" مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ " (لقمان‏:28)‏.


هذا النص القرآني الكريم جاء في أول الخُمْس الأخير من سورة لقمان‏ ,‏ وهي سورة مكية‏ ,‏ وآياتها أربع وثلاثون‏ (34)‏ بعد البسملة‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها مرتين إلى العبد الصالح المعروف باسم‏
(‏لقمان الحكيم‏) ,‏ وهو شخصية لا يعرف المؤرخون شيئا عنها‏ ,‏ فقد قيل عنه إنه من أصول أفريقية‏ (نوبية‏ ,‏ أو سودانية‏ ,‏ أو حبشية‏)‏ أو من أصول عبرانية‏ ,‏ والله ـ تعالى ـ أعلم بحقيقته ‏ .‏
وغالبية الذين كتبوا عن هذا العبد الصالح‏ (‏لقمان الحكيم‏)‏ يُجمعون على أنه لم يكن نبياً‏ ,‏ وقليلون هم الذين يرجِّحون نبوته؛ لمدح القرآن الكريم له في آيتين متتاليتين من هذه السورة الكريمة التي سميت باسمه‏ ,‏ ولكن الجميع متفقون على أنه كان من أحناف زمانه؛ لدعوته إلى التوحيد الخالص لله ـ تعالى ـ وإلى مكارم الأخلاق‏ ,‏ ولمّا عُرِفَ عنه من الحكمة وحسن الخطاب‏ ,‏ كما فصلته هذه السورة المباركة‏ .
ويدور المحور الرئيسي لسورة لقمان حول عدد من ركائز العقيدة الإسلامية‏ ,‏ والضوابط الأخلاقية والسلوكية التي تتطلبها في العبد المؤمن‏ ,‏ وجزاء كلٍ من المحسنين الملتزمين بمنهج الله‏ ,‏ والخارجين عن هدايته‏ ,‏ واستشهدت السورة الكريمة في هذا السياق بعدد من الآيات الكونية الدالة على طلاقة القدرة الإلهية المُبدِعة في الخلق‏ ,‏ والشاهدة للخالق ـ سبحانه وتعالى ـ بالإلوهية‏ ,‏ والربوبية‏ ,‏ والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏ ,‏ وبحتمية البعث‏ ,‏ والحشر‏ ,‏ والحساب‏ ,‏ والجزاء‏ , وخُتِمَت بالإشارة إلى عدد من أمور الغيب التي استأثر بها علم الله‏ . ‏

