"لُعِنَ الّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيَ إِسْرَائِيلَ عَلَىَ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وّكَانُواْ يَعْتَدُونَ *كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ" ( المائدة: 78 ، 79)


هاتان الآيتان الكريمتان جاءتا في أوائل النصف الثاني من سورة " المائدة"، وهى سورة مدنية، وآياتها مائة وعشرون (120) بعد البسملة وهي من طوال سور القرآن الكريم، ومن أواخرها نزولا، فقد نزلت بعد صلح الحديبية (أي في السنة السادسة من الهجرة). وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى المائدة التي أنزلها الله- تعالى- من السماء كرامة لعبده ورسوله المسيح عيسى ابن مريم (على نبينا وعليه من الله السلام). 
 ويدور المحور الرئيسي للسورة حول التشريع بعدد من الأحكام اللازمة لإقامة الدولة الإسلامية، وتنظيم مجتمعاتها على أساس من الإيمان بالوحدانية المطلقة والحاكمية الكاملة لله- تعالى- فوق جميع خلقه، ومن ثم كان حقه - سبحانه وتعالى - وحده التشريع لعباده. 
هذا، وقد سبق لنا استعراض سورة" المائدة" وما جاء فيها من ركائز العقيدة والإشارات العلمية، ونركز هنا على وقفة الإعجاز التاريخي في الآيتين الكريمتين اللتين اتخذناهما عنوانا لهذا المقال.

من جوانب الإعجاز التاريخي في الآيتين الكريمتين:
من معاني هاتين الآيتين الكريمتين أن الذين كفروا من بني إسرائيل هم الذين خرجوا عن هداية الله وشرعه. فحرفوا التوراة، وابتدعوا في الدين، وقاتلوا أنبياءهم وقتلوهم، وملأوا تاريخهم بالكفر، والشرك، والمعاصي، وبالتآمر على غيرهم من الأمم فاستحقوا لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
وكان من الأنبياء الذين لعنوا الكافرين من بني إسرائيل بعد كفرهم برسالة موسى - عليه السلام - كل من داود وعيسى ابن مريم- على نبينا وعليهما السلام فدعوا الله- تعالى- عليهم، واستجاب الله لدعاء أنبيائه فكتب اللعنة والغضب والسخط على بنى إسرائيل إلى يوم الدين، وطردهم من رحمته لكثرة جرائمهم عبر التاريخ، ولمعاصيهم لأوامر الله، وتآمرهم على عباده، ذلك التآمر الخبيث الذي أصبح طابعا عاما لهذه الجماعة الفاسقة من الناس، ولذلك قال عنهم الله تعالى- في نفس السورة:] قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطّاغُوتَ أُوْلَـَئِكَ شَرّ مّكَاناً وَأَضَلّ عَن سَوَآءِ السّبِيلِ[ (المائدة: 60).
وأصبح التعبير القرآني: "بنى إسرائيل" تعبيرا غير عرقى، لأن القرآن الكريم يؤكد وحدة الجنس البشرى، ولكن هذا التعبير أصبح وصفاً لجماعة من الناس تربت على الأنانية المفرطة، والجشع بلا حدود، والإجرام المتناهى انطلاقا من الاعتقاد الخاطىء بأنهم شعب الله المختار، وأبناؤه وأحباؤه، وأن غيرهم من الخلق عبارة عن حيوانات خلقت في هيئة البشر حتى يكونوا لائقين بخدمة اليهود، ومن هنا كان قتل هؤلاء الأغيار، واستباحة دمائهم وأعراضهم وأراضيهم وممتلكاتهم حقا خالصا لليهود، لأن الرب هو رب إسرائيل والإسرائيليين وحدهم، وأن الأمميين الأغيار لا رب لهم.وانطلاقا من هذا الوهم الكاذب تفنن اليهود في التعصب ضد كل من هو غير يهودي، وبالغوا في الحقد عليه؛ والتآمر ضده، والإفساد في الأرض بغير الحق. وقد أفاض القرآن الكريم في وصف ملامح الشخصية اليهودية، وانحرافاتها النفسية بين تكبرها الكاذب، وغطرستها المصطنعة إذا تمكنت من غيرها، وذلها المنكسر إذا أمكن التحكم فيها، وبين وحشيتها وهمجيتها وغدرها إذا كانت لها الغلبة على غيرها، وبكائها وعويلها إذا كانت الغلبة عليها؛ وبين تبجحها بالأفضلية على غيرها من الأمم، وتفننها في نقض العهود والمواثيق مع الله تعالى- ومع العباد الذين تعتبر الغدر بهم مما يقربها إلى الله زلفى...!! وبين تظاهرها بالتدين وحرصها على إشاعة الفواحش - ما ظهر منها وما بطن - بين الناس، وعلى هدم كل فضيلة وكل قيمة أخلاقية عليا في المجتمعات الإنسانية، ومن أجل ذلك حرف كفار بني إسرائيل التوراة وزوروها، وقاتلوا أنبياء الله وقتلوهم، وأوقدوا نيران الفتن والحروب في كل مكان على سطح الأرض، واستباحوا كل حرمات الأغيار ولذلك قال الله- تعالى- فيهم:
] لُعِنَ الّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيَ إِسْرَائِيلَ عَلَىَ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وّكَانُواْ يَعْتَدُونَ*كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ  [ ( المائدة: 78 ، 79).
