﴿ وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ ﴾(الحجر : 78)


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في أوائل الربع الأخير من سورة "الحجر"، وهى سورة مكية وآياتها تسع وتسعون (99) بعد البسملة وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة في الآية الثمانين منها إلى (الحجر) وهو اسم أطلق على مدائن قوم نبي الله صالح – عليه السلام – الذين عرفوا باسم قوم ثمود (أو عاد الثانية) وهذه المدائن عبارة عن أعداد من البيوت المنحوتة في الصخور الرملية المكونة لجانبي (وادي القرى)، أو المجلوبة إلى بطن الوادي بواسطة السيول الجارفة وغيرها من وسائل النقل التي تفوق قدرة البشر لضخامة أحجامها. ومدائن صالح (الحجر) هي الآن خربة تقع إلى الشمال الغربي لمدينة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في منتصف الطريق القديم-تقريبا- بينها وبين  مدينة تبوك، ويدور المحور الرئيسي لسورة "الحجر" حول ركائز العقيدة الإسلامية شأنها فى ذلك شأن كل السور المكية.
وتبدأ سورة "الحجر" بالحروف الهجائية الثلاثة (الر) وقد سبق لنا الحديث عنها، ولا أرى داعيا لتكرار ذلك هنا، ثم تستمر الآيات الخمس الأولى في هذه السورة المباركة في التأكيد على فضل القرآن الكريم، وعلى تنكر الكافرين له، مع إدراكهم لفضله حتى ليتمنون لو كانوا مسلمين، وذكر ما نزل بأمثالهم من قبل من عذاب و هلاك، وفى ذلك تقول الآيات:-

﴿الـر تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ
وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ . رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ . ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ . وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ . مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ﴾                 (الحجر: 1- 5)
ثم تنتقل الآيات (6-13 ) فى سورة "الحجر" لاستعراض صورة من تحديات كفار ومشركى قريش لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – استهزاءً به، وتنكراً لبعثته الشريفة، حتى طلبوا منه أن يأتيهم بالملائكة كي يشهدوا على صدق نبوته، وترد الآيات عليهم مؤكدة أن الملائكة لا تتنزل إلا بالحق، وأن من هذا الحق، أن يدمر الله – سبحانه وتعالى – المكذبين بآياته ورسله بعد أن جاءتهم نذره. وتؤكد هذه الآيات كذلك أن الله – تعالى – هو الذى أنزل القرآن العظيم، وتعهد بحفظه تعهدا مطلقا حتى لا يطوله أي تبديل أو تغيير، وأن الرسول الخاتم – صلى الله عليه وسلم – لم يكن متفرداً دون غيره من رسل الله- تعالى – بجحود قومه له، وتكذيبهم لبعثته، وتكبرهم عليه، وعنادهم لدعوته، واستهزائهم بشخصه الكريم. فما من نبي ولا من رسول سبقه إلا وقد أوذي من قومه، وتعرض منهم لذلك وأشد منه، فاستحقت أقوامهم المكذبة عقاب الله-تعالى- لهم فى الدنيا، وعذابه في الآخرة، وهو أشد وأنكي، وفى ذلك تقول الآيات:

 ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * مَا نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ
وَمَا كَانُوا إِذاً مُّنظَرِينَ * إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ * كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾        (الحجر: 6 – 13)
وتصور الآيتان (14، 15) في سورة "الحجر" نموذجا لمكابرة أهل الباطل وعنادهم فى مواجهة الحق فتقولا:

﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ ﴾
                        (الحجر: 14، 15)
وفى هاتين الآيتين الكريمتين، وفى الآيات من بعدهما (16 – 31) استعراض لعدد من الإشارات العلمية المؤكدة على حقيقة الخلق، وعلى عظمة الخالق – سبحانه وتعالى – فى ألوهيته، وربوبيته، ووحدانيته المطلقة فوق جميع خلقه، وعلى صدق القرآن الكريم فى أنه كلام رب العالمين، وفى كل ما جاء به، وفى تميزه عن كلام المخلوقين تميزا يستحيل على الإنس والجن – فرادى ومجتمعين – أم يأتوا بشئ من مثله.

