" إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الجِيَادُ .فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ . رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ " (ص‏31‏ -‏33)‏.


هذه الآيات القرآنية الكريمة جاءت في بداية الثلث الثاني من سورة ص وهي سورة مكية ,‏ وعدد آياتها (88)‏ بعد البسملة‏ ,‏ وكطبيعة السور المكية يدور محورها الرئيسي حول ركائز العقيدة الإسلامية وفي مقدمتها توحيد الله الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ توحيدا كاملا لا تداخله أدنى شبهة من شبهات الشرك‏ ,‏ وتنزيهه‏ (جل شأنه‏)‏ عن جميع صفات خلقه‏ ,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله ‏.‏
ومن ركائز العقيدة الإسلامية الإيمان بالوحي إلى سلسلة طويلة من الأنبياء والمرسلين بدءا بآدم‏ (عليه السلام‏)‏ وانتهاء بخاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏)‏ والذي كمل في بعثته الدين‏ ,‏ وتمت نعمة رب العالمين على عباده بحفظ هذا الدين في القرآن الكريم‏ ,‏ وفي سنة سيد المرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏) .‏ ومن ركائز العقيدة في الإسلام الإيمان بالآخرة‏ ,‏ وما فيها من بعث‏ ,‏ وحساب‏ ,‏ وجزاء‏ ,‏ وخلود أبدي إما في الجنة أبدا‏ ,‏ أو في النار أبدا‏ .‏ وتبدأ السورة الكريمة بالحرف الهجائي المفرد‏ (ص‏) ,‏ وهذه الفواتح الهجائية التي جاءت في مطلع تسع وعشرين سورة من سور القرآن الكريم بصيغ شتى مكررة‏ (19‏ مرة‏)‏ وغير مكررة‏ (10‏ مرات‏)‏ قيل فيها إنها إما رموز إلى كلمات أو معانٍ أو أعداد في صلب السورة‏ ,‏ أو أنها أسماء للسور التي جاءت في مطالعها‏ ,‏ أو هي أسلوب من أساليب تحدي العرب وهم في قمة من قمم الفصاحة والبلاغة وحسن البيان أن يأتوا ولو بسورة واحدة من مثل سور القرآن الكريم الذي نزل بلغتهم‏ ,‏ واستخدم نفس الحروف التي يستخدمونها‏ ,‏ ولكن هيهات هيهات‏ ,‏ أو أنها وسيلة من وسائل قرع الأسماع‏ ,‏ وتنبيه القلوب لتلقي كلام الله‏ (سبحانه وتعالى‏) ,‏ أو أنها من الأدلة القاطعة على صدق رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ لنطقه بأسماء الحروف وهو الأمي والأمي ينطق بأصوات الحروف ولا يعرف أسماءها‏ ,‏ أو هي تشمل ذلك كله وغيره مما لا يعلمه إلا الله‏ (سبحانه وتعالى‏) .‏
وبعد هذا الاستفتاح يقسم ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ وهو الغني عن القسم لعباده ب‏ (والقرآن ذي الذكر‏)‏ أي ذي الشرف والمكانة‏ ,‏ والذكرى والموعظة‏ ,‏ والمذكور فيه كل ما يحتاج إليه الإنسان من أمور الدين‏ ,‏ أن الذين كفروا هم دوما في استكبار عن اتباع الحق‏ ,‏ ودوما في محاربة لأهله دون أدنى اعتبار بهلاك الأمم الكافرة والباغية من قبلهم‏ ,‏ وفي قراءة أخرى أن جواب القسم محذوف وتقديره صدق ما تضمنه سياق السورة بكاملها‏ ,‏ أو أن تقديره هو خطاب موجه من الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ إلى سيدنا محمد‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ يقول له فيه‏ (إنك بحق لخاتم الأنبياء والمرسلين‏)‏ وذلك بدليل قوله‏ (تعالى‏)‏ بعد آيتين اثنتين من إطلاق هذا القسم الإلهي العظيم " وعَجِبُوا أن جَاءَهُم مُنذِرٌ مِنهُم " (ص:4) ثم تناقش الآيات في‏ (سورة ص‏)‏ قضية استغراب مشركي قريش‏ (ومن بعدهم استغراب كل مشرك وكافر في كل زمان ومكان‏)‏ لبعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ واستنكار دعوته إلى توحيد الله‏ ,‏ وإلى تنزيهه‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ عن جميع صفات خلقه‏ ,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏ ,‏ وإصرارهم على الكفر بالله أو الشرك به‏ (وهو كفر بالله‏) ,‏ وإنكارهم لقضية البعث‏ ,‏ واستهزاؤهم بها إلى حد استعجال عذاب الآخرة في الدنيا قبل يوم الحساب‏ ,‏ وهي صورة من صور فجر الكافرين وغفلتهم وتعنتهم ‏.‏
وفي سياق استعراض سير بعض الكافرين والمكذبين من الأمم السابقة جاء ذكر عدد من الأقوام منهم‏‏ قوم نوح‏ ,‏ وعاد‏ ,‏ وفرعون‏ ,‏ وثمود‏ ,‏ وقوم لوط‏ ,‏ وأصحاب الأيكة‏ ,‏ وتمت الإشارة إلى ما نزل بهم من عقاب الله في الدنيا وإلى ما ينتظرهم من عذاب في الآخرة‏ .‏
