﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ ﴾‏(‏ الأنعام‏:75)


 

هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في خواتيم النصف الأول من سورة الأنعام‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها مائة وخمس وستون‏165‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلي الأنعام في أكثر من موضع‏,‏ ومن خصائصها أنها أنزلت كاملة دفعة واحدة‏,‏ وأنها خامس أطول سور القرآن الكريم‏.‏ ويدور المحور الرئيسي للسورة حول عدد من العقائد والتشريعات الإسلامية‏.‏
هذا‏,‏ وقد سبق لنا استعراض سورة الأنعام‏,‏ وما جاء فيها من ركائز العقيدة‏,‏ والتشريع‏,‏ وما تخللها من قصص وإشارات كونية‏,‏ ونركز هنا علي وجهي الإعجاز العلمي والتاريخي في الآية الكريمة التي اتخذناها عنوانا لهذا المقال‏.‏

أولا‏:‏ من أوجه الإعجاز العلمي في الآية الكريمة‏:‏
توجه هذه الآية الكريمة أنظار قارئيها إلي حقيقة أن الكون الذي نحيا في جزء ضئيل منه هو كون شاسع الاتساع‏,‏ دقيق البناء‏,‏ منضبط الحركات‏,‏ محكم إحكاما مبهرا في كل جزئية من جزئياته‏,‏ وفي كل أمر من أموره‏.‏ وكون هذه صفاته لا يمكن أن يكون قد أوجد ذاته بنفسه‏,‏ ولا يمكن أن يكون نتاج العشوائية أو الصدفة‏,‏ بل لابد له من موحد عظيم له من صفات الألوهية والربوبية والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ ومن طلاقة القدرة‏,‏ وشمول العلم‏,‏ وتمام الحكمة ما يتجلي في كل صغيرة وكبيرة من أجزاء هذا الكون‏.‏
فكوننا مبني من نفس اللبنات وعلي نفس النظام‏:‏ من الذرة إلي المجموعة الشمسية إلي المجرة‏,‏ وإلي الكون كله مما يشهد لخالقه بالوحدانية المطلقة بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏.‏
وكل شيء في هذا الكون مبني في زوجية واضحة من اللبنات الأولية للمادة إلي الإنسان حتى يشهد لخالقه ـ تعالي ـ بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه بغير شريك‏,‏ ولا
شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة ولا ولد‏.‏
فهناك المادة وضدها
(‏(Matterand Antimatter‏ وهناك الطاقة الموجبة والسالبة علي مختلف أشكالها((Positive and negativeenergyوهناك الذكر والأنثى في جميع المخلوقات من النبات والحيوان والإنسان‏.‏
وهذه الزوجية السائدة في جميع المخلوقات تشهد لخالقها بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ كما تشهد لجلاله بالتنزيه الكامل عن جميع صفات خلقه‏,‏ لأنه ـ سبحانه وتعالي ـ هو خالق الكون كله فلابد وأن يكون فوق الكون بجميع مكوناته‏,‏ وهو ـ تعالي ـ خالق كل من المكان والزمان فلا يحده أي منهما‏,‏ لأن المخلوق لا يحد خالقه أبدا‏,‏ وهو ـ جل جلاله ـ فوق كل من المادة والطاقة لأنه هو مبدعهما‏,‏ والمخلوق لا يشكل خالقه أبدا‏.‏
وعلماء الفلك المعاصرون يقررون بأن كوننا الشاسع الاتساع‏,‏ الدقيق البناء‏,‏ المنضبط الحركات‏,‏ المحكم في الجزئيات والكليات‏,‏ لابد له من مرجعية في خارجه‏
(AREFERENCEPOINT),‏ وهذه المرجعية العليا لابد وأن تكون مغايرة للكون بكل ما فيه ومن فيه مغايرة كاملة‏,‏ فلا يحدها أي من أبعاد المكان أو الزمان‏,‏ ولا يشكلها أي من صور المادة أو الطاقة‏,‏ وكأنهم ينطقون بالحق الذي أنزله ربنا ـ تبارك وتعالي ـ عن ذاته العلية بقوله العزيز‏: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ ( الشوري‏:11).‏
من هنا فإن في قول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏
﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ ‏(‏ الأنعام‏:75)‏.

