﴿... وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾ (آل عمران:97)


الحج يعني قصد مكة المكرمة لأداء عبادة الطواف‏,‏ والسعي‏,‏ والوقوف بعرفة‏,‏ ومايتبع ذلك من مناسك يؤديها كل مسلم‏,‏ بالغ‏,‏ عاقل‏,‏ حر‏,‏ مستطيع‏,‏ ولو مرة واحدة في العمر‏,‏ وذلك استجابة لأمر الله‏,‏ وابتغاء مرضاته‏,‏ وهو أحد أركان الإسلام الخمسة‏,‏ وفرض من الفرائض المعلومة من الدين بالضرورة‏,‏ وحق لله علي المستطيعين من عباده ذكورا وإناثا لقوله ـ تعالي ـ:﴿... وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾ (آل عمران:97)
والحج هو عبادة من أجل العبادات وأفضلها عند رب العالمين بعد الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله‏,‏ وذلك لما
رواه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ "سئل‏:‏ أي الأعمال أفضل؟ قال‏:‏ إيمان بالله ورسوله‏,‏ قيل‏:‏ ثم ماذا؟ قال‏:‏ ثم جهاد في سبيل الله‏,‏ قيل ثم ماذا؟ قال‏:‏ ثم حج مبرور ـ أي الذي لا يخالطه إثم‏" (‏ أخرجه الإمام أحمد‏).‏
وأصل‏(‏ العبادة‏)‏ الطاعة‏,‏ و‏(‏التعبد‏)‏ هوالتنسك‏.‏ والطاعة المبنية علي أساس من الطمأنينة العقلية والقلبية الكاملة لا تحتاج إلي تبرير‏,‏ ولكن إذا عرفت الحكمة من ورائها أداها العبد بإتقان أفضل‏,‏ وتمتع بأدائها تمتعا أكثر‏,‏ وكان جزاؤه علي حسن أدائها جزاء أوفر‏,‏ ومن هنا كان علينا استعراض الحكمة من أداء فريضة الحج التي افترضها الله ـ تعالي ـ علي المستطيعين من عباده في الآية الكريمة التي اتخذناها عنوانا لهذا المقال‏.‏
من مقاصد الحج‏:‏

لهذه الفريضة الإسلامية الجليلة حكم عديدة منها مايلي:‏
أولا‏:‏ ـ تعريض كل من حج البيت ـ ولو لمرة واحدة في العمرـ لكرامة أشرف بقاع الأرض في أشرف أيام السنة‏.‏ فالله ـ تعالي ـ خلق كلا من المكان والزمان‏,‏ وجعلهما أمرين متواصلين‏,‏ فلا يوجد مكان بلا زمان‏,‏ ولا زمان بلا مكان‏,‏ وكما فضل الله بعض الرسل علي بعض‏,‏ وبعض الأنبياء علي بعض‏,‏ وبعض أفراد البشر علي بعض فضل ـ سبحانه وتعالي ـ بعض الأزمنة علي بعض‏,‏ وبعض الأماكن علي بعض‏.‏
فمن تفضيل الأزمنة جعل ربنا ـ تبارك وتعالي ـ يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع‏,‏ وجعل شهر رمضان أفضل شهور السنة‏,‏ وجعل الليالي العشر الأخيرة من هذا الشهر الفضيل أشرف ليالي السنة‏,‏ وجعل أشرفها علي الإطلاق ليلة القدر التي جعلها الله ـ تعالي ـ خيرا من ألف شهر‏.‏
ومن بعد رمضان يأتي فضل أشهر الحج‏,‏ ومن بعدها تأتي بقية الأشهر الحرم‏,‏ ومن الأيام‏(‏ بمعني النهار‏)‏ جعل ربنا ـ تبارك وتعالي ـ أشرفها العشرة أيام الأولي من شهر ذي الحجة‏,‏ وجعل أشرفها علي الإطلاق يوم عرفة‏,‏ وفي ذلك يروي
عن جابر ـ رضي الله عنه ـ أنه قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏:‏
