" قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ " (الملك‏:23).


البسملة‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم لاستهلالها بالشهادة لله‏ (تعالى‏)‏ بأنه هو الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير‏ ,‏ ومن أسماء هذه السورة أيضا‏ (المانعة‏)‏ و‏(‏المنجية‏)‏ لأنها تمنع قارئها من عذاب القبر‏ ,‏ وتنجيه منه‏ ,‏ وذلك لقول رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ فيها‏ " ‏هي المانعة‏ ,‏ وهي المنجية‏ ,‏ تنجي من عذاب القبر " (أخرجه الإمام الترمذي‏) .‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة الملك حول قضية العقيدة الإسلامية‏ ,‏ وتبدأ بقول ربنا‏ (سبحانه وتعالى‏) :‏
" تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ ‏" (الملك‏:2,1) .‏
وفي هذا الاستهلال تعظيم لله الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏) ,‏ لأن من معاني‏ (تبارك‏):‏ تعالى وتعاظم‏ ,‏ وكثر خيره‏ ,‏ ودام إحسانه وفضله‏ ,‏ وثبت إنعامه وكرمه على عباده وسائر خلقه ثبوتا لا يزول ولا يحول أبدا‏ ,‏ ومن معاني هذا التعظيم لله الخالق تنزيهه عن جميع صفات خلقه‏ ,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏ ...!!‏
وفي هذا الاستهلال أيضا تأكيد لتفرد الخالق‏(‏سبحانه وتعالى‏)‏ بالإلوهية‏ ,‏والربوبية‏ ,‏ والوحدانية‏ ,‏ لأن من معاني الملك السلطان والقدرة ونفاذ الأمر‏ ,‏ والذي له كل ذلك لا يشبهه أحد من خلقه‏ ,‏ ولا ينازعه أحد في ملكه‏ ,‏ ولا يشاركه أحد في سلطانه‏ ,‏ وليس في حاجة إلى الصاحبة أو الولد‏ ,‏ لأن هذه كلها من صفات المخلوقين‏ ,‏ والخالق منزه عن جميع صفات خلقه‏ ,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏ .‏
وانطلاقا من تفرده‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بالملك المطلق‏ ,‏ وبالقدرة على كل شيء‏ ,‏ كان إثبات ألوهيته‏ ,‏ وربوبيته‏ ,‏ ووحدانيته المطلقة فوق جميع خلقه‏ ,‏ بغير شريك‏ ,‏ ولا شبيه‏ ,‏ ولا منازع‏ ,‏ ولا صاحبة‏ ,‏ ولا ولد‏ ,‏ وانطلاقا من خلقه الموت والحياة ليبلو الناس أيهم أحسن عملا كانت الشهادة لجلاله بأنه هو العزيز الغفور‏ ,‏ أي الغالب الذي لا يقهر‏ ,‏ والذي لا يعجزه شيء‏ ,‏ ومع ذلك كله فهو‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ العفو عن تقصير عباده‏ ,‏ الغافر لذنوبهم‏ .‏
ومن دواعي تفرده‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بكل ذلك ألا يعبد غيره‏ ,‏ ولا يقصد سواه بدعاء أو رجاء أو طلب‏ ,‏ ولا يشرك في عبادته أحد‏ ,‏ وأن ينزه فوق كل وصف لا يليق بجلاله‏ .‏
ويشهد لله الخالق بالربوبية والإلوهية والوحدانية المطلقة فوق جميع المخلوقين خلقه سبع سماوات طباقا‏ (أي متطابقة حول مركز واحد هو كوكبنا الأرض‏ ,‏ ويغلف الخارج منها الداخل‏)‏ دون أدني خلل‏ ,‏ أو نقصان‏ ,‏ أو اضطراب‏ ,‏ وإلا ما استقام وجود الكون‏ .‏ ولولا هذا البيان الإلهي الذي تكرر في القرآن الكريم عشرات المرات‏ ,‏ ما كان أمام الإنسان من سبيل لإدراك هذه الحقيقة الكونية‏ ,‏ وذلك لأن كل ما يراه علماء الفلك في زمن العلم والتقنية الذي نعيشه لا يتعدي جزءا يسيرا من السماء الدنيا‏ ,‏ وبما أن الكون دائم الاتساع فإن هذا الجزء المرئي من السماء الدنيا دائم التباعد عنا بسرعات لا يستطيع التطور العلمي والتقني المعاصر اللحاق به وعلى الرغم من ذلك فإن الإنسان يستطيع بحسه المحدود‏ ,‏ وقدراته الشخصية المحدودة‏ ,‏ وتقنياته المتطورة أن يدرك شيئا من دقة بناء السماء‏ ,‏ وتكورها على ذاتها‏ ,‏ وإحكام خلق كل صغيرة وكبيرة فيها دون أدني خلل‏ ,‏ ولذلك تطالب الآيات كل ذي بصيرة بتكرار النظر في السماء حتى يتحقق من بديع صنع الله فيها‏ ,‏ مؤكدة أنه مهما نظر فلن يستطيع العثور على خلل واحد‏ .‏

وتستشهد سورة الملك بعدد آخر من آيات الله في الكون على صدق ما جاء بها من أمور الغيب‏ ,‏ ومن ركائز العقيدة الإسلامية منها النجوم التي جعلها الله‏ (تعالى‏)‏ زينة للسماء الدنيا وسماها بالمصابيح‏ ,‏ وهي تسمية في غاية الدقة العلمية‏ ,‏ لأن النجوم هي أفران نووية كونية عملاقة وقودها هو نوى ذرات الأيدروجين التي تتضاغط في قلب النجم فتتحد مع بعضها البعض منتجة نوى ذرات الهيليوم‏ ,‏ ثم الليثيوم‏ ,‏ ثم البريلليوم لتكون نوى ذرات أثقل باستمرار مطلقة كميات هائلة من الطاقة التي يقوم عليها نظام الكون‏ ,‏ وتستقيم الحياة على الأرض‏ .‏ ولما كانت النجوم في دورة حياتها ينتهي بها المطاف إلى أجسام باردة كالكواكب التي تنفجر فينزل بعضها على الأرض شهبا ونيازك قال ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ " (الملك‏:5)‏ .