عرض موجز لسورة لقمان ‏:
تبدأ سورة لقمان بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ ‏:
" الم‏ . تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ الحَكِيمِ . هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ . الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ .‏ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ‏" (لقمان:‏1‏-‏5)‏ .
والاستهلال بالحروف المقطعة الثلاثة‏ (‏الم‏)‏ تكرر في مطلع ست من سور القرآن الكريم‏ (‏هي‏:‏ البقرة‏ ,‏ آل عمران‏ ,‏ العنكبوت‏ ,‏ الروم‏ ,‏ لقمان‏ ,‏ والسجدة‏) .‏ وجاء بإضافة الحرف ‏(‏ص‏)‏ في مطلع سورة الأعراف ‏(‏المص‏)‏ وبإضافة الحرف‏ (‏ر‏)‏ في مطلع سورة الرعد‏ (‏المر‏) .‏ وقد سبق لنا التعليق على هذه المقطعات ولا أري حاجة إلى تكرار ذلك‏ . ‏وبعد هذا الاستهلال جاء الثناء على القرآن الكريم بأنه هو الكتاب الحكيم‏ ,‏ وأنه هدى ورحمة للمحسنين الذين هم المفلحون لأنهم استقاموا على هداية ربهم وأقاموا شرائع دينه‏ .‏
وفي المقابل تحدثت الآيات عن طائفة من الناس، الذين اعرضوا عن سماع كلام الله‏ ,‏ وأُغرِقوا في اللهو واللعب والطرب والأغاني والموسيقى والألحان بهدف صرف الناس عن التفقه في الدين‏ ,‏ استهزاءاً به وتكبراً عليه‏ ,‏ وهؤلاء التعساء يبشرهم الله بعذاب مهين‏ ,‏ وفي ذلك تقول الآيات‏ :‏
" وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ . وَإِذَا تُتْلَى عليه آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ‏" ‏(لقمان‏:7,6)‏ .
وفي التعليق على هاتين الآيتين الكريمتين قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لا يحل بيع المغنيات‏ ,‏ ولا شراؤهن‏ ,‏ وأكل أثمانهن حرام‏ ,‏ وفيهن أنزل الله ـ عز وجل ـ على‏ّّ : " وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ "(أخرجه ابن أبي حاتم ورواه الترمذي وابن جرير‏) .
 ثم تُعاود الآيات إلى وصف جزاء المؤمنين فتقول ‏: " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ . خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقاًّ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ " (لقمان‏:9,8)‏ .
وبعد استعراض عدد من آيات الله في الكون ‏ (الآيات‏:11,10) ‏، انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن لقمان الحكيم ونصائحه لابنه في ثماني آيات كاملة‏ (لقمان‏:12‏-‏19) .‏
وبعد ذلك تُنبّه الآياتُ الناسَ إلى نعمة تسخير ما في السماوات وما في الأرض لصالحهم‏ ,‏ وإلى إسباغ الله ـ تعالى ـ غير ذلك من نِعَمِه ظاهرةً وباطنة عليهم‏ ,‏ وهم على الرغم من ذلك يجحدون ـ في غالبيتهم ـ تلك النعم‏ ,‏ ويجادلون بدون علم ولا هداية ربانية‏ ,‏ في توحيد الله ـ سبحانه وتعالى ـ وفي صدق وحيه‏ ,‏ وفي ذلك تقول الآيات ‏:‏
" أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ . وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عليه آبَاءَنَا أَوَ لَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوَهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ " (لقمان‏:21,20)‏ .
ثم تنتقل الآيات لتقارنَ بين المسلم وغيره ـ في مواساة رقيقة لخاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلوات الله وسلامه عليه‏)‏ ـ مؤكدة رجوع الخلق جميعا إلى الله ـ تعالى ـ وأن حسابهم وجزاءهم جميعاً عليه فتقول ‏:‏
" وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ‏ . ‏وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيْمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ . نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ ‏" (لقمان‏:22‏-‏24) وفي خطاب مُطمئِن إلى رسول ـ الله صلى الله عليه وسلم ـ تؤكد الآيات أن خلق السماوات والأرض يشهد لله ـ تعالى ـ بالإلوهية والربوبية، حتى عند المشركين الذين استزلهم الشيطان فأوقعهم في أوحال الشرك فتقول‏ : " وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ . لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ "      (لقمان‏:25‏-‏26)‏ .
وتعاود الآيات إلى امتداح علم الله ـ تعالى ـ الذي لا حصرَ له فتقول ‏:
" وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏" (لقمان‏:27)‏ . وفي التأكيد أن الله ـ تعالى ـ هو الحق‏ ,‏ وأن ما يعبد المشركون من دونه هو الباطل‏ ,‏ وأن الله هو العلى الكبير استشهدت الآيات‏ (28‏-‏31)‏ بعدد من سنن الله في الخلق والبعث‏ ,‏ وفي تبادل الليل والنهار‏ ,‏ وتسخير كلٍ من الشمس والقمر يجري إلى أجل مسمى‏ ,‏ وفي جريان الفلك في البحر بنعمة من الله ـ تعالى شأنه ـ . ثم تنتقل الآيات إلى استعراض جانب من طبائع النفس البشرية فتقول ‏: " وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ "     ‏(لقمان‏:32)‏ .
ولفظة‏ (‏مقتصد‏)‏ هنا تعني الجاحد أو المُقصِّر أو المتوسط في العمل‏ ,‏ و‏(‏الختَّار‏)‏ هو الغدَّار الذي كلما عاهد نقض عهده؛ لأن‏ (‏الختر‏)‏ هو أتمُّ الغدر وأبلغه،‏ ولذلك وُصف ‏(‏الختَّار‏)‏ بـ‏ (الكفور‏)‏ أي الجاحد للنعم الذي يتناساها ولا يذكرها‏ .
ثم تأتي الآيات بوصية من الله ـ تعالى ـ إلى الناس بضرورة تقواه وخشيته‏ والاستعداد ليوم القيامة، فوعد الله به حق‏ ,‏ وتحذّرهم من أن تلهيَهم الدنيا عن الآخرة‏ ,‏ أو أن يستسلموا لوعود الشيطان، فيصرفهم عن عبادة الله ـ تعالى ـ وفي ذلك تقول ‏:‏
" يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الغَرُورُ ‏"      (لقمان‏:33) .‏
وخُتمت سورة لقمان بذكر عدد من الغيوب التي استأثر الرحمن بعلمها فتقول‏ :
‏" إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيْمٌ خَبِيرٌ ‏"     (لقمان‏:34) .


من ركائز العقيدة في سورة لقمان :
‏(1)‏ الإيمان بأن آيات القرآن الكريم هي كلام الله المُوحى به إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وأن هذا الكتاب الحكيم قد جعله الله ـ تعالى ـ هدى ورحمة للمُحسِنين‏ ,‏ وأن علم الله ـ تعالى ـ لا حصر له‏ ,‏ وهو علم شموليّ كامل لا تغيب عنه غائبة ‏. ‏
‏(2)‏ اليقين بأن الله ـ تعالى ـ هو خالق كل شيء‏ ,‏ وهو رب كل شيء ومليكه‏ ,‏ وأن غير الله ـ سبحانه وتعالى ـ لا يخلق شيئا .‏
‏(3)‏ التصديق بأن إقامة الصلاة‏ ,‏ وإيتاء الزكاة‏ ,‏ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏ ,‏ والصبر على القيام بذلك‏ ,‏ والدعوة إليه هو من الهداية الربانية التي تحقق لصاحبها الفلاح في الدنيا‏ ,‏ والنجاة في الآخرة‏ .‏
‏(4)‏ التسليم بأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم‏ ,‏ خالدين فيها أبدا‏ ,‏ وأن من كفر فعليه كفره‏ ,‏ وأن مآله إلى جهنم وبئس المصير‏ .‏
‏(5)‏ الإيمان بأن الشرك بالله ـ تعالى ـ هو من أخطر درجات ظلم النفس‏ ,‏ وهو من الكفر البواح الذي يجرّ صاحبه إلى أحطّ دركات الجحيم‏ .‏
‏(6)‏ اليقين بحتمية الآخرة‏ ,‏ وبما فيها من أهوال البعث‏ ,‏ والحشر‏ ,‏ والحساب‏ ,‏ ثم الخلود إمّا في الجنة أبداً أو في النار أبدا‏ًً ,‏ وأن في الآخرة لا يجزي والد عن ولده‏ ,‏ ولا مولود عن والده ‏ .‏
‏(7)‏ التصديق بالغيوب المطلقة التي لا يعلمها إلا الله ـ تعالى ـ‏ ,‏ ومنها علم الساعة‏ ,‏ ونزول الغيث‏ ,‏ وعلم ما في الأرحام‏ ,‏ وما تكسب كل نفس في مستقبل عمرها‏ ,‏ وبأي أرضٍ تموت‏ .