"ما من أيام عند الله أفضل من عشر ذي الحجة‏,‏ فقال رجل‏:‏ هن أفضل أم عدتهن جهادا في سبيل الله‏:‏ قال ـ صلي الله عليه وسلم‏:‏ ـ هن أفضل من عدتهن جهادا في سبيل الله‏,‏ ومامن يوم أفضل عند الله من يوم عرفة ينزل الله ـ تبارك وتعالي ـ إلي السماء الدنيا‏,‏ فيباهي بأهل الأرض أهل السماء فيقول‏:‏ انظروا إلي عبادي جاءوني شعثا غبرا ضاحين‏,‏ جاءوا من كل فج عميق‏,‏ يرجون رحمتي ولم يروا عذابي فلم ير يوم أكثر عتيقا من النار من يوم عرفة‏"‏
. ولذلك كان الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم‏.‏
ومن تفضيل الأماكن‏,‏ فضل ربنا ـ تبارك وتعالي ـ مكة المكرمة وحرمها الشريف علي جميع بقاع الأرض‏,‏ ومن بعدها فضل مدينة رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ ومن بعدها فضل مدينة القدس‏,‏ كما جاء في العديد من الأحاديث النبوية الشريفة‏.‏ فإذا اجتمع فضل المكان وفضل الزمان‏,‏ تضاعفت البركات والأجور إن شاء الله‏.‏
ومن هنا كان من حكم فريضة الحج ـ بالإضافة إلي كونها طاعة للأمر الإلهي ـ أن فيها تعريضا لكل مسلم‏,‏ بالغ‏,‏ عاقل‏,‏ حر مستطيع ـ ذكرا كان أو أنثي ـ ولو لمرة واحدة في العمر ـ لبركة أشرف بقاع الأرض‏(‏ الحرم المكي الشريف‏)‏ في بركة أشرف أيام السنة‏(‏ الأيام العشرة الأولي من ذي الحجة‏.‏ ومن أقول المصطفي ـ صلي الله عليه وسلم ـ في شرف مكة المكرمة نقتطف مايلي‏:‏‏
-‏ "هذا البيت دعامة الإسلام‏,‏ فمن خرج يؤم هذا البيت من حاج أو معتمر‏,‏ كان مضمونا علي الله‏,‏ إن قبضه أن يدخله الجنة‏,‏ وإن رده رده بأجر وغنيمة‏".‏
-‏ " العمرة إلي العمرة كفارة لما بينهما‏,‏ والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة‏".‏
-‏ تابعوا بين الحج والعمرة‏,‏ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة‏".‏
ثانيا ـ تذكير الحاج بمرحلية الحياة‏,‏ وبحتمية الرجوع إلي الله تعالي‏:‏
علي الرغم من حقيقة الموت الذي كتبه الله ـ تعالي ـ علي جميع خلقه‏,‏ والذي يشهده أو يسمع به كل حي في كل لحظة‏,‏ وعلي الرغم من إيماننا ـ نحن معشر المسلمين ـ بحتمية البعث والحساب والجزاء‏,‏ ثم الخلود في الحياة المقبلة‏,‏ إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا إلا أن دوامة الحياة ومشاغلها تكاد تنسي الناس هذه الحقائق التي هي من صلب الدين ويبقي الموت مصيبة ـ كما سماه القرآن الكريم ـ ويبقي الأخطر من مصيبة الموت غفلة الناس عنه‏,‏ وإعراضهم عن ذكره‏,‏ وقلة تفكرهم فيه‏,‏ وانصرافهم عن العمل له‏,‏ وانشغالهم بالدنيا حتي أنستهم إياه أو كادت‏.‏
وهنا تأتي شعيرة الحج لتخرج الناس من دوامة الحياة ـ ولو لفترة قصيرة ـ وتذكرهم بحتمية العودة إلي خالقهم‏.‏
ثالثا‏:‏ تذكير الحاج بحساب الآخرة وبضرورة محاسبة نفسه قبل أن الخروج برحلة الحج‏,‏ انطلاقا من الأعمال الإجرائية قبل القيام برحلة الحج حيث يجب علي كل حاج أن يحاسب نفسه قبل الخروج برحلة الحج‏,‏ ومن هذه الأعمال مايلي‏:‏
‏1 ‏ ـ التوبة إلي الله ـ تعالي ـ من الذنوب والمعاصي‏.‏
‏2‏ ـ وصل كل مقطوع من صلات الرحم‏.‏