ثم انتقلت الآيات بعد ذلك إلى وصف جانب من عذاب الكفار في يوم القيامة‏ ,‏ وإلى شيء من الحوار الذي سوف يدور بينهم وبين خزنة جهنم وفي ذلك تقول :
" وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المَصِيرُ . إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ .‏ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ .  قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ . وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ .  فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ  " (الملك‏:6-‏11)‏ .
وهنا قد يتبادر إلى الذهن سؤال فحواه أن الآخرة لم تحن بعد‏ ,‏ وأن أهل الجنة لم يدخلوها بعد‏ ,‏ وكذلك أهل النار لم يساقوا إليها بعد‏ ,‏ ولم تلق أفواجهم في جحيمها بعد‏ ,‏ فكيف أوردت الآيات هذا الوصف الدقيق لأفواج الكفار تلقي في نار جهنم‏ ,‏ ولحوار خزنة جهنم مع الكفار‏ ,‏ وردود الكفار عليهم؟ وللإجابة على ذلك أقول أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو خالق كل شيء‏ ,‏ ومن مخلوقاته كل من الزمان والمكان‏ ,‏ والخالق يملك مخلوقاته‏ ,‏ ويحدها‏ ,‏ ويحكمها بعلمه وحكمته وقدرته‏ ,‏ والمخلوق لا يحكم خالقه أبدا‏ ,‏ وعلى ذلك فإن الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ يحوي بعلمه وحكمته وقدرته كل الأماكن وكل الأزمنة‏ ,‏ فلا يخرج عن علمه من ذلك شيء أبدا‏ ,‏ ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء أبدا‏ ,‏ وعلى ذلك فإن الماضي والحاضر والمستقبل في علم الله‏ (تعالى‏)‏ كله حاضر‏ ,‏ لا يخفى عليه منه شيء ومن هنا جاء وصف المستقبل في الآخرة كأنه أمر قائم‏ ,‏ حاضر‏ ,‏ ظاهر‏ ,‏ لا يخفى على الله‏ (تعالى‏)‏ منه شيء‏ .‏وبالمقابل تصف الآية الثانية عشرة من هذه السورة المباركة جانبا من فضل الله‏ (تعالى‏)‏ على الذين يخشونه بالغيب فيجتنبون معاصيه‏ ,‏ ويقبلون على طاعاته فتقول ‏:
" إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِير ٌ" (الملك‏:12)‏ .
ثم تخاطب الآيات في سورة الملك الناس جميعا مؤكدة أن الله‏ (تعالى‏)‏ يعلم السر والجهر‏ ,‏ ويعلم ما تخفي كل نفس‏ ,‏ حتى تقيم من الإنسان على نفسه رقيبا حسيبا‏ ,‏ يراجعها في كل خطأ حتى تتوب‏ ,‏ ويشجعها على كل خير فتستزيد ويعبد الله تعالى كأنه يراه ويحيي روح مراقبة الله له في قلبه حتى يستيقظ لهذه الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون‏:‏أن الله تعالى عليم بذات الصدور‏ ,‏ وحتى يتجرد لله تعالى وحده في الأعمال والنيات‏ ,‏ ويتقي هواجس النفس‏ ,‏ ونفثات الشياطين لإيمانه بأن الله تعالى يسمعه ويراه‏ ,‏ وفي ذلك تقول الآيات ‏:‏
" وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عليمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ . أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ  " (الملك‏:14,13) .‏
وبعد ذلك تستمر الآيات في استعراض عدد من نعم الله على عباده‏ ,‏ وفي التذكير بحتمية الموت والبعث والرجوع إلى الله‏ (تعالى‏)‏ فتقول ‏:‏
" هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ " ‏(‏الملك‏:15)‏ .
