العناية بكبار السن3


ثانيا: فى نطاق المجتمع:-
يحض كل من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة على حسن رعاية كبار السن فى المجتمع الإنسانى، وعلى توقيرهم التوقير اللائق بهم وعلى تقديمهم واحترام رغباتهم، ويعتبر هذان المصدران الرئيسيان للإسلام ذلك من أجل القربات إلى الله، تأكيدا على دور المسنين فى المجتمع المسلم وعلى أهمية هذا الدور فى تواصل الأجيال، والإستفادة بالخبرات الطويلة فى الحياة، وفى المحافظة على التراث، وفى ترسيخ القيم والمبادئ الأخلاقية والسلوكية، وفى فهم رسالة الإنسان فى الحياة.
لذلك يشعر كبير السن فى الإسلام – رجلا كان أو امراة – بشئ من الأمان والاطمئنان إذا كان قد عاش الإسلام فى شبابه، وربى عليه أهله وأبناؤه، وأحسن اختيار اصدقائه على أساس من هذا الدين، الخالص الذى لا يرتضى ربنا – تبارك وتعالى – من عباده دينا سواه وذلك نظرا لما يفرضه هذا الدين من حقوق للمسنين فى المجتمع المسلم ومن هذه الحقوق ما أقرته السنة النبوية المطهرة ومن أقوال الرسول الخاتم – صلى الله عليه وسلم – ما يلى:-
1-               " إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط " (رواه أبو داود).
2-               "ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويأمر بالمعروف، وينه عن المنكر"(رواه الترمذى).
3-               "رغم أنفه ثم رغم أنفه ثم رغم أنفه" قيل: من يا رسول الله؟ قال: "من أدرك أبويه عند الكبر – أحدهما أو كليهما – فلم يدخل الجنة"  (رواه أحمد ومسلم).
4-            "أن من أبر البر صلة الرجل ود ابيه بعد أن يولى" ( رواه مسلم).
5-               وقال – صلى الله عليه وسلم – لرجل استاذنه فى الجهاد: "احىٌّ والداك؟" فقال: نعم، قال - صلى الله عليه وسلم- :"ففيهما فجاهد" (رواه البخاري والنسائي وأبو داود والترمذي وصححه).

وانطلاقا من هذه القيم النبيلة فإن المسن فى المجتمع المسلم يلقى من أبنائه، وأهله، وأصدقائه، وجيرانه ومن المجتمع كله من حسن الرعاية والاحترام ما يهون عليه شدائده، بينما المسنون فى المجتماعت غير المسلمة قد يجدون شيئا من الرعاية المادية من الدولة ولكنهم يظلون مفتقرين إلى الدعم الروحى والمعنوى نظرا لفقدان الصلة بالله – تعالى انطلاقا من انحراف العقائد أو الانصراف كلية عنها، ولانهيار مؤسسة الاسرة، وتفكك العلاقات العائلية والاجتماعية وسيادة الأنانية الفردية وطغيان المادية المجردة من كل روح.
ومن حقوق المسنين على المجتمع توفير الرعاية الصحية لهم لما روى عن المصطفى - صلى الله عليه وسلم – أن الأعرابى قال: يا رسول الله ألا تتداوى؟ قال: "نعم يا عباد الله تداووا فإن الله – عز وجل – لم يضع داءً" إلا وضع له شفاء الا داء واحدا" قالوا : يارسول الله وما هو؟ قال: "الهرم" (رواه الترمذي). وفى رواية اخرى قال – صلوات الله وسلامه عليه – "إن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء إلا الهرم فعليكم بألبان البقر فإنها ترم من كل شجر"                           (رواه الحاكم ).
وتكون الرعاية الصحية والنفسية للمسنين بالفحص الطبى الدورى للوصول إلى المشاكل فى هذين المجالين قبل استفحالها، وللوقاية من الأمراض المعدية، نظرا لضعف المناعة فى أجسادهم وتكون الرعاية الإجتماعية لهم بتخصيص البرامج الخاصة لتنشيط حركة الجسم والعقل وللترويح عن النفس، وازالة الشعور بالوحدة والإنطواء على الذات وهذا الحق للمسلم ولغير المسلم من المسنين فى المجتمع المسلم. فقد جاء فى كتاب الخراج لابى يوسف أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضى الله تعالى عنه – رأى يهوديا مسنا يتسول فقال: والله ما أنصفناه، أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم؟ ثم أقر له ولامثاله راتبا ورفع عنه الجزية.
كذلك يجب الإهتمام بالتوافق الاجتماعى والثقافى والعمرى بين المسنين، حتى يمكن إشراكهم فى الأنشطة المناسبة لكل شريحة منهم، كما يجب الحرص على اختلاطهم بالأجيال الاصغر سنا حتى تتم الإستفادة من خبراتهم فى تحقيق عملية تواصل الأجيال اللازمة لحياة الأمم، واستمرار تقدمها.
وقد جعل الإسلام العظيم للمسنين حق فى الزكوات والصدقات وفى أوقاف المسلمين، وسن القوانين والتشريعات التى تحكم هذا النشاط وتنظمه.