كذلك جاء ذكر عدد من أنبياء الله منهم‏‏ آدم‏ ,‏ وإبراهيم‏ ,‏ واسحق‏ ,‏ ويعقوب‏ ,‏ وإسماعيل‏ ,‏ واليسع‏ ,‏ وذو الكفل‏ ,‏ وداود‏ ,‏ وسليمان‏ ,‏ وأيوب‏ (على نبينا وعليهم من الله السلام‏) .‏
وفي استعراض جانب مما أغدق الله‏ (تعالى‏)‏ به من فضل على عبديه داود وسليمان من النبوة‏ ,‏ والملك‏ ,‏ والسلطان‏ ,‏ وتسخير كل من الجن‏ ,‏ والريح‏ ,‏ والجبال‏ ,‏ والطير‏ ,‏ قضى ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ أن يدرك كلا منهما شيء من الضعف البشري‏ ,‏ ثم تتداركهما رحمة الله فيتوبا إليه‏ ,‏ ويقبل الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ توبة كل منهما وإنابته إليه‏ ,‏ وتتضح حكمة الله البالغة من إظهار ضعفهما البشري حتى لا يفتن أحد من الخلق بما وهبهما الله‏ (تعالى‏)‏ من نعم غير عادية فيعبدهما من دون الله‏ ,‏ أو يشرك بهما معه‏ ,‏ ثم جاءت قصة نبي الله داود تجسيدا لابتلاء الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ للصالحين من عباده وتطهيرا لهم‏ ,‏ وتكفيرا عن خطاياهم مهما قلت‏ ,‏ وتزكية لنفوسهم ورفعا لدرجاتهم عند ربهم‏ ,‏ وتجسيدا أيضا لصبر نبي الله داود على البلاء حتى كشفه عنه رب العالمين برحمته ‏.‏
وجاء هذا القصص توجيها لرسول الله‏ (صلي الله عليه وسلم‏)‏ وللمؤمنين به في كل زمان وفي كل مكان بالصبر على ما يلقاه ويلقونه من تكذيب الكفار والمشركين‏ ,‏ وتأكيدا له ولهم أن التوفيق‏ ,‏ والفضل‏ ,‏ والرعاية‏ ,‏ والهداية‏ ,‏ والنصر‏ ,‏ والتأييد‏ ,‏ والتمكين في الأرض كله من الله‏ (تعالى‏)‏ الذي تعهد بنصرة عباده المؤمنين‏ ,‏ وفي ذلك دعوة له‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ ولمن تبعه من المؤمنين بالصبر على ما يلقونه من مختلف صور العنت‏ ,‏ والقسر‏ ,‏ والاضطهاد‏ ,‏ والظلم‏ ,‏ وهي كلها من صور الابتلاء الذي ليس من ورائه إلا النصر المبين إن شاء الله رب العالمين ‏.‏ وتعاود الآيات تعظيم القرآن الكريم بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏)‏ " كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ "(ص‏29) .
وتعرض‏ (سورة ص‏)‏ لمشهد من مشاهد الآخرة يصور ما ينتظر المتقين من نعيم مقيم وما ينتظر الكفار والمشركين من عذاب مهين وتخاصم في النار أيا كانت مكانتهم في الدنيا‏ ,‏ ومهما استكبروا وعلوا فيها‏ ,‏ وتجبروا على المستضعفين من خلق الله‏ .‏ وتأييدا لخاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ تورد‏ (سورة ص‏)‏ جانبا من قصة أبينا آدم‏ (عليه السلام‏)‏ وهو في الملأ الأعلى‏ ,‏ وما جاء في ذلك يشهد لهذا النبي الخاتم والرسول الخاتم بالنبوة وبالرسالة لأنه لا يمكن له أن يكون قد تلقى هذه المعلومات الدقيقة عن غير الله الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏) ,‏ وفي ثنايا تلك القصة ما يؤكد عداوة إبليس اللعين لبني الإنسان أجمعين‏ ,‏ وحسده لأبيهم آدم‏ ,‏ ومعصيته لرب العالمين مما كان سببا في طرده من الجنة ولعنته إلى يوم الدين‏ ,‏ ولذلك تعهد بمحاولة غواية أبناء آدم أجمعين إلا عباد الله الصالحين ‏.‏ وتختتم‏ (سورة ص‏)‏ بأمر من الله‏ (تعالى‏)‏ لخاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ أن يقول لقومه من أهل الجزيرة العربية‏ ,‏ وللبشرية كلها من بعده أنه لا يسأل أحدا الأجر على دعوته التي لم يتكلفها من عنده‏ ,‏ بل هو وحي الله الخالق الذي أنزله بعلمه‏ ,‏ وأمره بتبليغه‏ ,‏ وحفظه بعهده لكي يكون ذكرا للعالمين إلى يوم الدين‏ ,‏ وأن كل ما في القرآن الكريم من حروف‏ ,‏ وكلمات‏ ,‏ وآيات‏ ,‏ وسور‏ ,‏ وأوصاف‏ ,‏ وتشبيهات وأمثال‏ ,‏ وأحكام‏ ,‏ وأوامر‏ ,‏ ونواه‏ ,‏ وقصص هي حق مطلق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه‏ ,‏ وأن هذا الحق سوف يتجلى للناس بعد زمن المصطفى‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ كما تجلى لهم بوجوده بينهم‏ ,‏ وكما يتجلى لنا في زمن التقدم العلمي والتقني الذي نعيشه‏ ,‏ ولغيرنا من بعد ذلك إلى يوم الدين بكيفيات ووسائل يعلمها رب العالمين ‏.‏