أي أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو الذي خلق الأرض وجعلها مهيأة لحياة الإنسان عليها في سهولة ويسر‏ ,‏ ولفظة‏ (ذلولا‏)‏ تعني سهلة‏ ,‏ مسخرة‏ ,‏ مذللة لكم يا بني آدم‏ ,‏ من‏ (الذل‏)‏ وهو اللين وسهولة الانقياد‏ ,‏ و‏(‏مناكب‏)‏ الأرض هي جوانبها‏ ,‏ وفجاجها وأطرافها‏ ,‏ وهو من قبيل الحض على الاجتهاد في عمارة الأرض وإقامة عدل الله فيها‏ ,‏ وهي من واجبات الاستخلاف‏ ,‏ والحث على كسب الرزق الذي قدره الله‏ (تعالى‏)‏ لكل حي في الوجود فقال ‏(‏تعالى‏) :‏ وكلوا من رزقه لأن السعي في طلب الرزق واجب على كل مخلوق‏ ,‏ وهذا السعي لا يتنافى أبدا مع حقيقة أن الرزق مقسوم سلفا‏ ,‏ ولا يتنافى أبدا مع ضرورة التوكل على الله وهو الرزاق ذو القوة المتين‏ . .‏
وختمت هذه الآية الكريمة بالإشارة إلى حقيقة البعث‏ ,‏ وحتمية الرجوع إلى الله‏ (سبحانه وتعالى‏) .‏
وتعاود الآيات التهديد بعذاب الله‏ (تعالى‏)‏ للكفار والمشركين والعاصين من عباده في الدنيا قبل الآخرة فتقول ‏:
" أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ . أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ علىكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ .  وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ. " (الملك‏:16-‏18) .‏
وخسف الأرض من الظواهر المصاحبة لتصدع غلافها الصخري‏ ,‏ وتمور أجزاء منه على هيئة ما يعرف بالأغوار أو الأودية الخسيفة‏ ,‏ وذلك من مثل حوض البحر الأحمر بخليجيه العقبة والسويس وغور وادي الأردن‏ ,‏ كما قد يصحب تكون الأغوار هزات أرضية‏(‏زلزالية‏)‏ أو ثورات بركانية مرعبة‏ ,‏ وهذه وغيرها من الظواهر الطبيعية هي من جند الله التي يسخرها عقابا للعاصين‏ ,‏ وابتلاء للصالحين‏ ,‏وعبرة للناجين‏ ,‏ وإذا لم تؤخذ بهذا الإطار والمنظور والمفهوم فلن يتعلم الإنسان أبدا‏ .‏
و‏(‏المور‏) :‏ الحركة جيئة وذهابا في اضطراب وتموج شديدين‏ ,‏ و‏(‏المور‏)‏ و‏(‏الخسف‏)‏ من أوصاف ما يتعرض له الغلاف الصخري للأرض في أثناء الهزات الأرضية التي تعتبر من أعنف الكوارث التي يبتلي بها الله‏ (تعالى‏)‏ عباده الصالحين‏ ,‏ أو يعاقب الكفار والمشركين والعاصين منهم كما عاقب قارون وقومه من قبل‏ .‏
و‏(‏الحاصب‏)‏ هي الريح الشديدة التي من عنف شدتها فإنها تثير الحصباء‏ (الحصى‏) ,‏ أو هي الحجارة المنزلة من السماء على وجه من أوجه العقاب الإلهي للكفار والمشركين وللعصاة المذنبين‏ ,‏ وهو إنذار شديد بعذاب من الله‏ (تعالى‏)‏ لجماعة من أهل الأرض كما حدث لكل من أصحاب الفيل‏ ,‏ وقوم لوط‏ ,‏ وسوف يعلم المنذرون شيئا عن صدق وعيد الله‏ (تعالى‏)‏ لهم حين يقع عليهم العذاب الذي أنذروا به‏ .‏ ولذلك حذرت الآية الثامنة عشرة من سورة الملك كل الناس مما وقع للأمم السابقة من العذاب فتقول ‏:‏
" وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ " ‏(‏الملك‏:18)‏ .

والإشارة هنا إلى الأمم السابقة على كفار ومشركي جزيرة العرب‏ ,‏ الذين كذبوا رسل ربهم‏ ,‏ وعصوا أوامره‏ ,‏ فأنكر الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ ذلك عليهم‏ ,‏ وأنزل عقابه الشديد الأليم بهم وترك آثار خرابهم ودمارهم عبرة لكل معتبر‏ .‏ثم تنتقل سورة الملك إلى استعراض آية أخري من الآيات الدالة على طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق والتي تتلخص في إعطاء الطيور القدرة على ارتقاء الهواء‏ ,‏ والسبح فيه بكفاءة عالية فتقول ‏:‏ " أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ " (الملك‏:19)‏ .
وفي التأكيد على أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو الناصر‏ ,‏ المعطي‏ ,‏ الوهاب‏ ,‏ الرزاق‏ ,‏ ذو القوة المتين‏ ,‏ تعتب الآيات على المشركين الذين عبدوا مع الله سبحانه وتعالى غيره من المخلوقات أو المخلوقين‏ ,‏ مبتغين منهم النصر أو راجين عندهم الرزق فتقول‏ :
"  أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ . أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ . أَفَمَن يَمْشِي مُكِباًّ عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِياًّ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ  " (الملك‏:20‏-‏22)‏ .
