﴿ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هاَرُونَ وَمُوسَى﴾ ‏[‏ طه‏:70]‏


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في بدايات النصف الثاني من سورة طه‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها مائة وخمس وثلاثون‏(135)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم تكريما لخاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ لأن طه اسم من أسمائه الشريفة بدليل توجيه الخطاب إليه مباشرة بعد هذا النداء الكريم‏,‏ وإن اعتبر نفر من المفسرين هذين الحرفين‏(‏ طه‏)‏ من المقطعات الهجائية التي استهلت بها تسع وعشرون‏(29)‏ سورة من سور القرآن الكريم‏.‏
هذا‏,‏ وقد سبق لنا استعراض سورة طه وما جاء فيها من ركائز العقيدة والإشارات العلمية‏,‏ ونركز هنا علي ومضة الإعجاز التاريخي في استعراض القرآن الكريم لقصة النبي الكريم موسي بن عمران ومنها موقعة لقائه بسحرة فرعون ذلك الحدث التاريخي الكبير الذي انتهي بسجود السحرة لرب العالمين كما لخصته الآية القرآنية الكريمة التي اخترناها عنوانا لهذا المقال‏.‏

من أوجه الإعجاز التاريخي في الآية الكريمة:
في مقال سابق استعرضنا طرفا من سيرة عبد الله ونبيه موسي بن عمران‏,‏ وولادته في زمن ذبح كل غلام يولد في بني إسرائيل عقب ولادته مباشرة‏,‏ ولخصنا كيفية إنجاء الله ـ تعالي ـ له من الذبح‏,‏ وتربيته في بيت فرعون حتى بلغ أشده‏(‏ قرابة الثلاثين عاما‏),‏ وألمحنا إلي الإعجاز التاريخي في استعراض القرآن الكريم لتلك المرحلة من حياة هذا النبي الكريم‏,‏ ونستكمل ذلك في هذا المقال‏.‏
في يوم من الأيام دخل الشاب موسي بن عمران مدينة منف فوجد فيها رجلين يقتتلان أحدهما من شيعته‏(‏ سامري‏)‏ والآخر من عدوه‏(‏ مصري‏),‏ فاستنجده الذي من شيعته علي الذي من عدوه فوكز موسي العدو وكزة أدت إلي وفاته‏,‏ وحزن موسي لذلك واستغفر ربه لأنه ما كان يقصد قتل المصري‏,‏ ولكن كان يريد فض الاشتباك بينه وبين السامري‏,‏ وبات في المدينة خائفا يترقب أن يذكر أحد اسمه مقرونا بتلك الجريمة‏.‏
وفي اليوم التالي فوجئ موسي بالذي استنصره بالأمس يستنجد به مرة أخري علي رجل آخر من أهل مصر‏,‏ فغضب موسي عليه قائلا له موبخا‏:‏إنك لغوي مبين فتملك الذعر السامري حين أقدم موسي لفك الاشتباك بينه وبين المصري ظانا أن موسي قد تقدم ليضر به هو فصاح السامري قائلا‏:‏
﴿ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ ‏(‏ القصص‏:19).‏
كذلك فزع المصري عندما علم أن موسي هو الذي تسبب في موت قتيل الأمس‏,‏ وولي هاربا وهو يصيح بأن موسي قاتل‏,‏ وهو الذي قتل المصري بالأمس‏,‏ وأدرك موسي أن سره قد انكشف‏,‏ فاختفي عن الأنظار‏,‏ ولما وصل الأمر إلي فرعون أمر بقتل موسي عقابا له علي جريمته‏,‏ وسمع بذلك ابن عم فرعون اسمه حزقيل وكان رجلا مؤمنا بالله‏,‏ وكان فرعون قد ائتمنه علي خزائنه‏,‏ وعلمنا باسمه من حديث رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ الذي قال فيه‏:‏سباقو الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين‏,‏ حزقيل مؤمن آل فرعون‏,‏ وحبيب النجار صاحب يس‏,‏ وعلي بن أبي طالب‏.‏ خرج حزقيل علي الفور باحثا عن موسي حتى عثر عليه فأخبره بقرار فرعون ونصحه بالخروج من أرض مصر بالكامل فورا‏,‏ وفي ذلك يقول القرآن الكريم‏:‏
