﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ ] الإسراء


بسم الله الرحمن الرحيم

من أسرار القران

قال تعالى : ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ ] الإسراء : 1[

هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في مطلع سورة "الإسراء" وهي سورة مكية وآياتها مائة وإحدى عشرة (111) بعد البسملة وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة في مطلعها إلى رحلة الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وقد تلي تلك الرحلة المباركة رحلة المعراج من بيت المقدس إلى سدرة المنتهى مرورا بالسماوات العلى، والتي جاء وصفها في مطلع سورة "النجم".
وكان في هذه الرحلة من التكريم ما لم ينله مخلوق من قبل ولا من بعد، ويدور المحور الرئيس لسورة الإسراء حول قضية العقيدة الإسلامية شأنها في ذلك شأن كل السور المكية.
هذا وقد سبق لنا استعراض سورة الإسراء وما جاء فيها من ركائز العقيدة والتشريعات الإسلامية والإشارات الكونية، ونركز هنا على وجه الإعجاز الإنبائي في " رحلة الإسراء " التي جاءت الإشارة إليها في الآية الكريمة التي اتخذناها عنوانا لهذا المقال والتي اتبعت "برحلة المعراج" والتي فصلتها سورة "النجم".

وجه الإعجاز الإنبائي في وصف الآية الكريمة لرحلة الإسراء:
أراد الله – تعالى- أن يعوض رسوله - صلى الله عليه وسلم- عن كل الشدائد التي لقيها من كل من كفار قريش وثقيف، فأكرمه بأعظم معجزة حدثت في تاريخ البشرية كلها، وهي معجزة "الإسراء والمعراج" التي حملت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- من مكة المكرمة إلى بيت المقدس، ثم من الكون المدرك إلى عالم الغيب المطلق شرف بالمثول بين يدي الحضرة الإلهية، وتلقى الأمر بالصلاة ثم عاد ليؤم أنبياء الله ورسله في صلاة بالمسجد الأقصى، وبعد ذلك رجع إلى بيته في مكة المكرمة ليجد فراشه لا تزال دافئة، فقد أوقف الله – تعالى- له الزمن وطوى له المكان، وكان ذلك في السابع عشر من شهر ربيع الأول من السنة السابقة على الهجرة النبوية الشريفة، أي في حدود سنة 620م.
وفي الصباح حدَّث رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أهل مكة برحلته المعجزة، فصدقه من صدقه، (وكان أولهم سيدنا أبو بكر الصديق) وكذبه من كذبه (وكان على رأسهم عدو الله أبو لهب).
وتروي الأحاديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- طاف حول الكعبة المشرفة ليلا وحيدا، ثم رجع إلى بيته وآوى إلى فراشه، وعند منتصف الليل جاءه جبريل - عليه السلام- وأخبره بأن الله - سبحانه وتعالى- يدعوه إلى السماء، وتحرك الركب الكريم على البراق من مكة المكرمة بادئًا بالمسجد الحرام ومنتهيا بالمسجد الأقصى، تأكيدا على الرباط بين هذين الحرمين الشريفين، الذي يؤكده ما يرويه أبو ذر الغفاري - رضي الله عنه- أنه قال: قلت يا رسول الله: أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال : المسجد الحرام. قلت ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت : كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة، ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصل فهو مسجد، وفي رواية أخرى: فإن الفضل فيه" (أخرجه كل من الإمامين البخاري ومسلم ) .
صلى رسول الله – عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم- ركعات في المسجد الأقصى ومعه جبريل ومن استقبلهما من الملائكة الكرام. ثم عرج به- صلى الله عليه وسلم- عبر السماوات السبع حتى وصل إلى سدرة المنتهى، حيث شاهد جنة المأوى، وراح يصعد حتى وقف بين يدي رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، وسجد لله - تعالى- قائلا: التحيات المباركات والصلوات الطيبات لله، "فقال الحق –عز وجل-: " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، وعلى الفور سبحت الملائكة لهذه التحية الربانية قائلة: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" وقد جُعلت هذه التحية بداية التشهد الذي يردده المسلمون في صلواتهم.
وفي هذا الموقف العظيم أمر الله – سبحانه وتعالى- خاتم أنبيائه ورسله بالصلاة المفروضة على المسلمين خمس صلوات في اليوم (الليل والنهار) وهى صلوات المغرب ثم العشاء ثم الفجر ثم الظهر ثم العصر، ولها أجر خمسين صلاة.

وقد رأى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في هذه الرحلة المباركة من آيات ربه الكبرى ما لم يفصح القرآن الكريم عنه، وإن أشارت السنة النبوية المباركة إلى شئ منه.
وبعد رحلة التكريم الإلهي تلك عاد رسول لله - صلى الله عليه وسلم- إلى بيت المقدس حيث صلى إماماً بأنبياء الله ورسله، ثم عاد إلى مكة المكرمة ليجد فراشة لا تزال دافئة، ولما كان الصباح حدَّث رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أهل مكة بما حدث معه في هذه الرحلة المباركة، وطفق مشركو قريش يتناقلون الخبر في تكذيب وسخرية بالغيب، وتحدى بعضهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يصف لهم بيت المقدس – ولم يكن قد زاره من قبل- فَجَلَّى الله – سبحانه وتعالى- لرسوله الكريم بيت المقدس فطفق يصفه لهم وصفا تفصيليا كما يسألون.
في ذلك أخرج كل من الإمامين البخاري ومسلم حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم- الذي قال فيه: "لما كذبتني قريش قمت في الحجر، فَجَلَّى الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه".
وفي صبيحة "رحلة الإسراء والمعراج" نزل جبريل – عليه السلام- ليعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أوقات الصلاة، وكيفية أدائها، وماذا يقرأ فيها،  وأول كل وقت وآخره، وكان - صلى الله عليه وسلم- يصلى ركعتين صباحاً، ومثليهما مساءً، كما كان يفعل جده إبراهيم - عليه السلام- وذلك قبل مشروعية الصلاة في ليلة الإسراء والمعراج.