يتضح لنا وجه من أوجه الإعجاز العلمي في كتاب الله يتلخص في ضرورة تعرف الإنسان علي الكون حتى يري فيه جانبا من جوانب عظمة خالقه‏,‏ ووجها من أوجه القدرة الإلهية المبدعة في الخلق‏,‏ ويري فيه ضآلة وجود الإنسان أمام هذا الكون المتناهي في اتساعه‏,‏ الدائب في حركته‏,‏ والمنطلق في جريه إلي نهاية لا يعلمها إلا مبدع الكون وخالق الكائنات‏.‏
كذلك يري الإنسان في الكون حاجة كل الكائنات‏,‏ وحاجة الكون كله إلي رعاية خالقه في كل لحظة من لحظات وجوده‏,‏ وفي كل آن من آناء عمره‏.‏
ويري الإنسان في استقرار قوانين الكون‏,‏ وسيلة من وسائل تعرفه عليها‏,‏ وهي من سنن الله الحاكمة لكل كائن‏,‏ ومن ثم الانطلاق بتوظيف تلك السنن في القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض بعمارتها‏,‏ وإقامة شرع الله فيها‏,‏ ولذلك نجد القرآن الكريم في عشرات من آياته يحض الناس حضا علي إمعان النظر في الكون‏,‏ ودراسته‏,‏ والتفكير في بديع صنعه بأسلوب علمي منهجي سليم‏,‏ والتأكيد علي أن ذلك من أيسر وسائل تعرف الإنسان علي خالقه‏,‏ وإدراك جانب من جوانب طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في كل أمر من أمور الكون والكائنات فيه‏,‏ فيسجد الإنسان للخالق البارئ المصور سجود العارف بربه‏,‏ ويؤمن به إيمان من يراه في بديع صنعه في خلقه‏,‏ وهذا الإيمان الفطري الذي مر به نبي الله إبراهيم ـ عليه السلام ـ من خلال تأمله في الكون من قبل أن يأتيه وحي السماء هو رسالة هذه الآية القرآنية الكريمة لكل قارئ أو سامع لها‏,‏ وذلك لأن الإنسان في الإسلام مخلوق مكرم‏,‏ خلقه الله ـ تعالي ـ بقدرته‏,‏ ونفخ فيه من روحه‏,‏ وعلمه من علمه‏,‏ وفضله علي كثير من خلقه‏,‏ لأن الإنسان هو المخلوق المتميز بالعقل‏,‏ وبالقدرة علي التفكير والبيان‏,‏ وعلي اكتساب المعارف والمهارات وتعل
يمها لغيره‏,‏ ومن ثم فهو المخلوق العاقل‏,‏ المكلف‏,‏ المسئول عن جميع تصرفاته‏,‏ ومن قبيل الشكر علي هذه النعم استخدامها في التعرف علي خالقه من خلال تأمل بديع صنع هذا الخالق العظيم في خلقه‏.‏
ويؤكد القرآن الكريم ضرورة التعرف علي الكون من أجل التعرف علي حتمية وجود خالق عظيم‏,‏ عليم‏,‏ حكيم له من صفات الكمال‏,‏ والجمال‏,‏ والجلال‏,‏ ما أضفي من بديع خلقه ومن هنا كان الدرس الذي يجب أن يستقي من تعرف نبي الله إبراهيم ـ عليه السلام ـ علي ربه من خلال تأمله في الكون‏,‏ من قبل أن يأتيه الوحي‏,‏ وفي ذلك يقول الحق ـ تبارك وتعالي ـ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين‏,‏ فلما جن عليه الليل رأي كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين‏,‏ فلما رأي القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين‏,‏ فلما رأي الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال ياقوم إني بريء مما تشركون‏,‏ إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين‏,‏ وحاجه قومه قال اتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون‏,‏ وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله مالم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون‏,‏ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم‏..‏ وهذا هو الدرس المستفاد من أحد المواقف
المهمة في سيرة نبي الله إبراهيم ـ عليه السلام ـ والذي لم يرد له ذكر في كتب الأولين علي أهميته‏.‏

ثانيا‏:‏ من أوجه الإعجاز التاريخي في الآية الكريمة‏:‏
عاش نبي الله إبراهيم ـ عليه السلام ـ في حدود الألفية الثانية قبل الميلاد‏1861‏ ـ‏1686‏ ق‏.‏م وبعث خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ في حدود سنة‏610‏ م‏,‏ أي أن بين هذين النبيين الصالحين أكثر من ألفي عام‏,‏ وعلي الرغم من ذلك فقد سجل القرآن الكريم أكثر من عشرين موقفا بارزا في حياة نبي الله إبراهيم ـ عليه السلام‏,‏ ولم يكن العرب في زمن الجاهلية أهل علم وتوثيق وتدوين‏,‏ علي الرغم من وجود آثار عديدة لنبي الله إبراهيم وابنه النبي إسماعيل ـ عليهما السلام ـ في الحرم المكي‏,‏ ومن هنا فإن إيراد القرآن الكريم للعديد من الأحداث والمواقف الكبرى في حياة نبي الله إبراهيم ـ عليه السلام ـ ومنها تأمله في ملكوت السماوات والأرض‏,‏ وحواره مع كل من أبيه وقومه‏,‏ وتحطيمه للأصنام‏,‏ ومحاولة حرقه في النار ونجاته منها بإذن الله‏,‏ ومحاورته للنمرود‏,‏ والأمر بذبح ابنه إسماعيل وفداء الله ـ تعالي ـ له بذبح سمين‏,‏ مما يعتبر جانبا من جوانب الإعجاز التاريخي في القرآن الكريم يشهد لهذا الكتاب العزيز بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه علي ذات علية‏,‏ في نفس لغة وحيه اللغة العربية‏,‏ وتعهد بهذا الحفظ تعهدا مطلقا حتى يبقي القرآن الكريم شاهدا علي الخلق أجمعين إلي يوم الدين‏,‏ وحجة الله البالغة علي جميع خلقه‏,‏ التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها‏.‏

فالحمد لله علي نعمة الإسلام والحمد الله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير الأنام‏..‏ صلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