من مكارم الأخلاق في سورة لقمان :
(1) تحريم كلّ صور اللهو الماجن الذي يتجاوز فيه الإنسان حدود الأدب‏ ,‏ والاحتشام‏ ,‏ والذوق السليم‏ .‏
(2) بِرّ الوالدين وإن كانا غير مسلمَيْن‏ ,‏ خاصّةً الأم‏ ,‏ والشكر لهما والثناء عليهما‏ .‏
(3) التأسّي بالصالحين والحرص على صحبتهم‏ .‏
(4) النهي عن التكبر على الخَلْق‏ ,‏ وعن الاستعلاء في الأرض‏ ,‏ لأن الله ـ تعالى ـ لا يحب كل مختال فخور‏ .
ومن هنا كانت الدعوة إلى القصد في المشي‏ ,‏ والغضّ من الصوت‏ ,‏ والتذكير بأن أنكر الأصوات هي تلك الحادة المرتفعة النبرة كصوت الحمير‏ . ‏
(5)الأمر بالمعروف‏ ,‏ والنهي عن المنكر‏ ,‏ والصبر على المكاره ، وعلى كلّ ما يصيب الإنسان من شدائد ‏ .‏
(6)التأكيد على قيمة العقل في الحكم على الأشياء‏ ,‏ وعدم قبولها بمجرد الميراث أو الإِلْف والعادة ‏.‏
(7) اليقين بمراقبة الله للعباد كضابطٍ لسلوكهم ‏.‏ والتأكيد على تقوى الله وخشيته في السر والعلن‏ .