من ركائز العقيدة الإسلامية في‏ (سورة ص‏)‏ :
(1)‏ الإيمان بأنه ما مِنْ إله إلا الله الواحد القهار‏ ,‏ العزيز الغفار‏ ,‏ وأن خزائن رحمته لا تنتهي‏ ,‏ وأنه هو الوهاب‏ ,‏ وأن توحيده سبحانه وتعالى حق له على جميع خلقه توحيدا خالصا‏ ,‏ وتنزيها كاملا‏ (بغير شريك‏ ,‏ ولا شبيه‏ ,‏ ولا منازع‏ ,‏ ولا صاحبة‏ ,‏ ولا ولد‏).‏
(2)‏ التسليم بأن القرآن الكريم هو وحي الله الخاتم الذي أكمل به الدين‏ ,‏ وأتم النعمة بتعهده‏ (جل شأنه‏)‏ بحفظه إلى يوم البعث‏ ,‏ وأنه كتاب مبارك لا يدرك قدره إلا أولو الألباب‏ .‏
(3)‏ اليقين بأن الله‏ (تعالى‏)‏ أنزل هدايته للبشرية بالوحي إلى سلسلة طويلة من الأنبياء والمرسلين الذين ختمهم ببعثة سيدنا محمد‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وأن الإيمان بجميع أنبياء الله ورسله بغير تمييز ولا تفريق هو من صلب الدين‏ ,‏ وأن تكذيب أيٍّ من رسل الله يستوجب العقاب في الدنيا قبل الآخرة ‏.‏
(4)‏ التصديق بأنه ما على الرسول من رسل الله إلا البلاغ المبين‏ ,‏ ولذلك وصف الله‏ (تعالى‏)‏ خاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بأنه نذير مبين ‏.‏
(5)‏ التصديق بما أصاب الكفار والمشركين من الأمم السابقة من عذاب ‏.‏
(6)‏ الإيمان بالآخرة وبما فيها من بعث للخلائق‏ ,‏ وعرضهم أمام الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏) ,‏ وحسابهم على ما قدموا في الدنيا من أعمال‏ ,‏ ومجازاتهم عليها إما بدخول الجنة أو بدخول النار‏ ,‏ وبأنها لجنة أبدا أو نار أبدا‏ ,‏ أي خلود بلا موت‏ .‏
(7)‏ اليقين بأن الله‏ (تعالى‏)‏ سوف يملأ جهنم بإبليس وبجميع من تبعه من خلق الله الذين سوف يتخاصمون في النار بغير طائل ولا جدوى ‏.‏
(8)‏ التصديق بكل المعجزات التي أجراها الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ على أيدي كل واحد من أنبيائه ورسله‏ ,‏ كما جاء وصفها في القرآن الكريم‏ ,‏ وبكل ما أورده هذا الكتاب الحكيم من قصص‏ .‏
(9)‏ التصديق بوصف القرآن الكريم لنعيم الجنة من جهة‏ ,‏ ولجحيم النار من جهة أخرى‏ ,‏ وبجميع الأحداث المستقبلية في كل منهما انطلاقا من اليقين بأن الله‏ (تعالى‏)‏ يرى الماضي والحاضر والمستقبل في وقت واحد لأنه خالق كل من المكان والزمان الذي يحد بهما حركات الخلائق وسكناتهم‏ ,‏ وهما لا يحدان الذات‏ ,‏ لأن المخلوق لا يحد خالقه أبدا‏ .‏
(10)‏ اليقين بأن رزق الله‏ (تعالى‏)‏ لا ينفد أبدا‏ ,‏ وأنه هو الرزاق ذو القوة المتين‏ .‏
(11)‏ الإيمان الكامل بقصة الخلق كما أوردها القرآن الكريم‏ ,‏ علي الرغم من كل تخرصات المتخرصين‏ .‏



من الإشارات الكونية في‏ (سورة ص‏) ‏:
(1)‏ ‏ الإشارة إلى وجود حيز فاصل بين السماوات والأرض‏ ,‏ والعلوم المكتسبة تؤكد أن الغلاف الغازي للأرض مكون جزئيا من غازات أطلقها الله‏ (تعالى‏)‏ من داخل الأرض‏ ,‏ فاختلطت بالمادة بين أجرام السماء اختلاطا كاملا حتى أصبحت تركيبا مغايرا لكل من الأرض والسماء‏ ,‏ ولعل ذلك هو المقصود بتعبير ما بين السماوات والأرض‏ ,‏ والذي جاء ذكره مرتين في هذه السورة المباركة وعشرين مرة في القرآن الكريم كله ‏.
(2)‏ ‏ تأكيد خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق أي بعدد من القوانين المنضبطة‏ ,‏ والسنن الصحيحة التي تعكس شيئا من صفات الخالق العظيم‏ ,‏ وتنفي الادعاءات الباطلة بالعشوائية والصدفة ‏.‏
(3)‏ ‏الإشارة إلى خلق الإنسان من طين‏ ,‏ والتركيب الكيمائي لجسم الإنسان يؤكد هذه الحقيقة‏ .‏
(4)‏ ذكر تسبيح كل من الجبال والطير‏ ,‏ والعلوم المكتسبة تؤكد أن كل خلق من خلق الله من الجمادات والأحياء له قدر من الإدراك الخاص به‏ ,‏ والذي يعينه في قضية التعرف على خالقه‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ وعلى المداومة بذكره‏ ,‏ والتسبيح بحمده بلغة لا يدركها إلا ذووا القلوب الطاهرة‏ ,‏ والنفوس الشفافة‏ ,‏ والأرواح العارفة بخالقها‏ .