‏3‏ـ قضاء الديون‏,‏ ورد المظالم‏,‏ وغير ذلك من حقوق العباد لقول رسول صلي الله عليه وسلم ـ‏:‏ من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرض أو من شيء فليتحلل منه اليوم‏,‏ من قبل ألا يكون دينار ولا درهم‏,‏ إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته‏,‏ وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه‏.‏
‏4‏ ـ أن يتعلم إخلاص النية لله ـ تعالي ـ لأن النية بالحج لابد أن تكون خالصة لله‏,‏ في صدق وتجرد تام عن كل هوي وسمعة‏.‏
‏5‏ ـ التمسك بالحلال‏,‏ والتطهر من الحرام بكل أشكاله وصوره والحرص علي أن تكون نفقات الحج من أحل حلال المال‏.‏
‏6‏ ـ الحرص علي تسديد زكاة المال‏,‏ والنذور إن وجدت قبل الخروج بالحج‏.‏
‏7‏ ـ كتابة الوصية وتوضيح جميع الحقوق فيها‏.‏
وفي إتمام هذه الأعمال تهيئة للحاج تهيئة كاملة لعملية الرجوع إلي الله ـ تعالي ـ والاستعداد لحساب القبر وجزائه‏,‏ ثم للبعث والحشر والعرض الأكبر‏,‏ وتلقي الحساب والجزاء‏,‏ ثم الخلود في الحياة الآخرة‏,‏ أما في الجنة أبدا‏,‏ أو في النار أبدا‏.‏
رابعا‏:‏ التدرب العملي علي مفارقة الحياة الدنيا‏:‏
‏1‏ ـ غسل الإحرام يذكر الحاج بغسله ميتا وهو لايملك لنفسه شيئا بين أيدي مغسله‏,‏ والغسل رمز للتطهر من الذنوب والآثام‏.‏
‏2‏ ـ والإحرام يذكر الحاج بالخروج من الدنيا بلا أدني زينة أو ملك كما يذكره بالكفن الذي سوف يلف فيه جسده بعد تغسيله‏.‏
‏3‏ ـ والنية عهد بين العبد وربه علي الاستقامة تبعا لمنهج الله ـ تعالي ـ وعلي القيام بأداء عبادة الحج طاعة لأوامره‏.‏

‏4‏ ـ الوقوف عند الميقات يذكر الحاج بأجله الذي حدده الله ـ تعالي ـ له وباللحظة التي سوف يفارق فيها الحياة الدنيا‏.‏ والانتقال من الحل إلي الحرم عبر الميقات يذكر بالانتقال من الدنيا إلي الآخرة عبر الموت‏,‏ والتلبية نداء إلي الله‏,‏ واستنجادا برحمته واحتماء بحماه‏,‏ واعترافا بألوهيته‏,‏ وربوبيته‏.‏ ووحدانيته المطلقة فوق جميع خلقه‏.‏
‏5‏ ـ والطواف حول الكعبة المشرفة يذكر بضرورة الانتظام مع حركة الكون في خضوعه لأوامر الله ـ تعالي ـ وانصياعه لقوانين هذا الخالق العظيم وسننه‏,‏ في عبادة وذكر دائمين‏,‏ كما أن بداية الطواف ونهايته تؤكدان بداية الأجل ونهايته‏,‏ والرمل والاضطباع في طواف القدوم إحياء لسنة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم‏.‏
‏6‏ ـ والصلاة في مقام إبراهيم تذكر بجهاد الأنبياء والمرسلين‏,‏ وبمقام الصالحين عند رب العالمين‏.‏
‏7‏ ـ والشرب من ماء زمزم يؤكد قدرة رب العالمين التي لا حدود لها‏,‏ ولا عائق يقف في سبيلها من أجل إكرام عباده الصالحين‏.‏
‏8‏ ـ والسعي بين الصفا والمروة يذكر بأم إسماعيل ـ عليها وعليه من الله السلام ـ وهي تركض بين هاتين التلتين في لهفة واستغاثة‏,‏ بحثا عن الماء لصغيرها‏,‏ ونتيجة لإخلاصها‏.‏ ولثقتها العميقة بربها أكرمها الله ـ تعالي ـ بجبريل يضرب أرض مكة المكرمة بجناحه‏,‏ أو بعقبه فيفجر ماء زمزم من صخور مصمطة لا مسامية لها‏,‏ وتظل هذه البئر المباركة تفيض لقرابة أربعة آلاف سنة‏.‏
‏9‏ ـ والنفرة إلي مني ثم إلي عرفات تذكر بيوم البعث في زحامه وشدته‏.‏