 وقال عز من قائل: ] وَقَضَيْنَآ إِلَىَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنّ فِي الأرْضِ مَرّتَيْنِ وَلَتَعْلُنّ عُلُوّاً كَبِيراً  [ (الإسراء: 4).
 وتستمر الآيات في وصف إفساد هؤلاء الشياطين حتى تقول لهم: ] ... وَإِنْ عُدتّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً  [ (الإسراء : 8).
وكان من صور إفساد اليهود في أرضنا العربية تآمرهم من أجل الاستيلاء على أرض فلسطين بدءا من سنة 1649م حين خدعوا البريطانيين بإقامة "حركة صهيونية / صليبية" تعمل على عودة شتات اليهود في مختلف بلاد العالم إلى أرض فلسطين، ومن أجل ذلك خططوا لإنهاك دولة الخلافة العثمانية في سلسلة طويلة من الحروب على عدة جبهات حتى تم إسقاطها في سنة 1924م بمؤامرة خسيسة حاكتها جماعة يهود الدونمة ( المتحولون ظاهريا إلى الإسلام ( بزعامة مصطفى كمال أتاتورك، وقسموا تركة دولة الخلافة إلى أكثر من 57 دولة ودويلة، بعد أن تآمروا من أجل احتلال هذه الدول والدويلات بواسطة الدول الغربية والشرقية على حد سواء.
وفي سنة 1799م بدأت الحركة الصهيونية/ الصليبية في دعوة يهود العالم إلى هجرة سرية منظمة إلى الأراضي الفلسطينية حتى تمكنوا بعد خمس وخمسين سنة أي في سنة 1854م من امتلاك أول قطعة أرض في فلسطين تحت عدد من الضغوط الدولية.
 وفي سنة 1860م تمكن عدد من اليهود الفرنسيين من إنشاء ما اسموه باسم "الاتحاد الإسرائيلي العالمي" في باريس. ومن خلال القوات المحتلة للمنطقة العربية بدأ هذا الاتحاد في تنظيم الهجرة السرية لليهود إلى الأراضي الفلسطينية.
    في سنة 1895م أصدر اليهودى النمساوى تيودور هيرتزل كتابا بعنوان "دولة اليهود"، وبعد عامين تم عقد المؤتمر الصهيوني العالمي الأول في سنة 1897م، وتلته عدة مؤتمرات للصهاينة حتى اليوم، يتآمرون فيها على المسلمين أولا، وعلى أهل الأرض جميعا في المرتبة الثانية.
 ومن خلال مؤامراتهم الدنيئة أشعل الصهاينة الحربين العالميتين الأولى والثانية واللتين راح ضحيتهما قرابة السبعين مليون نسمة من القتلى وعشرات بل مئات الملايين من الجرحى والمقعدين والأرامل والأيتام، بالإضافة إلى خراب ودمار شاملين في العديد من دول العالم، وخسائر مادية قدرت بآلاف الملايين من الدولارات.