(5)‏ وصف الخيل بوصف‏ (الصافنات الجياد‏) ,‏ والإشارة إلى أن من أفضل وسائل التآلف معها‏ ,‏ وترويضها هو المسح بكل من سيقانها وأعناقها وهذه من مواطن الإحساس المرهف فيها‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏ ,‏ ولكني سوف أركز هنا على النقطة الأخيرة من القائمة السابقة والتي عرضتها الآيات‏ (31‏-‏33)‏ من سورة‏ (ص‏) ,‏ ولكن قبل البدء في ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين في شرح هذه الآيات الكريمة‏ .

من أقوال المفسرين:
في تفسير قوله‏ (تعالى‏) :" إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الجِيَادُ . فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ . رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ "
(ص‏31-33) .‏
(1) ذكر ابن كثير‏ (رحمه الله‏) ,‏ ما مختصره‏‏ يقول تعالى مخبرا أنه وهب لداود‏ (سليمان‏)‏ أي نبيا‏ ,‏ كما قال عز وجل‏ (وورث سليمان داود‏)‏ أي في النبوة‏ ,‏ وإلا فقد كان له بنون غيره‏ ,‏ وقوله تعالى‏ " نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ " (ص:30)ثناء علي سليمان بأنه كثير الطاعة والعبادة والإنابة إلى الله عز وجل‏ ,‏ وقوله تعالى‏ " إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الجِيَادُ " (ص:‏31) أي إذ عرض على سليمان عليه الصلاة والسلام في حال مملكته وسلطانه الخيل الصافنات‏ ,‏ قال مجاهد‏‏ وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة‏ ,‏ والجياد السراع‏ ...‏ وقوله تبارك وتعالى‏ " فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ" (ص‏:32) ذكر غير واحد من السلف والمفسرين‏‏ أنه اشتغل بعرضها حتى فات وقت صلاة العصر‏ ,‏ والذي يقطع به أنه لم يتركها عمدا‏ ,‏ بل نسيانا‏ ,‏ ويحتمل أنه كان سائغا في ملتهم تأخير الصلاة لعذر الغزو والقتال‏ ,‏ والأول أقرب لأنه قال بعده‏ "رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ " (ص:33)‏ قال الحسن البصري كأنه قال‏‏ لا والله لا تشغليني عن عبادة ربي آخر ما عليك‏ ,‏ ثم أمر بها فعقرت‏ ,‏ وقال السدي‏‏ ضرب أعناقها وعراقيبها بالسيوف‏ ,‏ ولهذا عوضه الله عز وجل ما هو خير منها‏ ,‏ وهو الريح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب‏ ,‏ غدوها شهر ورواحها شهر‏ ,‏ فهذا أسرع وخير من الخيل‏ ,‏ وأغلب الظن أن هذا التفسير الأخير من الإسرائيليات التي تسربت إلى كتب التفسير ‏.‏
(2) وذكر الشهيد سيد قطب‏ (رحمه الله رحمة واسعة جزاء ما قدم‏)‏ كلاما رائعا نوجزه فيما يلي ‏. والإشارتان الواردتان هنا عن الصافنات الجياد وهي الخيل الكريمة‏ ,‏ وعن الجسد الذي ألقي على كرسي سليمان‏ كلتاهما إشارتان لم تسترح نفسي لأي تفسير أو رواية مما احتوته التفاسير والروايات عنهما‏ ,‏ فهي إما إسرائيليات منكرة‏ ,‏ وإما تأويلات لا سند لها‏ .‏
(3) أما قصة الخيل فقيل‏‏ إن سليمان عليه السلام استعرض خيلا له بالعشي‏ ,‏ ففاتته صلاة كان يصليها قبل الغروب‏ ,‏ فقال‏‏ ردوها علي‏ ,‏ فردوها عليه فجعل يضرب أعناقها وسيقانها جزاء ما شغلته عن ذكر ربه ‏.‏ ورواية أخرى أنه إنما جعل يمسح سوقها وأعناقها إكراما لها لأنها كانت خيلا في سبيل الله‏ ..‏ وكلتا الروايتين لا دليل عليها‏ ,‏ ويصعب الجزم بشيء عنها‏ .‏ ومن ثم لا يستطيع متثبت أن يقول شيئا عن تفصيل هذين الحادثين المشار إليهما في القرآن الكريم‏ .‏ وكل ما نخرج به هو أنه كان هناك ابتلاء من الله وفتنة لنبي الله سليمان عليه السلام في شأن يتعلق بتصرفاته في الملك والسلطان كما يبتلي الله أنبياءه ليوجههم ويرشدهم‏ ,‏ ويبعد خطاهم عن الزلل ‏.‏
وأن سليمان أناب إلى ربه ورجع‏ ,‏ وطلب المغفرة‏ ,‏ واتجه إلى الله بالدعاء والرجاء‏ " قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ ‏ "‏ (ص:35) وأقرب تأويل لهذا الطلب من سليمان عليه السلام أنه لم يرد به أثرة‏ ,‏ إنما أراد الاختصاص الذي يتجلى في صورة معجزة‏ ,‏ فقد أراد به النوع‏ ,‏ أراد به ملكا ذا خصوصية تميزه عن كل ملك آخر يأتي بعده‏ ,‏ وذا طبيعة معينة‏ ,‏ ليست مكررة ولا معهودة في الملك الذي يعرفه الناس‏ .‏ وقد استجاب له ربه‏ ,‏ فأعطاه فوق الملك‏ ,‏ ملكا خاصا لا يتكرر‏ ,‏ وصفه الحق‏ (تبارك وتعالى‏)‏ بقوله‏‏ " فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ .وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ . وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ . هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ . وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ "
(ص‏36‏-‏40).‏
(4) وجاء في بقية التفاسير كلام مشابه لما ذكره ابن كثير‏ ,‏ وإن تميز بعض المفسرين عن بعض في إيراد عدد من التفاصيل التي لم يذكرها غيره‏ ,‏ وبعض الاستنتاجات الخاصة به‏ ,‏ وقد رد الشهيد سيد قطب‏ (رحمه الله‏)‏ على ذلك وفنده‏ .