 ثالثا: فى نطاق العبادات المفروضة:
من سماحة الإسلام أنه راعى حقوق المسنين فى كل شئ حتى فى العبادات المفروضة، فمن ذلك أمر النبى - صلى الله عليه وسلم – للائمة بالتخفيف فى الصلوات المفروضة رفقا بكبار السن والمرضى والضعفاء من المأمومين وفى ذلك يقول: " إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى لنفسه فليطول  ما شاء"(رواه أبو داود).
وقال – صلوات الله وسلامه عليه –  لعمران ابن حصين "صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب" (رواه الجماعة إلا الإمام مسلم).
كما رخص - صلى الله عليه وسلم – للمريض فى التخلف عن صلاة الجماعة فقال: "من سمع المنادى فلم يمنعه من اتباعه عذر، لم تقبل منه الصلاة التى صلى" قالوا: وما العذر؟ قال - صلى الله عليه وسلم - : "خوف أو مرض"      (رواه أبو داود).
كذلك رخص الإسلام العظيم بالإفطار فى شهر رمضان لكل من المسنين والمرضى الذين لا يرجى لهم برؤ، وأصحاب الأعمال الشاقة، الذين لا يجدون مصدرا للرزق غير عملهم الشاق، إذا كان الصيام مجهدا لكل منهم، ويشق عليهم فى جميع فصول السنة. وعلى كل منهم أن يطعم مسكينا عن كل يوم أفطره من أوسط ما يطعم. وفى ذلك يقول - صلى الله عليه وسلم – "رخص للشيخ الكبير أن يفطر، ويطعم عن كل يوم مسكينا، ولا قضاء عليه" كذلك شرع الإسلام العظيم أن من استطاع السبيل إلى الحج ثم عجز عنه لمرض أو شيخوخة، لزمه إحجاج غيره عنه ممن سبق له أداء حجة الفريضة من الرجال أو النساء.