من الإشارات الكونية في سورة لقمان :
(1) يقول ربنا ـ تبارك وتعالى ‏ـ : " خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ " ‏‏(‏لقمان‏:10)‏ .
وفي هذه الآية القرآنية الكريمة عدد من الإشارات العلمية الدقيقة، منها‏ :‏ إشارة إلى خلق السماوات بغير عمد مرئيّة‏ ,‏ وأخرى إلى إلقاء الجبال في الأرض رواسي لها، حتى لا تميد وتضطرب بما عليها من الخلائق فتستحيل الحياة عليها‏ ,‏ ومنها بث الحياة في الأرض ‏(‏أي نشرها‏)‏ من كل دابة‏ ,‏ ومنها الإشارة إلى إنزال الماء من السماء ‏(‏أي من السحاب في دورة الماء حول الأرض‏) ,‏ وإحياء الأرض بواسطته حتى أنبت الله ـ تعالى ـ بقدرته فيها من كل زوج كريم من النباتات‏ .‏ وهذه كلها من الحقائق التي أثبتتها العلوم المكتسبة بعد تنزّل القرآن الكريم بقرون عديدة‏ .‏
‏(2)‏ ويقول الحق ـ سبحانه وتعالى‏ ـ :
" وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إلى المَصِيرُ " (لقمان‏:14) .‏
وفي هذه الآية الكريمة جاءت الإشارة إلى ثلاثٍ من القضايا العلمية المهمة، أولاها‏:‏ توصية الإنسان بوالديه؛ لأن الوالدين لا يحتاجان إلى توصية على أبنائهما؛ لأن العاطفة تجاه الأبناء أمر فطري غريزي لا يحتاج إلى تعليم أو تنبيه‏ .‏ وثانيتها أن جنين الإنسان يبقي في بطن أمه فترة تتراوح بين الستة والتسعة أشهر قمرية‏ ,‏ معتمداً اعتماداً كلياً على جسدها في غذائه‏ ,‏ ورَيِّه‏ ,‏ وتنفسه‏ ,‏ وخلايا مناعة جسده‏ ,‏ وإخراجه‏ ,‏ وباقي أنشطته الجسدية والنفسية‏ . ‏وتضحي الأم الحامل لجنينها بكامل احتياجاته على حساب احتياجات جسدها هي ، مما يؤدي إلى إضعاف هذا الجسد ووهنه‏ ,‏ وهو ما أثبتته الدراسات المكتسبة‏ .‏ وثالثتها الإشارة إلى أن فصال الرضيع في عامَيْن‏ ,‏ أي أن المدة الكاملة للرضاعة هي عامان قمريان‏ .
 وقد ثبت بالتجربة أنه كلما اقتربت مدة الرضاعة الطبيعية من العامَيْن قَلَّ تركيز الأجسام المناعية الضارة بجسم الجنين ‏ .‏ وإذا أضفنا إلى هذه الآية الكريمة قول ربنا ـ تبارك وتعالى‏ ـ : " وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ‏" (الأحقاف‏:15) ، اتضح لنا بجلاء أن أقلَّ مدة للحمل البشري هي ستة شهور قمرية‏ (‏أي‏:177‏ يوما‏) ,‏ وأن أطول مدة للحمل البشري هي تسعة شهور قمرية‏ (أي‏:266‏ يوما‏) ,‏ وعلى ذلك فلابد من استكمال فترتَيْ الحمل والفطام معا إلى ثلاثين شهراً قمرياً‏ً (‏أي إلى‏885‏ يوما‏) ,‏ فكلما قلَّت فترة الحمل زادت فترة الرضاعة‏ ,‏ والعكس صحيح‏ ,‏ وهذا كله ما أثبتته الدراسات المكتسبة‏ .‏
‏(3)‏ ويقول ربنا ـ تبارك اسمه ـ عن إحدى وصايا لقمان الحكيم لولده ‏:
" وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ ‏"‏ (لقمان‏:19) .
وقد ثبت بالتجربة أن شدة صوت نهيق الحمار تجاوز‏ 100‏ ديسيبل‏ (Decibel)‏ والديسيبل وهو عشر البل‏ ,‏ والبل (‏Bel‏) هو وحدة قياس كلٍ من شدة الصوت والقدرة على السمع‏ ,‏ وهي منسوبة إلى جرهام بل (‏GrahamBell‏) مخترع التليفون .‏
وثبت علميا أن أذن الإنسان لا تتحمل صوتا شدته ‏100‏ ديسيبل لأكثر من ساعتين‏ ,‏ فإذا وصلت شدة الصوت إلى ‏110‏ ديسيبل لا يمكن لأذن الإنسان أن تتعرض لسماع هذا الصوت بأمان لأكثر من نصف ساعة‏ ,‏ فإذا وصلت شدة الصوت إلى ‏160‏ ديسيبل حدث لأذن الإنسان‏‏ صمم تام‏ ,‏ هذا
بالإضافة إلى العديد من الأمراض الصحية والنفسية والتي قد تعتري هذا الإنسان‏ .‏ والآية الكريمة جاءت في مقام الأمر بالتوسط في المشي بين البطء والإسراع في شيء من السكينة والوقار الذي لا يشوبه شيء من التبختر والاختيال والعجب بالذات‏ ,‏ كما توصي بالغض من شدة الصوت أي خفضه إلى مستوى الحاجة‏ ,‏ وكفه عن إيذاء مسامع الآخرين‏ ,‏ وكل ذلك من أخلاق المؤمنين‏ ,‏ ومن قواعد الأدب في التعامل معهم‏ ,‏ والثقة بالنفس والاطمئنان إلى صدق القول‏ ,‏ والإشارة إلى أن‏
" ‏أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ ‏"‏ هي حقيقة علمية أثبتتها المعارف المكتسبة بالقياس المتكرر‏ .‏
‏(4)‏ يقول الخالق ـ سبحانه وتعالى‏ ـ :‏
" أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ "     ‏(‏لقمان‏:20)‏ .
وتسخير ما في السماوات وما في الأرض لبني آدم‏ ,‏ وإسباغ نِعَم الله ظاهرة وباطنه عليهم، وجدال الجهلة والضالّين من الكافرين والمشركين في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير من حقائق الوجود التي تكررت ولا تزال تتكرر في كل جيل من أجيال الناس‏ ,‏ وما أكثرَ هؤلاء المجادلين في زمن الفتن الذي نعيشه ! .‏
‏(5)‏ ويقول ربنا ـ تبارك وتعالى‏ :
" مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ " (لقمان‏:28) .‏
وهذه الآية الكريمة تثبت يسر عملية الخلق والإفناء‏‏ والبعث على الله ـ سبحانه وتعالى ـ ، ولكن فيها بالإضافة إلى ذلك إشارة واضحة إلى تسلسل خلق بني آدم جميعا من مخزون الصفات الوراثية أودعه الله ـ تعالى ـ صلب أبينا آدم ـ عليه السلام ـ لحظة خلقه‏ ,‏ وهو ما تشير إليه الدراسات الوراثية المستحدثة‏ .‏ وكما خَلَقَ ربنا بهذه الطريقة فهو قادر على بعث خلقه بطريقة مشابهة أو بغيرها ‏(‏والله على كل شيء قدير‏) .‏
‏(6)‏ ويقول الحق ـ عز سلطانه ـ مُخاطِباً خاتم أنبيائه ورسله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والخطاب إليه هو خطاب لكل مؤمن به وبرسالته إلى يوم الدين‏ ,‏ وفي ذلك يقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ :
" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ "   (لقمان‏:29) .‏
وفي هذه الآية الكريمة إشارة إلى عدد من الحقائق العلمية التي منها أولاً‏:‏ حقيقة كروية الأرض‏ ,‏ ودورانها حول محورها أمام الشمس‏ ,‏ وثانياً‏:‏ حتمية فناء الكون‏ ,‏ وثالثاً‏:‏ أن علم الله ـ تعالى ـ مُحيط بكل شيء‏ ,‏ فلا يخرج شيء عن علمه‏ .
‏(7)‏ ويقول ربنا ـ وقوله الحق ـ‏ :
" أَلَمْ تَرَ أَنَّ الفُلْكَ تَجْرِي فِي البَحْرِ بِنِعْمةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ‏"   (لقمان‏:31) .‏
وفي ذلك إشارة إلى الصفات الطبيعية الخاصة التي أودعها الله ـ تعالى ـ في الماء حتى جعله قادراً على حمل الفلك التي تجري فيه بنعمةٍ من الله وفضل‏ .‏
‏(8)‏ وفي ختام السورة المباركة‏ , تأتي الإشارة إلى عدد من الأمور الغيبية غيبةً مطلقة من أجل التأكيد على شمول علم الله‏ ,‏ ومحدودية علم الإنسان‏ ,‏ وفي ذلك يقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ ‏:
" إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ‏"    (لقمان‏:34) .‏
وفي هذه الآية الكريمة إشارة إلى الغيبة المطلقة لعلم الساعة‏ ,‏ وإلى حقيقة أن الإنسان بكل ما أوتي من أسباب التقدم العلمي والتقني ، لا يمكنه التحكم في إنزال الغيث لا زماناً ولا مكاناً‏ ,‏ ولا كمَّاً ولا كَيْفاً‏ ,‏ ولا يمكنه معرفة ما في جميع الأرحام كمَّاً وكيْفاً ومصيراً وزمناً‏ ,‏ ولا يمكنه معرفة مكاسبَ الغد ، ولا مكان وزمان الموت‏ ,‏ وهذه كلها من الحقائق التي تعترف بها جميع العلوم المكتسبة أخيرا‏ .
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏ ,‏ ولذلك فسوف أقصر الحديث على النقطة الخامسة من القائمة السابقة‏ ,‏ وقبل الوصول إلى ذلك ، أرى ضرورة استعراض أقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة هذه الآية الكريمة‏ .