من الدلالات اللغوية لألفاظ الآيات القرآنية الثلاث :
‏(عرض‏)‏ بمعني أبرزت له حتى نظر إليها من‏ (عرض‏) (يعرض‏) (عرضا‏)‏ أي أظهر يظهر ظهورا‏ ,‏ والفعل في الآية الكريمة مبني للمجهول‏ .‏
(‏العشي‏)‏ من زوال الشمس إلى غروبها‏ ,‏ وصلاتا العشي هما الظهر والعصر‏ ,‏ فإذا غابت الشمس فهو العشاء الأول والآخر وإن قال بعض اللغويين أن‏ (العشي‏)‏ و‏ (‏العشية‏)‏ من صلاة المغرب إلى العتمة‏ ,‏ و‏ (‏العشاء‏)‏ مثل‏ (العشي‏) (والعشاءان‏)‏ المغرب والعتمة‏ .‏
وزغم البعض أن العشاء‏ ,‏ من زوال الشمس إلى طلوع الفجر‏ ,‏ وهو تعريف مبالغ فيه ‏.‏ و‏ (‏العشا‏)‏ مقصور مصدر‏ (الأعشى‏)‏ وهو الذي لا يبصر بالليل‏ ,‏ ويبصر بالنهار‏ ,‏ والمرأة‏ (عشواء‏) ,‏ ويقال‏ (أعشاه‏)‏ الله‏ (فعشي‏) , (يعشي‏) (عشا‏) .‏
الصافنات‏ (الصافن‏)‏ من الخيل هو القائم علي ثلاث قوائم‏ ,‏ وقد أقام الرابعة علي طرف الحافر‏.‏ ويقال‏ (صفن‏)‏ الفرس‏ (يصفن‏) (صفونا‏)‏ فهو‏ (صافن‏)‏ أي صف أقدامه‏ ,‏ وجمعه‏ (صفون‏)‏ وذلك لأن‏ (الصفن‏)‏ هو الجمع بين الشيئين ضاما بعضهما إلى بعض‏ ,‏ و‏ (‏الصفون‏)‏ صفة دالة علي فضيلة في الفرس‏ .‏
الجياد‏‏ جمع‏ (جواد‏) ,‏ وهو الفرس السريع الجري‏ ,‏ الجيد الركض‏ ,‏ السابق في العدو‏ (ذكرا كان أو أنثى) ,‏ يقال‏‏ فرس‏ (جواد‏)‏ أي يجود بمدخر عدوه‏ ,‏ ويقال‏ (جاد‏)‏ الفرس‏ (يجود‏) (جودة‏)‏ فهو‏ (جواد‏)‏ إذا أسرع في جريه وعدوه‏ ,‏ والجمع‏ (جياد‏)‏ و‏ (‏الجواد‏)‏ في الأصل منسوب إلى‏ (الجود‏)‏ وهو بذل الكثير من المقتنيات مالا كان أو علما أو جهدا‏ ,‏ ولذلك يقال‏‏ رجل جواد‏ ,‏ وفرس جواد‏ ,‏ كما يقال فرس‏ (حصان‏)‏ لكونه حصنا لراكبه‏ ,‏ ويطلق علي كل ذكر من الخيل‏ ,‏ وجمع الحصان‏ (أحصنة‏).‏ واسم‏ (الخيل‏)‏ مستمد من الخيلاء لأن‏ (الخيل‏)‏ تتخايل في سكونها‏ ,‏ وفي حركاتها لما تستشعره من فضل الله‏ (تعالى‏)‏ عليها من الجمال‏ ,‏ والقوة والذكاء‏ ,‏ والقدرة علي إدراك الكثير من الأشياء التي قد لا يدركها كثير غيرها من الحيوانات‏ .‏ ولفظ‏ (الخيل‏)‏ كما يطلق على الأفراس فإنه يطلق مجازا على الفرسان كذلك‏ ,‏ تأولا لما قيل إنه لا يركب أحد فرسا إلا وجد في نفسه شيا من الخيلاء والزهو والشجاعة والنخوة وذلك من نحو ما قيل‏‏ يا خيل الله اركبي‏ ,‏ والخطاب هنا للفرسان‏ ,‏ وقول المصطفى‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ عفوت لكم عن صدقة الخيل يعني الأفراس و‏ (‏الخيالة‏)‏ هم أصحاب الخيول ‏.‏ ويقول‏ (عز من قائل‏)‏ " وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ " (النحل:8) .