 رابعا: شيخوخة العقل عند الصغار:
لا تحسب الشيخوخة بالعمر الزمنى فقط، فهناك شيخوخة العقل، وشيخوخة القدرة على التحصيل، وشيخوخة بعض أعضاء الجسم، وشيخوخة النفس. وجميع هذه الصور من الشيخوخة تنتاب الكبار والصغار على حد سواء، وهى فى الصغار أخطر منها فى حالات الكبار، لأن الصغار يكتئبون كما يكتئب الكبار، ولكنهم لا يستطيعون التعبير عن أسباب اكتئابهم، أو الشكوى منها وبذلك يتعمق اكتئابهم وتتفاقم أمورهم.
والاكتئاب عند الصغار هو حالة نفسية تختلف اختلافا كاملا عن كل من انحراف المزاج، والحزن غير المرضى، وإن ظهرت علامات الاكتئاب عندهم بتعكر المزاج الذى ينعكس فى صور متعددة منها التهيج، والتوتر مع شئ من العدوانية أحيانا، والأرق أو الاضطراب فى النوم وعدم الاستقرار فى الدراسة، أو التركيز فى الفصل الدارسى وفقد الإهتمام بالأنشطة المدرسية وبالعلاقات الشخصية والإجتماعية بالعزلة عن أفراد الأسرة وعن الأقران من الأهل ومن غيرهم كليا أو جزئيا فى نطاق كل من الاسرة والمدرسة، مع اليأس من تحقيق النجاح، وسوء التقدير للذات وغيرها من الامراض النفسية.وهذه الأمراض – منفردة أو مجتمعة – قد تؤدى فى النهاية إلى حالة من الأنطواء على الذات شخصت فى منتصف السبعينات من القرن العشرين باسم "التوحد" (Autism).
وهذا المرض عادة ما يصاحب بالحزن، والإنعزال عن الآخرين، وبفقدان المبتلى به الثقة فى النفس، والشعور بالذنب وبالياس، والقنوط، فلا يخرجه من ذلك شئ من النجاح، أو المجاملة، أو التقدير مهما بلغ، ولا يرضيه شئ من العطف والمحبة والخضوع لرغباته لشدة حساسيته، وتقلب أمزجته، وسهولة إستثارته، وسرعة غضبه وكثرة بكائه. وبالإضافة إلى كل ذلك فإن مرض الإنطواء على الذات والإنعزال عن المجتمع (أو التوحد) وهو من الأمراض المحيرة لأن الاسباب الرئيسية للاصابة به لا تزال خافية إلا أنه قد يصاحب بعدد من الإضطرابات العضوية أو الجسدية، ونقص فى الوزن مع الإحساس بالضعف والخَوَر وفقدان الشهية، والشعور بالصداع المزمن، وبتقلصات فى المعدة، وآلام فى المفاصل، وضعف فى قوة الإبصار. وهذه الأمراض يمكن ربطها بالحالة النفسية لأنه لم يمكن حتى اليوم إرجاعها إلى أسباب عضوية ظاهرة. ومع تكاثر هذه الأوجاع على الصغير فإن حوإلى 35% من المصابين بالتوحد (أو الانغلاق على الذات) يتمنون الموت، وحوإلى 15% منهم يحاولون أو يخططون للانتحار، وينجح حوإلى 5% منهم فى تحقيق ذلك. وأسباب الاكتئاب عند الصغار قد تكون عضوية مرتبطة بعدم النمو الكامل للمخ أو بتلفه بسبب عدد من الأمراض أو نتيجة لإصابة المخيخ، أو بسبب اضطرابات فى الجهاز العصبى، أو نتيجة للإصابة بواحد من الأمراض المعدية مثل الحصبة قبل الولادة أو بعدها مباشرة واهمال علاجها، وقد يكون المرض وراثيا، كما قد تكون أسبابه اجتماعية محضة، ناتجة عن التغيرات المفاجئة فى حياة الأطفال الصغار من مثل فقدان الدعم النفسى الناتج عن فقد أحد الوالدين بالموت أو بالطلاق أو بالسجن، أو بالاقعاد لفترة طويلة بالمرض، أو نتيجة لإصابة أحد الوالدين بادمان الخمر أو المخدرات، أو بالقيام بمحاولة للأنتحار وعواقب ذلك على الصغار وخيمة. وهذه الأوضاع الأسرية الشاذة، والسلوكيات المنحرفة عالجها الإسلام وعمل على إصلاحها صونا للأسرة وللذرية وإلا تعرض الصغار للأزمات النفسية المتعددة، ولشيخوخة العقل وهم لازالوا فى ريعان الصبا فتطفئ نفوسهم وعقولهم أخطاء ذويهم فى أغلب الأحوال وهم لا يزالون فى سن الزهور، ولذلك قال المصطفى - صلى الله عليه وسلم – "كفى بالمرء اثما أن يضيع من يقوت".
 وعلى كل من الوالدين إدراك مخاطر الوقوع فى أى من الأخطاء التى تؤدى إلى تدمير الأسرة مما يؤدى إلى ضياع صغارهم وتركهم يغوصون فى أحزانهم الصغيرة حتى يفقدوا بالكامل. وعليهم المبادرة بعلاج هؤلاء الصغار من أحزانهم بمجرد الشعور ببدء انطوائهم على الذات، وأنعزالهم عن أقرانهم فى البيت والمدرسة والمجتمع، وعجزهم عن التواصل بمن حولهم أو ظهور بعض الأعراض الشاذة عليهم من مثل الحركات المتكررة لبعض أجزاء الجسم، كالأصابع، أو اليدين أو الرجلين، أو الرأس، وذلك فى سن مبكرة قد لا تتجاوز الثلاث إلى خمس سنوات، أو عند ظهور بعض علامات الإعاقة، ومنها الاختلال فى المواهب الإدراكية والإجتماعية، وفى تطور القدرة على الكلام أو المشى. وكل من الإنغلاق على الذات (أو التوحد)، والتخلف العقلى، والإنفصام، والإصابة بمشاكل النطق والتاخر فى نمو اللغة، ضعف السمع أو الصمم، ضعف الذكاء أو التخلف العقلى، وغيرها من صور الإعاقة قد يوجد كل منها منفردا أو مصاحبا باعاقات أخرى.
وعلى أولياء الأمور أن يدركوا مخاطر وقوع أطفالهم فى أى من المخاطر والابتلاءات السابقة من أجل تلاشى الأثر التدميرى لها على صغارهم أو التقليل من أضرارها قدر الإستطاعة حتى لا يتركوا هؤلاء الصغار يعيشون شيخوخة عاجزة وهم فى بدء حياتهم، يلفونها باحزانهم الصغيرة التى لا يملكون التعبير عنها أو التخلص منها. وعلى أولياء الأمور أن يدركوا أهمية المبادرة بالعلاج، ومتابعة احوال صغارهم أولا بأول.
وعلى المجتمع أن يوفر لهؤلاء الصغار المبتلين من مختلف أنواع التعليم والترفيه ما يتناسب مع إعاقاتهم، وقدرات استيعابهم من مثل التعليم الإجرائى،  أو المعرفى، أو الإجتماعى، والعمل على انفتاح هؤلاء الصبية على المجتمع وإتاحة الفرصة لاختلاطهم بغيرهم من الأطفال الأسوياء. وذلك لأن غالبية هؤلاء المبتلين لديهم أقدار متباينة من الإعاقة الذهنية، لأن مستوى ذكائهم هو عادة أقل من المستوى الطبيعى، وكذلك قدراتهم على التكيف مع متطلبات الحياة، وإن كانت العناية الالهية لم تحرمهم من بعض المهارات، مع وجود مشاكل لديهم فى فهم المرئيات، والإشارات، وفى الخوف من الأشياء العادية، والعجز عن اللعب الابتكارى، والإتيان ببعض الحركات الجسدية غير العادية، وببعض التصرفات المخجلة أحيانا، وبعض السلوكيات العاطفية غير المنطقية، والعجز عن التواصل مع من حوله من الناس.
وهذه الحالة من حالات الابتلاء تمثل "شيخوخة العقل عند الصغار"، وهى لا تقل مسئولية وخطرا عن شيخوخة الكبار، أن لم تكن أخطر. وعلى كل من الأهل والمجتمع أن يدرك أن لهؤلاء المبتلين حق فى الحياة الكريمة، وعليهم أن يبذلوا ما يستطيعون من أجل تحقيق ذلك فى ضوء القواعد الإنسانية التى وضعها الإسلام العظيم لصون كرامة الإنسان حيا وميتا، سليما معافى ومبتلى بمختلف صور الابتلاء، وعلى أهل المبتلى العاجز القيام بمسئولياته بنفسه أن يدركوا قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم: "يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قرضت بالمقاريض". وعلى المسلمين أن يعلموا أن رعاية كل من شيوخ المسنين، وشيوخ الصغار الذين حبستهم إعاقاتهم الذهنية أو البدنية ثمن التمتع بحق الحياة هى من مصارف الزكوات والصدقات والأوقاف فى الإسلام، ولا يجوز التقصير فى القيام بها.

