﴿ وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في أواخر الربع الأول من سورة العنكبوت‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها تسع وستون‏(69)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود التشبيه فيها للجوء المشركين إلي أولياء من دون الله بلجوء العنكبوت إلي بيته‏,‏ وهو أهون البيوت علي الإطلاق من الناحيتين المادية والمعنوية‏.‏ وهذا هو المقام الوحيد الذي جاء فيه ذكر للعنكبوت في كتاب الله‏.‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة العنكبوت حول قضية الإيمان بالله‏,‏ وتكاليف ذلك الإيمان‏,‏ مما قد يتعرض له المؤمنون بسبب تمسكهم بدين الله‏,‏ ودعوتهم إليه‏,‏ وهو نتيجة حتمية للصراع بين الباطل وأهله ـ من جهة ـ والحق وجنده ـ من جهة أخري ـ وهي من سنن الوجود في حياتنا الدنيا‏.‏
هذا‏,‏ وقد سبق لنا استعراض سورة العنكبوت وما جاء فيها من ركائز العقيدة‏,‏ والقصص‏,‏ والإشارات الكونية‏,‏ ونركز هنا علي أحد المواقف المهمة في سيرة عبدالله ونبيه إبراهيم ـ علي نبينا وعليه من الله السلام ـ والذي عرضته سورة العنكبوت بقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏
﴿ وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ البَلاغُ المُبِينُ ﴾ ‏(‏العنكبوت‏16‏ ـ‏18).‏


أولا ـ من أوجه الإعجاز التاريخي في النص الكريم‏:‏
عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ قال‏:‏
"كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم علي شريعة الحق" ‏(‏ أخرجه الحاكم في المستدرك‏).‏
وعنه كذلك أنه قال‏:‏
"إن رجالا صالحين من قوم نوح هلكوا فوسوس الشيطان إلي قومهم أن انصبوا إلي مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا‏,‏ فلم تعبد‏,‏ حتي إذا هلك أولئك‏,‏ وتنسخ العلم عبدت‏"(‏ صحيح البخاري‏).‏
وكانت هذه أول وثنية في تاريخ البشرية‏,‏ فبعث الله ـ تعالي ـ عبده ونبيه نوحا ـ عليه السلام ـ يدعو قومه إلي توحيد الله ـ سبحانه وتعالي ـ بجعل العبادة له وحده لأنه ليس لهم من إله غيره‏,‏ فما آمن معه إلا القليل‏,‏ وعلي الرغم من ذلك استمر نوح في دعوة قومه ألف سنة إلا خمسين عاما‏,‏ فما زادتهم دعوته لهم إلا إصرارا علي رفض دعوته وإيذائه‏,‏ واتهامه بالجنون‏,‏ وتهديده بالزجر والوعيد‏,‏ فلما يئس من هدايتهم دعا نوح ربه أن يهلك قومه المشركين‏,‏ فأمره الله ـ تعالي ـ أن يعد سفينة لنجاته ونجاة من آمن معه‏,‏ لأن الله ـ تعالي ـ أخبره بأنه سوف يغرق هؤلاء المجرمين لطوفان عظيم‏,‏ وأن علامة بداية ذلك الطوفان هي ثورة بركان معروف في ديار قوم نوح‏,‏ وثار البركان وتفجرت الأرض بعيون الماء‏,‏ وهطلت السماء بأمطار غزيرة جدا‏,‏ وجاء الطوفان ليغرق مشركي قوم نوح ونجي الله ـ تعالي ـ نوحا والذين آمنوا معه فعمروا الأرض علي التوحيد الخالص لله ـ تعالي ـ‏.‏
ثم جاء الشيطان ليختال ذراريهم فأشركوا بالله‏,‏ وعبدوا الأصنام والأوثان وغير ذلك مما سولته لهم أنفسهم‏,‏ فأرسل الله ـ تعالي شأنه ـ عددا من الأنبياء لهداية هؤلاء الضالين‏,‏ وكان ممن وصلنا خبره من هؤلاء الأنبياء كل من هود ـ عليه السلام ـ الذي أرسله ربنا ـ تبارك وتعالي ـ إلي قوم عاد‏,‏ وصالح ـ عليه السلام ـ الذي أرسل إلي قوم ثمود‏,‏ وظلت البشرية تنتقل من التوحيد لله إلي عبادة الأصنام والأوثان والنجوم والكوكب‏,‏ فبعث الله ـ سبحانه وتعالي ـ نبيه وخليله إبراهيم ـ عليه السلام ـ يدعو قومه الضالين إلي عبادة الله ـ تعالي ـ وحده‏,‏ فعاداه قومه وحاربوه حتى هجرهم إلي أرض فلسطين‏.‏