وتشبه الآية الأخيرة المؤمن بالذي يمشي سويا على صراط مستقيم أي على طريق واضح المعالم‏ ,‏ بين النهاية في كل من الدنيا والآخرة حتى ينتهي به إلى جنات النعيم‏ ,‏ بينما الكافر يمشي مكبا على وجهه‏ ,‏ تائها‏ ,‏ ضالا‏ ,‏ حائرا لا يدري أين يسلك‏ ,‏ ولا كيف يسير‏ ,‏ ولا يعرف لطريقه نهاية حتى يكبه في نار الجحيم‏ ,‏ وتسأل الآية الكريمة كل مستمع لها أيهما أهدي سبيلا؟ .
وتأمر الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ أن يخبر الناس جميعا بأن الله‏ (تعالى‏)‏ يمن عليهم بإنشائهم من العدم‏ ,‏ ومنحهم من الحواس والملكات ما يعينهم على الاستمتاع بوجودهم‏ ,‏ ومن قبيل الشكر على هذه النعم استخدامها في طريق الخير إلى أقصي مدي لها‏ ,‏ وحمد الله‏ (تعالى‏)‏ والثناء عليه في كل مرة تستخدم فيها حاسة من تلك الحواس‏ ,‏ أو ملكة من تلك الملكات‏ .‏ وبأن الله‏ (تعالى‏)‏ يمن عليهم كذلك بنشر الجنس البشري في مختلف أرجاء الأرض مما يتبعه اختلاف الألوان والألسنة والعادات‏ ,‏ ثم يجمعهم من هذا الشتات ليوم لا ريب فيه‏ ,‏ يتشكك فيه أهل الكفر‏ ,‏ ويتساءلون عن موعده‏ ,‏ وتأمر الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ أن يجيب بأن علم هذا اليوم عند الله ولا يعلمه سواه‏ ,‏ وأنه‏ (عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم‏)‏ بعث ــ كما بعث غيره من أنبياء الله ورسله ــ للإنذار بوقوع هذا اليوم على بينة من رب العالمين‏ ,‏ وفي ذلك تقول الآيات :
" قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ .  قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ  .  وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ . قُلْ إِنَّمَا العِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ  " ‏(‏الملك‏:23‏-‏26)‏ .
ثم تنتقل بنا الآية السابعة والعشرون عبر حجز الغيب‏ ,‏ وكأن الساعة قد قامت‏ ,‏ والكافرون ما يوعدون به من العذاب رأي العين‏ ,‏ فسيئت وجوههم وسمعوا من التقريع والتوبيخ ما دهاهم‏ ,‏ وزاد فجيعتهم‏ ,‏ وفي ذلك تقول الآية الكريمة‏:‏
" فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وَجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ " (الملك‏:27)‏ .
و‏(‏زلفة‏)‏ حال من مفعول رأوه‏ ,‏ وهو اسم مصدر لـ‏(‏أزلف‏) (إزلافا‏)‏ بمعني قرب قربا‏ ,‏ وقيل إن استعمال‏ (الزلفة‏)‏ في منزلة العذاب كاستعمال البشارة ونحوها من الألفاظ للتهكم‏ , (وسيئت‏)‏ بمعني عمها السوء من الغم والحزن‏ ,‏ و‏(‏تدعون‏)‏ أي تطلبون في الدنيا وتستعجلون‏ ,‏ إنكارا واستهزاء‏ ,‏ من‏ (الدعاء‏)‏ بمعني الطلب‏ .‏
وهنا نؤكد مرة أخري أن كلا من الزمان والمكان من خلق الله‏ (تعالى‏) ,‏ وهو‏ (سبحانه‏)‏ قادر على طيهما أو إلغائهما تماما وعلى ذلك فإن كلا من الماضي والحاضر والمستقبل هو عند الله‏ (تعالى‏)‏ حاضر لا يحجبه عن علم الله حاجب‏ ,‏ وهو‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ قادر على أن يطوي كلا من الزمان والمكان لمن يشاء من عباده‏ .‏

وتختتم هذه السورة المباركة بخطاب موجه من الله‏ (تعالى‏)‏ إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ يأمره فيه بما يلي ‏: " قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعليهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ . قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ  " (الملك‏:28‏-‏30)‏ .