وتذكر الآيات (28 – 50) بقصة خلق أبينا آدم – عليه السلام ، وسجود الملائكة له، وامتناع إبليس عن ذلك، وتعهده بمحاولة غوايته، وغواية ذريته من بعده إلى يوم الدين، كرمز للصراع بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال حتى قيام الساعة. كما تعرض الآيات لجزاء كل من أهل النار وأهل الجنة فى الآخرة، والفارق الهائل بين الجزاءين.
ثم تنتقل الآيات (51- 84) إلى استعراض سير عدد من أنبياء الله – تعالى – منهم إبراهيم، ولوط، وشعيب، وصالح- على نبينا وعليهم من الله السلام- وعلاقتهم بأقوامهم، ومصارع المكذبين من تلك الأقوام وذلك من أجل استخلاص العبرة وأخذ الدرس.
وتتوجه الآيات (85 – 99) بالخطاب إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مؤكدة على خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق، وعلى أن الساعة آتية لا ريب فيها، وعندها ينهدم بناء الكون كله، ثم يعاد خلقه بأرض غير أرضنا، وسماوات غير السماوات المحيطة بنا، ويبعث الخلق من الأرض الجديدة وهى تحتوى كل ذرات أرضنا القديمة، بالإضافة إلى المزيد من مختلف صور المادة والطاقة الجديدين، حتى تتسع الأرض الجديدة للبلايين من المخلوقات التي عاشت وماتت، وللبلايين التي تملأ مختلف جنبات الأرض اليوم، ولتلك التي سوف تأتى من بعدنا إلى قيام الساعة، وتؤكد هذه الآيات مرة أخرى على أن القرآن الكريم هو هداية الله -تعالى- خلقه التي أنزلها على خاتم رسله وزودته بأوامر رب العالمين له ولجميع المؤمنين برسالته، وفى ذلك تقول الآيات:-

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ
وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الخَلاَّقُ العَلِيمُ * وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ المَثَانِي وَالْقُرْآنَ العَظِيم* لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِـينَ * وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ المُبِـينُ ﴾                   (الحجر: 85 – 89)

وتستمر الآيات منتقدة الذين قسموا القرآن قطعا متفرقة،-وهو كل لا يتجزأ- مؤكدة أن الله – تعالى – سيحاسبهم على ذلك، وموجهة الخطاب مرة أخرى إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يصدع بما يؤمر، ويعرض عن كفار و المشركين، لأن الله – تعالى – قد كفاه المستهزئين منهم، الذين كانوا يؤذون مشاعره-صلى الله عليه وسلم- ببذاءاتهم فيضيق صدره الشريف لذلك، وتوصيه الآيات بأن يفزع إلى الله – تعالى – كلما أصابه شئ من هذا الضيق، وأن يعبد الله-تعالى- مخلصاً له الدين حتى يأتيه اليقين وهو الموت-الذي جعله حقا على جميع الخلائق-، وفى ذلك تقول الآيات (90 – 99) فى ختام سورة "الحجر":-
﴿كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِـينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ
وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ . الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ ﴾(الحجر: 90 – 99)
وسورة "الحجر" فى خطابها إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تبقى خطابا لجميع القائمين على الدعوة الإسلامية فى كل زمان ومكان، وكما هددت هذه السورة الكريمة مجموع الكفار والمشركين فى زمن الوحي، وتوعدتهم بمصارع الغابرين، فإنها تهدد الكفار والمشركين فى كل زمان ومكان إلى اليوم وحتى قيام الساعة بمثل عقاب الغابرين، حتى يبقى القرآن الكريم حجة الله على خلقه إلى يوم الدين . وحتى لا يفتتن إنسان بطغيان أهل  الكفر والشرك والضلال فهلاكهم فى الدنيا محتوم، وخسرانهم في الآخرة مؤكد ومعلوم!!.

من ركائز العقيدة فى سورة "الحجر":-

(1)             الإيمان بالله وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وبأن هذا الإله الواحد الأحد، الفرد الصمد منزه عن جميع صفات خلقه،  وعن كل وصف لا يليق بجلاله، وأن جميع رسل الله وأنبيائه دعوا إلى عبادة الله وحده( بغير شريك، ولا شبيه، ولا منازع، ولا صاحبه، ولا ولد) مؤكدين أن الله – تعالى – هو الغفور الرحيم، وأن عذابه هو العذاب الأليم، وأنه على كل شئ قدير.

