﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ (البقرة:183)


من الإعجاز التشريعي في قوله تعالى‏ في ختام هذه الآية القرآنية الكريمة:﴿‏ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ (البقرة:183) ما يلي :-
(1)‏ الصيام عبادة من أخلص العبادات لله ـ تعالي ـ ولذلك فهي تؤدي إلي تقواه
‏,‏ وفى ذلك يقول المصطفي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربنا ـ عز وجل ـ ‏: " كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ " ‏(البخاري ومسلم).‏

ويقول ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ " مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلا بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا " ‏(مسلم).‏
وقال‏ : ‏" إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَقُومُونَ لا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ "‏ ‏(البخاري ومسلم).‏‏ وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يبشر أصحابه بمقدم رمضان فيقول ‏: ‏" قَدْ جَاءَكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ شَهْرٌ مُبَارَكٌ افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ يُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَيُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ " ‏(مسند الإمام أحمد) .‏
 ولذلك قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:
‏" الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ "‏ ‏(مسلم).‏ وقال أيضا ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏: ‏" مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا فِي رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ وَلا رُخْصَةٍ لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ وَإِنْ صَامَهُ " ‏(مسند الإمام أحمد) ‏.‏ 

 (2)‏ أن الصيام يصحبه الاجتهاد في العبادة بصفة عامة‏,‏ والاجتهاد فيها يعين علي تقوى الله ـ تعالى ـ فإن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو أعبد الخلق لله ـ تعالى ـ كان يجتهد في رمضان مالا يجتهد في غيره‏,‏ وفي العشر الأواخر منه مالا يجتهد في غيرها‏,‏ كما روت لنا أم المؤمنين السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ التي روي عنها قولها‏ : ‏" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ " ‏(البخاري ومسلم).‏

وعنه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أنه قال ‏: " مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " ‏(البخاري ومسلم).‏ ,‏ ولذلك سن لنا نبينا الكريم كلا من صلاة التراويح وصلاة القيام‏.‏ 

 (3)‏ إن من أجل العبادات في شهر رمضان مدارسة القرآن الكريم لأنه هو شهر القرآن الذي يقول فيه ربنا-تبارك وتعالى‏:‏
﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾                               (‏البقرة‏:185).‏
ويقول-عز من قائل ‏:‏
﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾  ‏(‏الدخان‏:3-‏6)‏.
ومدارسة القرآن الكريم من أعظم الوسائل لتحقيق تقوى الله في قلوب العباد لأنها توضح للدارسين معنى الألوهية‏,‏ ومعنى الربوبية‏,‏ ومعنى الوحدانية المطلقة للخالق العظيم فوق جميع الخلق ( بغير شريك ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة ولا ولد) وتنزيهه -سبحانه وتعالى- عن جميع صفات خلقه، وعن كل وصف لا يليق بجلاله؛ كما تؤكد علي ركائز الدين‏( من العقيدة‏,‏ والعبادة‏,‏ والأخلاق‏,‏ والمعاملات‏) وتربط العبد بخالقه برباط لا ينفصم إن شاء الله‏,‏ وهذا الرباط المتين هو السر في تقوى العبد لربه –سبحانه وتعالى- وقد لخصها علماؤنا بالقول السديد في أن التقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والاستعداد ليوم الرحيل.

