(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفِيلِ )


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في مطلع سوره "الفيل"  وهي سوره مكية ،وآياتها خمس (5) بعد البسملة , وقد سميت بهذا الاسم لاستعراضها ما حدث لأصحاب الفيل ,وهي حادثه وقعت قبل البعثة المحمدية الشريفة, ولكن كانت سنة مولده - صلي الله عليه وسلم - وقد اشتهرت حادثة أصحاب الفيل بين أهل الجزيرة العربية حتى أرخو بها وقد عظم من شأن هذا التاريخ موافقة سنه الحادثة لمولد خاتم الأنبياء والمرسلين (عليه وعليهم أجمعين أفضل الصلاة وأزكي التسلم )وكون الحادثة قد أكدت علي حرمه كل من الكعبة المشرفة , والحرم المكي الشريف الذي حرمه الله - تعالي -  يوم خلق السموات والأرض .

والخطاب في هذه السورة الكريمة موجه إلي خاتم الأنبياء والمرسلين - صلي الله عليه وسلم - يخبره فيه ربنا-  تبارك وتعالي -  بأنه - عليه الصلاة والسلام - قد علم علما لايخالطه ادني شك بما وقع لأصحاب الفيل الذين جاءوا لهدم بيت الله الحرام فخيب الله أمالهم وأفشل سعيهم  الظالم الفاسد, ورد كيدهم في نحورهم , وجعل تدميرهم في تدبيرهم , فدمر جيشهم , وسلط عليهم من جنده طيرا أبابيل في جماعات عظام متتابعة بعضها في إثر بعض ,تقذفهم بحجارة محرقة  شديدة الصلابة , فجعلهم كالعصف المأكول , آي كأوراق الزروع اليابسة التي أصابتها الآفات فأتلفتها إتلافا كاملا  وهي لاتزال علي  أعوادها، أو كالتبن الذي أكلته الدواب وراثة (أي أخرجته علي هيئه الروث)، والعصف هو قشر البر،أي الغلاف الذي يكون فيه حب القمح ، وفي ذلك تقول الآيات:

( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ * ) ( الفيل1-5)

 وفي قوله- تعالي - : ­( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفِيلِ )

خطاب إلي رسول الله - صلي الله عليه وسلم - علي هيئه سؤال إستفهامي للتقرير بما تواتر نقله عن حادثة أصحاب الفيل ،والمشهور أن  مولد خاتم الأنبياء والمرسلين - صلي الله وسلم وبارك عليه  وعليهم أجمعين -  كان في عام الفيل، بعد وقوع الحادثة بخمسين يوما ، وكان ذلك إرهاصا لبعثته الشريفة ، وتكريما لشخصه وإثباتا لمكانتة عند ربه ، وتأكيدا علي عظم قدرة الله الخالق البارىء المصور،وعلي شده انتقامه من الطغاه المتجبرين في الأرض، والمتعالين علي الخلق ، وكان في الحادثة تعظيما لحرمة بيته

(  وهو أول بيت وضع للناس في الأرض ، وأول مكان عبد الله - تعالي -  فيه علي الأرض من خلقه المكلف )، وكان في حادثة أصحاب الفيل كذلك عبر لأهل مكة ، حتي  يدركوا جانبا من جوانب عزة الله وقدرته , والتي تنضح في شده أخذة للبغاة الظالمين ، وللطغاة  المتجبرين من الكفار والمشركين   في كل زمان ومكان ، وكان منهم أصحاب الفيل .

ويلي الآية الأولي من سوره" الفيل "  إستفهام تقريري آخر  يقول فيه ربنا - تبارك وتعالي ( أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ* ) أي : ألم يجعل الله - سبحانه وتعالي-  مكر أصحاب الفيل وتخطيطهم لهدم الكعبة المشرفة دمارا عليهم , فقد حال بينهم وبين  بلوغ أهدافهم , ودمرهم شر تدمير، وأبطل مخططهم باالكامل ، ورد كيدهم في نحورهم ؟

وفي الاستفهام التقريري في الآيتين الآولي والثانية من سورة "الفيل" تذكير لأهل مكة بنعم الله  - تعالي - عليهم في جعل هذة البلدة آمنة من غارت الأعداء،  وفي تعهده - سبحانه وتعالي - بحماية بيته الحرام  من أي اعتداء ، ومن هنا كان من أوائل واجباتهم عبادة الله وحده، ونبذ الشرك وأهله ، والاستجابة لدعوة  الرسول الخاتم –صلوات ربي وسلامه عليه – الذي جاء ليدعوهم بدعوه كل الانبياء السابقين : (أن اعبدو الله ما لكم من إله غيره .......) بدلا من معارضته ، والتصدي لدعوته ، ومطاردة القلة المؤمنة التي تبعته علي دين الله الذي لايرتضي من عباده دينا سواه .