بعض المراجع المختارة:

1-               ابن أبى الدنيا: "كتاب العمر والشيب"
تحقيق نجم خلف (1412هـ / 1981م)
 مكتبة الرشد.

2-               ابن مفلح: "الاداب الشرعية"
تحقيق شعيب الارناؤوط (1419هـ / 1988م)، مؤسسة الرسالة.

3-               الحنبلى ومرعى المقدسى الكرمى:
"إرشاد ذو العرفأن من الزيادة والنقصأن" تحقيق مشهور حسن محمود سليمأن (1408هـ / 1977م) دار عمار – عمان – الاردن.

4-               السدحان، عبد الله بن ناصر(1418هـ / 1987م):
"رعاية المسنين فى الإسلام" مكتبة العبيكان – الرياض

5-               سعيد، جمال محمد (1418 هـ / 1998 م):
 "تأملات فى الألوان والغرائز والشيخوخة"؛ مكتبة زهرة الشرق، القاهرة.

6-               عيسوى عبد الرحمن (1420 هـ / 1989 م):
 "اضطرابات الشيخوخة وعلاجها"، دار النهضة العربية ( بيروت).

7-               الغريب، عبد العزيز (1416 هـ / 1985 م):
 "المتقاعدون"؛ شركة مطابع نجد التجارية – الرياض.

8-               القيسى، كامل صكر (1427 هـ / 2006 م):
 "وقفة مع كبار السن فى الإسلام (الطبعة الثانية)؛ دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيرى، إدارة الإفتاء والبحوث، قسم البحوث – دبى.

9-               محمد، يسرى السيد (1427 هـ / 2006 م):
 "حقوق الإنسان فى ضوء الكتاب والسنة" – دار المعرفة – بيروت.