 



من أقوال المفسرين:
في تفسير قوله ـ تعالى ـ‏ :‏ " مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ‏" (لقمان‏:28)‏ .
ذكر ابن كثير ـ رحمه الله ـ ما مختصره‏: " ...‏ أي‏:‏ ما خلق جميع الناس وبعثهم يوم المعاد وبالنسبة إلى قدرته إلا كنسبة خلق نفس واحدة، الجميع هيِّنٌ عليه
‏"‏ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ " , "‏ وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ " أي لا يأمر بالشيء إلا مرة واحدة ، فيكون ذلك الشيء لا يحتاج إلى تكرّره وتوكيده ‏" فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ . فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ " ‏، وقوله ‏: " إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ‏"‏ أي كما هو سميع لأقوالهم بصير بأفعالهم كسمعه وبصره بالنسبة إلى نفس واحدة ، كذلك قدرته عليهم كقدرته على نفس واحدة . ولهذا قال تعالى‏ : "‏ مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ‏ " الآية‏ .‏
وجاء في الظلال ـ رحم الله كاتبها برحمته الواسعة ـ ما نصه‏ :‏ " والإرادة التي تُخلق بمجرد توجه المشيئة إلى الخلق يستوي عندها الواحد والكثير‏ ,‏ فهي لا تبذل جهداً في خلق كل فرد، ولا تكرر الجهد مع كل فرد‏ . .‏ وعندئذٍ يستوي خلق الواحد وخلق الملايين‏ ,‏ وبعث النفس الواحدة وبعث الملايين إنما هي‏ .‏ الكلمة هي المشيئة‏ :
‏"‏ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ " ..‏ ومع القدرة كان العلم والخبرة مُصاحِبين للخلق والبعث وما وراءهما من حساب وجزاء دقيق‏ : " إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ‏" .‏
وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ ـ جزاهم الله خيرا ـ ما نصه‏:‏ " ما خلقكم ابتداءً ولا بعثكم بعد الموت أمام قدرة الله إلا كخلق نفس واحدة أو بعثها‏ .‏ إن الله سميع لقول المشركين‏ : (‏لا بعث‏)‏ بصير بأعمالهم فيجازيهم عليها‏ .‏
وجاء في صفوة التفاسير ـ جزى الله كاتبها خيرا ـ ما نصه‏:" . .‏ أي‏:‏ ما خلقكم أيها الناس ابتداءً ولا بعثكم بعد الموت انتهاءً إلا كخلق نفس واحدة وبعثها؛ لأنه إذا أراد شيئا قال له‏ :‏ كن فيكون .
‏ قال الصاوي‏ :‏ " المعنى أن الله لا يصعب عليه شيء ، بل خلق العالم‏ وبعثه برمته كخلق نفس واحدة وبعثها
" إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ‏"‏ أي سميع لأقوال العباد بصير بإعمالهم .
وفي هذه الآية الكريمة إشارة إلى أن الناس جميعا من لدن أبينا آدم ـ عليه السلام ـ وحتى قيام الساعة كانوا في صلب أبي البشرية، أي في شفرته الوراثية التي بانقسامها مع الزمن أعطت البلايين من البشر الذين عاشوا وماتوا، والبلايين السبعة من بني آدم الذين يملئون جنبات الأرض اليوم والبلايين، من الذين سوف يأتون من بعدنا إلى قيام الساعة‏ .‏
‏ وفي تفسير ذلك روي ابن جرير عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ وأخرج كلٌ من الأئمة أبي داود والنسائي والترمذي، وابن أبي حاتم وابن حبان عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنه قال‏:‏ سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وقد سُئل عن الآية ‏:
"‏ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ " فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ‏: " إن الله ـ تعالى ـ خلق آدم ـ عليه السلام ـ ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية ثم قال ‏: "‏ خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ‏" ,‏ ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية ثم قال ‏:‏ " خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون " ، فقال رجل ‏:‏ " يا رسول الله ‏:‏ ففيم العمل؟ " ، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا خلق الله العبد للجنة استعمله بإعمال أهل الجنة حتى يموت على عملٍ من أعمال أهل الجنة فيُدخله به الجنة‏ ,‏ وإذا خلق العبد للنار استعمله بإعمال أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار‏ ".
وأخرج كلٌ من الأئمة أحمد والنسائيّ وابن جرير والحاكم عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏ :‏ " إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم ـ عليه السلام ـ بنعمان يوم عرفة ، فاخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه‏ ,‏ ثم كلمهم قبلا‏ :‏ قال ‏: " ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ . أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المُبْطِلُونَ " .
‏‏ وأخرج كلٌ من الإمامَيْن ابن جرير‏ ,‏ وابن أبي حاتم أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏ :‏ " إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله ـ تعالى ـ كل نسب بينها وبين آدم ‏" .‏
‏‏ وأخرج كل من الأئمة البخاريّ ومسلم وأحمد عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال ‏:‏ " يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة ‏:‏ أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا به؟ قال‏ :‏ فيقول ‏:‏ نعم‏ ,‏ فيقول الله ـ عز وجل ـ‏ :‏ قد أردت منك أهون من ذلك‏ ,‏ قد أخذت عليك في ظهر آدم ألا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي‏ " .‏