وبينت الآيات الثلاث التالية كيف جعل الله - سبحانه وتعالي – كيد أصحاب الفيل في تضليل فقال – عز من - قائل - : (* وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ * ) .

و(الأبابيل ) ،هي الجماعات العظام المتتابعة ، بعضها في إثر بعض ، أي زمرا زمرا تأتي من كل ناحية حتي لايمكن أن تقاوم . و (أبابيل ) اسم جمع لا واحد له من لفظه ، وقيل : واحده ( إِبَّالة ) وهي حزمة الحطب الكبيرة ، شبهت بها جماعة الطير في تضامنها وتكاثرها .

و(سجيل ) كلمه فارسية مركبة من أصلين يفيدان معني  الحجر والطين ، أو الطين الذي  أحرق حتي تحجر ، و( العصف ) هو الغلاف الذي يكون فيه حب القمح ، والذي إذا انفصل عن حبه القمح أصبح تبنا، وإذا أكلت البهائم ذلك التبن وأخرجت فضلاته صار روثا ، وشبهت الأية الكريمة في ختام سورة "الفيل "  تقطع أوصال المعتدين من أصحاب الفيل وتفرقها بواسطة ما ألقي علي كل  واحد منهم من حجارة من سجيل بقطع التبن وغيره من البقايا الجافة للنبات حينما تهضم في معدة الدابة من الدواب ثم يلقي بنفاياتها كما تلقي  تلك الدواب بالروث إلي خارج أبدانها ، وهو تصوير مروع لحال هلاك أصحاب الفيل .

من أوجه الإعجاز الإنبائي والتاريخي في ذكر القرآن الكريم لقصة " أصحاب الفيل "

من أوجه الإعجاز الإنبائي والتاريخي في سورة " الفيل " تسجيل حملة " أبرهة الأشرم " الحاكم الحبشي لليمن من أجل هدم الكعبة  المشرفة وذلك في سنة 570م حين خضعت اليمن لحكم الأحباش بعد طرد الحكم الفارسي منها – وتذكر الرويات التاريخية أن أبرهة الأشرم كان قد بني  كنيسة في اليمن وسماها باسم ملك الحبشة ، وأسرف في الإنفاق علي ذلك البناء ليجعله أفخم بناء في شبه الجزيرة العربية  ، أملا في صرف أنظار  العرب عن الكعبة المشرفة به ، وكان العرب – حتي في جاهليتهم – يعظمون الكعبة ويحافظون علي حرمتها ، فكان الرجل يلاقي قاتل أبيه في الحرم المكي فلا يستطيع أن يناله بسوء تعظيما لحرمه بيت الله – سبحانه وتعالي -، وكان اتفاق كل قبائل لعرب علي ذلك دليلا علي ما كانوا قد توارثوه عن أجدادهم  من بقايا الحق القديم الذي دعا إليه جميع أنبياء الله ورسله ، من لدن أبينا أدم  - عليه السلام – إلي بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين ( صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين) ولم تكن حرمة مكة المكرمة  تحمي الانسان فقط في أرجاء الحرم المكي الذي كانت حدوده معلومه للجميع بل كانت تحمي كلا من الحيوان والنبات .

لذلك لم ينصرف العرب عن الكعبة المشرفة ، وظلت قلوبهم معلقة بها – رغم شركهم – وظلت نظرتهم إلي أهل الكتاب فيها الكثير من الشك والريبة لاستهانة أولئك بتعاليم ربهم ، وجرأتهم علي تحريف الكتاب الذي نزل إليهم .

ونظرا لعدم استجابة العرب لدعوة " أبرهة الأشرم " بالحج إلي  كنيسته ، فإنه صمم علي هدم الكعبة المشرفة ، وأعد لذلك جيشا جرارا تصاحبه مختلف صنوف الأسلحة ووسائل النقل المتاحة وفي مقدمتها فيل له شهرة خاصة عندهم .