وهذه الآيات الثلاث ترد على كفار ومشركي قريش ـ وعلى كل كافر ومشرك إلى يوم القيامة ـ الذين كانوا يتمنون هلاك رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وهلاك المسلمين الذين آمنوا به وبما أنزل إليه من ربه‏ ,‏ تماما كما يتمناها أعداء اليوم حيث تخرج علينا إحدى القنوات الفضائية بأسلوب يتطاولون فيه على النبي صلى الله عليه وسلم‏ .‏ والآيات تقول لسيد الأنبياء والمرسلين قل لهؤلاء الكفار والمشركين بالله‏ ,‏ الجاحدين لنعمه‏ ,‏ الغامطين للحق الذي أنزله بعلمه‏:‏ إن ما تتمنون لنا من الهلاك لن ينقذكم من عذاب الله ونكاله الواقع بكم لا محالة في الدنيا قبل الآخرة‏ ,‏أما نحن فقد آمنا برب العالمين الرحمن الرحيم‏ ,‏ وتوكلنا عليه‏ ,‏ واعتصمنا بجنابه‏ ,‏ وسوف تعلمون لمن تكون عاقبة الأمور في الدنيا قبل الآخرة‏:‏ للمؤمنين بالله‏ ,‏ الموحدين لجلاله‏ ,‏ المنزهين لذاته العلية عن الشريك والشبيه والمنازع والصاحبة والولد أم للذين أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا فغرقوا في وحل الشرك بالله العظيم‏ ,‏ وانحرفوا طريق الضلال المبين؟
وتهديدا لهؤلاء الضالين تذكرهم الآية في ختام هذه السورة المباركة بنعمة الماء على العباد‏ ,‏ والذي بدونه لا تكون الحياة‏ ,‏ فتقول يا أيها المشركون الضالون التائهون عن الحق‏ ,‏ والضالعون في الشرك‏ ,‏ الغارقون في ظلام الجهل إذا قدر الله ‏(‏تعالى‏)‏ أن يغور الماء في آباركم حتى لا تستطيعوا الوصول إليه‏ ,‏ فمن غير الله القادر يمكنه أن يأتيكم بماء جار على سطح الأرض؟وكان ماء مكة المكرمة في هذا الوقت مستمدا من كل من بئر زمزم وبئر ميمون بن الحضرمي‏ .‏

من ركائز العقيدة في سورة الملك :
‏(1)‏ الإيمان بالله‏ (‏تعالى‏)‏ ربا واحدا أحدا‏ ,‏ فردا صمدا‏ ,‏ بغير شريك‏ ,‏ ولا شبيه‏ ,‏ ولا منازع‏ ,‏ ولا صاحبة ولا ولد‏ .‏ وتنزيهه‏(‏سبحانه وتعالى‏)‏ عن جميع صفات خلقه‏ ,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏ .‏ والإيمان بأن هذا الإله الواحد بيده ملك كل شيء من الأجل‏ ,‏ والرزق‏ ,‏ والنصر إلى كل ما في الوجود‏ ,‏ وبأنه على كل شيء قدير‏ ,‏ وهو عليم بذات الصدور‏ ,‏ وأن هذا الإله الواحد هو المستحق وحده بالخضوع لجلاله بالطاعة والعبادة والخشية والتوكل والإخلاص والتجرد والتقوى‏ .‏
‏(2)‏ اليقين بأن الله‏ (تعالى‏)‏ هو المهيمن هيمنة مطلقة على كل شيء‏ ,‏ وأنه‏ (سبحانه‏)‏ هو الذي خلق الموت والحياة ليبلو الناس أيهم أحسن عملا تمهيدا للبعث بعد الموت‏ ,‏ والحشر والحساب‏ ,‏ والجزاء بالخلود إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏ .‏
‏(3)‏ التسليم بحقيقة الكمال والجمال والإتقان في جميع خلق الله‏ .‏
‏(4)‏ التصديق بكل ما وقع من عقاب بالمكذبين من أبناء الأمم السابقة‏ ,‏ وبأن للذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير‏ ,‏ وأن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير‏ .‏
(5)‏ الإيمان برسالة الإنسان في هذه الحياة‏:‏ عبدا لله‏ (تعالى‏)‏ مستخلفا في الأرض لفترة محددة من الزمن‏ ,‏ يعبد الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بما أمر‏ ,‏ ويقوم بواجبات الاستخلاف ومنها عمارة الأرض وإقامة عدل الله فيها‏ ,‏ والدعوة إلى دين الله الحق‏ .‏



من الإشارات الكونية في سورة الملك :
‏(1)‏ الإشارة إلى مرجعية عليا للكون في خارجه‏ (الله الذي بيده الملك‏)‏ وهو ما تنادي به اليوم أحدث الدراسات الفلكية‏ .‏
‏(2)‏ وصف السماوات بأنها سبع طباق‏ ,‏ وإلى إحكام بنائها بلا فراغات ولا أدني خلل أو اضطراب‏ ,‏ والعلوم المكتسبة لا تتجاوز وصف ما تراه من السماء الدنيا بأكثر من أنه منحن‏ ,‏ وذلك لعجز العلماء عن رؤية كل أبعاد السماء الدنيا‏ ,‏ أو رؤية شيء مما حولها من سماوات‏ .‏
‏(3)‏ إثبات أن النجوم هي زينة السماء الدنيا‏ ,‏ وأن منها رجوماً للشياطين من الشهب والنيازك‏ ,‏ والعلوم المكتسبة تشير إلى إمكانية تحول النجوم في نهاية دورة حياتها إلى أجرام صلبة يمكن أن تنفجر وتكون النيازك والشهب‏ .‏