من الدلالات العلمية للنص الكريم :
أولا‏ :‏ الخلق من نفس واحدة ‏:‏
من الدلالات العلمية لكل ما سبق أن الشفرة الوراثية لأبينا آدم ـ عليه السلام ـ كانت تحتوي على جميع الصفات الوراثية لذريته من زمانه وحتى قيام الساعة‏،‏ وأن هذه الصفات الوراثية قد وضع الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ لانتقالها من الآباء إلى الأبناء عدداً من القوانين والسنن الحاكمة تعرف باسم قوانين الوراثة‏ ,‏ وهذه القوانين لم تتوصل المعارف المُكتسَبة إلى شيء منها إلا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي‏ , حين استطاع النمساوي جريجور مندل
‏(
Gregor Johann Mendel)‏ إثبات توارث الصفات بواسطة عدد من التجارب على نبات البازلاء‏ ,‏ وذلك في الفترة من ‏1865‏م إلى ‏1869‏م‏ ,‏ ولخص ذلك بالقول بأن الصفات الوراثية تنتقل بواسطة عدد من العوامل المتناهية في ضآلة الحجم عُرفت فيما بعد باسم المورثات‏ (Genes) .‏
وبقيت هذه المورثات مجرد رموز تستخدم في تفسير عمليات التنوع في الخلق حتى أثبت مورجان‏ (Thomas Hunt Morgan)في أوائل القرن العشرين(1912‏م - 1926‏م‏)‏ أن المورثات هي أجزاء حقيقية توجد على جسيمات خيطية متناهية في دقة الحجم، تتجمع في داخل نواة الخلية الحية وتعرف باسم الصبغيات أو الأجسام الصبغية
‏(
Chromosomes) ,‏ وذلك لقدرتها على اكتساب الأصباغ التي تضاف إلى الخلية الحية والتلون بها أكثر من باقي أجزاء الخلية ‏ .
‏ ومن خلال دراسته للصبغيات اكتشف مورجان الصبغي المختص بالتكاثر‏ ,‏ واقترح فكرة التخطيط الوراثي
للكائنات الحية‏ .‏ وباكتشاف دور الصبغي الوراثي في كل من نطفتي الذكر و الأنثى في تكوين النطفة الأمشاج
‏(
Zygote) ,‏ ومن ثم تكوين الجنين بالانقسام المتكرر‏ ,‏ ثبت للدارسين في علم الأجنّة أن خلق كل فرد من بني الإنسان مُقدَّر سلفاً في نطفتَيْ كلٍ من أبيه وأمه‏ ,‏ وأن هذا التقدير يمتد عبر القرون الماضية ليتصل بالشفرات الوراثية للأجداد‏‏ حتى ينتهيَ إلى أبينا آدم ـ عليه السلام ـ أبي البشرية الأول‏ ,‏ وهذا يعني أن كل فرد من بني آدم كان موجوداً في الشفرة الوراثية الخاصة بهذا الأب الأول لحظة خلقه‏ ، وأن الله ـ تعالى ـ خلق البشرية كلها في شخص واحد‏ ,‏ أي في نفس واحدة‏ ,‏ كما جاء في النص القرآني الكريم‏ ,‏ الذي نحن بصدده‏ .‏

ثانيا‏ :‏ البعث كنفس واحدة‏ :‏
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏ : "‏ كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب‏ " .‏
‏‏ وقال ‏: "‏ وليس من الإنسان شيء إلا يبلى‏ ,‏ إلا عظماً واحداً هو عجب الذنب‏ ,‏ ومنه يركب الخلق يوم القيامة‏ " .
‏ وقال‏ : "‏ إن في الإنسان عظماً لا تأكله الأرض أبداً ,‏ فيه يركب يوم القيامة .‏ قالوا‏:‏ أي عظم هو يا رسول الله؟ قال ‏:‏ عجب الذنب‏ " .‏
وأخرج الإمام أبو داود في سننه عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏ : "‏ كل ابن آدم تأكل الأرض إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب‏ " .‏
وأخرج الإمام ابن حبان عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏ : " ‏يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه . قيل ‏:‏ ومما هو يا رسول الله قال‏:‏ مثل حبة خردل منه ينشأ‏ " .‏
وأخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏ : "‏ ما بين النفختين أربعون‏ .. ,‏ ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل‏ ,‏ ليس من الإنسان شيء إلا يبلي إلا عظماً واحداً‏ ,‏ وهو عجب الذنب‏ ,‏ ومنه يركب الخلق يوم القيامة " .‏

وقد ثبتت صحة هذه الأحاديث في دراسات مختبرية على أجنة البرمائيات ‏(HansSpemann ,1932 ,1931) ، ثم على أجنة الإنسان (KeithL .Moore ,1983)‏ ، التي تمر بالمراحل التالية‏ :‏
‏(1)‏ تتكون النطفة الأمشاج (Fertilized Ovumor Zygote)بمجرد إخصاب النطفة الأنثوية ‏(‏البويضة‏)‏ بواسطة النطفة الذكرية ‏(‏الحيوان المنوي‏) .‏
‏(2)‏ تبدأ النطفة الأمشاج في الانقسام إلى كتلة من الخلايا تعرف باسم القسيمات الأرومية(Blastomeres) ,‏ ثم بعد أربعة أيام تتحول إلى كتلة كروية من الخلايا تعرف باسم التويتة ‏(Morula)،على هيئة كرة مجوفة لا يزيد قطرها على ربع ملليمتر تعرف باسم الكرة الأرومية(Blastula) . وتستغرق هذه المرحلة قرابة الأسبوع الأول من عمر الجنين‏ ,‏ وفي الليلة الخامسة من هذا الأسبوع الأول تنشطر التويتة إلى نصفين مكونة ما يعرف باسم الكيسة الأرومية ‏(Blastocyst) .‏