فتسامع العرب بمخطط أبرهة الأشرم ، وعز عليهم أن يتوجه لهدم الكعبة المشرفة ، فاعترض جيشه رجل من أشراف أهل اليمن يقال له " ذو نفر " ، ولكن أبرهة هزمه وأخذه وأسيرا ، ثم  اعترضه "نفيل ابن حبيب الخثعمي"  في قبيلتين من العرب ، فهزمهم أبرهة كذلك أسرزعميهم الذي قبل أن يكون دليله في  ارض العرب حتي أوصله إلي أرض الطائف ، فخرج، إليه رجال من ثقيف قائلين لأبرهة : إن البيت الذي تقصده ليس بالطائف  ، إنما هو في مكة ، وبعثوا  معه من يدله علي الكعبة ،وذلك صرفا لأبرهةعن بيتهم الذي بنوه لمعبودهم " اللات ".

وسار أبرهة بجيشه قاصدا مكة ، فلما كان بين الطائف ومكة ،عسكر هنالك ، وبعث بأحد قواده بحملة علي البدو الذين كانوا يعشون في ضواحي مكة ففزعهم، ونهب حلالهم ، وكان مما نهب مائتي بعير لسيد قريش عبدالمطلب بن هاشم ، فهمت قبائل  قريش ، وكنانة ، وهذيل ، وكل من كان بالحرم المكي لقتال أبرهة وجيشه ، ولكن نظرا للفارق الكبير في العدد والعدة بين الجانبين ، فإن العرب تركوا القتال واستسلموا لمصيرهم المحتوم .

ثم بعث أبرهة  نائبا عنه إلي مكة يسأل عن كبير أهلها ليخبره بأن  أبرهة لم يأت لقتالهم وإنما  جاء  لهدم الكعبة ، فإن لم  يعترضوا له طريقا وهو يقوم بتلك المهمة فإنه لن يقاتلهم ، ولما بلغ ذلك عبدالمطلب قال لمندوب أبرهة : والله ما نريد حربه ، وما لنا بذلك من طاقة ، هذا بيت الله  الحرام ، وبيت خليله إبراهيم – عليه السلام - ..... فإن يمنعه الله منه فهو بيته وحرمه ، وإن يخل بينه وبين أبرهة فوالله ما عندنا دفع عنه،  فطلب منه مندوب أبرهة أن يذهب معه للقاء سيده ، فانطلقا حتي وصلا إليه.

  قال  مؤرخو الواقعة ومنهم ابن اسحاق : إن عبدالمطلب كان من أوسم الناس وأجملهم صورة ، وأعظمهم طلعة ، فلما رآه أبرهة الأشرم أجله وأعظمه ، ونزل عن سريره وأجلس عبدالمطلب بجواره علي بساط له، ثم قال أبرهة لترجمانه : قل له  ماحاجتك ؟ فقال عبدالمطلب : حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابتها لي جنده . فلما قال ذلك ، قال أبرهة لترجمانه : قل له : قد كنت أعجبتني حين رأيتك ، ثم زهدت فيك حين كلمتني ! أتكلمني في مائتي بعير صبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه  ؟ قال له عبدالمطلب : إني أنا رب الإبل ، وإن للبيت ربا سيمنعه. رد أبرهة علي الفور قائلا في غطرسة وكبر : ما كان ليمتنع مني . قال له عبدالمطلب : أنت وذاك ! فرد عليه أبرهة إبله ، وانتهي اللقاء.

انصرف عبدالمطلب إلي مكة ، وأخبر أهلها  بما دار بينه وبين أبرهة، وأمرهم بالخروج من مكة ، وبالتحرز في شعف الجبال ، ثم قال فاخذ بحلقة باب الكعبة ، وقام معه نفر من قريش يدعون الله  - تعالي -  ويستنصرونه علي أ برهة  وجيشه .