الدروس المستفادة من رحلة الإسراء والمعراج:-
إن الدروس المستفادة من هذه الرحلة المباركة عديدة، منها ما يلي:

التأكيد على وحدة رسالة السماء المنطلقة من وحدانية الله - تعالى-، والتي صورها الربط بين المسجد الحرام في مكة المكرمة والمسجد الأقصى في بيت المقدس.

1.   عرض شئ من قدرة الله - تعالى- لا تحدها حدود، ولا يقف أمامها عائق، ومن ذلك ما مثلته هذه الرحلة المباركة من إيقاف الزمن وطي المكان لخاتم أنبيائه ورسله- صلى الله عليه وسلم- حتى تمكن من السفر من مكة المكرمة إلى بيت المقدس، ومنه عرج به إلى سدرة المنتهى، ثم عاد إلى بيت المقدس ثم إلى مكة المكرمة بلا زمن على الإطلاق، ولذلك وجد فراشه دافئة كما غادرها، وطوى الله - تعالى- له المسافات حتى قطعها بلا زمن  أيضا.

2.   الإيمان بالله - تعالى- وبملائكته، وكتبه، ورسله، دون أدنى تفريق أو تميز.

3.   اليقين في بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين- صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين- وبمنزلته عند رب العالمين.

4.   التأكيد على قيمة الصلاة التي هي عماد الدين، ولذا كان فرضها من الله
- تعالى-  مباشرة إلى خاتم أنبيائه ورسله - صلى الله عليه وسلم- بينما بقية العبادات حمل الأمر الإلهي بها جبريل – عليه السلام- إلى خاتم الأنبياء والمرسلين - صلى الله عليه وسلم- .

5.   التسليم بأن المعجزات هي خوارق للسنن، وبالتالي فإن العقل البشرى لا يستطيع تفسيرها.

6.   الإيمان بأن الله – تعالى- فضَّل بعض الأماكن على بعض، وبعض الأزمنة على بعض، كما فضل بعض النبيين والرسل وبعض الأفراد العادين على بعض، ومن ذلك فضل مكة المكرمة على سائر مدن الأرض، يليها فضل مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ثم فضل بيت المقدس الذي ندعو الله - تعالى- أن يطهره من دنس الصهاينة المجرمين المعتدين عليه وعلى أرض فلسطين من حوله.
ومن هنا تتضح ومضة "الإعجاز الإنبائي" في الآية الكريمة التي اخترنها عنواناً لهذا المقال؛ لأن خبر هذه الرحلة المباركة من أنباء الغيب، التي لولا أن الله
- تعالى- قد أخبرنا بها في محكم كتابة ولا وأن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قد فصَّلها لنا في أحاديثه ما كان أمام أحد من البشر إمكانه للعلم بها، وفي ذلك يروي أنس ابن مالك - رضي الله عنه- عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قوله: "أتيت بالبراق- وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل، يضع حافرة عند منتهى طرفه- قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس قال: فربطه بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، قال: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل – عليه السلام- بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل اخترت الفطرة " (رواه الإمام مسلم).
ثم تتابعت الأحداث في مكة بسرعة عجيبة، وزاد تضيق الكفار والمشركين على حملة الدعوة الإسلامية بشكل مستفز، حتى أدرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن الدعوة قد حوصرت في مكة، فأمر عدد من أصحابه بالهجرة إلى يثرب التي كان عدد من أبنئها قد أسلم أثناء أداء "شعيرة الحج" على دفعات متتالية في بيعتي العقبة الأولى والثانية، وشرع الصحابة الكرام في الهجرة إلى المدينة التي شرح الله صدور عدد من رجلها ونسائها للدخول في الإسلام، وبقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وصاحبه أبو بكر الصديق ينتظران الأمر من الله - تعالى- بالهجرة؛ لأن الأنبياء لا يتحركون إلا بأمر من الله – سبحانه وتعالى-.
وصلت أخبار بيعتي العقبة وهجرة المسلمين إلى يثرب وانتشار الإسلام بين أهالها، فاجتمع زعماء قريش في دار الندوة ليتداولوا في أمر النبي، فاقترح أحدهم أن يلقى في السجن مقيدا في الحديد حتى يموت جوعا، واقترح آخر نفيه من مكة، واقترح أبو جهل أن يختاروا من كل قبيلة من قبائل مكة شابا قويا ويعطى كل واحد منهم سيفاً بتارا ويحاصروا بيته بليل، فإذا خرج من بيته في الصباح ضربوه بسيوفهم ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل، وبالتالي تعجز بنو هاشم عن قتاله وتقبل بالدية.