‏(4)‏ وصف تسخير الأرض للإنسان بتذليلها أي جعلها متوافقة مع احتياجاته‏ ,‏ متناسبة مع طبيعة حياته وهو ما أثبتته كل الدراسات الأرضية‏ .‏
‏(5)‏ الإشارة إلى العلاقة بين خسف الأرض ومورانها‏ ,‏ وهي علاقة لم تدرك إلا بعد دراسة ميكانيكية حدوث الزلازل‏ .‏
‏(6)‏ وصف الرياح بالحاصب‏ ,‏ وهي رياح ذات سرعات عالية تمكنها من حمل الحصى والرمال معها مما يضاعف من قدراتها التدميرية‏ .‏
‏(7)‏ وصف طرائق تحليق الطيور في السماء بدقة فائقة‏: (صافات ويقبضن‏) .‏
‏(8)‏ تأكيد حقيقة أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو خالق كل شيء‏ ,‏ وأنه‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ قد توج خلقه بالإنسان الذي أنشأه من العدم‏ ,‏ وجعل له السمع والأبصار والأفئدة‏ ,‏ وتقديم خلق السمع على الأبصار‏ ,‏ والأبصار على الأفئدة في هذه السورة المباركة‏ ,‏ وفي غيرها من سور القرآن الكريم له من السند العلمي ما يؤكد خلقها في جنين الإنسان بهذا الترتيب المعجز‏ .‏
‏(9)‏ الإشارة إلى إمكانية غور الماء في الآبار‏ ,‏ وهي ملاحظة علمية دقيقة‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏ ,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة الثامنة من القائمة السابقة والتي تتحدث عن إنشاء الإنسان‏ ,‏ وعن خلق كل من حواس السمع والأبصار والأفئدة‏ .‏

من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
أولا :‏ في قوله تعالى ‏:‏ قل هو الذي أنشأكم ‏:‏
يقال‏: (أنشأه‏)‏ الله بمعني خلقه‏ ,‏ لأن‏ (الإنشاء‏)‏ هو إيجاد الشيء وتربيته‏ ,‏ والاسم‏ (النشأة‏)‏ و‏ (النشاءة‏) .‏ و‏(‏أنشأ‏)‏ يفعل كذا يعني ابتدأ‏ .‏ و‏ (نشأ‏)‏ في بني فلان أي شب فيهم‏ ,‏ ويقال ‏: (نشيء‏) (تنشئة‏)‏ وأنشيء بمعنى تربي‏ .‏ و‏ (ناشئة‏)‏ الليل أول ساعاته‏ ,‏ وقيل ‏:‏ ما ينشأ فيه من الطاعات‏ ,‏ ويقال ‏: (نشأت‏)‏ السحابة أي ارتفعت‏ ,‏ و‏(‏أنشأها‏)‏ الله‏ ,‏ والمنشآت هي السفن التي رفع قلعها‏ .‏

ونشأة الإنسان شغلت باله عبر قرون‏ ,‏ وكان السبب في ذلك رغبة الإنسان في التهرب من الإيمان بالخالق‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ وفي الوصول إلى صورة مغايرة لعملية الخلق التي أنزلها ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ في جميع الكتب السماوية التي أنزلها لهداية عباده‏ ,‏ والتي أكملها وأتمها وحفظها في الرسالة الخاتمة التي بعث بها النبي الخاتم والرسول الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ ألا وهي القرآن الكريم وسنة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏)‏ وقضية الخلق بأبعادها الثلاثة ‏:‏ خلق الكون‏ ,‏ خلق الحياة‏ ,‏ وخلق الإنسان‏ ,‏ هي قضية غيبية لم يشهدها أحد منا‏ ,‏ ولذلك فإن الدخول إليها بغير الهداية الربانية كالدخول في نفق مظلم لانهاية له‏ .‏ والقرآن الكريم يقول لنا فيه ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) : ‏ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا‏ (الكهف‏:51)‏ ولكن ـ على الرغم من ذلك ـ فإن الله‏ (تعالى‏)‏ يأمرنا بالتفكر في عملية الخلق بقوله تعالى
" سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْق َ" (العنكبوت‏:20)‏ والجمع بين هاتين الآيتين الكريمتين وبين أمثالهما في القرآن الكريم يؤكد على وجود آثار في الأرض يمكن أن تعين الإنسان ـ بحسه المحدود وقدراته المحدودة ـ على الوصول إلى تصور ما عن قضية الخلق‏ ,‏ ويبقي هذا التصور قاصرا إذا لم يستهد بالبيان الإلهي في كل من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة‏ ,‏ وكلاهما يؤكد على حقيقة الخلق‏ ,‏ وعلى أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو خالق كل شيء فيقول : " ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ " (الأنعام‏:102)‏ .
ويقول‏ :‏
" الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ . ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ . ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ  " (السجدة‏:7‏-‏9)‏ .