‏10‏ ـ والوقوف بعرفات يذكر بالحشر وبالعرض الأكبر بين يدي الله ـ تعالي ـ وبالحساب‏.‏
‏11‏ ـ والمبيت بالمزدلفة يذكر بآلاف الأنبياء ومئات المرسلين الذين حجوا من قبل‏,‏ والذين نزلوا بهذا المنزل‏,‏ تأكيدا علي وحدة الدين‏,‏ وعلي الأخوة بين أنبياء رب العالمين‏,‏ وإحياء لسنة خاتم النبيين ـ صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏.‏
‏12‏ ـ والنحر والحلق أو التقصير يذكران بفداء الله لنبيه إسماعيل‏,‏ إكراما لطاعته وطاعة أبيه إبراهيم ـ عليهما السلام ـ لأوامر رب العالمين‏,‏ وإحياء لسنة خاتم الأنبياء والمرسلين‏,‏ ورمزا للتطهير من الذنوب والآثام‏.‏
‏13‏ ـ ورمي الجمار تأكيد علي حتمية انتصار العبد المؤمن علي الشيطان في وساوسه‏,‏ ونفثه وإغراءاته‏,‏ والرجم رمز لذلك الانتصار‏,‏ وعهد مع الله ـ تعالي ـ علي تحقيقه‏.‏
‏14‏ ـ والتحلل من الإحرام وطواف كل من الإفاضة والوداع رمز لانتهاء هذه الشعيرة العظمي‏,‏ وعودة إلي دوامة الحياة الدنيا من جديد بذنب مغفور‏,‏ وعمل صالح مقبول‏,‏ وتجارة مع الله ـ تعالي ـ لن تبور إن شاء الله رب العالمين‏.‏
من هنا كان واجب الحج بمجرد إتمام حجه أن يبدأ مع ربه صفحة جديدة‏,‏ إطارها الفهم الصحيح لرسالة الإنسان في هذه الحياة‏:‏ عبدا لله يعبده ـ سبحانه وتعالي ـ بما أمر‏,‏ ويجاهد بصدق من أجل حسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض بعمارتها‏,‏ وإقامة دين الله وعدله علي سطحها‏,‏ والدعوة إلي هذا الدين بالكلمة الطيبة والحجة الواضحة والمنطق السوي من أجل انقاذ أكبر عدد ممكن من الناس من عذاب الجحيم‏.‏
‏15‏ ـ وجموع الحجاج‏(‏ من كل عرق ولون وجنس ولغة‏)‏ يتحركون في موكب واحد لأداء هذه الفريضة الكبري‏,‏ تأكيدا علي وحدة الجنس البشري المنبثق من أب واحد وأم واحدة‏,‏ هما آدم وحواء ـ عليهما من الله السلام ـ وتأكيدا علي وحدة رسالة السماء ـ وهي الإسلام العظيم ـ وعلي الإخوة بين الأنبياء وعلي وحدانية رب السموات والأرض‏(‏ بغير شريك ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد‏)‏ لأن الخالق منزه تنزيها كاملا عن جميع صفات خلقه وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏.‏
خامسا‏:‏ شهود العديد من المنافع اثناء أداء شعيرة الحج‏:‏
والمنافع التي يشهدها حجاج بيت الله الحرام كثيرة جدا لو احسن المسلمون الاستفادة بهذه العبادات المباركة التي تتم في ابرك بقاع الأرض‏,‏ عند أول بيت وضع للناس‏,‏ وفي أفضل أيام السنة علي الإطلاق ــ وهي العشر الأوائل من ذي الحجة ــ وهذه الفوائد تشمل الفوائد الدينية والدنيوية علي حد سواء‏.‏
سادسا‏:‏ الاستفادة بهذا المؤتمر الدولي الأول في تاريخ البشرية لمناقشة قضايا المسلمين خاصة وقضايا الإنسانية عامة‏:‏
فالحج أول صورة من صور المؤتمرات الدولية‏,‏ وهو مؤتمر جامع للمسلمين من مختلف بقاع الأرض‏,‏ يجدون فيه توحدهم في عبادة إله واحد‏,(‏ لاشريك له في ملكه‏,‏ ولا منازع له في سلطانه‏,‏ ولا شبيه له من خلقه‏).



