﴿ فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِياًّ ﴾


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في منتصف سورة مريم‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها ثمان وتسعون‏(98)‏ بعد البسملة‏.
وقد سميت بهذا الاسم تكريما للسيدة مريم البتول، التي أوردت السورة معجزة حملها بابنها عيسي دون أب‏,‏ ووضعها إياه وليدا يتكلم وهو في المهد‏. ‏ويدور المحور الرئيسي لسورة مريم حول قضية العقيدة الإسلامية ـ شأنها في ذلك شأن كل السور المكية ـ هذا‏,‏ وقد سبق لنا استعراض هذه السورة الكريمة‏,‏ وما جاء فيها من ركائز العقيدة والإشارات العلمية‏,‏ ونركز هنا على ومضة الإعجاز التاريخي في ذكر يعقوب ـ عليه السلام ـ في القرآن الكريم‏,‏ بعد أن سبق لنا استعراض ذلك بالنسبة إلى ذكر أبيه إسحاق ـ عليه السلام ـ‏.‏
من أوجه الإعجاز التاريخي في ذكر نبي الله يعقوب ـ عليه السلام ـ جاء ذكر يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ـ عليهم السلام ـ ستة عشر مرة في كتاب الله‏,‏ كما جاءت الإشارة إليه باسم إسرائيل ‏(أي‏:‏ عبد الله‏)‏ مرتين ‏[آل عمران‏:93,‏ مريم‏:58],‏ بالإضافة إلى ذكره بوصفه أبا لنبي الله يوسف ـ عليه السلام ـ أو لأحد إخوته‏,‏ أو لهم جميعا في سورة يوسف‏.‏ ومن ذلك قول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ عن عبده ونبيه إبراهيم ـ عليه السلام ـ ما نصه‏:‏
﴿ فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِياًّ * وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِياًّ ﴾ ‏[‏مريم‏:49‏ ـ‏50]‏
وهاتان الآيتان الكريمتان جاءتا بعد حوار إبراهيم ـ عليه السلام ـ مع أبيه‏,‏ ذلك الحوار الهادئ الرصين من جانب إبراهيم‏,‏ الابن المؤمن‏,‏ المؤدب‏,‏ اللطيف‏,‏ المهذب‏,‏ صاحب الرسالة السماوية الذي يحاول جهده هداية أبيه إلى الحق الذي جاءه من الله ـ تعالى ـ بأرق عبارة ممكنة‏,‏ وبأفضل أساليب التودد والتحبب من ابن وفي لحقوق الأبوة‏,‏ بار بها‏,‏ والرد القاسي الجافي المشبع بالاستنكار والتهديد والوعيد من جانب الأب المشرك عابد الأصنام والأوثان والنجوم والكواكب‏,‏ الذي طرد ابنه من حضرته مهددا إياه بالقتل إن لم يعد إلى عبادة ما يعبد أبوه وقومه‏.‏
ويرد الابن المؤمن البار الوفي إبراهيم ـ عليه السلام ـ على أبيه بما يرويه القرآن الكريم‏:‏
﴿ قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِياًّ * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِياًّ ﴾ ‏[‏ مريم‏:47‏ ـ‏48].‏
وهنا تتنزل رحمات الله وفضله على عبده إبراهيم الذي اعتزل أباه وأهله وقومه‏,‏ وهجر دياره فرارا بدينه من بطش الجاهلين‏,‏ وجهالة الكفار والمشركين فقال ـ تعالى ـ
‏:‏ ﴿ فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِياًّ * وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِياًّ ﴾ ‏[‏مريم‏:49‏ ـ‏50].‏
وإسحاق هو الابن الثاني لإبراهيم الذي رزقه الله ـ تعالى ـ إياه بمعجزة خارقة للعادة‏;‏ لأنه وهب ذلك الابن الصالح على الكبر من زوجته سارة التي كانت عجوزا عقيما‏,‏ وذلك استجابة إلى دعاء إبراهيم وهو العبد الصالح والرسول الصالح جزاء جهاده في سبيل الدعوة إلى عبادة الله ـ تعالى ـ وحده‏.‏
ويعقوب هو ابن إسحاق‏,‏ وابن الابن يعتبر ابنا‏,‏ خاصة إذا ولد في حياة جده‏,‏ وهكذا كان يعقوب الذي نشأ في حجر جده‏,‏ فتعلم منه الإسلام من قبل أن تأتيه النبوة‏,‏ وهكذا كان أبوه إسحاق من قبله ولذلك قال ـ تعالى
: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِياًّ﴾ ‏[‏ مريم‏:50]‏