وجاءت لفظة خلق بمشتقاتها في القرآن الكريم‏ (252)‏ مرة مؤكدة على حقيقة الخلق وعلى أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو خالق كل شيء‏ .‏
وقد أخرج الإمام أحمد عن أبي موسي الأشعري‏ (رضي الله عنه‏)‏ حديثا يرفعه إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم‏)‏ قال فيه
: " إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض‏ ,‏ فجاء بنو آدم على قدر الأرض :‏ فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك‏ ,‏ والسهل والحزن‏ ,‏ والخبيث والطيب " ‏والحديث أخرجه كذلك كل من أبي داود والترمذي عن عوف الأعرابي‏ ,‏ وكل من النسائي والبزار‏ ,‏ وصححه ابن حبان‏ ,‏ وأورده الحافظ في الفتح‏ .‏ وقال عنه الترمذي انه حديث حسن صحيح‏ .‏
وعلى الرغم من افتتان الكثيرين بفكرة التطور العضوي إلا أن الدراسات المتقدمة في مجالات علوم الحياة الجزيئية‏ ,‏ الخلية‏ ,‏ والوراثة أكدت استحالة خلق خلية حية واحدة بمحض الصدفة‏ ,‏ فالخلية الحية في جسم الإنسان والتي لا يكاد قطرها يتعدى ‏(3 .‏ و ـ مم‏)‏ في المتوسط هي بناء غاية في الإحكام والتعقيد إلى درجة يعجز العقل البشري عن تصورها‏ ,‏ وينفي نفيا قاطعا فكرة عشوائية الخلق الأول‏ .‏
كذلك فإن تدرج عمارة الأرض بأنماط مختلفة من الخلق مع الزمن يؤكد على الحكمة من هذا التدرج‏ ,‏ وينفي عنه العشوائية والصدفة‏ .‏
ثم إن التميز الواضح للإنسان عن غيره من المخلوقات في بناء جسده‏ ,‏ وحجم كل من جمجمة رأسه ومخه‏ ,‏ وفي انتصاب قامته‏ ,‏ وسيره على قدمين‏ ,‏ وفي المهارات اليدوية المختلفة عنده‏ ,‏ بالإضافة إلى الملكات العديدة التي وهبه إياها الله‏ (تعالى‏)‏ يقطع بخلقه خلقا خاصا لا علاقة له بجميع المخلوقات السابقة على خلقه‏ .‏ والآيات القرآنية العديدة‏ ,‏ والأحاديث النبوية الشريفة تقطع بذلك‏ ,‏ ومنها حديث رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ الذي أخرجه كل من الأئمة البخاري ومسلم وأحمد عن أبي حاتم‏ (رضي الله عنه‏)‏ والذي يقول فيه
‏ " إذا قاتل أحدكم أخاه فليتجنب الوجه‏ ,‏ فإن الله خلق آدم على صورته "‏ .‏
كل ذلك يشير إلى ومضة من ومضات الإعجاز العلمي يقررها :

أولا : قول ربنا تبارك وتعالى :
" قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ " . أي خلقكم‏ ,‏ ونتائج العلم المكتسب باتت تؤكد ذلك وتدعمه‏ .‏
ثانيا ‏:‏ في قوله تعالى ‏:
" وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ " .
في أربع عشرة أية قرآنية جاء ذكر السمع قبل الأبصار‏ : (يونس‏:31 ,‏ هود‏:20 ,‏ النحل‏:108,78 ,‏ الإسراء‏:36 ,‏ المؤمنون‏:78 ,‏ السجدة‏:9 ,‏ الملك‏:23 ,‏ الأحقاف‏:26 (مرتين‏) ,‏ الأنعام‏:46 ,‏ فصلت‏:30,22 ,‏ البقرة‏:20,7)‏ وذلك تأكيدا على الأهمية الفائقة لنعمة السمع على غيرها من الحواس مع إدراكنا لأهمية كل حاسة وهبها الله‏ (تعالى‏)‏ للإنسان‏ ,‏ وتقريرا لحقيقة أن الجنين يسمع في بطن أمه قبل أن يبصر‏ ,‏ وكذلك الوليد حديث الولادة فإنه يسمع قبل أن يبصر‏ .‏
(1)‏ تكون حاسة السمع في الإنسان‏ :‏
من الثابت علميا أن الجنين يستطيع السمع في الشهر الرابع من عمره وهو لا يزال في بطن أمه وسط ظلمات ثلاث‏ .‏ ويبدأ تكون الجهاز السمعي لجنين الإنسان بتكوين الأذن الداخلية من الطبقة الخارجية للعلقة في حدود اليوم الثاني والعشرين من عمر الجنين على هيئة تخانة على جانبي مؤخر المخ‏ .‏ وفي الأسبوع الرابع تتحول هذه التخانة إلى حفرة ثم إلى حويصلةـ تعرف باسم حويصلة السمع التي يتكون منها عقدتا السمع والتوازن‏ ,‏ وفي نفس الوقت يتكون غشاء طبلة الأذن وفي الأسبوع الخامس تنقسم هذه الحويصلة السمعية إلى قسمين‏ :‏ أمامي‏ (ويشمل قناة قوقعة السمع وكيسا صغيرا‏) ,‏ وخلفي‏ (ويشمل عددا من القنوات الهلالية بالإضافة إلى قربة صغيرة‏) ,‏ وهذان القسمان يكونان معا ما يعرف باسم التيه الغشائي الذي يحاط بعد ذلك بالعظام التي تعرف باسم التيه العظمي‏ ,‏ وتملأ المسافة بينهما بالسائل الليمفاوي‏ .‏