وفي ذلك يقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏)
" ٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ ‏ " (الأنفال:60) .‏

من الدلالات العلمية للآيات الكريمة الثلاث :
أولا‏‏ : الإشارة إلى فضيلة الخيل في السكون والحركة‏‏ :
في هذه الآيات القرآنية الكريمة وصفت خيل نبي الله سليمان‏ (علي نبينا وعليه من الله السلام‏)‏ بوصفين هما‏ (الصافنات الجياد‏)‏ وهو مدح لها واقفة‏ (الصافنات‏) ,‏ وجارية‏ (الجياد‏) ,‏ فإذا وقفت كان ذلك علي ثلاث قوائم‏ ,‏ وعلي طرف حافر القائم الرابع‏ ,‏ وذلك من علامات السكون‏ ,‏ والاطمئنان‏ ,‏ والثقة في نفسها‏ ,‏ والخيلاء بما أفاء الله‏ (تعالى‏)‏ عليها من قوة في البنية‏ ,‏ وجمال في المظهر‏ ,‏ وقدرات علي الحس والإدراك وإذا جرت كانت في عدوها سباقة‏ ,‏ بسرعة‏ ,‏ راكضة كأحسن ما تكون الجياد‏ ,‏ ولذلك فإن نبي الله سليمان من شدة إعجابه بها‏ ,‏ وانبهاره بجمالها وحسن مظهرها‏ ,‏ لم يدرك مرور الوقت طيلة استعراضه لها حتى فات عليه ذكر خاص له كان يؤديه في ذلك الوقت ولم يتذكره حتى غابت الشمس‏ ,‏ واختفت الخيل عن الأنظار‏ ,‏ فتأسف علي ذلك أسفا شديدا يرويه القرآن الكريم علي لسانه فيقول ‏‏" إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ‏"
(ص:‏32)‏ . أي أثرت حب الخيل حتى شغلتني عن ذكر الله‏ ,‏ ولم أتذكره حتى توارث الخيل عني باحتجابها‏ ,‏ أو توارث الشمس بغروبها‏ ,‏ أو حتى حدث الأمران معا‏ .
والخيل من الحيوانات الثديية المشيمية ذات الحافر‏(ungulareplacenralmammals)‏ وتجمع في رتبه خاصة بها تعرف باسم رتبه فردية أصابع الحافر‏ (oddtoedungulates)‏ ويكتب هذا الاسم باللاتينية علي النحو التإلي(orderperissodactyla)‏ وذلك لتميزها بإصبع واحد كبير عامل في كل قدم‏ ,‏ وهو مغطي بالحافر الواقي له من الصدمات من أجل حمايته‏.‏ والحيوان الحافري إما أن يكون فردي الأصابع من مثل الخيل‏ ,‏ والبغال‏ ,‏ والحمير‏ ,‏ والحمير الوحشية وأشباهها‏ ,‏ وإما أن يكون زوجي الأصابع‏
(EventoedungulatesorderArtiodactyla)‏
من مثل مختلف الأنعام‏ (الإبل‏ ,‏ والبقر‏ ,‏ والغنم‏ ,‏ والماعز‏ ,‏ والغزلان‏ ,‏ والزرافات‏ ,‏ وأشباهها‏)‏ والخيل من الحيوانات آكلة الأعشاب‏ (Herbivorous)‏ ولذلك تتميز بأسنانها الكبيرة‏ ,‏ ذات السطوح العريضة‏ ,‏ المزودة بعدد من البروزات المناسبة لجرش وطحن هذا النوع من الغذاء‏ (مثل الحشائش‏ ,‏ التبن‏ ,‏ الدريس‏ ,‏ الردة‏ ,‏ الفول‏ ,‏ الشعير‏ ,‏ الشوفان وغيرها من الحبوب‏)‏ وتكثر هذه البروزات علي أسطح تيجان طواحين الخيل‏ ,‏ويتبع الحصان‏(Equushorse)‏ فصيلة الأحصنة وأشباهها‏ (FamlyEquidae)‏ التي تشمل كلا من الحصان‏ ,‏ والحمار‏ ,‏ والحمار الوحشي‏ (المخطط‏) ,‏ وهي جزء من رتيبة الأفراس المعروفة باسم‏ (SuborderHippomorpha)‏ والتي تشمل بالإضافة إلى فصيلة الأحصنة عددا من الفصائل المنقرضة التي عمرت الأرض منذ حوالي خمسين مليون سنة مضت في‏ (عهد الإيوسين‏)‏ أما الحصان الذي نعرفه اليوم فلم يعرف قبل المليونين الأخيرين من عمر الأرض المقدر بحوالي خمسة آلاف مليون سنة علي أقل تقدير‏ ,‏ وهو يحيا عادة في قطعان وذلك من قبل استئناسه‏ ,‏ وقد تم استئناس الأحصنة منذ حوالي خمسة آلاف سنة مضت وذلك لاستخدامها في الركوب‏ ,‏ وحمل الأثقال‏ ,‏ وجر العربات‏ ,‏ وفي غير ذلك من أعمال الانتقال‏ ,‏ والزراعة‏ ,‏ والحروب‏ ,‏ والرياضة‏ ,‏ وغيرها ‏.‏



والحصان حيوان قوي البنية‏ ,‏ شديد الذكاء بصفة عامة‏ ,‏ نبيل الطباع‏ ,‏ قوي الذاكرة‏ ,‏ له قدرة هائلة في التعرف علي الأشخاص‏ ,‏ وفي الحكم علي المواقف‏ ,‏ كما أن له قدرات فائقة‏ ,‏ علي الشم‏ ,‏ والسمع‏ ,‏ وعلي معرفة الاتجاهات والطرق والأماكن وتذكرها حتى بالليل وبعد فترات زمنية طويلة من مغادرتها‏ .‏