(3)‏ في حدود الليلة السابعة تبدأ الكيسة الأرومية في الانغراس بجدار الرحم متحولة إلى طور العلقة الذي يستمر لمدة الأسبوعين الثاني والثالث من عمر الجنين‏ .‏
وفي نحو الليلة الخامسة عشرة من تاريخ الإخصاب‏ ,‏ تبدأ حزمة من خلايا الطبقة العليا للعلقة في الترتيب على هيئة خط طولي يعرف باسم الشريط الابتدائي‏(‏أو الأولي‏)‏، الذي تتضخم نهايته الأمامية على هيئة ما يعرف باسم العقدة الابتدائية ‏(‏أو الأولية‏)، وفي الوقت نفسه يظهر بالشريط الابتدائي ‏(‏أو الأولي‏)‏ انخفاض ضيق يستمر إلى حفرة في العقدة الابتدائية تعرف باسم الحفرة الابتدائية‏ .
‏ وفي الليلة السادسة عشرة تبدأ الطبقة الوسطي من الخلايا في التكوين بين الطبقتَيْن العلوية‏(‏الخارجية‏)‏ والسفلية‏(‏الداخلية‏) .‏
وتتميز خلايا الطبقة الوسطى بالقدرة الفائقة على الانقسام السريع‏ ,‏ وعلى التنوع والتخصص‏ ,‏ وعلى الهجرة لتكوين مختلف أنواع الخلايا والأنسجة المتخصصة والأعضاء والأجهزة المحددة ‏ .

(4)‏ في حدود الليلة الحادية والعشرين من عمر الجنين تتكثف الطبقة المتوسطة حول محور الجنين مشكلة الكتل البدنية ‏(Somites)‏، فتتحول العلقة بالتدريج إلى مرحلة المضغة التي تستمر إلى نهاية الأسبوع الرابع تقريبا من عمر الجنين ‏ .‏ ويصاحب ظهور الكتل البدنية تكوين الأقواس البلعومية على هيئة خمسة أزواج من الشقوق والميازيب التي تتكون في الطبقة الخارجية من جسم الجنين‏ .‏
‏(5)‏ في نهاية الأسبوع الرابع من عمر الجنين يبدأ التباطؤ التدريجي في إنتاج الخلايا الوسطية‏ ,‏ ثم يبدأ الشريط الأولي في الانكماش السريع‏ ,‏ ثم في الانسحاب التدريجي إلى منطقة العجز العصعص من الجنين حتى يختفي على هيئة لا تكاد أن ترى .‏

‏(6)‏ في الفترة بين الأسبوعين الخامس والثامن من عمر الجنين‏ ,‏ تتخلق العظام ثم يكسوها اللحم‏ (‏العضلات والجلد‏) ,‏ وفي خلال هذه المرحلة تتم عمليات كلٍ من التصوير والتسوية والتعديل التي تستمر حتى الميلاد‏ ,‏ ومن بعد الميلاد حتى الوفاة‏ .‏
ومن هذه العمليات نفخ الروح بنهاية الأسبوع السادس‏ ,‏ كما أخبر المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونمو الأعضاء والأطراف‏ ,‏ والأحشاء والأجهزة في مراحل متتابعة‏ ,‏ والاعتدال التدريجي في تقوس الجسم‏ ,‏ وبدء تكون الوجه‏ ,‏ وتحديد منطقة العنق‏ ,‏ وتحديد كلٍ من العينين والأذنين والأنف‏ .‏
وبنهاية الأسبوع الثامن ينتهي دور الجنين ‏(Embryo)‏، ويبدأ دور الحميل ‏(Fetus)‏ الذي ينتهي بالميلاد ‏ .‏
ويدرك علماء الأجنة اليوم أن خلايا الشريط الأولي قد وهبها الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ قدرات فائقة على التخصص، ولذلك تعرف باسم خلايا الشريط الأولي ذات القدرات المتعددة ‏(Pleuropotent Primitive Streak Cells)‏، ويتضح تميز هذه الخلايا وحساسيتها الفائقة من نموها السريع أحيانا على هيئة أعداد من الأورام المسخية‏ (Teratoma)‏ المحتوية على عدد من الأنسجة أو الأعضاء المختلفة‏ إذا تعرضت لبعض المؤثرات الخارجية مثل الإشعاع‏ .‏

ويشير ذلك إلى قدرة خلايا عجب الذنب على تكوين جميع أنسجة وأعضاء الجسم أثناء عملية تخلّقه‏ ,‏ كما يشير إلى إمكانية الإنبات من خلايا عجب الذنب التي لا تبلى أبدا بإذن الله ـ تعالى ـ يوم البعث بإنزال ماء خاص من السماء‏ ,‏ كما جاء في حديث المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ‏ .‏
من هذا الاستعراض يتضح بجلاء أن بني آدم جميعا كانوا في صلب الأب الأول منذ اللحظة الأولى لخلقه‏ ,‏ فكان خلقهم جميعا كخلق نفس واحدة‏ ,‏ وأن أهم ما يبقى من الميت بعد صعود روحه إلى بارئها‏ ,‏ هو عجب ذنبه الذي لا يبلى أبدا‏ ,‏ بينما يتحلل الجسد إلى عناصره الأولى‏:‏ الماء وتراب الأرض‏ ,‏ وتبقى هذه الفضلة العجيبة‏ (عجب الذنب‏)‏ لينبت منها كل إنسان في يوم البعث‏ ,‏ كما تنبت البقلة من حبتها‏ ,‏ فبمجرد نزول هذا الماء الخاص من السماء ينبت جميع بني آدم كنفس واحدة ولذلك قال ـ تعالى‏ ـ :
" مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ " ‏(‏لقمان‏:28) .‏