وفي أعقاب هذا الدمار سعت المؤامرات الصهيونية العالمية إلى إصدار الحكومة البريطانية "وعد بلفور" المشئوم في سنة 1917م، الذي يعطى لليهود حقا في أرض فلسطين دون أدنى مسوغ ديني أو عرقي أو قانوني أو تاريخي، مخالفين بذلك كل الشرائع الدولية، وفي نفس السنة قامت الحركة الصهيونية العالمية بالثورة الشيوعية في روسيا التي كان ظاهرها محاربة الأديان بصفة عامة، وكان باطنها محاربة دين الإسلام.
وتحت مظلة الانتداب البريطاني الذي فرض على أرض فلسطين في سنة 1917م تم تمكين اليهود من مساحات من أرضها بالتدريج، وتم تدريبهم عسكريا وتزويدهم بالأموال والأسلحة والعتاد الذي استخدموه في العديد من المذابح البشعة للفلسطينيين من أجل طردهم بالقوة من أراضيهم بمعاونة القوات البريطانية المحتلة مذابح يافا، حيفا ، عكا،الخليل، قبية، نحالين، القدس، قلقيلية، صفد، رام الله، الحولة، الخليل، الناصرة، نابلس، وادى الأردن، صور، باهر، دير ياسين،القسطل، ناصر الدين، طبريا ، بيسان ، خان يونس، غزة، كفر قاسم، الدوايمة،اللد والرملة،البريج، السموع، وغيرها،وفي كل هذه المذابح تعمد الصهاينة قتل آلاف من النساء والأطفال والشيوخ والشبان في وحشية بالغة، ودمروا، كل ما وصلت أيديهم إليه من أجل إفزاع الباقين واضطرارهم إلى ترك بلادهم وممتلكاتهم والهجرة إلى خارج أراضيهم.
في 1948/5/15م أعلنت الحكومة البريطانية رسميا انتهاء انتدابها على فلسطين بعد أن سلمتها لقمة سائغة للصهاينة الغرباء، الذين كانت قد مكنتهم من كل الأسلحة والثكنات العسكرية، والإدارات الحكومية والمواني والمنائر والأموال وغيرها، وعلى إثر ذلك أعلن الصهاينة قيام دولتهم الغريبة فور مغادرة المندوب السامي البريطاني لميناء حيفا، وبقيت بعض القوات البريطانية في المناطق العربية من أجل حماية الصهاينة.وفرضت بعد ذلك هدنتان خرقتهما العصابات الصهيونية. وبمؤامرة دولية أخرى، تم قبول هذا الكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين عضواً في الأمم المتحدة بتاريخ1949/5/11م.
 وفي1950/3/20م أصدر الكنيست قراره الجائر بالاستيلاء على جميع ممتلكات النازحين الفلسطينيين من الأراضي الزراعية وشمل ذلك كل المساكن والأثاث والمواشي وغيرها حتى تم الاستيلاء على أكثر من77% من أراضى فلسطين بالقوة القهرية.
 وبعد ذلك بشهور صدر قانون العودة في 5/7/1950م. الذى يمنح كل يهود العالم الحق في الهجرة إلى فلسطين والاستيلاء على أملاك أهل الأرض الأصليين والحصول على الجنسية الإسرائيلية.
وتوالت بعد ذلك جرائم الصهاينة المجرمين من مذابح بالجملة للمدنيين، وعمليات التهجير القسرى لمن بقى منهم، إلى إسقاط الطائرات المدنية، والاعتقالات العشوائية للرجال والنساء والأطفال، والتعذيب الوحشى في تلك المعتقلات والسجون، إلى الإبعاد عن أراضى الوطن، إلى استخدام المعتقلين كحيوانات تجارب، واستخدام أجساد الشهداء كقطع غيار آدمية،إلى آلاف الاعتداءات على المدن العربية في كل من مصر، والأردن، وسوريا، ولبنان، والعراق. وقد اتسعت سلسلة المذابح البشرية التي قامت بها العصابات الصهيونية لتشمل فيما تشمل كلاً من إربد، السلط، السويس، المنصورة، بحر البقر، قانا الأولى والثانية، بيروت، قرى الجنوب اللبنانى، دمشق، غزة الأولى والثانية، صبرا وشاتيلا، تل الزعتر، عين الحلوة، البرج،الرشيدية، البارد، البداوى، وغيرها؛ هذا بالإضافة إلى القمع الوحشى لانتفاضتى الأقصى الأولى والثانية، وإلى الغارة المدمرة على لبنان سنة 2006م والهجمة الوحشية الحالية على قطاع غزة، بعد حصار دام لأكثر من ثلاث سنوات بهدف قتل مليون ونصف المليون من المسلمين جوعا.