وبالإضافة إلى ذلك فان الحصان حيوان هادئ ورصين‏ ,‏ ليست له طبيعة عدوانية إلا إذا هوجم بشيء من القسوة‏ ,‏ وهو يهرب عادة من المواجهة التي يخافها ويقلق لأقل سبب لما له من طبيعة رقيقة‏ ,‏ ويظهر ذلك عليه بشيء من الوجوم وعدم الحركة ولكن إذا جوبه بالخطر أو إذا سيئت معاملته فإنه يستطيع ضرب عدوه برجليه الأماميتين وبرقبته حتى يطرحه أرضا‏ .‏ والحصان له رأس مستطيل‏ ,‏ تحمل أكبر عينين لحيوان معاصر مقارنة إلى حجمه ولذلك فإن الذاكرة البصرية عنده عالية جدا مما يجعله يجفل عند رؤيته لمكان أو لشيء أفزعه من قبل‏ ,‏ وكذلك فإن ذاكرته السمعية لا تقل حدة عن ذاكرته البصرية‏ ,‏ مما يدفع بالمدربين للجياد إلى استخدام نفس الجمل‏ ,‏ ونفس نبرات الصوت في توجيهها‏ ,‏ بل إن بعض الجياد يمكنها استقراء رغبات راكبيها قبل أن ينطق الراكب بها‏.‏ والجواد فوق ذلك يستشعر الحالة النفسية لراكبه من قلق واضطراب‏ ,‏ أو ثقة واطمئنان ويتصرف علي أساس من ذلك‏ ,‏ فإذا أساء الراكب معاملته فإن الجواد يستطيع الانتقام منه بطرق متعددة‏ ,‏ كما يمكن له أن يعبر عن طاعته لصاحبه‏ ,‏ وعن وفائه له وثقته فيه وعاطفته تجاهه وذلك بتعبيرات وجهه‏ ,‏ وحركات أذنيه‏ ,‏ وإيماءات رأسه‏ ,‏ أو إظهار أسنانه‏ ,‏ أو العض عليها‏ ,‏ وبصوته ومختلف نبرات صهيله‏ ,‏ أو بالركل بأرجله الخلفية في تناغم جميل كما يمكنه الإتيان بالعديد من الأعمال التي تعبر عن ذكائه من مثل فتح غطاء صندوق العلف المغلق أمامه‏ ,‏ أو فتح باب الإسطبل الذي يحتجز فيه إذا أراد الخروج منه‏.‏ وتتفاوت قدرات الخيل في ذلك تفاوتا كبيرا حتى ليكاد أن يكون لكل فرد منها شخصيته الخاصة‏ ,‏ وصفاته المميزة له ‏.‏
وللخيل قدرات فائقة علي التلقي والإدراك‏ ,‏ وعلي التعاطف مع من يعتنون بها‏ ,‏ أو مع أفراد معينين من أسرة مالكيها‏ ,‏ كما أن لها القدرة علي كراهية أفراد آخرين والنفور منهم دون سبب واضح‏ .‏
ولشدة الحاسة السمعية عند الخيل فإنها تستشعر الهزات الأرضية عند بدء انبثاقها فتهرب منها‏ ,‏ وذلك قبل أن يدركها الإنسان بعدة ساعات‏.‏ وللحصان ثماني عشرة عضلة لتحريك الأذن في‏
(180)‏ درجة‏ ,‏ ولذلك فهو شديد الانتباه إلا في حالات النوم العميق‏ ,‏ وهذا لا يحدث إلا علي فترات قصيرة جدا في كل يوم ‏.‏
وبالإضافة إلى ذاكرتيها البصرية والسمعية فإن للخيل حاسة شم قوية يتعرف بها كل فرد منها علي رفاقه‏ ,‏ وعلي أصحابه‏ ,‏ كما يميز بها بين طعام صالح أو فاسد‏ ,‏ وماء عذب أو آسن‏ ,‏ ووسط نظيف أو قذر‏ ,‏ وذلك لأن الخيل تأنف من الروائح الكريهة‏ ,‏ وهذه الصفات كلها‏ (وغيرها كثير‏)‏ تشير إلى فضائل الخيل بصفة عامة وخيل سليمان‏ (عليه السلام‏) ,‏ بصفة خاصة‏ .‏

ثانيا‏‏ : الإشارة إلى أن اللمس يلعب دورا مهما في حياة الخيل‏‏ :
تقول الآيات القرآنية الكريمة التي نحن بصددها في وصف تعامل نبي الله سليمان‏ (عليه السلام‏)‏ مع خيله ما نصه ‏‏" فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ "
(ص:‏33)‏ . والدراسات المتأخرة في علم سلوك الحيوان تؤكد أن لمس الإنسان لسيقان الخيل وأعناقها يلعب دورا مهما في تطمينها وإشعارها بالود والمحبة‏ ,‏ فجلد الخيل من أكثر أجزاء جسده حساسية للمس‏ ,‏ لدرجة أنها تشعر بالذبابة تحط عليه‏ ,‏ وتعمل علي طردها بحركة عضلاتها القوية التي تنقبض وتنبسط بسرعة فائقة فتهش الذبابة عن جسمها‏.‏ وأكثر مناطق جسم الحصان حساسية للمس هي سيقانه وعنقه وما حول رأسه لأن لكل حصان نقطة توازن في مركز رأسه وخلف كتفيه‏ ,‏ ومن هنا كانت الإشارة القرآنية إلى فعل سليمان بخيله والتي يقول فيها ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) " فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ " (ص:‏33) .