وبعد ذلك وجه أبرهة جيشه وفيله تجاه مكة ، ولكن الفيل برك قبل وصوله إلي حدود الحرم المكي ، وأبي أن يدخله ، وحاول جيش أبرهة حمله علي ذلك ولكنه  استعصي عليهم جميعا . وقد أكد لنا رسول الله -  صلي الله عليه وسلم  -  تلك الواقعة يوم الحديبية حين بركت ناقته القصواء  دون مكة  ، فقالو :  خلأ ت القصواء ( أي حرنت ) فقال رسول الله -  صلي الله عليه وسلم  - : "ما خلأت القصواء ، وما ذاك لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل "     ( أخرجه الإمام البخاري ).

وفي هذا الموقف الرهيب خارج  حدود الحرم المكي فؤجىء أبرهة وجيشه بجماعات هائلة من أسراب الطير المتتابعة بلا انقطاع  ترميهم  بحجارة من سجيل ، وكلما أصابت لحجارة فردا منهم أو من دوابهم تركته  مهترءًا كأوراق الشجر الجافة الممزقة أو التي أكلتها الدواب وأخرجت نفاياتها الروث المبعثرة ، وأصيب أبرهة كما أصيب جنوده ، وأراد الله - تعالي-  أن يجعله عبرة لمن لا يعتبر فأبقاه حيا حتي عاد إلي صنعاء ولحمه يتساقط من يدنه  أنملة أنملة ، ولم يمت حتي انشق صدره عن قلبه وأحشائه كما أثبتت الرويات عن تك الحادثة .

وتدوين سورة " الفيل " لتلك الواقعة هو وجه من أوجه الإعجاز التاريخي والإنبائي في كتاب الله ، لأنه علي الرغم من  اشتهار الحادثة في زمانها حتي  أرخ العرب بها إلا أن الأجيال المتتابعة قد نسيتها، بل إن كثيرأ من أصحاب الأقلام  المادية الملحدة قد أنكرتها لعدم تمكن تلك العقول الجاحدة  التي لاتعرف للألوهيه حقها أن تستوعب حقيقة أن الله - تعالي - علي كل شىء قدير ، وأن أمره إذا أراد شيئا أن يقول له : كن فيكون.

 ومن الدروس المستفادة من عرض القرآن الكريم لقصة أصحاب الفيل ما يلي :

أن الله- تعالي – هو رب هذا الكون ومليكه ، وهو حافظه ورازق جميع خلقه ، ولا سلطان لأحد بجوار سلطانه ، وأن أمره ( إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) وعلى ذلك فإن العقل البشري لا يستطيع تفسير المعجزات التي يجريها الله - سبحانه وتعالى- لأنبيائه ورسله ، أو أن ينزلها عقاباً للكفار والمشركين من خلقه، وللطغاة المتجبرين على أرضه من أمثال أبرهة وجنده .

إن الله – تعالى – قد حرم مكة المكرمة يوم خلق السماوات والأرض وظلت حرمة تلك البلدة مستمرة منذ القدم الى اليوم ، لذلك لم يكل ربنا - تبارك اسمه – حمايه بيته إلى المشركين من أهل الجزيرة العربية  قبل البعثة المحمدية الشريفة – على الرغم من اعتزازهم به – فتولى حماية بيته بما لا نعلم من جنده( ...وما يعلم جنود ربك إلا هو ...*).

(1)   كذلك فإنه انطلاقا من حرمة أول بيت وضع للناس في الأرض ( الكعبة المشرفة) ، فإن رب هذا البيت لم يمكن أبرهه الأشرم وجنده من هدمه ، وحتى في وجود المشركين من حوله ، يملأون ساحته بالأصنام والأوثان والأنصاب والأزلام ، لأن سلوك المشركين لم شيئا ينل من حرمة هذا البيت.

(2)   إن حرمة مكة المكرمة ظلت مصانه حتى في زمن الجاهلية حين بقى العرب يعظمون الكعبة المشرفة ، ويؤدون شعيرة الحج مع  انحرافات كثيرة في أداء تلك العبادة .

(3)   إن العرب لم يكن لهم كيان إلا بالإسلام ، ولن يكون لهم كيان بدونه ، فلقد كانوا قبل الإسلام عبيدا للفرس أو الروم أو الأحباش ، فلما أسلموا سادوا نصف الكرة الأرضية في أقل من قرن من الزمان ، وياليت حكام العالم العربي يعون تلك الحقيقة الغائبة تماما اليوم عن ألأذهان(... والله يقول الحق وهو يهدي السبيل...*) ،( الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) .