في المقال السابق استعرضنا شيئا من مقاصد الحج‏,‏ وهي صورة من صور الإعجاز التشريعي في كتاب الله كما لخصته الآية الكريمة التي اتخذناها عنوانا لهذا المقال‏,‏ ومن ذلك مايلي‏:‏
أولا‏:‏ تعريض كل من حج البيت ـ ولو مرة واحدة في العمر ـ لكرامة أشرف بقاع الأرض‏  (‏ الحرم المكي‏)‏ في أشرف أيام السنة‏(‏ الأيام العشر الأولي من ذي الحجة‏).‏
ثانيا‏:‏ تذكير الحاج بمرحلية الحياة‏,‏ وبحتمية الرجوع إلي الله ـ تعالي ـ وهي من أحق حقائق الوجود‏,‏ وإن غفل كثير من الناس عنها‏.‏
ثالثا‏:‏ تذكير الحاج بحساب الآخرة‏,‏ وبضرورة محاسبة نفسه قبل أن يحاسب‏,‏ وأن يزن أعماله قبل أن توزن عليه‏,‏ وذلك من خلال الأعمال الإجرائية التي يجب علي كل خارج للحج أن يقوم بها‏,‏ وقد قمنا بتلخيصها في المقال السابق‏:‏
رابعا‏:‏ التدريب العملي علي مفارقة الحياة الدنيا‏.‏
خامسا‏:‏ شهود العديد من المنافع الفردية والجماعية أثناء أداء شعيرة الحج‏.‏
‏ سادسا:‏ الاستفادة بهذا المؤتمر العالمي الأول في تاريخ البشرية لمناقشة قضايا المسلمين خاصة‏,‏ وقضايا الإنسانية عامة‏.‏
سابعا‏:‏ خروج الحاج من أداء هذه العبادة في تلك المرحلة المباركة بعدد من الخصال والسجايا الحميدة التي يصعب الحصول عليها في أي رحلة أخري‏.‏
وقد ناقشنا في المقال السابق ومضة الإعجاز التشريعي في كل نقطة من النقاط الخمس الأولي في القائمة السابقة‏,‏ ونستكمل ذلك هنا في النقطتين السادسة والسابعة علي النحو التالي‏:‏
سادسا ‏:‏ الاستفادة بهذا المؤتمر الدولي الأول في تاريخ البشرية لمناقشة قضايا المسلمين خاصة وقضايا الإنسانية عامة‏:‏
فالحج يمثل أول صورة من صور المؤتمرات الدولية‏,‏ وهو مؤتمر جامع للمسلمين من مختلف بقاع الأرض‏,‏ يجدون فيه توحدهم في عبادة إله واحد‏,(‏ لا شريك له في ملكه‏,‏ ولا منازع له في سلطانه‏,‏ ولا شبيه له من خلقه‏).‏
ويتوحدون إلي قبلة واحدة‏,‏ هي تلك البقعة المباركة التي بنيت الكعبة عليها‏,‏ ويتوحدون تحت راية القرآن الكريم وهو الكتاب السماوي المحفوظ بين أيدي الناس إلي اليوم بنفس لغة وحيه‏,‏ كما يتوحدون تحت لواء خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ــ وفي نور هديه وسنته فتتلاشي في نور الإسلام العظيم كل فوارق العرق واللون واللغة والوطن والفوارق الاجتماعية والثقافية‏,‏ ويتجسد معني الأخوة الإسلامية في الله ولله‏,‏ وهو من أعظم عناصر القوة في زمن التكتلات الذي نعيشه‏.‏
فما أحري حكام الدول الإسلامية‏,‏ ومستشاريهم‏,‏ وعلماءهم‏,‏ وأصحاب القرار فيهم أن يحرصوا علي المشاركة في هذا المؤتمر الإسلامي الدولي مشاركة فعالة‏,‏ يناقشون مشاكلهم ومشكلات دولهم ويتدارسون مسائل التعاون في مختلف أنشطة حياتهم تمهيدا لتحقيق الوحدة الكاملة بينهم ــ ولو علي مراحل متدرجة مدروسة ــ‏.‏
وما أحري علماء الأمة الإسلامية ومفكريها وقادة الرأي من بين أبنائها وإعلامييها أن يحرصوا علي المشاركة في اجتماعات الحج قبل وبعد أداء المناسك‏,‏ لمناقشة أهم القضايا الشرعية والعلمية والإعلامية المختلفة التي تهم الأمة الإسلامية‏,‏ والبشرية جمعاء‏.‏