وظاهر الآية الكريمة أنها جاءت في مقام الرد على الكفار والمشركين الذين ينكرون البعث‏ ,‏ ويستبعدون إمكانية حصوله ـ وذلك لقياسهم على الله ـ تعالى ـ بمعايير البشر‏ ,‏ نتيجة لتشوّه معنى الإلوهية عندهم‏ ,‏ فردّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ عليهم بهذه الآية القرآنية الكريمة التي فحواها أن خلق جميع الناس وبعثهم بالنسبة للخالق ـ جلت قدرته ـ ليس إلا كخلق نفس واحدة ثم بعثها بعد وفاتها؛ لأن الله ـ تعالى ـ لا يُعجزه شيء‏ ,‏وقد خلق الناس أول الأمر من عدم‏ ,‏ والبعث أهون من الخلق الأول‏،‏ ولذلك خُتمت الآية الكريمة بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏: " إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ‏" أي‏ :‏ سميع لأقوال الكفار والمشركين‏ ,‏ بصير بهم وبأعمالهم‏ ,‏ وسوف يجازيهم على ما يقترفون من سيئات وافتراءات على الخالق البارئ المُصوِّر . ‏
وكطبيعة القرآن الكريم تأتي الآية منه في مقام ضرب المثل ، ولكنها تبقى سليمة صحيحة من كل النواحي ‏:‏ اللغوية والعلمية والتاريخية وغيرها‏ .‏
ومع تسليمنا بأن قضية الخلق ‏(‏بأبعادها الثلاثة‏:‏ خلق الكون‏ ,‏ وخلق الحياة‏ ,‏ وخلق الإنسان‏)‏ هي من القضايا الغيبية غيبة كاملة‏ ,‏ والتي لا يمكن للإنسان أن يصل فيها إلى تصور صحيح أبداً بغير هداية ربانية‏ ,‏ إلا أننا نؤمن بأن الله ـ تعالى ـ من رحمته بنا قد أبقى لنا في داخل الجسد البشري‏ ,‏ وفي أجساد غيرنا من الأحياء ـ‏ كما أبقى لنا في صخور الأرض وفي صفحة السماء‏ ـ من الشواهد الحسية ما يمكن الإنسان المحدود في كلٍ من القدرات والمكان والزمان من الوصول إلى تصور ما عن عملية الخلق‏ ,‏ ويبقى هذا التصور ناقصاً إذا لم يُستشهَد بكلام الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ فتكثر النظريات‏ ,‏ وتتعدد الفروض والتصورات‏ ,‏ ويبقى للمسلم نور من الله ـ تعالى ـ يُعينه على الارتقاء بإحدى هذه النظريات إلى مقام الحقيقة‏ ,‏ لا لأن العلوم المكتسبة قد وصلت فيها إلى الحقيقة‏ ,‏ ولكن لمجرد وجود ما يدعمها من كتاب الله ـ تعالى ـ أو من الأحاديث الصحيحة المرفوعة إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم‏ .‏ والمعارف المكتسبة في مجال علم الأجنة تؤكد اليوم الانقسام المتكرر للصبغيات الحاملة للصفات الوراثية‏ (‏المورثات‏)‏ لتكوين خلايا جديدة في عمليات النمو والتكاثر‏ ,‏ و إذا عدنا بهذا الانقسام إلى الوراء مع الزمن التقى جميع نسل آدم ـ عليه السلام ـ في شفرته الوراثية الجامعة‏ ,‏ فكان خلقهم من آدم إلى قيام الساعة كخلق نفس واحدة‏ .
وبالمثل تثبت العلوم المكتسبة ما جاء بأحاديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن جميع أعضاء جسم الإنسان تُخلق مما سماه باسم عجب الذنب‏ ,‏ الذي يتكدس على هيئة عظمة واحدة في نهاية العصعص بحجم حبة الخردل‏ ,‏ لا تبلى أبدا‏ ,‏ ومنها يعاد إنبات كل إنسان بعد أن ينزل الله ـ تعالى ـ ماء خاصا من السماء في يوم البعث‏ ,‏ فيبعث نسل آدم كله‏ ,‏ كما تبعث نفس واحدة‏ .‏
ومن هنا كان في قول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏ : " مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ " ‏(‏لقمان‏:28) .‏ ومضةً من ومضات الإعجاز العلمي في كتاب الله، تشهد لهذا الكتاب العزيز بأنه كلام الخالق العظيم الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية فقال ـ عز من قائل‏ ـ :‏ " إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ " (الحجر‏:9) .‏ وحفظ ربنا ـ تبارك وتعالى ـ القرآن الكريم بعهده هذا حفظاً كاملاً على مدى الأربعة عشر قرنا الماضية‏ ,‏ وعهده ـ تعالى ـ يقضي بحفظه أبداً إلى أن يشاء الله ليبقى هذا الكتاب المجيد شاهداً على الناس جميعا إلى قيام الساعة‏، وحفظ ربنا ـ ذو الجلال والإكرام ـ كتابه الخاتم في نفس لغة وحيه‏ (‏اللغة العربية‏) .

‏ من هنا وجب علينا الحمد لله على نعمة الإسلام العظيم‏ ,‏ والحمد على نعمة القرآن الكريم‏ ,‏ والحمد على بعثة النبي والرسول الخاتم الذي تلقّاه‏ ,‏ فصلى الله وسلم وبارك عليه‏ ,‏ وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ ,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .‏