وتخلل هذه المذابح البشرية سلسلة من الحروب الإجرامية الطاحنة التي استخدمت فيها أقذر الوسائل الحربية من قتل للأسرى أحياء تحت جنازير الدبابات الإسرائيلية، واستخدام الأسلحة المحرمة دوليا، وضرب المدارس والمعاهد والجامعات، والمساجد والكنائس وغيرهما من أماكن العبادات، وتجريف الأراضى الزراعية،وقطع الأشجار المثمرة، وتسميم مياه الشرب، وضرب المفاعل النووى العراقى ، وما اشتبه في أنه مفاعل في شمال سوريا، وغير ذلك من الجرائم المحرمة في جميع المواثيق الدولية.
هذا بالإضافة إلى إشعال أكثر من خمسة عشر حرباً مدمرة على أهل المنطقة كانت منها حروب1948م، 1956م، 1967م، 1968م، 1972م، 1973م، 1978م، 1979م، 1981م، 1982م، 1984م، 1988م، 1989م، 2006م، 2008م التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من القتلى والجرحى والمقعدين والأرامل والأيتام والمكلومين، بالإضافة إلى الدمار والخراب والخسائر المادية التي تقدر بمئات الملايين من الدولارات.
وفي هذه الحرب الوحشية الأخيرة والتى لا تزال رحاها دائرة على أهل قطاع غزة إلى اليوم سقط فيها أكثر من ثمانمائة شهيد وأكثر من أربعة آلاف جريح، معظمهم من النساء والأطفال والشيوخ، وبعضهم من الطواقم الطبية. وضربت الطائرات والصواريخ الأرضية والبحرية كل شىء في القطاع بوحشية منقطعة النظير، وتشف لسفك الدماء لا يرضى به إلا الشياطين، ورغبة في الانتقام من أمة عزلاء فرض عليها الحصار الجائر لتموت جوعا أو تسلم إذعاناً بحق هؤلاء الغرباء في أراضيهم، ولما لم يستسلموا لقسوة الحصار؛ قرروا قتلهم جميعا بالقصف الجوى والبرى والبحرى الجائر والذى يفوق في وحشيته وعنصريته وعنفه كل حدود الوصف، ولذلك يستحق اللعن من الله والملائكة والناس أجمعين، ولذلك قال تعالى فيهم:
] لُعِنَ الّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيَ إِسْرَائِيلَ عَلَىَ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وّكَانُواْ يَعْتَدُونَ*كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [ ( المائدة: 78 ، 79).

وهنا تتضح ومضة الإعجاز التاريخي في الآيتين الكريمتين اللتين اتخذناهما عنوانا لهذا المقال، كما يتضح أمر الله بضرورة مجاهدة هؤلاء الشياطين حتى تتطهر الأرض من دنسهم وشرورهم وأحقادهم، لأن هذه النفسية الكافرة بالله، المتغطرسة على الخلق بالكذب، والمستعلية عليهم بالباطل، المتجبرة بقوة الولايات المتحدة الأمريكية، الكارهة للخلق، والمتآمرة عليه، لا يمكن أن يتحقق معها سلام، أو تبادل للعلاقات الدبلوماسية، أو الاقتصادية، أو الثقافية، أو بأى شكل آخر، ومن هنا كان هذا التحذير الإلهى الذى جاء في هاتين الآيتين الكريمتين وفي العديد غيرهما من آيات القرآن الكريم من أوضح آيات الإعجاز التاريخي والإنبائي في كتاب الله، والله يقول الحق، ويهدى إلى سواء السبيل، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.