(2)             اليقين بأن القرآن الكريم هو كلام رب العالمين الذى أنزله على خاتم أنبيائه ورسله، وتعهد بحفظه تعهداً مطلقاً، في نفس لغة وحيه (اللغة العربية) فحفظ لأكثر من أربعة عشر قرنا، وسيبقى محفوظاً بحفظ الله-تعالى- إلى ما شاء الله.

(3)             التصديق بكل ما جاء فى القرآن الكريم من سير الأولين.

(4)             التسليم بأن الله – تعالى – هو الذى يحفظ السماء من كل شيطان رجيم، فمن حاول استراق السمع أتبعه شهاب مبين.

(5)             الإيمان بأن الله – تعالى – خلق كل شئ فقدره تقديرا بدقة فائقة، وأن خزائن كل شئ عنده -سبحانه وتعالى – وأنه لا ينزله إلا بقدر معلوم، وأنه – تعالى -هو المحي المميت، وهو الوارث لكل شئ، والعليم بكل شئ ظاهر وخفي.

(6)             اليقين بحتمية القيامة وما يتبعها من بعث، وحشر، وحساب وجزاء، وخلود إما فى الجنة وإما فى النار.

(7)             التصديق بأن الله – تعالى – خلق الإنسان (فى هيئة كل من أبوينا آدم وحواء – عليهما السلام – )من صلصال من حمأ مسنون، ومن قبل خلق الجان من نار السموم.

(8)             التسليم بأن الله – تعالى – نفخ الروح في الصلصال المُسَوَّي من الحمأ المسنون فصار بشرا، ثم أسجد له الملائكة فسجدوا كلهم أجمعون، وأبى ذلك إبليس اللعين، ومن هنا كانت عداوته لأدم وذريته.

(9)             انطلاقا من الإيمان بأن الشيطان للإنسان عدو مبين، لابد من التسليم بأنه سيحاول دوما إغواء كل إنسان يتمكن من إغوائه للانصراف أو الخروج عن الدين الصحيح، والوقوع في المحارم التي حرمها رب العالمين.

(10)        اليقين بأنه لا يجوز لمؤمن أن يقنط من رحمة الله أبدا لأنه لا يقنط من رحمة الله إلا الضالين من الخلق المكلفين.

(11)        التصديق بأن أجل كل حي قد حدده الله – تعالى-  له، ولا تستطيع قوة على وجه الأرض تغييره.

من الإشارات الكونية والتاريخية فى سورة الحجر:-

1.     التأكيد  على أن السماء بناء محكم وعظيم الاتساع، وهو ما أثبته العلم.

2.     وصف الحركة فى السماء بالعروج وهو ما أثبتته رحلات استكشاف الكون من حولنا مؤخراً.

3.     الإشارة إلى أن الكون يغشاه الظلام بعد تجاوز طبقة نهار الأرض الرقيقة، وهو ما رآه رواد الفضاء بأعينهم وشهدوا به.

4.     وصف البروج بأنها زينة للسماء المحفوظة من كل شيطان رجيم.

5.     ذكر أن من وظائف الشهب كونها رجوماً لمن حاول استراق السمع من الشياطين.

6.     الإشارة إلى تكور الأرض بالوصف (مددناها)، لأن المد بلا نهاية هو قمة التكوير.

7.     وصف إرساء الأرض بالجبال، وهو ما أثبته العلم مؤخرا.

8.     التأكيد على توازن كل شئ فى الأرض وهو أمر ملحوظ لنا اليوم.

9.     الإشارة إلى تهيئة الأرض لاستقبال الحياة تهيئة كاملة.

10.    تقرير حقيقة أن خزائن كل شئ بيد الله – تعالى –، وأنه- بعلمه وحكمته وقدرته – لا ينزل شيئا من خزائنه إلا بقدر معلوم.

11.    وصف دور الرياح فى تلقيح السحب المحملة ببخار الماء وذلك بواسطة نوى التكثيف من هباءات الغبار وغيرها من أجل إنزال المطر منها لسقيا كل من النبات والحيوان والإنسان، وتخزين جزء من ماء المطر فى صخور وتربة الأرض للمناطق التي لا تتواجد فيها أنهار جارية أو بحيرات.

12.    تقرير أن الله – تعالى – وحده – وهو الحي الذي لا يموت – هو القادر على الخلق من العدم، والإحياء إلى الأجل، ثم الإماتة والقبر، ثم البعث والحشر، والحساب والجزاء بالخلود إما فى الجنة وإما فى النار.