﴿ وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا المَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ المَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ ‏(‏ القصص‏ 20،21) خرج موسي مهاجرا من أرض مصر حتى وصل إلي أرض مدين‏,‏ وعند بئر الماء في تلك الأرض وجد موسي جماعة من الناس يسقون‏,‏ ورأي من حولهم فتاتين تمنعان غنمهما من الاختلاط بأغنام الذين يسقون‏,‏ فتقدم منهما موسي وسألهما لماذا لا تسقيان كما يفعل بقية الناس؟ فأجابتا بأن عليهما الانتظار حتى يسقي الرجال وينصرفوا‏,‏ وأن أباهما شيخ كبير لا يقدر علي القيام بذلك‏,‏ فأسرع موسي إلي مساعدتهما وسقي لهما ثم التجأ إلي مكان ظليل متوجها إلي الله ـ تعالي ـ بالدعاء أن يفرج كربه‏.‏
عادت الفتاتان إلي أبيهما وهو نبي الله شعيب‏,‏ وذكرتا له ما حدث معهما‏,‏ فأمر إحداهما بالذهاب إلي الرجل الذي سقي لهما ودعوته إلي بيت أبيها كي يشكره ويكافئه علي مساعدتهما‏,‏ فأتته تمشي علي استحياء وأبلغته دعوة أبيها له‏,‏ وقبل موسي الدعوة‏,‏ وسار أمامها وهي توجهه إلي بيت أبيها حتى بلغاه‏,‏ فاستقبله الوالد وعرفه بنفسه وأكرم وفادته‏,‏ وعلي مائدة الطعام قص موسي عليه قصته فهدأ الشيخ من روعه مؤكدا له أن الله ـ تعالي ـ قد أنجاه من القوم الظالمين الذين لا سلطان لهم علي أرض مدين‏.‏
وفي خلوة مع أبيها اقترحت احدي الابنتين عليه أن يتخذ هذا الغريب القوي الأمين أجيرا عنده يساعده في رعي غنمه‏,‏ وفي بقية أعماله‏,‏ فاستساغ الوالد الفكرة لما رأي في موسي‏,‏ من صلاح وإيمان وحسن خلق‏,‏ ورأي أن أفضل السبل إلي تحقيق ذلك أن يتخذه زوجا لإحدى ابنتيه‏,‏ وعرض الأمر عليه مقابل أن يخدمه ثماني حجج أي ثماني سنوات فإن أتمها عشرا كان ذلك كرما منه‏,‏ وافق موسي علي عرض الشيخ‏,‏ وتعاهدا علي تنفيذ ما اتفقا عليه‏.‏

وبعد تمام السنوات العشر استأذن موسي والد زوجته في العودة بها إلي مصر فأذن له‏.‏ ارتحل موسي مع زوجه متجهين إلي أرض مصر ولكنهما ضلا الطريق في شبه جزيرة سيناء في ليلة شديدة الظلام وقارسة البرد وغزيرة المطر‏,‏ وفي غمرة البحث عن الطريق أبصر موسي علي البعد نارا تتأجج‏,‏ فنصب خيمة لزوجته وترك غنمه حولها‏,‏ ثم استأذنها في الذهاب إلي النار لعله يأتي منها بقبس يتدفأ هو وأهله به‏,‏ أو يجد عندها من يرشده إلي الطريق الصحيح أو يستوضح علي نورها طريقه‏.‏ فلما قصد موسي إلي النار وجدها تضطرم في شجرة خضراء تزداد خضرة كلما اضطرمت بها النيران وهنالك فوجئ موسي بصوت الحق ـ تبارك وتعالي ـ يخاطبه‏,‏ ويسجل القرآن الكريم ذلك في خطاب يوجهه ربنا ـ تبارك وتعالي ـ إلي خاتم أنبيائه ورسله ـ صلي الله عليه وسلم ـ يقول له فيه‏:‏
﴿ وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى *إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ المُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى * وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى * لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الكُبْرَى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى* قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً* إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ‏(‏طه‏:9-36)‏.