(4)‏ ومن أجل العبادات في شهر رمضان صلاة القيام خاصة في العشر الأواخر من هذا الشهر الفضيل‏,‏ وفيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر كما قال ربنا -تبارك وتعالى- ‏:﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ * لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ . تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْر ﴾.(القدر‏:1-‏5).‏
وقيام ليلة القدر فيه من الخيرات والبركات ما يشرح قلوب المؤمنين بحب الله-تعالى- ويعينها علي الارتباط بجلاله‏,‏ وحسن مراقبته، ومعرفة شيء من صفاته العليا وذلك من أعظم الوسائل إلي تقوى الله ‏.‏
ومن المعين على تحقيق ذلك الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان‏,‏ وهي سنة واظب عليها رسول الله-صلي الله عليه وسلم – طيلة حياته الشريفة‏.‏
(5)الدعاء هو مخل العبادة، وهو أعظم صور التعبير عن الخضوع لله وتقواه، والدعاء  في رمضان أحرى بالإجابة من أي وقت آخر‏,‏
وذلك لقول المصطفي-صلي الله عليه وسلم ــ‏ : ‏" إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَةً مَا تُرَدُّ " ‏(ابن ماجه) .
ولقوله ‏:‏
" ثَلاثَةٌ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ وَالإِمَامُ الْعَادِلُ وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ "‏(الترمذي)‏.‏
(6) ومن أجل العبادات العمرة في رمضان لأنها تعدل حجة مع رسول الله-صلي الله عليه وسلم-
فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَجَّتِهِ قَالَ لأُمِّ سِنَانٍ الأَنْصَارِيَّةِ مَا مَنَعَكِ مِنْ الْحَجِّ قَالَتْ أَبُو فُلَانٍ تَعْنِي زَوْجَهَا كَانَ لَهُ نَاضِحَانِ حَجَّ عَلَى أَحَدِهِمَا وَالآخَرُ يَسْقِي أَرْضًا لَنَا قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي " ‏(البخاري).
ولعل من مبررات ذلك أنه إذا اجتمعت كرامة المكان
‏ (‏مكة المكرمة‏)‏ مع كرامة الزمان ‏(‏ في شهر رمضان‏)‏ تضاعف الأجر إن شاء الله-تعالى-أضعافا كثيرة‏,‏ ومن مضاعفة الأجر تحقيق التقوى في قلوب العباد‏.‏
‏(7)‏ ومع أداء كل هذه العبادات في شهر رمضان يتدرب العبد المسلم على الصبر‏,‏ وعلى الالتزام بمكارم الأخلاق‏,‏ وعلى قوة الإرادة حتى يتمكن من التحكم في شهواته ورغائبه‏,‏ فيعلو بروحه فوق جسده,‏ وفوق إغراءات الحياة الدنيا‏,‏ وينأى بنفسه عن مواطن الشبهات‏,‏ وينجيها من الوقوع في المحرمات‏,‏ وهذه كلها من وسائل تحقيق تقوى الله-تعالي‏.‏
ومن أقوال رسول الله-صلي الله عليه وسلم-في ذلك‏ : ‏" الصوم نصف الصبر، والصبر من منازل المؤمنين بالله المتقين لجلاله ".
" وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ " ‏(البخاري) .
‏" ليس الصيام من الأكل والشرب‏,‏ إنما الصيام من اللغو والرفث "، " مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ " ‏(البخاري) .

‏(8)‏ ومن نتائج الصوم : التدريب علي كل من شكر النعم‏,‏ والجود والكرم‏,‏ وعلي الإحساس بحاجة كل من الفقير والمسكين وابن السبيل، مما يحقق قدرا من التراحم بين المسلمين‏,‏ ويعين علي محاربة كل من الحقد والحسد والجريمة في المجتمع. كما يعين وعلى اقتلاع نوازع الشح والبخل في النفس الإنسانية وفي ذلك يروى عن ابن عباس-رضي الله عنهما- قوله‏ : "‏ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ "‏(البخاري) .‏
وقال-صلي الله عليه وسلم -:‏" الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ "‏

                                                                                         (الترمذي).
وسئل-صلوات الله وسلامه عليه- ‏:‏
أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ "صَدَقَةٌ فِي رَمَضَانَ " ‏(الترمذي). وقال-صلوات الله وسلامه عليه -‏: ‏" مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا " ‏(الترمذي).
‏(9)‏ ومن أعظم صور الجود‏:‏ الجود بالنفس في سبيل الله‏,‏ وهو من أجمل صور تقوى الله‏,‏ وشهر رمضان هو شهر الجهاد في سبيل الله‏,‏ وشهر الانتصارات الإسلامية بدءا بغزوة بدر الكبرى إلى فتح مكة‏,‏ ثم فتح كل من رودس‏,‏ وبلاد الأندلس‏,‏ وتحرير فلسطين من أيدي الصليبيين في موقعة حطين‏,‏ ثم من أيدي التتار في موقعة عين جالوت، حتى اجتياح خط بارليف وسحق جيش الصهاينة المعتدين وذلك في العاشر من رمضان سنة‏1393‏ هـ ‏(‏السادس من أكتوبر سنة‏1973‏م‏).‏
ولا توجد صورة من صور التعبير البشري لمعنى تقوى الله أبلغ من الجهاد في سبيل الله لتحرير أراضي المسلمين من همجية الطغاة المعتدين الظالمين‏,‏ أو للوصول إلى خلق الله من أجل إبلاغهم بدين الله إذا رفض الحكام تحقيق ذلك بالأساليب السلمية‏.‏
من هذا الاستعراض نرى صورة من صور الإعجاز الإنبائي وذلك لثبوت أن الصيام كان مفروضا على الأمم من قبلنا كما فرص علينا تمام. كذلك نرى صورة من صور الإعجاز التشريعي في قول ربنا-تبارك وتعالى ــ‏:‏
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " (‏البقرة‏:183)‏.
فالحمد لله على نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله على بعثة خير الأنام -صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين- وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .‏