13.    التأكيد على خلق الإنسان من صلصال من حمأ مسنون.

14.    وصف خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق، والإشارة في ذلك إلى مركزية الأرض من الكون، وهو ما لا يستطيع الإنسان إثباته.

15.    التأكيد على حقيقة الخلق، ونسبته إلى الله – تعالى-وحده، فهو الخلاق ذو القوة المتين.

16.    الإشارة بأطراف من قصص عدد من أنبياء الله (منهم آدم، وإبراهيم، ولوط، وشعيب، وصالح – على نبينا وعليهم من الله السلام –) هو جانب من جوانب الإعجاز التاريخي في كتاب الله .

وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها، ولذلك فسوف أقصر الحديث فى المقال القادم – إن شاء الله – على جانب من جوانب الإعجاز العلمي والتاريخي في قصة نبي الله شعيب مع قومه.



هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في أوائل الربع الأخير من سورة "الحجر"، وهى سورة مكية وآياتها تسع وتسعون (99) بعد البسملة وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة في الآية الثمانين منها إلى (الحجر) وهو اسم أطلق على مدائن قوم نبي الله صالح – عليه السلام – الذين عرفوا باسم قوم ثمود (أو عاد الثانية) وهذه المدائن عبارة عن أعداد من البيوت المنحوتة في الصخور الرملية المكونة لجانبي (وادي القرى)، أو المجلوبة إلى بطن الوادي بواسطة السيول الجارفة وبواسطة غيرها من وسائل النقل التي تفوق قدرة البشر لضخامة أحجامها. ومدائن صالح (الحجر) هي الآن خربة تقع إلى الشمال الغربي لمدينة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في منتصف الطريق القديم -تقريبا -بينها وبين  مدينة تبوك.
ويدور المحور الرئيسى لسورة "الحجر" حول ركائز العقيدة الإسلامية، شأنها في ذلك شأن كل السور المكية، واستخدمت فى ذلك العديد من آيات الله فى الكون وقصص عدد من الأمم البائدة.
هذا وقد سبق لنا استعراض سورة "الحجر" وما جاء فيها من ركائز العقيدة الإسلامية، والإشارات الكونية والتاريخية، ونركز هنا على ومضة الإعجاز التاريخي بذكر "أصحاب الأيكة"، كما جاء في الآية الثامنة والسبعين وما تلاها من آيات إلى ختام  الآية الرابعة والثمانين من سورة "الحجر".

من الإعجاز التاريخي في ذكر أصحاب الأيكة:

"أصحاب الأيكة" هم قوم نبي الله شعيب – على نبينا وعليه من الله السلام - ، وهم أهل مدين، كانوا عرباً سكنوا الأطراف الشمالية الغربية من أرض الحجاز فى المثلث المتكون عند التقاء خليج العقبة بالبحر الأحمر على هيئة كتلة صخرية كبيرة تعرف جيولوجيا باسم "كتلة مدين" وتقع فى الزاوية المتكونة بالتقاء خليج العقبة مع شمال البحر الأحمر، ممتدة من الثلث الجنوبي لخليج العقبة فى خط مستقيم يتجه جنوبا بشرق ليلتقي بشمال البحر الأحمر.

