﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ (البقرة:183)


كثر ما جاء في فضل الصيام من الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، قد جعل كثيراً من الناس يعتقدون أن فوائد الصيام مقصورة على الجوانب التعبدية, وانعكاساتها الروحية والعاطفية والأخلاقية والسلوكية على الأفراد والمجتمعات، ولكن ثبت بالعديد من الدراسات المستفيضة أن للصيام فوائدَ صحيةً لخصها خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم في قوله الشريف : " صوموا تصحوا " .
وقد أظهرت نتائج تلك الدراسات أن الأداء البدني للصائم من طلوع الفجر الصادق إلى الغروب أفضل من أداء غير الصائم لتحسن كل من درجة تحمل البدن للمجهودات العضلية, وأداء كل من القلب وبقية الجهاز الدوري، وغيره من أجهزة الجسم من مثل (الجهاز الهضمي، والجهاز التنفسي) أثناء الصيام, ومن هنا كانت قلة الشعور بالإجهاد, وتحمل ما لا يمكن للفرد تحمله في ساعات الإفطار العادية, وذلك لاختلاف مصدر الطاقة في الجسم بين الصائم والمفطر, أما إذا زادت مدة الصيام عن المتوسط الذي شرعه الإسلام (11 – 14 ساعة تقريبا) فإن الأداء البدني والعضلي يبدأ في التأثر, ويبدأ الصائم في الشعور بالإعياء.

فمن المعروف أن الصوم يسبب انصهار الدهون في الجسم، مما يؤدي إلى زيادة في الأحماض الدهنية الحرة في الدم, فتصبح هذه الأحماض مصدرا رئيسيا لطاقة الصائم بدلاً من الجلوكوز والمخزون في كل من الكبد والدم والذي يستهلك في حالة المفطر, وهذا يساعد على تقليل استهلاك مادة "الجليوكوﭽين" في كل من العضلات والكبد أثناء بذل الجهد من قبل الصائم, ويساعد كذلك في ضبط مستوى سكر الجلوكوز في الدم الذي يؤدي نقصه إلى الشعور بالإعياء، ولما كان مستوى سكر الجلوكوز في دم المفطر هو المصدر الرئيسي لطاقته, كان جهده المبذول يشعره بإعياء أكبر مما يشعر به الصائم إذا قام بنفس المجهود, تحت نفس المجهود.

والإضافة إلى ذلك في قوله -تعالى-: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ [البقرة آية:183] إنباء بحقيقة تاريخية لم تكن معروفة في زمن الوحي، فقد كتبه الله-تعالى- صيام شهر رمضان على كل أمة خلت كما كتب على أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ تماما بتمام ‏.‏ وفي ذلك يقول المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ : ‏" صيام رمضان كتبه الله علي الأمم قبلكم ‏" (‏ رواه ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما- مرفوعا).

وإذا كان صيام شهر رمضان قد فرض على كل مسلم بالغ‏,‏ عاقل‏,‏ صحيح‏,‏ مقيم‏,‏ وذلك تعظيما لهذا الشهر الكريم الذي اختاره الله ـ تعالى ـ بعلمه وحكمته وقدرته من بين شهور السنة لإنزال القرآن الكريم فيه‏,‏ فإن أحاديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تؤكد أن جميع ما نعلم من أصول الكتب السماوية السابقة قد أنزل في شهر رمضان‏,‏ ومن هنا كان لزاما على جميع المؤمنين بالأصول السماوية لهذه الكتب أن يعظموا هذا الشهر الفضيل بصيامه تماما كما نصومه نحن المسلمين أي : بالإمساك عن جميع أنواع المفطرات من الفجرالصادق إلى غروب الشمس‏,‏ فقد روى الإمام أحمد عن وائلة بن الأسقع أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال ‏: " أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان‏,‏ وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان‏,‏ وأنزل الزبور لثلاث عشرة خلت من رمضان‏,‏ وأنزل الإنجيل لعشرين خلت من رمضان، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان‏ ".‏
والثابت أن القرآن الكريم نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا‏,‏ وكان ذلك في ليلة القدر من شهر رمضان‏,‏ ثم أنزل بعد ذلك مفرقا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بحسب الوقائع على مدى ثلاث وعشرين سنة كما روى ابن عباس ‏(‏رضي الله عنهما‏).

ولما كان القرآن الكريم هو آخر الكتب السماوية المنزلة هداية للبشرية فقد تعهد ربنا ـ تبارك وتعالى - بحفظه بقول ربنا- عز من قائل‏:

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ ‏(‏الحجر‏:9).‏

وقد جاءت الإشارة إلى الصوم عموما فيما بقي من الكتب السماوية السابقة، وهذا مما يؤكد على وحدة رسالة السماء، وعلى الأخوة بين الأنبياء‏,‏ وعلى وحدة الجنس البشري التي يقررها القرآن الكريم بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ‏:‏ ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾‏(‏النساء‏:1).

ويؤكدها قول المصطفى ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏ :‏ " النَّاسُ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ " (قَالَ الترمذي هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) .‏

ومما جاء في العهدين القديم والجديد ما يلي:

·        جاء في " العهد القديم " ( مز 35 / 13 ) ما نصه :

" أذللت بالصوم نفسي , وصلاتي إلى حضني ترجع ".

·        وجاء في " العهد الجديد " ( أعمال 13 / 2 ) ما نصه :

" وبينما هم يخدمون الرب ويصومون قال الروح القدس : أفرزوا لي ( برنابا ) و ( شاول ) للعمل الذي دعوتهما إليه ، فصاموا حينئذ وصلوا ، ووضعوا عليهما الأيادي ثم أطلقوهما ".

·        وجاء في ( أعمال 14 / 23 ) ما نصه : " وانتخبا  لهم قسوسا في كل كنيسة ثم صليا بأصوام واستودعاهم للرب الذي كانوا قد آمنوا به ......" .
وانطلاقا من ذلك فإن في قول ربنا تبارك وتعالى ـ :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة آية:183] تأكيد على وحدة رسالة السماء، وعلى الأخوة بين الأنبياء، وبين الناس جميعا، وتأكيد كذلك صدق القرآن الكريم في كل ما جاء به، وتأكيد وعلى صدق نبوة الرسول الخاتم الذي تلقى القرآن الكريم عن ربه الكريم ، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ، ونصح الأمة ، وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين ، فصلى الله وسلم وبارك عليه ، وعلى آله وصحبه ، ومن تبع هداه ، ودعا بدعوته إلى يوم الدين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .