمنين" , والشيطانين المصريين " زكريا بطرس" صاحب قناة الموت المسماة زوراً باسم "قناة الحياة" , " وبسنت رشاد" الصحفية بإحدى الجرائد المغمورة بالقاهرة. هذا عدا عن شياطين السجون الأمريكية في كل من " جونتانامو " , والعراق , وأفغانستان, وشياطين الصهاينة في فلسطين المحتلة الذين دنسوا المصحف الشريف , والمساجد,والمقابر الإسلامية , ) ...وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (    ( يوسف:21 ).
ويبقى التأكيد في "سورة الحجر" على أن الذين يسيئون إلى مقام رسول الله - r- في القديم والحديث هم المشركون, ومضة من ومضات الإعجاز الإنبائي والتاريخي في كتاب الله الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله , وحفظه بعهده , في نفس لغة وحيــــه ( اللغة العربية) على مدى يزيد عن الأربعة عشر قرناً وتعهد بهذا الحفظ تعهداً مطلقاً حتى يبقى القرآن الكريم حجة الله – تعالى – على خلقه إلى يوم الدين.