وما أحري رجال الأعمال المسلمين أن يستغلوا الحج لمزيد من التعارف والتعاون والتكامل فيما بينهم‏,‏ حتى تتوحد الأمة وتترابط في جسد واحد‏,‏ ويبقي الحج بعد ذلك أعظم المؤتمرات الدولية للتعارف بين المسلمين‏,‏ وتبادل الآراء والخبرات‏,‏ والتشاور والتنسيق والتخطيط في مواجهة كل أمورهم ومشاكلهم والتحديات التي تواجههم‏,‏ ومختلف قضاياهم‏,‏ وذلك من أجل تحقيق التكامل الاقتصادي والإداري والإعلامي والسياسي بينهم حتى ينتهي ذلك بوحدة كاملة علي أسس راسخة مدروسة إن شاء الله تعالي وما ذلك علي الله بعزيز‏.‏
وكون ذلك يتم في جو من الروحانية العالية‏,‏ والعبادة الخالصة والقرب من الله ــ تعالي ــ والذكر الدائم لجلاله في أشرف بقاع الأرض‏,‏ وأشرف أيام السنة يجعل من دواعي نجاح مؤتمر الحج السنوي ما لا يمكن توافره لمؤتمر سواه خاصة أن هذه العبادة الجليلة يخالطها شيء من استشعار معية الله ـ تعالي ـ والقرب منه‏,‏ والالتزام بتقواه وخشية معصيته في كل أمر مما يعين علي حسن التعارف والتواصل والتعاون والتنسيق والتكامل علي مستوي الأفراد والمؤسسات والحكومات‏,‏ وعلي ذلك فالحج فريضة تلتقي فيها الدنيا والآخرة‏,‏ كما يلتقي فيها أول النبوة بختامها‏,‏ وتلتقي فيها مسيرة النبوة والرسالة السماوية بل ومسيرة البشرية كلها عبر التاريخ‏.‏
فأصحاب الدعوة إلي الله‏,‏ وزعماء الإصلاح في العالم الإسلامي يجدون في موسم الحج فرصة ذهبية لعرض أفكارهم علي الناس‏,‏ وأصحاب كل من الزراعة والصناعة والتجارة يجدونها فرصة كذلك لعقد الصفقات أو لترويج ما معهم من منتجات تحمل إلي هذا المكان الطيب الطاهر من مختلف بقاع الأرض‏,‏ فتحوله إلي سوق عالمية سنوية في ظل القيام بأداء شعائر الله‏,‏ والعمل علي ترسيخ دينه في الأرض‏,‏ ولذلك قال تعالي‏:‏﴿
لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾   ‏( الحج‏:48).‏
النقطة السابعة‏:‏ خروج الحاج من هذه الرحلة المباركة بعدد من الخصال الحميدة التي منها ما يلي‏:‏
‏1 ‏ ـ الزهد في الدنيا والحرص علي الآخرة‏,‏ وذلك لأن الدنيا مهما طال عمر الإنسان فيها فإن نهايتها الموت‏,‏ وليس معني ذلك إهمال مسئوليات الإنسان في الدنيا‏,‏ لأن الإنسان مطالب بالنجاح فيها‏,‏ ولكن ليس علي حساب الآخرة‏.‏
‏2 ‏ ـ اليقين بأن الحج يطهر الذنوب والآثام‏,‏ انطلاقا
من قول رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏:‏ من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه‏,‏ ولقوله ـ صلي الله عليه وسلم ـ لعمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ حين قدم لمبايعته‏:‏ أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله‏,‏ وأن الهجرة تهدم ما قبلها‏,‏ وأن الحج يهدم ما قبله؟
وانطلاقا من هذا اليقين كان واجبا علي كل من أدي فريضة الحج أن يحرص حرصا شديدا علي عدم الوقوع في معاصي الله‏.‏