 أي فكانوا‏ (إبراهيم وإسحاق ويعقوب‏)‏ صادقين في دعوتهم‏,‏ مصدقين من الذين آمنوا معهم‏,‏ محفوفين منهم بما يليق بهم بمقام نبوتهم من الطاعة والاحترام والتكريم‏,‏ وإن حاربهم أهل الكفر والشرك والضلال كما هي طبيعة الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل عبر التاريخ‏.‏
ولم يذكر القرآن أية تفاصيل عن حياة نبي الله يعقوب ـ عليه السلام ـ على الرغم من ورود ذكره ستة عشر مرة في كتاب الله‏,‏ ولكن تشير بعض الآثار إلى أنه ولد في فلسطين‏,‏ ثم رحل إلى آرام من أرض بابل بالعراق‏,‏ وتزوج هنالك من بنات خاله‏,‏ ورزقه الله ـ تعالى ـ اثني عشر ولدا عرفوا باسم أسباط بني إسرائيل‏.‏ ثم رحل يعقوب ـ عليه السلام ـ إلى مصر في زمن القحط الذي كان قد أصاب المنطقة العربية؛ وذلك للحاق بولده يوسف ـ عليه السلام ـ
الذي جعله الله ـ تعالى ـ على خزائن مصر‏,‏ ومات يعقوب بمصر‏,‏ ولكن ولده يوسف نقله إلى مدينة الخليل‏,‏ حيث تم دفنه فيها مع توءمه عيص الذي يعرف عند اليهود باسم‏(Esau).‏
وعلى الرغم من إجمال القرآن الكريم لإشاراته عن نبي الله يعقوب ـ عليه السلام ـ إلا أن درسا هائلا في العقيدة يمكن استقاؤه من موقف من المواقف الرئيسية في سيرة هذا النبي الصالح‏,‏ وهو موقفه مع بنيه لحظة احتضاره والذي يصفه القرآن الكريم بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏:‏
﴿ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ‏[البقرة‏:133,132].‏
وتمتدح أولي هاتين الآيتين الكريمتين نبي الله إبراهيم وحفيده يعقوب ـ عليهما السلام ـ إذ أمر الله ـ تعالى ـ عبده ورسوله إبراهيم بالإسلام فاستجاب على الفور لأمر ربه‏,‏ ولم يكتف بذلك‏,‏ فذكر أبناءه بأن الله ـ تعالى ـ قد اصطفى لهم الإسلام دينا‏,‏ ولذلك أوصاهم بالاستمساك بهذا الدين القويم الذي لا يرتضي ربنا ـ تبارك وتعالى ـ من عباده دينا سواه‏,‏ وأخذ عليهم العهد ألا يموتوا إلا على الإسلام الخالص القائم على التوحيد الكامل لله ـ تعالى ـ وعلى تنزيهه ـ سبحانه ـ عن جميع صفات خلقه وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ وكذلك فعل حفيده يعقوب ـ عليه السلام ـ مع بنيه فأوصاهم بالاستمساك بالإسلام وتطبيقه نظاما كاملا شاملا للحياة‏,‏ والدعوة إليه‏,‏ والموت عليه‏.‏
أما الآية الثانية فتتوجه بالخطاب إلى الذين يدعون كذبا نسبتهم إلى هذا النبي الصالح‏:‏ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ـ عليهم جميعا من الله السلام ـ فتقول لهم‏:‏ هل كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت فعرفتم العقيدة التي مات عليها؟ ألا فلتعلموا أيها الضالون عن الحق حقيقة أن يعقوب ـ عليه السلام ـ حينما حضره الموت دعا إليه جميع بنيه وقال لهم‏:‏
﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ ‏[‏البقرة‏:133].‏
وفي ذلك إعلان لوحدة رسالة السماء المنبثقة من وحدانية الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ وتأكيد الأخوة بين الأنبياء‏,‏ وهاتان الحقيقتان هما من القيم اللازمة لاستقامة الحياة على الأرض‏,‏ خاصة في زمن الفتن الذي يعيشه إنسان اليوم‏.‏
وعلى الذين يتشدقون كذبا بالنسبة إلى إبراهيم ـ عليه السلام ـ تارة ـ وإلى يعقوب ـ عليه السلام ـ تارة أخرى أن يقرأوا هاتين الآيتين الكريمتين ليدركوا أن الدين ليس ميراثا يورث‏,‏ ولكنه قناعة قلبية وعقلية كاملة لا علاقة لها بالدم والنسب‏,‏ وهو قرار يتخذه كل راشد بعد دراسة وتمحيص دقيق يصل به إلى تلك القناعة القلبية والعقلية الكاملة‏,‏ وهو ـ قبل ذلك ـ مسئولية الآباء تجاه الأبناء‏,‏ ولذلك يقول المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏
"كفي بالمرء إثما أن يضيع من يقوت" ‏[‏ سنن أبي داود‏].‏
ويرد ربنا ـ تبارك وتعالى ـ على هؤلاء الذين يتخيلون أن الإيمان يمكن أن يكتسب بمجرد النسب بقوله الحق الذي يقول فيه‏:‏
﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِياًّ وَلاَ نَصْرَانِياًّ وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ‏[‏آل عمران‏:67].‏
ويتضح لنا من هذا الاستعراض أن هذا الموقف الجليل من يعقوب ـ عليه السلام ـ وهو يعظ بنيه في لحظة احتضاره هو الدرس الأساسي المستفاد من عرض القرآن الكريم لسيرة هذا النبي الصالح‏.‏
فيعقوب ـ عليه السلام ـ قد حضره الموت‏,‏ وجاءته ساعة الاحتضار‏,‏ وهي لحظة رهيبة تعد أصعب اللحظات التي يمكن للإنسان أن يمر بها في حياته‏;‏ فهو يغادر الدنيا‏,‏ يغادر الأهل والأبناء والأصحاب‏,‏ يترك ثروته من ورائه ـ إن كانت له ثروة ـ لا يدري ماذا سيفعل بها‏,‏ يترك داره إلى ظلمة القبر وضيقه‏,‏ وإلى هول الحساب وشدته‏;‏ يتذكر أعماله فيستغفر ويتوب عن السيئات‏,‏ ويرجو قبول الحسنات‏,‏ وترتجف فرائصه من المستقبل المجهول‏!!‏ ولكن نبي الله يعقوب ـ عليه السلام ـ لم يشغل باله شيء من ذلك بقدر ما شغله تثبيت أبنائه على الإسلام الذي تعلمه من آبائه في الصغر‏,‏ وعلمه الله ـ تعالى ـ إياه في الكبر‏,‏ وأدرك أن هذا الدين هو طوق النجاة في الدنيا والآخرة‏,‏ فأراد أن يكون الإسلام الخالص القائم على التوحيد الكامل لله هو الميراث الذي يورثه لأبنائه‏,‏ ووصيته الأخيرة لهم وهو في سكرات الموت ولحظات الاحتضار‏,‏ والذي يأخذ عليه العهد منهم أن يعيشوا به‏,‏ وأن يدعوا إليه‏,‏ وأن يموتوا عليه‏,‏ كي يكون قد أبرأ ذمته أمام الله‏,‏ وحملهم أمانة المسئولية عن الإسلام‏.‏
والدرس المستفاد من هذا الموقف الكريم هو إشعار كل والد بمسئوليته عن أولاده‏ (صغارا وكبارا‏)‏ وأن من أولويات تلك المسئولية أن يعرف كل واحد منهم عقيدته الصحيحة معرفة دقيقة‏,‏ حتى يعيش بها‏,‏ ويموت عليها فيحقق الهدف من وجوده في الحياة الدنيا‏:‏ عبدا لله ـ تعالى ـ يعبده ـ سبحانه ـ بما أمره‏,‏ ومستخلفا ناجحا في الأرض‏,‏ مطالبا بعمارتها وإقامة شرع الله وعدله فيها‏,‏ وهذا لا يمكن أن يتم بغير هداية ربانية‏,‏ وهذه الهداية الربانية علمها الله ـ تعالى ـ لأبينا آدم ـ عليه السلام ـ لحظة خلقه‏,‏ وأنزلها على سلسلة طويلة من أنبيائه ورسله‏,‏ ثم أكملها وأتمها‏,‏ وحفظها في القرآن الكريم‏,‏ وفي سنة خاتم الأنبياء والمرسلين‏,‏ وسماها باسم الإسلام‏,‏ ولذلك قال ـ تعالى ـ :
﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ ﴾ ‏[‏آل عمران‏:19].‏
وقال ـ عز من قائل ـ‏:‏
﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ ﴾ [‏ آل عمران‏:85].‏
وهذه الحقيقة هي من أروع جوانب الإعجاز العقدي في كتاب الله‏;‏ لأن كل شيء في الوجود يشير إلى الوحدانية المطلقة للخالق ـ سبحانه وتعالى ـ التي يقوم على أساسها الإسلام دين الله‏.‏
وموقف يعقوب ـ عليه السلام ـ مع بنيه لحظة احتضاره يمثل وجها من أوجه الإعجاز التاريخي في كتاب الله‏;‏ لأن يعقوب ـ عليه السلام ـ عاش في الألفية الثانية قبل الميلاد‏,‏ وهذا الموقف الكريم منه استأثر به القرآن المجيد‏,‏ ولم يرد له ذكر في كتب الأولين‏,‏ فالحمد لله على نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله على بعثة خير الأنام ـ صلي الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين ـ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.