وتأتي هذه الآيات في سورة العنكبوت مؤكدة تلك الوقائع التاريخية بقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ علي لسان إبراهيم لقومه‏:‏
﴿ وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ البَلاغُ المُبِينُ ﴾ (‏ العنكبوت‏18).‏
وجاءت هذه الآية الكريمة بعد آيتين كريمتين أخريين‏,‏ نصح فيهما إبراهيم ـ عليه السلام ـقومه بعبادة الله ـ تعالي ـ وحده وتقواه‏,‏ والشكر له‏,‏ مستنكرا إفك عبادة الأصنام‏,‏ ومؤكدا أن الرزق من الله ـ سبحانه وتعالي ـ وحده‏,‏ وأن الخلق جميعا راجعون إلي بارئهم‏.‏ وجاءت هذه الآيات الثلاث بعد ذكر قصة نوح ـ عليه السلام ـ مع قومه إلي لحظة إغراقهم بالطوفان ونجاة نوح ومن كان معه‏,‏ ومن هنا فإن الإشارة إلي تكذيب الأمم من قبل قوم نبي الله إبراهيم هو من جوانب الإعجاز التاريخي في كتاب الله‏.‏

ثانياـ من جوانب الإعجاز الاعتقادي في النص الكريم‏:‏
‏(1)‏ التأكيد أن عبادة الله ـ تعالي ـ وتقواه خير من عبادة الأصنام والأوثان والنجوم والكواكب أو عبادة الأوهام أو الشيطان أو عبادة الشهوات أو الذات أو نفر من الناس أو غير ذلك من صور الشرك بالله ـ تعالي ـ والمنطق السوي يؤكد ذلك ويدعمه‏,‏ ولذلك جاء في النص الكريم علي لسان النبي الصالح إبراهيم مخاطبا قومه بقول ربنا ـ تبارك وتعالي: ﴿...اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (‏ العنكبوت‏16).‏
(2)‏ الجزم بأن عبادة غير الله ـ تعالي ـ من مثل عبادة الأوثان هي من الإفك‏,‏ والإفك في اللغة هو كل مصروف عن الحق إلي الباطل في مجال الاعتقاد‏,‏ من الصدق إلي الكذب في القول‏,‏ ومن الجميل في الفعل إلي القبيح‏,‏ ولذلك قال ـ تعالي ـ علي لسان نبيه إبراهيم مخاطبا المشركين من قومه قائلا لهم‏:‏
﴿ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً... ﴾ ‏ (‏ العنكبوت‏17).‏
(3)‏ التقرير الصحيح بأن الأصنام والأوثان والنجوم والكواكب وكل ما عبد من دون الله غير ذلك لا يملكون رزقا لأحد‏,‏ ومن هنا كان من السفه عبادتهم‏,‏ والشرك في عبادة الله الواحد القهار‏,‏ ولذلك جاء قول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ علي لسان إبراهيم ـ عليه السلام ـ مخاطبا قومه قائلا لهم‏:‏
﴿...إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً... ﴾ ‏(‏ العنكبوت‏17).‏
(4)‏ الأمر بابتغاء الرزق من الله ـ تعالي ـ وحده‏,‏ وبعبادته وشكره علي عظـيم نعمه‏,‏ وجاء ذلك في توجيهات إبراهيم ـ عليه السلام ـ لقومه التي يوردها القرآن علي لسانه بقول ربنا ـ تبارك وتعالي-:
﴿...فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ... ﴾(‏ العنكبوت‏17).‏
(5)‏ تأكيد حتمية الرجوع إلي الله ـ تعالي ـ‏,‏ وموت جميع المخلوقات من مختلف صور المادة والطاقة‏,‏ إلي جميع الأحياء ومنهم الإنسان خير شاهد علي ذلك‏,‏ ومن هنا جاء تحذير إبراهيم ـ عليه السلام ـ لقومه بضرورة الاستعداد لتلك الرجعة إلي خالقهم للحساب والجزاء قائلا ومؤكدا لهم بقول ربنا ـ تبارك وتعالي:
﴿...إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ‏(‏ العنكبوت‏17).‏
(6)‏ تقرير حقيقة أن الإنسان فيه ميل إلي تكذيب الحق‏,‏ والخروج عليه‏,‏ ومسيرة الإنسان عبر التاريخ تؤكد ذلك وتدعمه‏,‏ ولذلك قال ربنا ـ تبارك وتعالي ـ علي لسان عبده ونبيه إبراهيم ـ عليه السلام ـ مخاطبا قومه مؤكدا هذا الواقع لهم بقوله‏:‏
﴿ وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ... ﴾‏(‏العنكبوت‏18).‏