‏3‏ ـ الحرص علي أداء العبادات المفروضة في وقتها‏,‏ وعلي الإتيان من النوافل قدر الاستطاعة‏.‏
‏4‏ ـ التمسك بطهارة النفس‏,‏ واستقامة السلوك‏,‏ وعفة اللسان‏,‏ وغض البصر‏,‏ والتحكم في الشهوات والرغبات والأهواء‏,‏ وكظم الغيظ‏,‏ والعفو عن الناس‏,‏ وصدق الحديث‏,‏ ورقة التعامل مع الآخرين‏,‏ والتواضع للخلق‏,‏ وحسن الاستماع والإتباع‏,‏ والاحتشام في الزي والهيئة‏,‏ وإخلاص السرائر‏,‏ واجتناب سوء الظن بالآخرين والتوسط والاعتدال في كل أمر‏,‏ والثبات علي الحق في كل حال‏,‏ والمجاهدة من أجل نصرته‏,‏ وتحمل تكاليف ذلك‏,‏ والحرص علي العمل الصالح‏,‏ والتنافس فيه حتى يكون في سلوك الحاج قدوة حسنة لغيره‏.‏
‏5‏ ـ الحرص علي التزود من العلوم الشرعية‏,‏ والثقافة في الدين‏,‏ والالتزام بما يتعلمه المسلم من كتاب الله ومن سنة رسوله‏,‏ وذلك لأن الإسلام دين لا يبني علي جهالة‏,‏ وإنما يبني علي علم والتزام‏,‏ ومصدر التلقي للمسلم هما كتاب الله وسنة رسوله‏,‏ وعلي كل مسلم أن يجتهد في التعرف علي أوامر الله ـ تعالي ـ ويلزم نفسه وأهله بها‏,‏ وفي التعرف علي نواهيه فيجتنبها ويحاربها‏,‏ فإن انغلق عليه أمر من الأمور فعليه بسؤال أهل الذكر كما قال ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏
﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾‏
(‏ النحل‏:43), (‏ الأنبياء‏:7).‏
6‏ ـ الحرص علي الكسب الحلال‏,‏ وعلي طيب المطعم والمشرب‏,‏ وعلي البعد كل البعد عن الشبهات والمحرمات‏.‏
‏7‏ ـ المواظبة علي الصحبة الطيبة‏,‏ وعلي التزام جماعة المسلمين‏,‏ وعلي الولاء لله‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ مخاطبا خاتم أنبيائه ورسله ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏:‏
﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾      ‏(‏ الكهف‏:28)‏
‏8
‏ ـ الاهتمام بقضايا المسلمين الكبرى‏,‏ ومن أبرزها قضايا الأمية بشقيها‏(‏ أمية القراءة والكتابة وأمية العقيدة‏)‏ وقضايا الحريات‏,‏ وقضايا التخلف العلمي والتقني‏,‏ وقضايا البيئة ومحاربة كل من الفقر والمرض‏,‏ وقضايا تحرير أراضي المسلمين المحتلة من مثل أراضي كل من فلسطين‏,‏ والعراق‏,‏ وأفغانستان‏,‏ وجنوب كل من السودان والفلبين‏,‏ وأراكان‏,‏ وسبتة ومليلية وجزيرة ليلي وغيرها من الجزر المغربية‏.‏
‏9‏ ـ المساهمة الفعالة في الدعوة إلي دين الله بالكلمة الطيبة‏,‏ والحجة الواضحة‏,‏ والمنطق السوي‏.‏
‏10‏ ـ العمل علي جمع كلمة المسلمين في وحدة كاملة ـ ولو علي مراحل متتالية والوحدة الأوروبية أمام أنظارنا أنموذج لذلك‏).‏
وإقبال الحجيج لأداء هذه الشعيرة من مختلف بقاع الأرض شهادة للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق‏,‏ وشهادة للنبي الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة‏.‏ فصل اللهم وسلم وبارك عليه‏,‏ وعلي آله وصحبه‏,‏ ومن تبع هداه‏,‏ ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