ومن مناطق الحس المرهف للحصان كذلك العين والأذن‏ ,‏ فهو لا يحب أن تشد أذنه‏ ,‏ ولا يحب أن ينظر إلى عينه مباشرة أحد غير صاحبه‏ ,‏ لأنه يشعر أن في ذلك نوعا من التهديد له‏ ,‏ لأن لكل عين من عيني الحصان جهازا خاصا لتضخيم كم الضوء الواصل إليها بإعادة عكسه لعدة مرات علي شبكية العين مما يعينها علي وضوح الرؤية مهما كان الضوء ضعيفا وإن كانت الخيل تنزعج من العتمة الكاملة ولذلك تنشط الخيل في الفجر وعند الغسق‏ ,‏ وتقلق لرؤية أي عارض ولو من بعيد‏ ,‏ وتدرك أبسط الحركات أثرا من حولها‏ ,‏ لأنها تستطيع الرؤية بكل عين منفردة‏ ,‏ كما أن لها رؤية مزدوجة بالعينين معا في حدود‏ (60)‏ إلى‏ (70)‏ درجة من الأفق أمامها‏ ,‏ وبذلك تكاد تغطي الأفق كاملا بالعينين معا وبكل عين منفردة في جهتها‏ .‏
ويمكن لراكب الفرس أن يعبر له أو لها بما يشاء عن طريق اللمس‏ ,‏ كذلك يمكن للفرس أن يتفاهم مع غيره من الأفراس عن طريق لمس جسديهما ببعض .

ثالثا‏‏ : الإشارة إلى دور أنثى الخيل في تدبير أمر جماعتها‏‏ :
تثبت الدراسات المتأخرة في علم سلوك الحيوان أن الخيل هي حيوانات اجتماعية بطبيعتها الفطرية‏ ,‏ تحيا منطلقة في البراري في قطعان من أربعة إلى عشرة أفراد في المتوسط‏ ,‏ وان كانت بعض قطعانها قد يصل إلى أكثر من عشرين في العدد‏.‏ وتعتمد كل واحدة من هذه الجماعات علي العائلة التي تضم مهرة واحدة أو مهرتين وأنسالهما حتى أعمار سنتين إلى ثلاث سنوات‏ ,‏ وعلي مهر أو أكثر من مهر واحد في المجموعة‏.‏
والإناث في جماعة الخيل هي الآمرة‏ ,‏ الحاكمة‏ ,‏ صاحبة القرار على باقي أفراد القطيع‏ ,‏ والمهر الذي يصحبه‏ (أو المهران أو الأمهار إذا كانوا أكثر من اثنين‏)‏ دوره حراسة القطيع‏ ,‏ دون أن يكون له دور في القيادة‏ ,‏ ومن هنا كانت الإشارة في الآيات القرآنية المستشهد بها هنا إلى الجياد بالتأنيث‏ (الصافنات الجياد‏) ,‏ ومن العجيب أن تتبادل الإناث في القطيع الواحد قيادة القطيع‏ ,‏ الواحدة تلو الأخرى حتى لا تكون السيادة مطلقة لواحدة منهن‏ ,‏ بينما في عالم الأناسي من وصل إلى كرسي السلطة لا يريد أن يغادره أبدا‏ .‏
وأنثي الخيل هي الموجهة الفعلية والمربية الحقيقية لصغارها‏ ,‏ فإذا أخطأ أحدهم نهرته وعاقبته‏ ,‏ ويصل العقاب إلى حد الطرد من مرافقة القطيع لفترات تطول بنسبة تتوافق مع حجم الجرم المقترف‏ ,‏ فإذا انتهت مدة العقاب عاد إلى حدود أرض القطيع مستأذنا بالانضمام إليه فإذا واجهته رئيسة القطيع بأنفها كان في ذلك‏ ,‏ وإذن بعودته للانضمام إلى القطيع‏ ,‏ وإن قابلته بمؤخرتها كان ذلك رمزا لرفض طلبه‏ ,‏ واستمرارا للعقوبة عليه فعاد من حيث أتي‏ .‏

هذه الإشارات إلى فضائل الخيل في كل من السكون والحركة‏ ,‏ وإلى خيلائها بما حباها الله‏ (تعالى‏)‏ من الذكاء والفطنة والجمال والقدرة على الإدراك‏ ,‏ وإلى إحساسها المرهف للمس خاصة حول رأسها وعنقها وسيقانها‏ ,‏ وإلى دور الأنثى في قطعانها‏ ,‏ هذه كلها من الحقائق التي لم تصل إلى علم الإنسان إلا بعد اهتمامه بعلوم سلوك الحيوان في القرنين الماضيين علي أحسن تقدير‏ ,‏ ومن هنا كان ورودها بهذه الدقة والوضوح في القرآن الكريم الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة على نبي أمي‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ وفي أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين لما يشهد لهذا الكتاب الخالد بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏ ,‏ بل هو كلام الله الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ ويشهد للنبي الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة "وَاللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ "
(الأحزاب:‏4)‏ .
وصلي الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا‏ .‏