وجاء وصف هذا الموقف كذلك في سورة القصص‏(‏ الآيات‏30-35)‏ وانطلاقا من هذا الموقف الفريد تلقي موسي مرتبة النبوة وكلف بتبليغ رسالة الله ـ تعالي ـ إلي فرعون وقومه‏.‏
دخل موسي وزوجه إلي مصر والتقي بأهله ومنهم أخوه هارون الذي كان قد تلقي الأمر الإلهي بمشاركة موسي في تبليغ فرعون مصر أوامر رب العالمين‏.‏
ذهب كل من موسي وهارون إلي فرعون وأبلغاه رسالة رب العالمين واستدلا علي نبوتهما بالمعجزات التي أجراها الله ـ تعالي ـ علي أيدي موسي‏,‏ ولكن فرعون في غطرسته اعتبر تلك المعجزات ضربا من السحر الذي كان شائعا في مجتمعه‏,‏ ولذلك تحدي كلا من موسي وهارون بسحرته‏,‏ وفي ذلك يقول القرآن الكريم‏:‏
﴿ وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى * قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنْتَ مَكَاناً سُوًى * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ‏(‏طه‏:56-59).
ولما جاء الموعد المحدد احتشد الناس ليشهدوا نتيجة هذا التحدي بين فرعون وسحرته من جهة وهارون وموسي من جهة أخري‏,‏ ويصف القرآن الكريم هذا المشهد بقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏
﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى * قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هاَرُونَ وَمُوسَى (‏ طه‏:65-70).‏
وهذا الموقف الإيماني الرائع من سحرة فرعون لم تذكره كتب الأولين علي الرغم من التشابه الواضح بين رواية القرآن الكريم وما جاء في تلك الكتب عن قصة موسي وهارون مع فرعون وملئه‏,‏ مع وضوح الفارق الكبير بين كلام الله ـ تعالي ـ وكلام البشر‏,‏ ومن هنا يأتي استعراض كتاب الله لتلك القصة ـ بصفة عامة ـ ولموقف سحرة فرعون ـ بصفة خاصة ـ كما لخصتها الآية القرآنية الكريمة التي اتخذناها عنوانا لهذا المقال وجها من أوجه الإعجاز التاريخي في كتاب الله يشهد لهذا الكتاب العزيز بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ كما يشهد بالنبوة وبالرسالة لسيدنا محمد ـ صلي الله عليه وسلم ـ الذي تلقي القرآن الكريم وحيا من رب العالمين‏,‏ ولا يمكن لعاقل أن يتصور لذلك مصدرا غير الله الخالق‏,‏ وذلك نظرا للبعد الزمني الهائل والمقدر بنحو ألفي سنة بين بعثتي النبيين الكريمين محمد بن عبد الله‏,‏ وموسي بن عمران ـ عليهما وعلي جميع أنبياء الله السلام ـ وللإرادة الإلهية في جعل خاتم النبيين أميا لا يقرأ ولا يكتب‏,‏ وجعل بعثته في أمة كانت غالبتيها الساحقة من الأميين‏,‏ وبذلك لم تكن أمة تدوين‏,‏ ورابعا ـ وليس أخيرا ـ إيراد من المواقف في هذه القصة ما لم يرد في كتب الأولين‏, وعرض القصة في أسلوب رائع‏,‏ وإحاطة بالتفاصيل اللازمة لاستقاء الدروس والعبر في إيجاز لا يقدر عليه إلا رب العالمين‏.‏ فالحمد لله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير الأنام ـ صلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آلة وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