وأهل "مدين" كانوا على دين إبراهيم – عليه السلام – وهو الإسلام العظيم المعروف بالحنيفية السمحة، فهم بنو مدين بن إبراهيم – عليه السلام - ، وبمرور الزمن نسى نسلهم الدين، واجتالتهم الشياطين فضلوا وأضلوا وأفسدوا فى الأرض إفساداً كبيرا. وكانوا من ظلالهم عبادة شجرة من الأيك وسط غيضة ملتفة بها، ولذلك عرفوا باسم "أصحاب الأيكة"، وكان من ضلالهم أيضا أنهم كانوا يبخسون المكيال ويطففون الميزان، كما كانوا يقطعون الطريق على المسافرين، ويأخذون العشور من المارة، وكانوا أول من سَنَّ ذلك، فبعث الله – سبحانه وتعالى – إليهم نبيه شعيبا – عليه السلام – يدعوهم إلى عبادة الله – تعالى – وحده، وينهاهم عن الشرك بالله، وعن أعمالهم وسلوكياتهم الخاطئة. وذكرهم نبيهم شعيب بنعم الله – تعالى – عليهم بأن كثَّرهم من بعد قلة، وأغناهم من بعد فقر، ونصحهم بأن القناعة بالرزق الذي قسمه الله-تعالى- لهم هو من أكل أموال الناس بالباطل، وأن ما يبقى لهم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان خير من تطفيفهما، وأن دين الله الذي أنزله على سلسة طويلة من أنبيائه ورسله، وجاءهم به نبيهم شعيب هو خير لهم من معتقداتهم الفاسدة فسخروا منه وهددوه ومن آمن معه بالطرد من قريتهم إن لم يعودوا إلى شركهم وفسادهم، فأنزل الله – تعالى – بهم رجفة قضت على أغلبهم وهم فى بيوتهم، ونجي الله – تعالى – شعيبا و قلة من أصحاب مدين كانوا هم الذين آمنوا معه وفى ذلك يقول ربنا – تبارك وتعالى – فى محكم كتابه: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا الكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . وَلاَ تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ . وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ . قَالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَ لَوْ كُنَّا كَارِهِينَ . قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الفَاتِحِينَ . وَقَالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ . فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ . الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَانُوا هُمُ الخَاسِرِينَ . فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ ﴾(الأعراف: 85 – 93)
وجاء ذكر نبي الله شعيب و ذكر قومه فى خمسين آية من آيات القرآن الكريم منها الآيات السابقة (85- 94) من سورة "الأعراف" ومنها الآيات (84 – 95) من سورة "هود" والآيتان (78، 79) من سورة "الحجر" ، والآيات (176 – 191) من سورة "الشعراء"، والآيتان (36، 37) من سورة "العنكبوت" بالإضافة إلى ثلاث آيات فى سورة "القصص" ، وآية واحدة فى كل من السور "طه" ، "الحج"، "ص"، "ق".

ففى سورة هود "يقول ربنا – تبارك وتعالى – ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُوا المِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ . وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا المِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ . بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ . قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ . قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ . وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ . وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ . قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ . قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِياً إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ . وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ . وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ . كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ (هود: 84 – 95)
وفى هذه الآيات تأكيد على انحراف أصحاب الأيكة إلى الشرك بالله، فدعاهم شعيب إلى التوحيد الخالص، وتأكيد على شيوع تطفيف الكيل والميزان فى مجتمعهم على الرغم مما كانوا فيه من سعة فى الرزق، فدعاهم إلى الرجوع عن ذلك، وهددهم بعذاب يوم القيامة نظرا لشركهم وإفسادهم فى الأرض، كما هددهم بمصائر أشباههم من الأمم السابقة عليهم من مثل أقوام كل من أنبياء الله نوح، وهود، وصالح، ولوط – على نبينا وعليهم من الله السلام – مضيفاً: (.... وما قوم لوط منكم ببعيد) أي في كل من الزمان والمكان.  و حذرهم من مغبة الخروج على أوامر الله-تعالى- وأمرهم بضرورة استغفار الله والتوبة إليه وهو – تعالى – الرحيم الودود، غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب.
و فى مقابل هذه النصائح الغالية هدده قومه بالرجم لولا عشيرته الأقربين، فأنذرهم شعيب بنزول عذاب الله، فأخذتهم الصيحة . (فأصبحوا فى ديارهم جاثمين) أي موتى هامدين لا حراك بهم. ولذلك قال – تعالى وفى سورة "الحجر":-
﴿وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ . فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ (الحجر: 78، 79)
والتثنية فى ختام هذه الآية الكريمة تشمل كلا من أصحاب الأيكة وقوم لوط، لتقاربهما فى الزمان والمكان كما سبق وقد أشرنا.
وفى سورة الشعراء قال ربنا– سبحانه وتعالى فى ذكر كل من أصحاب الأيكة ونبيهم شعيب-عليه السلام-:
﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ المُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ  . إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ . أَوْفُوا الكَيْلَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ . وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ المُسْتَقِيمِ . وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ . وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ . قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ . وَمَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الكَاذِبِينَ . فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ السَّمَاءِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ . فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ . إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾                       (الشعراء: 176 – 191)
وجاء فى سورة "العنكبوت" قول الحق – تبارك وتعالى:-

﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ
وَارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ  . فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾    (العنكبوت: 36، 37)
وانطلاقا من هذه الآيات القرآنية الكريمة ندرك أن عقاب الكافرين من أصحاب كان الأيكة رجفة (جاءت فى سورة "الأعراف") ، وصيحة (جاءت فى سورة "هود"، وظلة (جاءت فى سورة "الشعراء") فاجتمعت عليهم هذه النقم الثلاث فى لحظة واحدة، وجاءت كل واحدة منها فى السياق الذى يناسبها، فلما كان تهديد كفار أهل مدين لنبي الله شعيبا والذين آمنوا معه فى سورة "الأعراف" بالإخراج من قريتهم جاء ذكر الرجفة، ولما كان تهديدهم فى سورة "هود" بالرجم بالحجارة جاء ذكر الصيحة، ولما كان تحديهم فى سورة "الشعراء" بقولهم: (فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين) عوقبوا بعذاب يوم الظلة، وهى ثلاثة صور من التعذيب اجتمعت عليهم فى لحظة واحدة: رجفة، وصيحة، وظلة، أو توالت عليهم فأصبحوا فى ديارهم جثثا هامدة لا حراك فيها، ونجي الله – تعالى – نبيه شعيبا والذين آمنوا معه. ولا تزال فى قلب "كتلة مدين" الصخرية قرية تسمى (البدع) بها بئر يطلق عليها اسم (بئر نبي الله شعيب) وهذه البئر بقيت علامة تاريخية تشهد بصدق كل ما جاء فى كتاب الله من حديث عن نبى الله شعيب وقومه.

هذا التفصيل عن نبي الله شعيب وقومه (أصحاب الأيكة) أو (أصحاب مدين) والذي جاء في (50) آية قرآنية كريمة، جاء فيها ذكر نبيهم شعيب (11) مرة، ومدين (10) مرات، وأصحاب الأيكة (4) مرات، كل ذلك أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة  على نبي أمي – صلى الله عليه وسلم – فى أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين وهو – صلوات الله وسلامه عليه – لم يثبت فى سيرته الشريفة أنه وصل إلى منطقة مدين أبدا، وأن قصة شعيب مع قومه كانت قبل بعثة المصطفى – صلى الله عليه وسلم – بقرابة ألفى عام (من 1244 ق.م – 610م) فمن أين له هذه التفاصيل إن لم تكن وحيا من رب العالمين؟ خاصة وأن العرب  لم يكونوا أمة تدوين فى زمانه ولا من قبل زمانه!!.
وإن قيل أنه سمع ذلك من أهل الكتاب رددنا عليهم بأن ذكر شعيب لم يرد فى العهد القديم كله إلا مرتين فقط فى ثنايا قصة موسى – عليه السلام – ،مرة باسم "رعوئيل"
(Reuel) كاهن مدين (سفر الخروج 2/ 16 – 22) وأخرى باسم يثرون  (Jethro) كاهن مديان (سفر الخروج 3/1).
من هنا كان فى تفاصيل قصة نبي الله شعيب – عليه السلام – فى القرآن الكريم، وفى
صف أحوال قومه بالتفصيل، وفى نعتهم بأصحاب مدين أو أصحاب الأيكة، وفى الإشارة القرآنية الكريمة التي يقول فيها ربنا – تبارك وتعالى –
﴿وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾(الحجر: 78)
كان في ذلك كل إعجازا تاريخيا يشهد للقرآن الكريم بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية، لأن المؤرخين لا يعرفون شيئا عن نبي الله شعيب – عليه السلام – والكتب المتوفرة لدى أهل الكتاب لا تعرف عنه سوى أنه كان كاهنا لأهل مدين لجأ إليه موسى – عليه السلام – وتزوج من إحدى بناته السبعة، والقرآن الكريم يسجل أنهما كانتا ابنتين فقط وعلى ذلك فلولا هذا التفصيل القرآني عن نبى الله شعيب وقومه ما كان أمام الناس وسيلة للتعرف على هذه الأمة من الأمم، ولا ما أصبها من صنوف العذاب فى الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.
فالحمد لله على نعمة الإسلام، والحمد لله على نعمة القرآن والحمد لله على بعثة خير الأنام – صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هذه ودعا بدعوته إلى يوم الدين – وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.