في الأسبوع السادس من عمر الجنين يتكون كل من صوان الأذن الخارجية وقناتها‏ ,‏ كما تستطيل قناة قوقعة الأذن‏ ,‏ وتبدأ في اللف على ذاتها لدورتين ونصف الدورة‏ ,‏ ويتكون بداخلها جهاز التوازن في الأسبوع السابع وتغذية عقدة التوازن‏ ,‏ كما تتكون عظام الأذن الوسطي‏ (المطرقة والسندان والركاب‏)‏ في نفس الفترة‏ .‏
في الأسبوع الثامن من عمر الجنين يتكون شريط داخل قناة القوقعة يقسمها إلى قسمين‏ (جزء سمعي وجزء دهليزي‏) ,‏ ويتصل كل من جهاز السمع الداخلي وجهاز التوازن بالعصب السمعي‏/‏ الدهليزي الذي ينطلق من مؤخرة المخ‏ ,‏ ويتم تكوين كل من الأذن الداخلية والوسطي والخارجية في الشهرين التاليين‏ ,‏ وبذلك يتمكن الجنين من السمع في الشهر الرابع من عمره‏ .‏
(2)‏ تكوين حاسة الإبصار في الإنسان‏ :‏
تبدأ حوصلة الإبصار في التخلق في نهاية الأسبوع الثالث من عمر الجنين كامتداد صغير من مقدمة المخ‏ ,‏ ثم تنفصل عنه في الأسبوع الرابع حين تظهر عدسة العين في أواخر الأسبوع الرابع وأوائل الخامس وفي الأسبوع الخامس تأخذ شكل المخروط وتتصل مباشرة بعصب الإبصار‏ ,‏ والطبقة الخارجية تشمل كلا من قزحية العين والجسم الهدبي‏ .‏ وتفقد خلايا عدسة العين أنويتها لتصبح كاملة الشفافية‏ ,‏ ويظهر كل من الصلبة والقرنية ومشيمة العين والجفون ورموش العين والملتحمة في الأسبوع السابع من عمر الجنين‏ . .‏ وتتكون الغدد الدمعية في الأسبوع التاسع كامتداد من الملتحمة تفتح عليها وتصب في القناة الدمعية بالأنف‏ .‏
ولا تشق الجفون إلا في الشهر السابع من عمر الجنين‏ .‏ بينما تكون قد اكتملت والتصقت في الشهر الثالث‏ ,‏ وتكون شبكية العين قد نمت إلى أربع طبقات وتستكمل إلى تسع بتمام الشهر السابع ويكون العصب البصري قد تصالب في مساره حتى يصل إلى مؤخرة المخ‏ .‏

(3)‏ الفؤاد في الإنسان ‏:‏
كثيرا ما يعبر عن القلب بتعبير الفؤاد‏ ,‏ والقلب عبارة عن عضلة في حجم قبضة اليد‏ ,‏ مكانه في الجانب الأيسر من القفص الصدري‏ ,‏ يتلقي الدم الفاسد من كل أجزاء الجسم فيضخه إلى الرئتين لتتم أكسدته ثم يتلقي الدم النقي من الرئتين ليتم ضخه إلى مختلف أجزاء الجسم وفي مقدمتها الخ‏ .‏
وينظر إلى الفـؤاد على أنه علاقة غيبية بين المخ والقلب تهب الإنسان قدرا من الإدراك الذي لا يقوي المخ وحده على استيعابه‏ ,‏ وفؤاد الإنسان لا يتكون إلا بعد تمام تكون جميع أجهزة وأعضاء جسمه ومختلف وسائل الحس فيه ولذلك يأتي ترتيبه في القرآن الكريم دوما بعد كل من السمع والبصر‏ .‏
من هذا الاستعراض يتضح أن التأكيد في هذه الآية الكريمة على أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو خالق الإنسان وخالق كل شيء قد أصبح من الأمور المسلمة في نطاق العلوم المكتسبة‏ ,‏ وان تقديم السمع على الإبصار في هذه الآية الكريمة وفي العديد غيرها من آيات القرآن الكريم هو سبق بقرون طويلة لما أثبته علم الأجنة أن الجنين البشري يسمع قبل أن يرى بعدة شهور‏ . ‏وتقديم كل من السمع والبصر على الفؤاد يشير إلى حقيقة أن الرابطة بين العقل والقلب لا تتم إلا بعد اكتمال بناء كل أجهزة وأعضاء الجسم حتى تقوم هذه العلاقة الغيبية اللطيفة بين العقل والقلب والتي يعبر عنها بالفؤاد‏ .‏

وسبق القرآن الكريم بالإشارة إلى هذه الحقائق يقطع بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏ ,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية في نفس لغة وحيه‏ (اللغة العربية‏)‏ وبكل ما فيه من حق على مدى الأربعة عشر قرنا الماضية وإلى أن يرث الله‏ (تعالى‏)‏ الأرض ومن عليها حتى يبقى شاهدا على الناس كافة إلى قيام الساعة‏ .‏
فالحمد لله على نعمة الإسلام‏ ,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏ ,‏ والحمد الله على بعثه سيد الأنام صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومع تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .‏