(7)‏ تأكيد حرية الإنسان في اختيار الدين الذي يدين به نفسه لخالقه‏,‏ لأن علي أساس من هذا الاختيار سيكون خلوده في الآخرة إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏,‏ وجاء هذا التقرير علي لسان إبراهيم لقومه بقول ربنا ـ تبارك وتعالي‏:‏
﴿... وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ البَلاغُ المُبِينُ ﴾‏(‏ العنكبوت‏18).‏
ثالثا ـ من أوجه الإعجاز العلمي في النص الكريم‏:‏
‏(1)‏ تأكيد أن عبادة الله وتقواه خير‏,‏ والعلوم المكتسبة تشير إلي ضرورة وجود مرجعية للكون في خارجه‏,‏ وهذه المرجعية لابد أن تكون مغايرة للكون ومكوناته مغايرة كاملة‏,‏ فلا يحدها أي من حدود المكان والزمان‏,‏ ولا يشكلها أي من صور المادة والطاقة‏.‏ وهذه المرجعية هي واحدة لوحدة البناء في الكون‏,‏ وعبادتها والتزام أوامرها خير من أية عبادة أخري‏.‏
(2)‏ تأكيد قيمة العلم وعلي أن كثيرا من الناس لا يعلمون فضل الإيمان بالله برغم وضوح ذلك‏,‏ وبرغم العدد الهائل من الأنبياء والمرسلين الذين أرسلهم الله ـ تعالي ـ لهداية الناس‏,‏ وبرغم ما أودعه ـ سبحانه وتعالي ـ في الجبلة الإنسانية من إيمان فطري‏,‏ وما علم أبانا آدم من علم‏,‏ ولذلك جاء علي لسان إبراهيم ـ عليه السلام ـ لقومه قوله لهم‏:‏
﴿...ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏ العنكبوت‏16).
(3)‏ تقرير كرامة الإنسان بالتأكيد علي أن عبادته لغير الله ـ تعالي ـ هي انحطاط بإنسانيته‏,‏ وهدر لكرامته التي كرمه بها الله‏.‏
(4)‏ القرار المنطقي بأن كل معبود غير الخالق ـ سبحانه وتعالي ـ لا يملك من أمره شيئا‏,‏ ولا يملك نفعا ولا ضرا‏,‏ ولا يملك من أمر الرزق شيئا ولذلك جاء علي لسان إبراهيم لقومه ما نصه‏:‏
﴿...إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً... ﴾ (‏ العنكبوت‏17).‏
(5)‏ تأكيد أن الرزق من الله الخالق البارئ المصور‏,‏ والعلوم المكتسبة تشير إلي تخلق كل ما يحتاجه أهل الأرض في السماء‏,‏ ومن ذلك مركبات الغلاف الغازي للأرض‏,‏ وإنزال الماء الطهور من المزن‏,‏ وخلق كل ما تحتاج إليه الحياة الأرضية من عناصر في داخل النجوم‏,‏ وفي صفحة السماء‏,‏ ولا يملك ذلك كله أحد غير الله‏,‏ ولذلك جاءت نصيحة إبراهيم لقومه بقوله‏:‏
﴿...فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ... ﴾ (‏ العنكبوت‏17)‏.
(6)‏ الإشارة إلي وجوب عبادة الله ـ تعالي ـ وحده وإلي ضرورة الشكر له علي نعمة الخلق والصون والرزق‏,‏ ولذلك جاء علي لسان إبراهيم ـ عليه السلام ـ نصيحته لقومه بذلك قائلا لهم‏:
﴿...وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ... ﴾.
(7)‏ تأكيد حتمية الرجوع إلي الله ـ سبحانه وتعالي ـ بالبعث بعد الموت‏,‏ والحشر‏,‏ والحساب والجزاء‏,‏ ثم الخلود إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏,‏ وهذه كلها من الأمور الغيبية غيبة مطلقة‏,‏ ولا سبيل للإنسان في الوصول إليها إلا عن طريق وحي السماء‏,‏ وإن كانت العلوم المكتسبة قد بدأت في التوصل إلي إمكانية البعث عن طريق الكشف عن عجب الذنب ـ
(The Primary Streak)‏ الذي سبق حديث رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ عنه بأكثر من ألف وأربعمائة سنة‏.‏
فالحمد لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير الأنام ـ صلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين ـ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